التراث والتاريخ … عن الحاجة إلى إحياء ما يحيينا

turath-tarikh

موقع “حوارات” –بقلم: إميل أمين — تبقى جدلية العلاقة بين التراث والتاريخ، الواقع الحاضر والمستقبل، قضية مثيرة للكثير من الاجتهاد، لاسيما إذا ارتبطت بمسألة البحث عن الذات القومية، تلك الإشكالية التي استولت على اهتمام شعوب كثيرة إبان معاناتها لما عرف باسم «صدمة الغرب».
وإزاء الشعور بخطر إفناء الذات الذي يمثله الآخر الغازي أو المعتدي، تباينت سبل الشعوب في مواجهتها لهذا الخطر، دفاعاً عن الذات وفق الرؤية الإيجابية لمعنى الذات عند هذا الشعب أو ذاك: ذات دينية أو قبلية أو قومية.
بدا السبب واحداً، وهو الغزو الخارجي مقترناً بأسباب القوة العلمية والتقنية والأطماع الاستعمارية التي تستهدف سحق إرادة وتاريخ أو ذاتية الشعب الفريسة، ولكن تباينت سبل مواجهة هذا التحدي… هذا هو جوهر كتاب المفكر المصري شوقي جلال «التراث والتاريخ»، الذي يحفر في تراثنا وتاريخنا في العالم العربي متابعاً تيار الانسحاب للماضي من ناحية، وتيار العقل والواقع من ناحية أخرى. يؤكد شوقي جلال أن الاتجاه إلى التراث في جوهره عمل سياسي، ومن ثم يضع أيدينا على بؤس الحياة حين يكون التراث خارج الزمن. وبعد تعرية ماضينا، يقودنا شوقي جلال إلى تراث شرقي آخر في مقارنة حية بين عالمين يدور حاضرهما حول: لماذا البحث عن التراث ومحاولة ربط أحداث التاريخ بالماضي كإشكالية عربية أكثر منها أي شيء آخر، لاسيما القضايا المستقبلية؟ وفق المؤلف؛ فإن الباحثين العرب والمسلمين بعامة قد غرقوا في مشكلة البحث عن الذات في التراث، على نحو فردي أو على أيدي جماعات متناثرة بل ومتنافرة، واتصل البحث عقوداً من دون أن يهتدي الباحثون إلى الذات المفقودة في بطون كتب التراث.
هل نفتقد في «حاضرات أيامنا» إطاراً عاماً لما يحب أن تكون رؤيتنا للتراث وصورة مجتمع المستقبل؟
قد يكون ذلك كذلك بالفعل، على أن الأهم هو أن نطرح تساؤلات أساسية جوهرية من عينة… لماذا نبحث عن ذاتنا؟ هل لمجرد أن استهوتنا المشكلة نظرياً؟ ولماذا نبحث عنها في صفحات كتب أكثرها لا يزال في حاجة إلى أن تخضع للبحث والدراسة على هدى منهج علمي؟ والباحثون لا يملكون المنهج ولا الرؤية المستقبلية التي تحدد معايير النظر. يكاد المتصفح للكتاب أن يشتم رائحة تساؤل طرحه الأمير شكيب أرسلان قبل مئة عام: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم»، إذ يطرح صاحبه علامات استفهام عميقة حول لماذا لا نزال نحن نتعثر على رغم أن أكثر بلدان العالم الثالث عرفت أقدامها أول الطريق وصولاً إلى صيغة للتعامل تجمع بين الحفاظ على ايجابيات التراث ومواجهة تحديات العصر؟ بل من حقنا أن نسأل لماذا اندثرت سريعاً حقبة الازدهار الحضاري العلمي العربي التي نزهو بها في تاريخ العالم الإسلامي وكانت سحابة صيف لم يمتد أثرها؟ أو نسأل لماذا بقى الغزالي واندثر ابن رشد عندنا، بينما أحيت أوروبا فكره مع فجر نهضتها؟ الغزالي مقروء سائغ وماثل في أذهان وسلوك العامة، بينما ابن رشد ومن ذهب مذهبه، وهم في بعض التراث المحجوب، لا يعرفهم غير الخاصة أو قلة نادرة، وكأنهم ذكرى متخفية؟ لماذا وما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك؟ يقدم شوقي جلال رؤية يمكن أن نطلق عليها صيغة مصالحة تنويرية بين الماضي والحاضر، بين التراث والتحديث، بين الأصالة والمعاصرة، إذ ليست قضيتنا مع التراث هي إحياؤه بإعادة طبع نسخ جديدة من كتب قديمة نقرأها على نحو ما كان يقرأها الأقدمون، وكان لهم إبداع ثقافي لحل مشكلات حياتية واجهت واقعهم، وليست قضيتنا مع الذات هي البحث عن ذاتنا فيه نظرياً، بل أن نتفحص ما كتبه الأقدمون – وهو شديد التباين والتعارض – لنتكشف خصوصيتنا أو هويتنا المتميزة، فإن هذا يجعلنا نحلق في فراغ نظري، وتقضي الأجيال المتعاقبة سنوات عمرها تحرث البحر ولا حصاد، ويفلت الواقع من بين أيديهم، وتضيع الحياة عبثاً مع كتابات ليست لقضايا حياتهم وعصرهم، ولن نقبض غير الريح، فلا نحن اهتدينا إلى خصوصيتنا، ولا نحن بنينا حياتنا.
هل قضيتنا مع التراث هي أن نختار؟ إذا كان الأمر على هذا النحو؛ فأي فرع من التراث وكتبه نختار؛ العلمي أم التجريدي، العملي أم النظري، المتسامح أم المتشدد؟
أنه فارق كبير بين الأمرين حين نقر مبدأ الاختيار، الأول قد يكون منطلقه انحيازياً وولاء بغير علم، ومن دون قضية أو هدف، أو انحيازاً عن وعي ولكن لمصلحة مقنَّعة تخون حركة النهضة، والثاني رهن بهدف مشروع وعلم بواقع معاصر وتحد تفرضه الحياة، ومن ثم فإن لنا قضية تشغلنا ونختار من التراث ما يحفز طاقة المجتمع لهدف مرسوم، ويضمن لنا ثبات الذات واطراد الخطو إلى الأمام.
أفضل صيحة يطلقها المؤلف عبر صفحات كتابه التي تتجاوز الثلاثمئة من القطع الصغير في شأن الدعوة إلى إحياء الذات، هي إننا في حاجة إلى أن نحيي من التراث ما يحيينا، مثلما أننا في حاجة إلى أن نتمثل من العلم الحديث ما يضع أقدامنا على طريق موكب المنتجين المبدعين، ثم نسأل كيف نجدد التراث وعلى أي نحو نقرأه، وهل ما لم يتناوله التراث يعد حجة علينا فلا نقربه؟ الشيء المؤكد الذي يخلص إليه القارئ، هو أننا بالفعل في حاجة إلى أن نعيد قراءة التراث دوماً، أي نقرأه على نحو جديد من منظور معاصر، أن نعيد قراءة التراث والتاريخ، والواقع المتغير مع كل مرحلة حضارية جديدة، إننا مع كل مرحلة حضارية تتغير زاوية الرؤية، وتتضاعف حصيلة المعرفة، ويتغير إطارها، ويتعدل منهج المعالجة والتناول، وتتجدد الظروف والأوضاع ويثار الجديد من المشكلات، وفي ضوء هذا كله تكون القراءة الجديدة المتجددة، لا افتئاتاً على التاريخ، بل متابعة والتزاماً أكثر عمقاً.
يذهب المؤلف إلى الوقوف على ناصية الضد من التراث أي الحداثة، ربما انطلاقاً من القاعدة التي تقول «وبضدها تتمايز الأشياء»، ويحاول أن يبلور رؤية موضوعية لها، فحين نذكر الحداثة أو المعاصرة ينصرف الذهن إلى الغرب بكل سلوكياته وقيمه، وليس آلية العصر كمنهج، بمعنى أدوات تفوّق الغرب – وليس حضارة الغرب بكل قيمها – وهو ما خصَّه تساؤل رواد النهضة العربية: «لماذا تخلّف المسلمون وتقدم غيرهم»، ولهذا ليس غريباً وقد أخطأنا التعبير أن يظل الإطار الذي ننظر من خلاله هو إطار الصراع الأبدي بين التراث والحداثة، ولكن إذا أخذنا الحداثة أو المعاصرة على أنها منهج وأدوات تعامل الإنسان على مستوى العصر مع الواقع الذاتي والمجتمعي والبيئي لا ننفي التناقض النظري والتناقض في حياتنا حيث نلعن الغرب ونستهلك إنتاجه وقيمه.
لكن علامة استفهام مزعجة تثيرها «ذبابة سقراط» من حولنا؛ هل الحداثة هي بالضرورة في أحد أوجهها موقف تحليلي نقدي للتراث الثقافي؟
ينفي المؤلف هذا الطرح جملة وتفصيلاً، فلا يعني التراث عنده أبداً نفياً للقديم أو هدماً له، بل ملاءمة له مع حاجات العصر، التي هي حاجات حيوية للمجتمع ومصلحة البشر، ومن ثم تكون إضافة أو تعديلاً لبنية تقليدية بما يتفق ومشكلات جديدة، وهي بذلك خطوة نقدية إيجابية تستهدف تخفيف حدة توتر ناجم عن أزمة تهدد الدعائم الوجودية لمجال نشاط اجتماعي أو فكري، وتهدد أسس الوجود المجتمعي بعامة، وتطرح الحداثة سبيلاً جديداً للتخلص من هذا التوتر من طريق حل مشكلات تعذّر حسمها وفق سياق أو إطار تقليدي.
أو لنقل إن الحداثة دائماً وأبداً هي ميكانيزم مجتمعي مواكب للنشاط الإنساني التجديدي، ويصحح بها المجتمع ذاته تعديلاً وإضافة ووفاء لهدف أو وفاء للحركة نحو هدف، لأن المشكلات أو الأزمة تمثلت في تعذر الحركة أو الشلل ومن ثم الجمود وما يترتب عليه من تخلف، تخلف عن العصر، وتخلف أو تدهور التراث، أو كلاهما معاً في حالتي المد أو الانحسار.
في الفصل الأول من القسم الثاني من الكتاب والمتصل بالتاريخ يكاد المؤلف أن يصرخ بأعلى صوت لجهة تصدّر التاريخ أولويات الأمة حين تهم بالنهوض عاقدة العزم على الحركة نحو المستقبل، فالمستقبل هو علة التاريخ، بمعنى أن نظرة الإنسان إلى التاريخ وصورة وعيه به، رهن بالسعي نحو بناء مستقبل محدد المعالم تحفّز إليه حاجة عملية.
إن الأمة تفكر لنفسها وبنفسها، أي يكون لها فكرها المستقبلي، ويتوافر لها ركن من أركان الإرادة الجمعية، حين تعي ذاتها التاريخية في استجابة لتحديات مفروضة على هدى مشروع عملي مستقبلي، أو بمعنى آخر، إن تحديث المجتمع رهن بشرطين: وعي عملي عقلاني نقدي بالذات، أي بالتاريخ في وحدته وحركته، واستراتيجية تنمية شاملة. غير أن الوعي العقلاني النقدي يستلزم بداية إسقاط كل التحيّزات السائدة أو أوهام السوق التي تحكم نظريتنا، ونبدأ بالنظر إلى أنفسنا، وإلى التاريخ تأسيساً على منهج علمي في اتساق مع متطلبات النهضة، وحري بنا أن نعترف – في العالم العربي- بأننا لا نملك هذا الوعي بالتاريخ في وحدته وشموله، لأننا لا نملك الانحياز إليه، ولا نوظف المنهج العلمي في البحث وصولاً إليه. هل إسقاط الانحيازات يعني بالضرورة مخاصمة الذات؟ الهدف من إسقاط الانحيازات عند شوقي جلال هو الابتعاد عن الانتقائية، وتأكيد وحدة التاريخ في عراقته المطّردة العميقة الجذور، وفي حركته بين المتناقضات، وبفعلها، وذلك التماساً لوحدة الأنا أو الذاتية القومية، وصولاً إلى حس تاريخي صادق يدعم روح الانتماء. ولن تكون صورة الأنا هنا وعاء نثار من معارف وأحداث متراكمة، بل أنا نسقَيّة فاعلة ومنفعلة، ومتطورة ومتغيرة سلباً وإيجاباً في وحدة جدلية تاريخية. البحث عن التراث أو البحث عن الحقيقة مهمة شاقة، لا سيما إن التاريخ الإسلامي من حيث المنهج لا يزال تاريخ رواية وإسناد، وفي حاجة إلى تحقيق وكشف التعارضات، ونحن لم نخرج بعد من تحت عباءة التقليد أو الاستشراق، فمنهج الإثنين واحد من دون فهم معنى ومقتضيات المعاصرة. لذا بات مشروعاً السؤال: ما حقيقة التاريخ العربي وسط هذا الركام المتناحر من التناقضات؟ ما حقيقة وقائع التاريخ التي نبني في إطارها صورة صحيحة للذات؟ شوقي جلال في نهاية سطور كتابه يؤكد أن حقيقة التاريخ وحقيقة الذات، وتغيير ما بالنفس لا تأتي إذ قنعنا بما رواه السلف، وتقاعسنا عن تطوير مناهج البحث. ولا تأتي إذا صادرنا مسبقاً على كل ما قد تأتي به الاكتشافات الأثرية وما تلقيه من أضواء جديدة على معارفنا المورثة. إذ في ضوء الاكتشافات الأثرية الجديدة والمحظورة في بعض البلدان، وعلى هدى الدراسات المقارنة سنقرأ تاريخنا على نحو جديد بحيث نقف على أرض أكثر صلابة وتلاؤماً مع العصر. إن إعادة كتابة التاريخ والقراءة الجديدة دائماً للتاريخ، شرطان لازمان لأمة عقدت عزمها على النهوض والحركة إلى أمام، ويعرف عنهما من أثر الاحتماء بالماضي أو الاحتواء فيه. وإن الوقوف عند حد الرواية والنص، يعني وقوفنا متحجّرين عند عصر الرواية والنص عاجزين عن مواكبة عصر العقل والعلم.

المصدر: صحيفة الحياة




نظرية توينبي في تعاقب الحضارات

toynbee

موقع حوارات — بقلم: السيد أمين شلبي — في هذا الوقت الذي يحتدم فيه الجدل حول الحضارات، صراعها أو تعايشها وتفاعلها، والتساؤل عما اذا كان التاريخ البشري هو نتاج حضارة واحدة ومتفردة، أم أنه حصيلة تراكم مساهمات حضارات متعددة ومتعاقبة، يحق أن نستعيد مساهمة مؤرخ ومفكر بارز هو أرنولد توينبي (1889-1975) ونظريته في الحضارات وتعاقبها، وهي النظرية التي ضمنها دراسته الضخمة: Study of history»» وأصدرها في 12 مجلداً بين 1934 و1954.
في هذا العمل قدم توينبي نظرة بانورامية للتاريخ ومفهوماً شاملاً للوجود البشري منذ بداية الحضارات التي سجلها التاريخ، ومثل هذه النظرة الشاملة للتاريخ هي التي جعلته يتحدى تمركز المؤرخين الغربيين حول تراثهم واعتبارهم أنهم بحضارتهم الغربية، إنما يقفون موقفاً متميزاً يحتكرون فيه التاريخ وكأنه توقف تماماً عند عالمهم الغربي، لذا اعتبر أن مساهمة توينبي الأساسية في تقاليد المعرفة هي رؤيته للتاريخ البشري من منظور أوسع وتذكيره بأن حضارته بالحقيقة بسيطة وهي أن الآسيويين والأفارقة بل وشعوباً مثل الهنود الحمر والإسكيمو لهم تاريخ مستقل عن تاريخ الغرب، وهذا التحليل للحضارات هو الذي مكَّنه من أن يلقى سؤاله الجوهري حول وضع الحضارات الغربية المعاصرة ومستقبلها، وتساؤلاً عما إذا كان مصير الحضارات التي اندثرت سينطبق عليها، وقد أدت مواجهة توينبي للحضارة الغربية بمأزقها إلى كثير من سوء الفهم حول دوافعه، الأمر الذي تعرض معه للنقد العنيف من جانب المؤرخين الغربيين الذين ذهبوا إلى أنه في أعماقه يود أن يحقق نظريته وأن يرى الحضارة الغربية قد تهدمت، كما رأوا فيه عدواً لكل ما يمثله الغرب من قيم العقل والحرية وما أنتجه من تقدم. غير أن الحقيقة كما أشرنا هي أن توينبي يعالج الغرب وحضارته من منظور أشمل، وهو علاقته ببقية شعوب العالم وأجناسه. وينطلق توينبي من حقيقتين: الأولى أن الغرب حتى وهو في قمة قوته، لم يكن هو الممثل الوحيد على مسرح التاريخ الحديث، والثانية: أن في المواجهة بين العالم والغرب التي تجري منذ خمسة قرون فإن العالم وليس الغرب، هو الجانب الذي يمتلك خبرة في هذه المواجهة. ففي هذه المواجهة لم يكن الغرب هو الذي تعرّض للإيذاء والضرب من العالم، إنه العالم الذي ضُرب وأوذي من الغرب. وفي هذا ينصح توينبي الغرب الذي يريد أن يعالج هذا الموضوع بأن يحاول أن ينسلخ عن جلده الوطني وأن ينظر إلى العلاقة بين العالم والغرب من خلال عيون الغالبية غير الغربية للبشرية.

itoynbr001p1
itoynbr001p1

وفي تحليله لعلاقة الغرب بالعالم توقف بعض شُرّاح توينبي عن الاهتمام الذي أبداه بالإسلام كدين وحضارة وجعله يكتب عن «الإسلام والغرب في المستقبل»، ودفع بعض المؤرخين أن يخصصوا دراسة عن «مفهوم أرنولد توينبي لمستقبل الإسلام». وتوضح هذه الدراسة مفهوم توينبي لهجوم الغرب على الإسلام على أنه جزء من عمل الغرب الضخم الذي يهدف إلى ضم كل البشر في مجتمع ضخم واحد. وهذه المواجهة الحالة للغرب مع الإسلام، هي أكثر حدة من غيرها من المواجهات، وفيها يقف الإسلام، في موقف ضعيف. ويرجع توينبي ذلك إلى أن الغرب المعاصر متفوق على الإسلام في السلاح والقوة الاقتصادية. ويوضح توينبي أن من يقف هذا الموقف ليس أمامه – وفقاً للسوابق التاريخية – غير بديلين لاستجابة لمثل هذا التحدى: فالذي يتعرض لمثل هذا التحدي إما أن يستجيب له في شكل متعصب، أو أن يستجيب له في شكل فعال.
والشكل الأول يلجأ إليه من يرفض الاعتراف بأي شيء جديد وينطوي على نفسه في مواجهة المجهول وهو في هذا توجهه الغريزة فقط. أما الشكل الثاني، فيمثل الاستجابة الفعالة التي تعتمد على مواصلة الهجوم بأسلحته وأدواته نفسها. وأول من اتبع هذا الأسلوب هو محمد علي باشا، وفي الوقت الذي لم ينجح السلطان العثماني سليم الثالث في إصلاحه، فإن تركيا الحديثة اتبعت البديل الثاني بتماسك حيث أخذت بالفكر الغربي سواء في هيكلها أم في المجتمع. ومع هذا، فإن توينبي يعبر عن شكه في هذه التجربة ويتساءل هل الوصول إلى هذه الغاية واتباع هذا البديل كان يستحق ما بذل من أجله من عذاب، وهل إقامة دولة على النموذج الغربي يشكل حقاً إثراءً للحضارة؟ يجيب توينبي بالنفى، ذلك أن النجاح الذي تحقق بإقامة الجمهورية التركية أفاد الأقلية الصغيرة جداً أما الغالبية، فليس لديها حتى الأمل في أن تصبح عضواً ولو سلبياً في الطبقة الحاكمة للحضارة المستعارة.
بعد هذه الإشارة الموجزة لعلاقة الغرب بغيره من الحضارات كما يراها توينبى، يحق أن نتساءل عن مدى مساهمته في تحديد هذه العلاقة وتوصيفها وكيف سيراه ويقومه مؤرخو التاريخ؟ في هذا الشأن كان تقدير توينبي الشخصي متواضعاً فحين سئل عام 1965 كيف يريد أن يذكره التاريخ أجاب: مثل من حاول أن يرى الصورة في مجموعها وليس من مجرد وجهة النظر الغربية. وبعد ذلك بسنوات أجاب عن سؤال مماثل بقوله: أود أن أعتقد أني عملتُ عملاً مفيداً في حق الشعوب الغربية وأن يفكروا في العمل ككل… لقد كانت رغبتي دائماً أن أرى الجانب الآخر من القمر، وقد تعلمت منذ طفولتي أن أتساءل عن الشعوب التي تركت خارج التفكير التقليدي: الفُرس، القرطاجيين والمسلمين وما شابههم.
مثل هذا الاهتمام، توسيع نطاق التعاطف والمعرفة في ما وراء الحدود التي رسمها مؤرخون آخرون، كان من الاتهامات الرئيسية المؤكدة التي قدمها توينبي لدراسة التاريخ وبخاصة لتحديد علاقة الغرب بالحضارات الأخرى، ولم يكن ذلك في الواقع بالمساهمة الضئيلة، ذلك أن توينبي اتجه لدراسة التاريخ خصوصاً لتحديد علاقات الغرب بالحضارات الأخرى ولم يكن ذلك بالمساهمة الضئيلة، ذلك أنه من قبل توينبى، وقبل أن يوسع من منظورنا للتاريخ، كان التاريخ كما يدرس في الجامعات والمدارس الغربية لا يتعامل إلا مع الأوروبيين القدماء والعصور الوسطى والحديثة ومن انحدروا من سلالاتهم في ما وراء البحار. ولم تدخل شعوب أخرى في المسح إلا عندما أُكتشفت أو غزاها الأوروبيون. وكان كل شخص يعلم أن الهند والصين والإسلام كان لها تاريخ طويل ولكن كانت الميادين الخاصة في البحث لا ينظر إليها المؤرخون، وإنما كانت تُترك لعلماء اللغات ودارسي الأديان المقارنة. حقيقة أن هناك عقولاً شجاعة قبل توينبي قد حاولت الربط بين التاريخ الأوروبي وغير الأوروبي من أمثال هـ. ميلز ولكن كتابه: Outline of history الذي نشر عام 1920 قد كتب في أقل من عامين واستمد معظم معلوماته من دائرة المعارف البريطانية، كما كان التاريخ الذي قدّمه ويلز هو تاريخ التقدم وكما نشأ في أوروبا، الأمر الذي كان تشويهاً ضخماً، كذلك كان المفكر الألماني سبنغلر أكثر علماً من ويلز وكانت رؤيته للمدنيات والحضارات غير الأوروبية هي التي قدمت لتوينبي مفتاحاً أساسياً في بناء دراسته للتاريخ، كما أن سبنغلر عامَل الحضارة العربية وبعض الحضارات غير الأوروبية كحضارات متساوية، كما كان هو الذي أحيا تقليداً للقرن التاسع عشر ونظر إلى حكماء الصين وغيرهم من حكماء الشرق باعتبارهم متفوقين على أقرانهم من الأوروبيين، غير أن ما يميز توينبي عن هذه المحاولات هو أن علمه كان أغزر وأكثر استيعاباً، كما أن ولعه بالتفاصيل أضيء بالمقارنات المدهشة عبر الزمان والمكان. ولذلك كان توينبي أكثر من أي مؤرخ آخر، قادراً على أن يُدخل في وعي قسم كبير من قراء العالم، الحقيقة البسيطة أن الآسيويين والأفارقة لهما تاريخ مستقل، وهنود أميركا الحمر وحتى شعوباً خاصة من الإسكيمو، لها تاريخ مستقل عن تاريخ الأوروبين. ولذلك كانت رؤيته للتاريخ البشري من منظور أوسع من وجهة النظر الغربية هي مساهمته الكبرى الرئيسية في تقاليد المعرفة، كما سيظل رصيده الدائم محل تقدير تاريخ العالم كله، وكذلك تأكيده على جوهر وحدة البشرية وعلى قيمة كل الحضارات العالمية ورفضه فكرة الغرب في التركيز على ذاته واعتباره أنه أسمى من غيره من الأجناس.

المصدر: صحيفة الحياة




الوداع عادة رمضانية طرابلسية.. تواجه منافسة

Alwada3

بقلم: شيرين سكاف – صحيفة السفير – في العشر الأواخر من شهر رمضان، تجوب فرق “الوداع” شوارع طرابلس حاملة طبولها وصنوجها وفوانيسها، وتنتقل بين الأحياء لتوديع الشهر الكريم ولإدخال نوع من البهجة إلى قلوب الصائمين. ويعتبر”الوداع” من التقاليد الرمضانية المحببة إلى قلوب أبناء طرابلس، والذي لا تزال تحافظ عليه منذ أكثر من 300 سنة، وتنفرد باحتضانه دون كثير من المدن، لا سيما في المناطق الشعبية التي تسارع عائلاتها إلى استقبال الوداع والتفاعل معه.

يقول المؤرخون إن تاريخ “الوداع” يعود إلى العهد العثماني، حيث كان بعض كبار مشايخ الطرق الصوفية يقومون بتكليف من السلطان العثماني آنذاك، بجولات في مختلف شوارع وأحياء وأزقة طرابلس حاملين الطبول والصنوج وقناديل الإنارة، ترافقهم فرقة من المنشدين الذين يرددون المدائح النبوية، وينطلقون بمسيرات لتوديع رمضان، وجمع التبرعات من الأهالي، لتوزيعها على بعض الفقراء والمساكين، ولتغطية مصاريف العاملين في تلك الفرق.

وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني جرى تنظيم “الوداع” فتسلم مهمته الشيخ حسن القدوسي، الذي عمل على إنشاء بعض الفرق، يرأس كل واحدة منها “شيخ طريقة صوفية”. وذلك لتوزيع العمل بحسب المناطق. ولا تزال تلك الفرق تعمل حتى اليوم ويتوارثها أبناء المدينة جيلاً بعد جيل. وتقوم بهذه المهمة في وسط المدينة وأحيائها الجديدة عائلة عثمان، عبر الحاج أبو طلال، الذي يقوم بالمهمة منذ أكثر من 55 عاماما تتولى عائلة الزاهد منطقة القبة، وعائلة اللوزي منطقة التبانة، وعائلة المغربل منطقة الزاهرية، وعائلة المزقزق منطقة أبي سمراء، وعائلة الدبليز منطقة الأسواق، وعائلة الغندور مدينة الميناء. وذلك بحسب الفرمان العثماني الذي ما يزال ورثة الشيخ حسن القدوسي يحتفظون به.

وما زال أهالي طرابلس إلى اليوم ينتظرون “الوداع” في رمضان، حيث يصدح به المنشدون: “شهر الصيام لقد عزم على الرحيل….ولم يبق منه سوى القليل” فيقرع زملاؤهم الطبول والصنوج ويتحلق الأطفال حولهم ويجوبون معهم في الأسواق والمقاهي وينتظرونهم عند مداخل الأبنية السكنية فيما يعم الفرح الشوارع والمحلات التجارية لما يضفي “الوداع” في حضوره من رهجه وبهجة..

لكن مهنة “الوداع” كغيرها من المهن المتوارثة والعادات التراثيه في طرابلس هي أيضاً لم تسلم من الإساءة إليها، فقد بلغت حداً من الفوضى لم يعد يحتمل حيث كلما تمكن بعض الشبان من الحصول على طبل وصنج يسارعون إلى تأسيس فرقة للوداع وهم يخرجون في أول أيام رمضان، بلباس غير لائق بالمهمة، ويفتقرون إلى الخبرة، ليسبقوا الفرق الشرعية المعتمدة من قبل “دار الفتوى”، ما أدى إلى استياء الكثير من المواطنين الذين أصبحوا يخشون التعامل مع هذه الفرق.

لذلك رفعت فرق “الوداع” التاريخية الصوت مناشدة مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار لوضع حدّ لما يجري والعمل على حماية “المهنة” وأهلها وتنظيمها ضمن إطار “دار الفتوى” وبإشراف القوى الأمنية، لأن شعائر “الوداع” لها أصول وترتيبات ومراسم وتقاليد وهي تحتاج إلى أشخاص ملتزمين دينياً للقيام بها.




المؤسسات الدينية وسياسات الدين والدولة

بقلم: د. رضوان السيد* – صحيفة الشرق الأوسط –
تشتد الضغوط من جانب السلطات السياسية على المؤسسات الدينية للقيام بشيء ضد التطرف المؤدي إلى القتل والإرهاب. الملك عبد الله بن عبد العزيز طالب المؤسسة الدينية بالخروج من الغفلة والتكاسل. والأميركيون والأوروبيون عادوا للأطروحة التي انتشرت بعد واقعة سبتمبر (أيلول) 2001 والقائلة بأن المتطرفين خطفوا الدين، وأن على أهل الاعتدال أن يستعيدوا الدين من خاطفيه. وجاء وزير الخارجية الأميركي الحالي ليقول من القاهرة إن المؤسسة الدينية المصرية (الأزهر) تقع في طليعة الاعتدال، ويكون عليها أن تتحرك. وفي ذكرى المولد النبوي الشريف قال الرئيس عبد الفتاح السيسي موجها كلامه إلى شيخ الأزهر الحاضر بالاحتفال، وإلى وزير الأوقاف والمفتي إن عليهم أن يضعوا برنامجا لخطاب جديد يحول دون استغلال الدين، ويجلو وجه الإسلام الوضاء. وبالفعل فإن سائر الجهات الدينية والثقافية راحت تنظم ندوات ومؤتمرات لمواجهة التطرف، وفي المغرب والسعودية والأردن ومصر وأبوظبي. وقد اشتهر من بين تلك التحشدات المؤتمر الكبير الذي أقامه الأزهر بين 2 و4 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014، وكانت له ميزتان في الحضور والبرنامج. ففي الحضور ظهر فيه مسلمون ومسيحيون. وفي المضامين كان هناك محور في تحرير المفاهيم وتصحيحها. وقد بدا ذلك واضحا في خطاب شيخ الأزهر بالمؤتمر، وفي البيان الختامي الصادر عنه. ففي الموضعين ندد شيخ الأزهر بالمتطرفين الذين يريدون تدمير العيش المشترك والعريق بين المسيحيين والمسلمين، كما أنه نقد تحويلات المفاهيم مثل الخلافة والحاكمية والشريعة والكفر والإيمان والولاء والبراء.

إن الواقع – كما ذكرت مرارا – أن الحزبيات المتشددة، وفي الوقت الذي أقبلت فيه على تفجير الدين في وجه أهل «فسطاط الكفر» كما زعمت، قامت في الواقع بتفجير الدين في وجه السلطات والمجتمعات والمؤسسات الدينية. والحق أن الدين لا يمكن خطفه، كأنما هو طائرة بيد عصابة، بحسب التشبيه الأميركي، ليس لأن المتطرفين قلة فقط؛ بل ولأن المجتمعات هي التي تعتنق الدين وتحتضنه، وهي التي تتولى حراسته والعناية به، والمؤسسات الدينية إحدى الجهات التي تعمل لدى المجتمعات في تبليغ الدين وتعليمه، والدولة من جهة أخرى تتولى مع المؤسسات الدينية «صون الدين على أعرافه المستقرة». هذا كله هو خلاصة التصور الذي كان سائدا في الأزمنة الكلاسيكية العربية – الإسلامية. وقد اختلف الأمر منذ نحو القرن من الزمان، إذ إن الحداثة من جهة، والحراكات التجديدية والتطهيرية في الدين من جهة أخرى (إما للخروج من الأعراف المستقرة، أو للتقاتل مع الظروف العصرية) ضربت «التقاليد». ولأن المؤسسات الدينية كانت جزءا من التقليد سواء في مهامها الدينية، أو في علاقاتها بالدولة؛ فقد نالها الكثير من الضعف، وما استطاعت التحول بسرعة والتلاؤم ضمن حركيات للإصلاح الديني، فحاول الحلول محلها الطهوريون المتشددون الذين تسلموا زمام سياسات الهوية، كما في سائر الديانات والعصبيات القومية. وزاد الطين بلة أن الأنظمة الثورية التي استولت على الدولة الوطنية في أكثر ديار العرب والمسلمين، اعتبرت أن المؤسسات الدينية تشكل عقبة أمام برامج التحديث والعصرية. وهكذا وقعت المؤسسات الدينية في أكثر الدول بين راديكاليتين: راديكالية حركات الهوية والطهورية، وراديكالية الأنظمة الثورية التي تريد إزاحة الدين من المجال العام. ومن فوق رؤوس أرباب المناصب الدينية أو مع استكانتهم بدأت الأنظمة في الستينات من القرن الماضي تتصارع مع حركات الهوية المتحولة إلى أحزاب متشددة. وهكذا تجاوز الطرفان أو الأطراف المؤسسات الدينية، التي ظلت المجتمعات تحتضنها لعدة أسباب أو وظائف: العبادات، والتعليم الديني، والفتوى، ونتيجة التصرفات المستجدة للجماعات الدينية الحزبية، والتي استخدمت الدين في صراعاتها مع السلطات والمجتمعات، تطرق الاختلال إلى سائر الوظائف التي كانت تمارسها المؤسسة الدينية، وبخاصة الوظيفة الرابعة: وظيفة الإرشاد العام! فالحداثة تعرض توجهات وتوجيهات متعددة، والجماعات الدينية التي قامت بتحويلات في المفاهيم الأساسية للدين بوهم أو داعية تطهيره وصونه من التقليد والتلوث الحداثي، كلا الواقعين، حد كثيرا من الخيارات الإرشادية المترددة والضائعة بين الأصالة والتلاؤم من جانب المؤسسات الدينية. إن أطروحة نظام الشريعة الضروري التطبيق، وإن الإسلام دين ودولة، كلتا المقولتين لاقت قبولا لدى العامة الخائفة من الحداثيات، والنافرة من الأنظمة. وهكذا وكما يقول الشاعر العربي:

تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد!

في مقالة سابقة لي بجريدة «الشرق الأوسط»، سألت نفسي والقارئ: هل تتغير طبيعة الدين؟ بالطبع لا تتغير طبيعة الدين في العقائد والعبادات. لكنني أردت إبراز عمق التحويلات والتحويرات التي قام بها الأصوليون في المفاهيم والرسوم وحتى الشعائر! ودون تكرار لا داعي له: نحن أمام واقع لا يمكن إنكاره: الدين في خطر، والدولة في خطر. وأحد أسباب الخطر على الدولة: إدخال الدين في بطنها من جانب الحزبيات المتشددة التي تريد استخدامه في الوصول إلى السلطة أو الصراع عليها. لكن الخطر على الدين يبقى أوضح من الخطر على الدولة. ولذلك فإذا كان رجالات الدولة همهم الخلاص من الجماعات المقاتلة باسم الإسلام؛ فإن المجتمعات والمؤسسات همها «صون الدين على أصوله وأعرافه المستقرة» دون استيلاء أو احتكار أو تشويه!

لقد انتهت القسمة التقليدية بين الدين والدولة أو إدارة الشأن العام، لاختلاف الظروف والمفاهيم والوظائف. ولذلك فإن سياسات الدين ينبغي أن تتغير. وقد حاولت الدول في الحقبة الماضية استتباع المؤسسات الدينية، وإدارة الدين من طريقها. وأحداث العقدين الأخيرين تثبت فشل تلك السياسات. في الوقت الذي لا يمكن القول فيه إن المؤسسات الدينية كانت أكثر نجاحا. وهكذا فإن كلا من الطرفين ينبغي أن يكون قد تلقى درسا من سلبيات الماضي القريب. ما عادت الدولة تريد الاستيلاء على إدارة الدين. وما عادت المؤسسة الدينية سعيدة باستخدام الدين في الاستيلاء على السلطة كما في النموذج الإيراني. ولذلك، واستنادا إلى دروس التجربة، يكون على المؤسسة الدينية القيام بأمرين: تجديد الوعي بالمهمة والرسالة، وإعادة البناء والتأهل لتربية دينية تعيد السكينة إلى نفوس المؤمنين من طريق إخراج الدين من بطن الدولة. وإذا اقتنعت السلطات بعدم الحاجة إلى استخدام الدين في الشرعنة، واقتنعت المؤسسة الدينية بأن الأصوليات تظلم الدين وتكلفه بما لا يطاق؛ فإن الظاهرتين: الأصولية والطغيان، ستختفيان في السنوات الـ10 القادمة.

إن المهمة الأصعب هي تلك المطروحة على المؤسسة الدينية وفي مجالات ثلاث: الاهتمام بإعادة البناء الثقافي والديني، والاهتمام بإعادة الانتظام إلى المهمات الدينية (التقليدية)، والاهتمام باستحداث نهضة إصلاحية من طريق نقد عمليات تحويل المفاهيم!

*مفكر عربي وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية

Ridwan_AlSayyid.2