مراسم عاشوراء تثير سجالاً بين الشيعة في لبنان

لا تزال ظاهرة التطبير في مراسم عاشوراء تثير جدلاً بين علماء الشيعة سنوياً فيتحول ذلك السجال إلى خلاف بين أتباعهم.

Ashura rituals

خاص “حوارات نت” – بقلم: د. هيثم مزاحم* — في كلّ عام، يثار جدل بين الشيعة مع إحيائهم ذكرى عاشوراء حول صحّة بعض الشعائر وجوازها، والتي يتّخذ بعضها طابعاً عنيفاً كالتطبير وضرب السلاسل، حيث يرفض بعض العلماء والمثقّفين الشيعة هذه المظاهر التي قد يكون فيها إيذاء للجسد وتشويه لثورة الإمام الحسين وأهدافها. كما يرفضون مبالغة بعض قرّاء مجالس العزاء في رواية أحداث كربلاء، من دون مراعاة دقّة النصوص التاريخيّة والدينيّة.
ويحيي الشيعة سنويّاً في الأيّام العشرة الأولى من شهر محرّم الهجريّ، ذكرى عاشوراء التي تعيد التذكير بمعركة كربلاء، حيث قُتل إمامهم الرابع الحسين بن عليّ بن أبي طالب، حفيد النبيّ محمّد، مع نحو سبعين آخرين من عائلته وأصحابه، على أيدي جيش الخليفة الأمويّ يزيد بن أبي سفيان عام 61 للهجرة (680 م)، بسبب رفض الحسين بيعة يزيد بعد موت أبيه معاوية، بسبب انحرافه عن الدين، فقام الحسين بثورته بهدف الإصلاحين السياسيّ والدينيّ.
وهكذا، اعتبر المسلمون قتل الحسين، الذي قال النبيّ محمّد عنه وعن أخيه: “الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة”، و”حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسين”، جريمة عظيمة بحقّ إبن بنت النبيّ فاطمة الزهراء. ولذلك، يقيم الشيعة عدداً من المراسم لإحياء هذه الفاجعة، تقوم على قراءة السيرة الحسينيّة أيّ رواية أحداث كربلاء على مدار عشرة أيّام، يتخلّلها بكاء ولطم من جهة، وشعائر تتضمّن التطبير أيّ شقّ بسيط للرأس لإخراج الدمّ منه من جهة أخرى.
وكان عدد من مراجع الشيعة قد حرّم عادة التطبير هذه، أبرزهم المرجعان اللبنانيّان الراحلان محسن الأمين ومحمّد حسين فضل الله، ومرشد الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران آية الله علي خامنئي.
وفي هذا الإطار، قال رئيس المجمع الثقافيّ الجعفريّ في لبنان الشيخ محمّد حسين الحاج لموقع “حوارات نت”: إنّ كبار مراجع الشيعة في النجف وقم لم يفتوا بحرمة هذه الشعائر، لا سيّما التطبير والضرب بالسلاسل، لأنّ التطبير جائز بحسب فتاوى المراجع الكبار، وخصوصاً الإمام الراحل أبو القاسم الخوئيّ والمرجع الأعلى آية الله علي السيستاني.
وأشار إلى أنّ التطبير والضرب بالسلاسل جائزان طالما لا يؤدّيان إلى أيّ إضرار بالنفس، أيّ أنّ كلّ شخص يقدّر بنفسه إن كان ذلك يصيبه بأذى أو بضرر فعليّ.
من جهته، هاجم الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصر الله ما وصفه بـ”البدع” في عاشوراء، ولعلّ أكثر ما أثار غضبه بعض الممارسات في مدينة كربلاء خلال عاشوراء، حيث يضع البعض جنازير في أيديهم وأرجلهم ويعوّون كالكلاب. وسأل نصر الله: “أيّ دين أو شرع أو مذهب يسمح بذلك؟”، واصفاً إيّاهم بأنّهم أعظم المسيئين “لمذهب أهل البيت وبأنّهم بسلوكهم هذا “بأنهم يذبحون الحسين في كلّ يوم”.
وخاطب نصر الله هؤلاء المتشدّدين، متسائلاً أيضاً: “لماذا لا نجدكم عند الدفاع عن المقدّسات والسيّدة زينب؟”، في إشارة إلى القتال ضدّ الجماعات التكفيريّة في سوريا والعراق التي تريد تدمير مقامات أهل البيت فيهما.
وفي هذا الإطار، أشار الباحث اللبنانيّ قاسم قصير لـ”حوارات نت” إلى أنّ الجدل حول شعائر عاشوراء “ليس جديداً، بل هو صراع قديم بدأه في العقود الأولى في القرن الماضي المرجع اللبنانيّ محسن الأمين (1865-1952)، واستكمله الشيخ مرتضى مطهري (توفي 1979) وعلي شريعتي (توفي 1977) في إيران والمرجع محمّد حسين فضل الله (توفي 2010) وآية الله خامنئي، الذي أصدر قبل سنوات فتوى بحرمة التطبير، ولكن يبدو أنّ هذه السنة تصاعدت هذه الممارسات، وقد تكون زيادة الحضور الشيرازي أدّت إلى زيادة حجم الخلافات والسجالات”.
أمّا عن سبب تدخل نصر الله وانتقاده لهذه الممارسات فلفت قاسم قصير إلى أنّ ذلك “يعود إلى تعاظم خطر هذه الظواهر وانعكاسها على صورة التشيّع في العالم وتداخل العوامل السياسيّة والاستخباراتيّة مع العوامل الدينيّة”.
وكان نصر الله قد أشار سابقاً إلى ظاهرة “التشيّع البريطانيّ” في اتّهام لبعض رجال الدين الشيعة المقيمين في لندن، والذين يقومون بشتم الصحابة، بأنّهم يعملون على إثارة الفتنة بين السنّة والشيعة بتوجيه استخباراتيّ بريطانيّ. وقد ردّ عدد من خطباء الشيرازيّين على نصر الله، وخصوصاً الشيخ ياسر حبيب بطريقة مسيئة.
واعتبر قصير أنّ التيّار الشيرازي المعادي لولاية الفقيه والنظام الإيرانيّ يدعم التطبير وينشط من خلال مجالس العزاء والقنوات الدينيّة، وقد تعاظم دوره في لبنان، وخصوصاً مع حضور أحد خطبائه الشيخ عبد الحميد المهاجر خلال عاشوراء إلى مدينة النبطيّة في جنوب لبنان، وصدور مواقف منه تنتقد “حزب الله” ومرشده خامنئي.
ورأى قصير أنّ هذا الصراع بين “حزب الله” والشيرازيّين هو “صراع له بعد فكريّ ودينيّ، ولكن تدخل فيه العوامل السياسيّة والاستخباراتيّة والصراع على اكتساب الشعبيّة”، مشيراً إلى وجود تخوّف كبير من أن يكون الهدف من دعم هذه الظواهر تشويه صورة التشيّع في العالم وإحداث انشقاق شيعيّ وإيجاد تيّارات في لبنان معادية لـ”حزب الله” وإيران، وتحويل هذا التوتّر إلى صراعات شعبيّة.
إنّ مأساة عاشوراء ذات أبعاد إنسانيّة عالميّة لا تقتصر على الشيعة، بل هي لمست وجدان كلّ حرّ وثائر في العالم، وأثبتت مقولة “انتصار الدمّ على السيف”، بينما يحاول بعض المتشدّدين الشيعة تحويلها إلى أسطورة ومادّة للفتنة المذهبيّة.
ولعلّ أفضل ما قِيل في ثورة الحسين كتبه غير الشيعة، فالمهاتاما غاندي محرّر الهند من الاستعمار البريطانيّ قال: “تعلّمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر”، بينما قال الفيلسوف البريطانيّ توماس كارليل: “أسمى درس نتعلّمه من مأساة كربلاء هو أنّ الحسين وأنصاره كان لهم إيمان راسخ بالله، وقد أثبتوا بعملهم ذاك أنّ التفوّق العدديّ لا أهميّة له حين المواجهة بين الحقّ والباطل…”.
أمّا المستشرق البريطانيّ إدوارد براون فقال: “هل ثمّة قلب لا يغشاه الحزن والألم حين يسمع حديثاً عن كربلاء؟ وحتّى غير المسلمين لا يسعهم إنكار طهارة الروح التي وقعت هذه المعركة في ظلّها”.
ومن جهته، قال الأديب المصريّ عبد الرحمن الشرقاوي: “الحسين شهيد طريق الدين والحريّة، ولا يجب أن يفتخر الشيعة وحدهم باسم الحسين، بل أن يفتخر جميع أحرار العالم بهذا الاسم الشريف”.
أمّا الأديب اللبنانيّ العالميّ جبران خليل جبران فقال: “لم أجد إنساناً كالحسين سجّل مجد البشريّة بدمائه”.
يشهد التشيع اليوم، على غرار التسنن، صراعا بين الإصلاحيين، الذين يسعون لتشذيب الإسلام من البدع والتطرف، وبين السلفيين والتقليديين الذين يشددون إلى على إحياء الطقوس التقليدية التي تؤكد الهوية الشيعية لتمييز أنفسهم عن السنة. لكن الحفاظ على الهوية الشيعية لا ينبغي أن يتم على حساب التخلي عن قيم الإسلام وفقدان وحدة الشيعة والمسلمين.

*د. هيثم مزاحم رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط




مؤسسة “أديان” بعد عشر سنوات على انطلاقتها: تجربة رائدة في الحوار والاعتراف بالآخر

Adyan

بقلم: قاسم قصير – احتفلت مؤسسة اديان بمرور عشر سنوات على تأسيسها وانطلاقة عملها في التعريف بالاديان والبحث عن المشتركات فيها ودعم القيم الدينية والسياسية الجامعة والتركيز على الحوار والتنشئة الوطنية.

ورغم ان عشر سنوات هي فترة قصيرة في عمر المؤسسات ،فان مؤسسة اديان نجحت خلال هذه الفترة القصيرة بان تتحول الى احدى اهم المؤسسات الحوارية والناشطة في التعريف بالاديان وقيم المواطنة ليس على مستوى لبنان فقط ، بل على مستوى العالم العربي والاسلامي وعلى الصعيد الدولي.

وخلال هذه السنوات العشر انجزت المؤسسة الكثير الكثير من المشاريع الفكرية والاعلامية والتربوية واطلقت العديد من المبادرات واقامت الدورات والمخيمات والمؤتمرات وكرّمت الشخصيات الحوارية الرائدة وومنهم العلامة الشيخ عبد الله بن بية احد العلماء المسلمين الناشطين في الحوار وتعزيز السلم الاهلي والعلامة الراحل السيد هاني فحص احد رواد الحوار والمواطنة في لبنان والعالم العربي والاسلامي، والسيدة رباب الصدر والاخت مريم النور عويط وهن من الناشطات في الشأن التربوي والاجتماعي، كما انتجت عدة افلام حول قادة الحوار ومنها فيلم “عكس السير” الذي يتحدث عن الامام موسى الصدر والمطران سليم غزال وشخصيات دينية حوارية اخرى.

كما اقامت المؤسسة عددا من المؤتمرات الدولية حول الاديان والقيم السياسية والديمقراطية والحريات الدينية والمواطنة بمشاركة عدد كبير من الشخصيات الفكرية والسياسية والدبلوماسية، تناولت قضايا الحوار وكيفية تعزيز القيم الدينية والسياسية وتجربة الحركات الاسلامية في الحكم وقضايا العنف والتطرف وكيفية مواجهة هذه الظواهر.

وتسعى المؤسسة لتعميم رؤيتها الحوارية من خلال عدة شبكات ونشاطات متنوعة ، ومنها شبكة الوان المتخصصة بطلاب المدارس الثانوية ، والقسم الخاص بالعائلات ، اضافة للعمل على تعديل المناهج المدرسية بما يؤدي لتعميم ثقافة الحوار وقبول الاخر والفكر النقدي، اضافة الى اقامة يوم تضامن ديني – روحي سنوي يتم خلاله تقديم تجارب معيشية لتعزيز التضامن الروحي ، ولقاء في شهر رمضان يجري خلاله بحث احدى الموضوعات الروحية، واقامة ورش عمل للتعريف بالاديان والقضايا الدينية ، وتدريب الاعلاميين على القيم الدينية والحوارية، كما اقامت المؤسسة معهدا علميا للاديان والمواطنة القائمة على التنوع.

لكن رغم هذا النشاط المميز للمؤسسة خلال السنوات العشر الماضية والذي جعلها من المؤسسات الدولية والاقليمية المعنية بالتعريف على الاديان وقيم الحوار ، فان بعض الناشطين في اطار الحوار الاسلامي – المسيحي يضعون بعض الملاحظات على نشاطات المؤسسة ومنها تركيزها على تعميم ما يصدر عن الكنيسة الكاثوليكية وبابا الفاتيكان من افكار واطروحات فكرية ودينية ، مع عدم الاهتمام بالمستوى نفسه عما يصدر عن المرجعيات الدينية الاسلامية سواء في الازهر الشريف او قم او النجف، اضافة الى الاهتمام الدولي الرسمي او الديني الكبير الذي حظيت به المؤسسة خلال السنوات العشر الماضية والذي لم تحظ به مؤسسة حوارية عربية او لبنانية ، وهذا الدعم والتمويل بقدر ما يمكن ان يشكل شهادة واعتراف بقدرة المؤسسة والقائمين عليها وحيويتهم ونشاطهم بقدر ما يجعل البعض يتساءل عن سر هذه الاهتمام والرعاية ( والاشارة الى هذه الملاحظات لا يعني تبنيها).

كما يشير هؤلاء الناشطون الى تركيز المؤسسة على الاشكالات التي تواجهها المجتمعات الاسلامية من عنف وتطرف والعمل في هذه المجتمعات دون التركيز على ما يجري في المجتمعات الغربية من مظاهر عنصرية وتطرف ومعاداة للمسلمين والذي يحتاج الى اهتمام وتحرك مضاد.

ان ما تقوم به المؤسسة هو جهد رائع ومهم في نشر الوعي حول الاديان والقيم الدينية والسياسية والمواطنة والحوار وهذا الجهد ينضم الى جهود بقية المؤسسات الحوارية في لبنان والعالم العربي والاسلامي وعلى الصعيد الدولي، ومن هذه الجهود تجربة الفريق العربي الاسلامي – المسيحي ومجلس حوار الاديان في العراق ومركز الملك عبد الله في فيينا واللقاء اللبناني للحوار ولجنة الحوار الاسلامي- المسيحي في لبنان ومعاهد الدراسات الاسلامية – المسيحية في بعض الجامعات اللبنانية وخصوصا اليسوعية والبلمند ومركز لقاء التابع لبطريكية الروم الكاثوليك وملتقى الاديان والثقافات للحوار والتنمية وحلقة التنمية والحوار في مجدليون قرب صيدا (جنوب لبنان) والحركة الثقافية في انطلياس والحركة الثقافية في لبنان واللقاء الفكري العاملي في جنوب لبنان ومؤسسة الامام الحكيم والمجمع الجعفري للبحوث والدراسات والمركز العربي للحوار ولقاء ربانيون، اذن هناك جهود عديدة حول الحوار ولمواجهة العنف والتطرف لكن رغم ذلك لا يزال العنف منتشرا والتطرف يزداد ولذا نحتاج للمزيد من الجهود في هذا المجال.

فتحية لمؤسسة اديان ولكل المؤسسات الحوارية ولكل الناشطين في الحوار من رحل منهم ومن يستمر في خوض الصراع.

المصدر: موقع النور الجديد




الإمام موسى الصدر ورؤيته الإنسانية والحضارية للبنان

الإمام موسى الصدر عند البطريرك الماروني انطونيوس خريش
الإمام موسى الصدر عند البطريرك الماروني انطونيوس خريش

بقلم: د. هيثم مزاحم* — لم يكن الإمام السيد موسى الصدر زعيماً سياسياً ودينياً تقليدياً للطائفة الشيعية في لبنان، بل كان مفكراً إسلامياً ومجتهداً مجدداً ومجاهداً ضد نظام الشاه في إيران وضد الكيان الإسرائيلي في فلسطين. فقد لعب الصدر دوراً كبيراً في نصرة الثورة الإسلامية في إيران، والدفاع عن الإمام الخميني حين اعتقله الشاه وقرّر اعدامه، برغم محاولات إعلامية غربية وعربية أخيرة لتصوير الصدر أنه كان مختلفاً مع الإمام الخميني وعلى علاقة جيدة بالشاه.
الصدر، وأصوله من عائلة لبنانية جنوبية هاجرت لطلب العلم الديني في العراق وإيران، عاد الى لبنان في أواخر العام 1959، قد فهم مبكراً فرادة التركيبة اللبنانية، من النظام السياسي والاجتماعي الى تنوّع لبنان الطائفي وأبعاده الحضارية والدينية.
وبرغم مطالبات الصدر بتغيير النظام الطائفي وقيام دولة الإنسان والمؤسسات في لبنان، وبرغم حركته الاحتجاجية على الحرمان والفقر والظلم الاجتماعي في الجنوب والشمال والبقاع، الا أنه لم يدعُ يوماً الى قيام دولة إسلامية في لبنان، كما ذهب لاحقاً بعض الأحزاب والحركات الإسلامية، حيث أدرك البعض منهم قصور هذه الدعوة وعدم واقعيتها.
هذه المسألة كانت تؤخذ على الصدر من قبل بعض الإسلاميين في لبنان الى أن توصل بعض هؤلاء الى قناعة الإمام بخصوصية النظام اللبناني وأهمية تعدديته الدينية وتنوّعه الطائفي والمذهبي، وذلك بعدما اصطدموا بالواقع وأدركوا تعقيداته وخصوصية لبنان وموقعه كملتقى للديانات السماوية وكجسر للحوار بين الشرق والغرب.
يقول الصدر في محاضرة ألقاها في مدرسة القديس يوسف في عينطورة في 20 نيسان – أبريل 1970: “نحن في لبنان أمام واقع أرادهُ الله لنا ذلك هو وجود طوائف، ولكن الذي ما فرضه الله علينا وتركه نتصرف فيه أنه ما فرض نظامًا باسم الطائفية في لبنان. الطوائف موجودة في لبنان ولكنها هل تحتاج الى الطائفية؟”.
ويعتبر الصدر أن “الطوائف في مجتمع ما تتمكن أن تكون مصدر خير وغنى؛ بامكان الطوائف أن تكون تنوعًا هو طبيعة الخلق في العالم، ومقصود الأديان بصورة خاصة. علينا أن نستفيد من وجود الطوائف في المجتمع ونجعل الطوائف وسيلة خير لا بديل عنها…”.
فوجود التنوع – في رأيه – هو السبب الأصيل في تكوين التفاعل بين الأفراد، وبالتالي في تكوين المجتمعات. ووجود طوائف مختلفة، بما للطوائف من تجارب ومنجزات، “معنى ذلك وجود ينابيع مختلفة في مجتمع واحد. كل ينبوع له تجارب ومكاسب ودراسات وحضارات تسهّل مهمة التعاون يعني تسهّل مهمة العطاء للآخرين والأخذ من الآخرين.. ولذلك الطوائف المختلفة غنى حضاري واسع لخدمة الانسان في كل مكان”.
ويستدل الصدر بآية قرآنية تقول: ﴿لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات﴾ (سورة المائدة، آية 48).
ويؤكد الصدر أن وجود المسيحية في لبنان بما لها من العلاقات الحضارية والدينية في العالم ثروة كبرى للبنان، كما أنه يسهّل كون لبنان مفتاحًا وبابًا للتمازج بين الشرق والغرب، لأن المسيحيين هم “ثروة كبرى للبنان وثروة كبرى للعرب وثروة كبرى للشرق”.
وفي عظة ألقاها في كاتدرائية الآباء الكبوشيين في بيروت عام 1975، يقول الصدر: “اجتمعنا من أجل الإنسان الذي كانت من أجله الأديان، وكانت واحدة آنذاك، يبشّر بعضها ببعض، ويصدّق أحدها الآخر، فأخرج الله الناس بها من الظلمات إلى النور بعد أن أنقذهم بها من الخلافات الكثيرة الساحقة والمفرِّقة، وعلّمهم السلوك في سبيل السلام. كانت الأديان واحدة حيث كانت في خدمة الهدف الواحد دعوة إلى الله وخدمة للإنسان، وهما وجهان لحقيقة واحدة. ثم اختلفت عندما اتجهت إلى خدمة نفسها أيضًا، ثم تعاظم اهتمامها بنفسها حتى كادت أن تنسى الغاية، فتعاظم الخلاف واشتد فازدادت محنة الإنسان وآلامه”.
يشير كلام الصدر إلى أمرين مهمين جداً، الأول هو هو وحدة الأديان والثاني هو أن غايات الأديان كلها هي الدعوة إلى الله وخدمة الإنسان، لكنها تفرقت عندما بدأ القائمون عليها في خدمة أنفسهم ومصالحهم، فتعاظمت الخلافات بين المؤمنين بالديانات المختلفة وازدادت محنة الإنسان وآلامه. فالدين يدعو للسلام والحب والوحدة لكن من يستغل الدين من بعض السياسيين ورجال الدين يدعون إلى التفرقة والفتنة والطائفية والكراهية.
وفي هذا الصدد يقول الصدر: “كانت الأديان واحدة تهدف إلى غاية واحدة، حرب على آلهة الأرض والطغاة، ونصرة للمستضعفين والمضطهدين، وهما أيضًا وجهان لحقيقة واحدة. ولما انتصرت الأديان وانتصر معها المستضعفون وجدوا أن الطغاة غيّروا اللبوس وسبقوهم إلى المكاسب، وأنهم بدأوا يحكمون باسم الأديان ويحملون سيفها؛ فكانت المحنة المتعاظمة للمضطهدين، وكانت محنة الأديان والخلافات فيما بينها، ولا خلاف إلا في مصالح المستغلين”.
فالإمام الصدر، بفكره التقدمي والإصلاحي، يرى بعداً سياسياً واجتماعياً تغييرياً للدين، لا يقتصر على العبادة والدعوة إلى الله، بل على خدمة الإنسان ورفع الظلم عن كاهله.
يضيف الصدر مخاطباً المسيحيين في مناسبة صومهم: “والآن نعود إلى الطريق، نعود إلى الإنسان ليعود الله إلينا؛ نعود إلى الإنسان المعذَّب لكي ننجو من عذاب الله. نلتقي على الإنسان المستضعف المسحوق والممزق لكي نلتقي في كل شيء، ولكي نلتقي في الله فتكون الأديان واحدة.” ويستشهد بقول السيد المسيح (ع) عندما صرخ قائلاً: “لا! لا يجتمع حب الله مع كره الإنسان؛ وبكلام للنبي محمد (ص): “ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانًا وجاره جائع”.
إذن، فلسفة الدين – بحسب الصدر – تكون بنتائج السلوك الديني على الصعد الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، وليس فقط في الأمور العقدية والطقوسية والتعبّدية.
ويوضح الصدر ذلك: “إذا كان الإيمان، ببعده السماوي، يعطي الإنسان اللانهائية في الإحساس، واللانهائية في الطموح، وإذا كان الإيمان، ببعده السماوي، يحفظ للإنسان الأمل الدائم، عندما تسقط الأسباب، ويزيل عنه القلق، ..، فإن الإيمان ببعده الآخر يسعى لصيانة الإنسان وحفظه، ويفرض المحافظة عليه، ويؤكد عدم وجود الإيمان دون الالتزام بخدمة الإنسان”.
إذن كان هم الإمام الصدر هو الإنسان في لبنان، أي إنسان وكل إنسان، بغض النظر عن طائفته ومذهبه ومنطقته. الإنسان المحروم والمظلوم والفقير في الدرجة الأولى.
يقول في ذلك: “لبنان بلدنا، البلد الذي رصيده الأول والأخير هو إنسانه.. لذلك إذا أردنا أن نصون لبنان، إذا أردنا أن نمارس شعورنا الوطني، إذا أردنا أن نمارس إحساسنا الديني..، فعلينا أن نحفظ إنسان لبنان، كل إنسانه؛ وطاقاته، لا بعضها”.

د. هيثم مزاحم رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط
د. هيثم مزاحم رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط

د. هيثم مزاحم باحث في الشؤون العربية والإسلامية والدولية، رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط. له مقالات ومراجعات للكتب في صحف ومواقع ودوريات عربية وأجنبية، وله الكثير من الكتب والدراسات المنشورة وشارك في أكثر من عشرة كتب عن الحركات الإسلامية والجهادية.

المصدر: الميادين نت




رؤية الإمام الصدر للتنوّع الطائفي في لبنان

الإمام موسى الصدر عند البطريرك الماروني انطونيوس خريش على فنجان قهوة وسيجارة في 5-شباط 1975
الإمام موسى الصدر عند البطريرك الماروني انطونيوس خريش على فنجان قهوة وسيجارة في 5-شباط 1975

“حوارات نت” — بقلم: د. هيثم مزاحم – من المسائل التي لفتتني خلال متابعتي لسيرة الإمام المغيّب السيد موسى الصدر هي لقاءاته مع زعماء “الجبهة اللبنانية” المسيحيين خلال الحرب الأهلية، وهم الذين وصفوا في تلك الفترة باليمين الانعزالي وغيرها من التسميات التخوينية. كان مصدر تعجّبي ينبع من كيف أن الإمام الصدر يهادن هؤلاء القادة “الانعزاليين” الذين تحالف بعضهم لاحقاً مع إسرائيل. لكن بعد مرور نحو عقد من الزمن، وانتهاء الحرب الأهلية ضمن تسوية اتفاق الطائف، أدركت حكمة الإمام ورؤيته الثاقبة في إبقاء التواصل مع جميع اللبنانيين وعدم تخوين أو مقاطعة أحد منهم، وذلك لسببين، أثبت التاريخ تحقّقهما. الأول هو أن مقاطعة “الجبهة اللبنانية” آنذاك قد دفع قادتها أو برّر لهم التحالف مع العدو الإسرائيلي. أما السبب الثاني فهو أن انقطاع التواصل والحوار بين أطراف الصراع في لبنان قد ساهم في تعميق الخلافات وتسعير الحرب الطائفية، ما سمح للأطراف الخارجية في التدخل في الصراع لمصلحة هذا الطرف أو ذاك وبالتالي إطالة الحرب، ومنع اللبنانيين من التوصّل إلى تسوية داخلية. لم يكن الامام الصدر زعيماً سياسياً ودينياً تقليدياً للطائفة الشيعية، بل كان مفكراً اسلامياً ومجتهداً مجاهداً وناشطاً ضد نظام الشاه، حيث لعب دوراً كبيراً في نصرة الثورة الاسلامية في ايران، والدفاع عن الامام الخميني حين اعتقله الشاه وقرّر اعدامه.مع ذلك فان السيّد موسى الصدر الذي جاء من ايران الى لبنان في أواخر العام 1959 كعالم دين خلفاً للامام الراحل السيّد عبد الحسين شرف الدين، قد فهم مبكراً فرادة التركيبة اللبنانية، من النظام السياسي والاجتماعي الى تنوّع لبنان الطائفي وأبعاده الحضارية والدينية. ورغم مطالبات الامام بتغيير النظام الطائفي وقيام دولة الانسان والمؤسسات في لبنان، ورغم حركته الاحتجاجية على الحرمان والفقر والظلم الاجتماعي لبعض المناطق في الجنوب والشمال والبقاع، الا أنه لم يدعُ يوماً الى قيام دولة اسلامية في لبنان، كما ذهب لاحقاً بعض الأحزاب والحركات الاسلامية، ومن ثم تراجعوا عن هذه الدعوة بعد ادراكهم قصورها وعدم واقعيتها.
هذه المسألة كانت تؤخذ على الامام الصدر من قبل بعض العلماء والاسلاميين في لبنان وايران الى أن توصل هؤلاء الى قناعة الامام بخصوصية النظام اللبناني وأهمية تعدديته الدينية وتنوّعه الطائفي والمذهبي، وذلك بعدما اصطدموا بالواقع وأدركوا تعقيداته وخصوصية لبنان وموقعه كملتقى للديانات السماوية وكجسر للحوار بين الشرق والغرب.

يقول الامام الصدر في محاضرة ألقاها في مدرسة القديس يوسف في عينطورة في 20 نيسان 1970: “نحن في لبنان أمام واقع أرادهُ الله لنا ذلك هو وجود طوائف، ولكن الذي ما فرضه الله علينا وتركه نتصرف فيه أنه ما فرض نظامًا باسم الطائفية في لبنان. الطوائف موجودة في لبنان ولكنها هل تحتاج الى الطائفية؟… الطوائف في مجتمع ما تتمكن أن تكون مصدر خير وغنى؛ بامكان الطوائف أن تكون تنوعًا هو طبيعة الخلق في العالم، ومقصود الأديان بصورة خاصة. علينا أن نستفيد من وجود الطوائف في المجتمع ونجعل الطوائف وسيلة خير لا بديل عنها…”.

ويعتبر السيّد الصدر أن وجود التنوع بين الأفراد هو السبب الأصيل في تكوين التفاعل بين الأفراد، وبالتالي في تكوين المجتمعات، ويخلص الى أن وجود طوائف مختلفة، بما للطوائف من تجارب ومنجزات، “معنى ذلك وجود ينابيع مختلفة في مجتمع واحد. كل ينبوع له تجارب ومكاسب ودراسات وحضارات تسهّل مهمة التعاون يعني تسهّل مهمة العطاء للآخرين والأخذ من الآخرين، وبالتالي تتمكن الطوائف المختلفة أن تقوي علاقات مجتمع واحد من دون خطر.. ولذلك الطوائف المختلفة غنى حضاري واسع لخدمة الانسان في كل مكان…”.

ويستدل الامام الصدر بآية خاطب الله بها جميع الأنبياء تقول: ﴿لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات﴾ [المائدة، 48].

وفي رد على سؤال يقول الامام ان “وجود المسيحية في لبنان بما لها من العلاقات الحضارية والدينية في العالم ثروة كبرى للبنان لا يمكن أن نتنكر لها اطلاقًا، ثم وجود المسيحية في لبنان يسهّل كون لبنان مفتاحًا وبابًا للتمازج بين الشرق والغرب”. ويخلص الى أن المسيحيين هم “ثروة كبرى للبنان وثروة كبرى للعرب وثروة كبرى للشرق“.

*د. هيثم مزاحم رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط

المصدر: مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط




الحوار الديني عربياً وشروط فعاليته

الحوار الديني في المجتمع العربي
الحوار الديني في المجتمع العربي

حوارات.نت ـ  انطوان مسرّة

توصل الحوار الديني في المنطقة العربية، وبخاصة في لبنان، الى درجة عالية نسبيا من الثبات والتواصل، ولكنه في حاجة الى مزيد من التصويب والتركيز والفعالية. اذا اقتصر هذا الحوار على الشؤون الدينية وما يرتبط بها مباشرة فهو يتجاهل البعد العلائقي الذي لا ينحصر في المعرفة والادراك، بل يطاول السلوك والتعامل مع المعرفة الدينية وادراكاتها وتصوراتها.

حوار في ثلاثة ابعاد
تتضمن اشكاليات العلاقة بين الاديان ثلاثة ابعاد:
1-  البعد الديني – الثقافي: يشمل قضايا لاهوتية وفقهية وتربوية وصورا ذهنية متبادلة. لكن التراث الديني في المنطقة العربية قد يتحول الى عبء اذا انزوى في عقيدية مغلقة وحقيقة احادية، في حين ان الحاجة هي الى تحرير الايمان من بعض اشكال التدين والحؤول دون تحوله وعاء للنزاعات وكيانا سلطويا.
2- البعد الدستوري والحقوقي: يشمل شؤونا حقوقية اساسية في سبيل الادارة الديموقراطية للتنوع الديني في الانظمة العربية اليوم. اذا اقتصر الحوار على الايمان وعلى ابعاده الثقافية وعلى المنمطات الذهنية والصور الايجابية او المشوهة، وعلى الاختلاط في حوار الحياة فان هذه المكتسبات، التي هي ثمرة قرون من الجهد المشترك، قد تنهار اذا تنامى ادراك بالغبن والعزل وعدم المشاركة.

هناك اربع قضايا جوهرية في حقوق الانسان مرتبطة بالاديان، وتشكل عنصر خلاف في الشرعات العربية لحقوق الانسان وهي: حقوق المرأة، الاحوال الشخصية، الحريات الدينية، المشاركة السياسية. تشكل هذه القضايا عنصر خلاف بالنسبة لكل المجموعات الدينية، مع ما يرتبط بذلك من حقوق ثقافية وتعليم ديني ومشاركة سياسية. لكن التراث العثماني والعربي عامة طوال اكثر من اربعة قرون يوفر نماذج معيارية وقابلة للتطبيق في الكثير من المجتمعات اليوم، شرط العمل على تطويرها وعصرنتها.
3- البعد السياسي: يشمل هذا البعد تطييف (من طائفة) التباينات الدينية في التنافس السياسي والتعبئة السياسية. ينتشر في العالم خبراء واختصاصيون في المناورات والتعبئة النزاعية من خلال استغلال التباينات الدينية. يتطلب بناء السلام، تالياً، تنمية ثقافة المناعة والمقاومة حيال استغلال الدين في التنافس السياسي.
ان للهيئات الدينية، مسيحية واسلامية، في المجتمعات العربية مؤسسات منظمة واسعة الانتشار. هذه المؤسسات هي جزء واسع من تكوينات المجتمع الاهلي العربي، وتتمتع تالياً بالقدرة على التأثير الايجابي في التفاعل بين الاديان والسلام العالمي وثقافة حقوق الانسان. لكن دور الاديان اصبح اكثر ارتباطاً، ليس بمجرد لقاءات وندوات ومؤتمرات، مفيدة ولا شك، ولكن ذات فاعلية محدودة، بل بدور الفاعلين انفسهم في هذه الاديان. الشكوى من صورة نمطية للاسلام وللعرب عامة في العقل الغربي لا يقابلها سعي جدي من الفاعلين لتصحيح منابع الشكوى.
يعني ذلك اعتماد نهج متجدد في دراسة العلاقات بين الاديان من خلال امثلة نموذجية واقعية وايجابية، ومن خلال طرح القضايا ليس بشمولية (علمانية، طائفية، دين ودولة…)، بل حالة بحالة من خلال رصد المظالم ومعالجة حالات هذه المظالم. يسمح هذا المسار بتفكيك منمطات وتصورات واطلاقيات، وبمباشرة حوار جدي فعال حول قضايا معاشة هي غالباً مصدر ظلم يطاول افراداً وجماعات. وعندما يطرح السؤال: لماذا تهتم الدوائر الغربية الرسمية بالحريات الدينية بشكل خاص؟ الجواب ان الحريات الدينية هي، بمنظور تاريخي وعملاني، ام الحريات وحقوق الانسان عامة.

اولويات الحوار الديني عربياً
ابرز اولويات الحوار الديني عربياً اليوم الشؤون الاربعة الآتية:
1- التزام الهيئات الدينية قضايا حقوق الانسان: المؤسسات الدينية والمؤمنون مدعوون لمزيد من الالتزام في سبيل العدالة والسلام في عالم تجتاحه مخاطر حروب غير تقليدية، وتفاوت متزايد بين شمال وجنوب، وانتشار خبراء سياسيين في استغلال الدين في التنافس السياسي.
ابرز مضامين هذا الالتزام النبذ العلني والصريح لكل اشكال العنف “باسم الله” او الدين. يجوز في حالات عديدة او حصرية اللجوء الى المقاومة دفاعاً عن السيادة والاستقلال ودفاعاً عن النفس، ولكن باسم القانون والحقوق او غيرها من الاعتبارات الحقوقية او الانسانية التي اجمعت عليها البشرية في شرعات دولية. اما اللجوء الى العنف باسم الله او الدين فهو نيابة عن الله وممارسة الدينونة على البشر قبل الدينونة ودون ضمانة ان البشري الذي يمارس القصاص هو الناطق الرسمي باسم الله ويحمل صكاً رسمياً بذلك، ولا يتخطى حدود توكيله المفترض وانه مطلق الطهارة والتجرد والعدل.
2- حماية التنوع الديني من خلال مسارات ديموقراطية: ما يثير الاستغراب الخطاب العربي بتحفظ او تردد حول القواعد الدولية لحقوق الانسان من هيئات دينية بينما الشعوب العربية هي الضحية الكبرى للظلم في السياسات الدولية منذ نشوء اسرائيل. الحاجة في الدول العربية هي الى بناء علاقة تكامل وانسجام بين الاديان وحقوق الانسان.
3- القدس: ان مستقبل القدس محوري للأديان الثلاثة ذات المنبع الابراهيمي، ليس كمساحة جغرافية، بل كرمز للالتقاء الروحي الجامع والقائم على احترام متبادل وقبول وتواصل خلاق انسجاما مع تجربة تاريخية طويلة في ادارة التنوع الديني والمذهبي في المنطقة العربية.
4- استخلاص نموذج عربي مشترك في العلاقة بين الدين والسلطة: الحاجة الى ترشيد “السياسات الدينية” بخاصة ان عبارتي “الفصل بين الدين والدولة” وعبارة “الاسلام دين ودولة” فيهما اختزال وتبسيط وتمويه لعلاقة معقدة وغالباً مأساوية بين الدين والسياسة.

نحو نموذج عربي في تنظيم علاقة
تمارس كل دولة ديموقراطية ثلاث وظائف دينية:
1- ادارة التنوع الديني من خلال التشريع.
2- حماية الحريات الدينية من خلال قضاء مستقل ومجال عام محايد حيث يستطيع كل فرد ان يؤمن او لا يؤمن، او يؤمن على طريقته دون المساس بالنظام العام. والنظام العام هذا ليس نظام الدين السائد – كما في اكثر البلدان العربية – بل النظام الذي يحافظ على قواعد العيش معا وعلى الحقوق الاساسية للجميع دون استثناء.
3- صفة الدولة كمحور تفاوض وتقرير لاحتواء النزاعات التي تتعلق بالاديان او تتخذ طابعا دينيا في حال انتقال النزاعات من المجال الخاص الى المجال العام.
يفتقر العالم العربي الى نموذج في تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة ورسم الحدود بينهما رغم غنى التجربة العربية التاريخية والمعاصرة. يظهر هذا الفراغ في تأرجح المنظرين ضمن العموميات المعروفة في الدين والدولة والشريعة والطائفية والعلمانية… تسمح الدراسة الميدانية، وخصوصا دراسة حالات، باستخلاص نموذج يشكل اطارا في التنظير كما في الممارسة.
ان بيان علماء المسلمين الذي القاه في 2 كانون الثاني (يناير) 1989 الشيخ احمد متولي الشعراوي يشدد على ثلاثة مفاهيم تشكل اطارا في بناء نظرية العلاقة بين الدين والدولة وهي: اولياء الامور، وحدود الولاية، والضوابط. جاء في البيان: “اتفق العلماء ان تغيير المنكر باليد واجب على ولي الامر وعلى كل انسان في حدود ولايته وان تغيير المنكر اذا ادى الى مفسدة اشد كان التوفق واجبا لأن اباحة تغيير المنكر بغير ضوابط يؤدي الى شيوع الفوضى في المجتمع ويضر بمصلحة الدين والوطن. (…) الثابت في كل العصور ان الذي يقوم بتنفيذ الحدود وتغيير المنكر باليد هم اولياء الأمور وحدهم”.
تفترض المفاهيم الاساسية الواردة في هذا البيان اختصاصا سياسيا متميزا، اي فصلا وظيفيا بين السلطة السياسية والهيئات الدينية.

ان الحوار الديني عربيا، الذي حقق انجازات عدة وفي ظروف صعبة، هو في حاجة في آن الى مزيد من التركيز والتصويب والتأصيل، بخاصة في الشؤون الآتية: الادارة الديموقراطية للتنوع الديني، والتمايز بين الشريعة والتشريع وصولا الى “علمنتنا نحن” حسب تعبير للسيد هاني فحص، وبناء ثقافة مناعة حيال الاستغلال السياسي للدين والتعبئة السياسية الدينية، وتنقية الاديان عربيا من التلوث الايديولوجي والعقيدي مع ممارسة نقد ذاتي دون خوف على الدين بل حرصا عليه.
المصدر: النهار




رهبان لبنان.. أخطر جيوش العالم

الجيش الأسود أخطر جيوش العالم ويعمل على الأرض في لبنان

بقلم: الان سركيس صحيفة الجمهورية –
في إطلالته الإعلامية الأولى منذ انتخابه رئيساً عاماً للرهبنة اللبنانية المارونية عام 2010، اختارَ إبن لحفد الجبيليّة، الأباتي طنوس نعمة صحيفة «الجمهورية» ليؤكّد أنّ الجيش الأسود، أيْ الرهبان، هو أخطر جيوش العالم ويعمل على الأرض في لبنان، وسيُحدث التغيير، وأنّ لبنان باقٍ، والموارنة لن يرحلوا عن هذا البلد المميّز، لأنّ له رمزية خاصة عندهم، وأرضه غالية عليهم، داعياً الى الايمان بالمسيح والتجذّر في لبنان، فلو لم يكن للأرض أهميّة، لما كان اختار الرب فلسطين برمزيتها التاريخيّة، ليُرسل إبنه الوحيد إليها.

يتمَّسك الرئيس العام للرهبنة اللبنانية المارونية الأباتي طنّوس نعمة بالإيمان الماروني، ويفتَخر بانتمائه الى لبنان الرسالة، وهو الذي يَضع الأرزة التي تتوسّطها صورة العذراء والصليب على عنقه، والعلم اللبناني في مكتبه، ويُقبّله بعفوية.

لا تعني له الاماكن شيئاً، ومستعدّ للعودة الى وادي قنوبين للصلاة لخلاص لبنان. وبعفويّته، يُجيب عندما تسأله هل سيزول لبنان وسط إعادة رسم خريطة المنطقة: «فَشَروا» لبنان أكبر من أن يبتلعه أحد، وهل تصدّق يا «خرفان» أنّ البلد الذي خرج منه القديس شربل، سينتهي؟

الرهبنة والرئاسة

يظهر جلياً تأثير الرهبنة المارونية في الحياة الإجتماعية والدستورية والسياسية اللبنانيّة، إذ إنّ تاريخ لبنان الحديث والقديم إرتبط باسمها، فبعض الأعراف الرهبانية طبع المؤسسات، وعلى رأسها المؤسسة الأولى، إذ تبلغ أيّ ولاية رئيس للجمهورية ستّ سنوات، وهذه الفكرة أخذها الموارنة عن مدّة ولاية الرئيس العام للرهبنة المارونية، الذي يجلس على كرسي الرهبنة 6 سنوات.

لبس المقرّ العام للرهبنة المارونية في دير مار مطانيوس- غزير ثوب العيد. هناك يجلس الأباتي نعمة، وهو الذي لا يحبّ الإعلام، ويعتبر أنّ الرجال يصنعون الكراسي وليس العكس.

ويروي قصّة إبتعاد الرهبان عن السياسة بعدما كانوا لاعبين أساسيين في الحياة الوطنيّة إبّان الحرب الأهلية، في فترة رئاسة الأباتي شربل قسّيس، والأباتي بطرس قزي والأباتي بولس نعمان، ويقول لـ»الجمهورية»: «البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، يتكلّم باسمنا جميعاً في الشأن السياسي، ونحن اختَرنا الصلاة والصمت السياسي لأنّ كثرة الكلام والمتكلّمين في هذه المرحلة يضرّ».

ويؤكّد «أننا نحن الجيش الأسود، أخطر وأقوى جيش، وموجودون على الأرض، ونعمل تحت راية البطريرك، وقادرون على تغيير كلّ شيء وسنُغيّر في لبنان، مستخدمين سلاحَ الصلاة والإيمان، وقريباً جداً سيرى الجميع ماذا سنفعل».

ويضيف: «نحن نصلّي للبطريرك لينجح في مهماته، ومن ضمنها إنتخاب رئيس للجمهورية، وبالتأكيد سينجح لأننا ندعمه، وقوّة الجيش الأسود مستمَدّة حالياً من الصلاة والعمل بصمت، لأنّ الصراخ لا ينفع، فالبطريرك يحمل الصليب، وعلى رغم حملات التخوين والهجوم اللاأخلاقي عليه، فهو سيخلّص لبنان، بمساعدة يسوع ومار شربل».

Maronite_Patriarche

مركزية الكنيسة

يؤمن الأباتي طنوس بالمركزية في المؤسسة الكَنَسية، فيُشير الى أنّ «كلّ المؤسسات المارونية يتكلّم باسمها الراعي، ولا مجال الآن لكثرة المرجعيات».

ويسأل: «تاريخياً، يُطبع إسم الموارنة بالانقسامات، فهل نريد أن نُحدِث إنقساماً داخل الجسم الكَنَسي؟ نحن نتبع إدارياً الفاتيكان، وليس بكركي، لكنّ الكنيسة معروفة بانضباطها، من هنا قلت منذ إنتخابي عام 2010، إنني لن أتعاطى في الشأن السياسي، وعمّمتُ هذا الأمر على كلّ الرهبان، وإلتزموه».

«بكركي هي كلّ الجيش الأسود»، بهذه العبارة يختزل نعمة التركيبة الكَنَسية الحالية، ويقول: «بكركي أمّ الدنيا، وستُحدث التغيير»، موضحاً أنّ «الجيش الأسود هو أكبر فاعل على الأرض وليس في الهواء»، نافياً مقولة إنه «جيش «مضبوب» في الثكنات، فظروف عمل الرهبان خلال هذه المرحلة تختلف عن أيام الحرب».

وسط ما يعانيه المسيحيون من تهجير في الشرق، يعتبر نعمة أنّ «قدرنا في هذا الشرق هو حمل الصليب والشهادة بالمسيح، ونحن نُضطهد لأننا مسيحيون مؤمنون، وهذا شرف لنا، وسنواجه المضطهدين في الشرق بالتمسّك بالمسبحة والعذراء، وسننتصر».

ويصرّ عندما تسأله عن إنقاذ المسيحيين على العودة الى الصورة المثبتة على حائط مكتبه، والتي يغرق فيها تلاميذ يسوع في البحر، والمسيح نائم. ليؤكد أنّ «المسيح سيخلّصنا في الوقت المناسب مثلما إستفاق وخلّص تلاميذه».

يسخر الأباتي نعمة من مقولة إنّ الموارنة والمسيحيين على شفير الإنتهاء في لبنان والشرق، ويعود الى الحقبة التركية حيث تراجع «عددنا الى مئة ألف نسمة، لكننا نهضنا وتكاثرنا، والله ينتظر اللحظة المناسبة لإنبعاثنا مجدّداً».

العمل الإجتماعي

«أديارنا في تصرّف الناس، وهي بيوتهم»، من هنا ينطلق نعمة لتأكيد أنّ الرهبنة هي في خدمة الناس، «فإذا كانت غائبة عن السياسة فهذا لا يعني أنّها لا تتعاطى الشأن العام المتشعّب، وتساعد الفقير والمحتاج، أما عدم الإضاءة على هذا الموضوع، فهو لأنّ عمل الخير يكون بصمت، وأكثر من يُحاضرون عن العفّة هم مَن يقومون بأعمال الرذالة».

الجذور اللبنانية والسريانية

ويعبّر نعمة عن «تمسك الرهبنة المارونية والموارنة بلبنان»، مؤكداً أنّ «الموارنة هم الأرزة، ولن ينتهوا، وكلّها مقولات خرافية، فمن أنجَب مار شربل الذي يتفوّق على كل أطباء العالم، لا يزول، ونحن عندنا قديسون ومتمسكون بالجذور السريانية، وأكبر دليل على إستمراريتنا هو وجود 35 راهباً مبتدئاً و48 يدرسون اللاهوت في الدير».

الأباتي طنوس نعمة
الأباتي طنوس نعمة

أما بالنسبة الى الحقد الموجود بين الموارنة، فيؤكّد أنه سيزول بالصلاة، «والموارنة معروفون بانقساماتهم الدائمة، وهم روّاد تطوّر وحضارة وسيستمرّون»، لكنّه ينتقد «بعض المظاهر غير الحضارية التي لا تعبّر عن ثقافتنا الحقيقية، وتتمثّل في الإنحلال الأخلاقي».

لا تعطي الرهبنة المارونية إهتمامها لمنطقة على حساب أخرى، لأنّ الموارنة هم سكّان جرود، ويوضح نعمة أنّ «تمركز المؤسسات المارونية في كسروان لا يعني أننا نهمل بقية المناطق، فالرؤساء العامون من كلّ المناطق، ومؤسساتنا منتشرة في كلّ لبنان».

أما في الموضوع التعليمي، فيقول: «إذا ألغت الرهبنة الأقساط المدرسية لسنة، فستنهار مؤسساتنا التعليمية؟ من هنا فإنّ بقاء الأقساط على حالها، يساعد على استمرارية المؤسسات المارونية، لكننا في المقابل نساعد أيّ تلميذ يطلب المساعدة».

وبالنسبة الى مشكلة السكن في المناطق المسيحية، يوضح نعمة أنّ «هذا الملف في عهدة الراعي، وهو شكّل لجاناً من اجل حلّه، وستظهر النتائج قريباً».

نخرج من دير مار مطانيوس وكلنا أمل في أن يستجيب الربّ لصلاة الرهبان لإنقاذ لبنان من التخبّط الذي يعانيه، ويعود الجميع الى إنتمائهم الوطني اللبناني، لأنّ كلّ التسويات لن تنفع إذا لمّ تتكلّل بحب لبنان والدفاع عن القوميّة اللبنانية، كما أرادها الجيل الأول من الرهبان المؤسسين.