السلام العالمي في منظور إسلامي جديد

بقلم: رضوان السيد — يعاني المسلمون من سوء علاقاتٍ متفاقمٍ بالعالم، ما عاد متعلقاً وحسْب باصطدام الإحيائيات والأُصوليات بنظام العالم؛ بل تعدى ذلك إلى صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا المفزعة، ومصير القوى الإقليمية والدولية إلى التدخل في ديارنا وسيادتنا بالقتل والتهجير والتدمير، بحجة أننا جميعاً نشكّل خطراً على أمنها وأمن العالم!

وعلى وقع اعتبارات هذه الهموم والمشكلات، عقد منتدى تعزيز السلم مؤتمره السنوي الرابع في أبوظبي وهدفه اجتراح رؤية إسلامية للسلم العالمي والسلام مع العالم. وبخلاف الكثير من الندوات وورشات العمل، ما كان القصد التجديد في هذه المسألة أو تلك، أو ترميم هذا الصدع أو ذاك، بل صوغ سردية أو تأويلية شاملة تعيد النظر بصورة جذرية في الرؤية والخطاب وفي التدبير والتصرف.

لقد كان هناك دائماً فقه للدين وفقه للعيش. وعندما بدأ الاختلال يتناول فقه العيش وترتيباته، نتيجة لمتغيرات الحداثة، وللصراع في الإصلاحيين في النظام الدولي؛ بذلت جهودٌ كبيرة من جانب الإصلاحيين والصحويين للتجديد في فقه الدين بحيث يعود التلاؤم بين الطرفين أو بين الفقهين، لكنّ الانتظام لم يحصل، وتحول الأمر إلى مساعٍ من جانب العاملين في فقه الدين إلى الضغط به على فقه العيش المتغير إلى أن انفجر الأمر من طرفيه، دونما قدرة حتى الآن على استعادة الانضباط. وهذا أدى إلى زيادة الاختلالات في العيش وترتيباته، والدين وراديكالياته.

وقد كانت هناك محاولاتٌ خمسٌ كبرى للتجديد في الخطاب الديني خلال القرن العشرين، والأُولى قام بها محمد عبده ومدرسته في الإصلاح الديني، وعلى أساس تحقيق السُنن في النهوض، وإصلاح شأن المؤسسات الدينية. أما الثانية فقام بها محمد إقبال في «تجديد التفكير الديني في الإسلام». والإصلاح عنده مزيجٌ من الاعتراف بالجديد في الفكر والحركات من جهة، والاعتصام ببعض القديم من جهة أُخرى. وفي الثالثة تدخل عبد الرزاق السنهوري للملاءمة بين المدني والشرعي في اشتراع القانون في الدولة الحديثة. وفي الرابعة قام المفكر الجزائري مالك بن نبي في طرح نظرية في الحضارة. وكان الوحيد بين الإصلاحيين الذي كان ذا نظرة جيواستراتيجية اعتبر أنها يمكن أن تُخرج بتحالفاتٍ كبرى من القابلية للاستعمار، وتصنع الجديد والمتقدم. وفي المرحلة الخامسة أو المشروع الخامس تجدد الاهتمام بمقاصد الشريعة، باعتبارها القادرة في فهمها المتجدد للمسألة الإنسانية أن تُعيد الوصل مع العالم في مجال تحقيق مشتركاتٍ كبرى في قيم العيش والتصرف.

وما تحقق نجاحٌ كبيرٌ في كل هذه المشروعات، لأنها ما كانت شاملة، ولأنّ أصحابها كانوا يفتقرون إلى المرجعية، ولأنّ الإحيائيين نجحوا في تغيير المفاهيم وأرادوا مكافحة الاختلالات بالقوة فحصل الانفجار الذي لا نزال نعاني من آثاره.

تقوم السردية الجديدة في فقه الدين وتغيير رؤية العالم على ثلاث مقولات؛ ترى الأولى أنّ الرحمة هي القيمة العليا في علاقة الله سبحانه وتعالى ببني البشر. وفلسفة الدين هذه ليست جديدة، فقد اختلف المتكلمون في سياقاتٍ أُخرى وزمنٍ آخر على القيمة أو الميزان فذهبت المعتزلة إلى أنه العدل، بينما ذهب أهل السنة إلى أنها الرحمة. وبالطبع فإنّ الأمر لا يخلو من مشكلاتٍ بشأن حصرية الحقيقة، وحصرية الخلاص. وهي المشكلة التي ما خرجت منها المسيحية رغم موجة الاعترافات في المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965). ثم إنّ ميزان الرحمة يتضمن تصوراً آخر لعلائق الإيمان بالعمل، وهي مشكلة قديمة، لكنّ العمل عليها يحصل بمعانٍ أُخرى وسياقاتٍ أُخرى.
أما المقولة الثانية فتعتبر التعارف القيمة العليا في العلاقات بين البشر، وهذا هو نصُّ القرآن الكريم. وتترتب على هذا الاعتبار مسائل ومشكلاتٌ بشأن الموروث في النصوص والوقائع والوعي، بشأن الحرب والسلم، ودار الإيمان ودار الكفر، وعلائق الدين بالدولة، ومعاني ودلالات التعارف والمعروف والاعتراف. وهذه جميعاً مفاهيم داخَلَها التغيير الكبير الذي اصطنعته الإحيائيات، وصارت المعاني الجديدة قوية في اعتبارات الوعي العام. وتشجع عليها الاستنزافات الكثيرة وانجراحات الوعي والواقع، بحيث صارت مفاهيمُ دينية كبرى مجالاً لانفجار العواطف، وانفعالات الغيظ والغضب والإحباط.

وتبدو المقولة الثالثة في السردية أو التأويلية أسهلَ قبولاً لكثرة العمل عليها في العقود الأخيرة، والمعني بها: مقولة مقاصد الشريعة أو المصالح الضرورية. وهي بحسب الفقهاء القدامى خمس: حق النفس (الحياة)، وحق العقل، وحق الدين، وحق النسل، وحق الملك. وهي تشكّل بالمعنى الجديد تكليفاً والتزاماً باتجاه تحقيق مقولة التعارف تجاه النفس وتجاه الغير؛ إذ إنّ هذه الضرورات أو المقاصد صارت قيماً عالمية وقواسم مشتركة، ومجالاتٍ للشراكة مع العالم. وبالوعي الجديد أفاد كثيرون منها في إعلاناتٍ إسلامية لحقوق الإنسان. وكان اللاهوتي الكاثوليكي البارز هانز كينغ قد قال: لا سلام في العالم إلاّ بالسلام بين الأديان، ولا سلام بين الأديان إلاّ بظهور الوعي بأخلاقٍ عالمية، أو مشتركات كبرى في القيم.

في مؤتمر منتدى تعزيز السلم، جرت نقاشاتٌ غنية بين المئات من المدعوّين والمشاركين. وقد كان هناك وعي قوي بضرورات الخروج من المأزق، والذي يرفض الخلط بين المحافظة والالتزام من جهة، والأصولية العقدية من جهة ثانية. كما يرفض اعتبار الشريعة بمثابة القانون الذي ينبغي أن يحكم الدولة لتكون إسلامية. ثم إنّ العلاقة بالعالم في التصور المتطرف يراد إدراكها باعتبارها علاقة بين الإيمان والكفر، وليس علاقة تعارف أرادها لنا القرآن الكريم.

وكما قيل جديدٌ كثيرٌ في النظر والاعتبار وبخاصة المقدمة التأطيرية للعلامة ابن بية رئيس منتدى تعزيز السلم، قال عالم الاجتماعيات فرهاد خسرو فاهار الكثير ذا المعنى عن الإسلاموفوبيا، وعلائقها بالهجرة والعنف والوعي، وهي ثلاثة أمورٍ تجري على مستوياتٍ مختلفة وتتحكم بالمشهد.

ولنعد إلى الأولويات الثلاث العربية والإسلامية والتي طرحتها مؤتمرات المنتدى: استنقاذ الدولة الوطنية، واستعادة السكينة في الدين، وتصحيح العلاقة مع العالم. وكما كان بارزاً في إعلان مراكش وفي مؤتمر الدولة الوطنية بأبوظبي: مبدأ المواطنة والحكم الصالح والرشيد؛ فإنّ البارز في مؤتمر الإسلام والسلم العالمي: استعادة السكينة في الدين، وتصحيح العلاقة مع العالم. إنّ هذين الأمرين ضروريان لبقاء الدين والأمة، وهما يقتضيان بالفعل فلسفة جديدة؛ إذ إنّ الترقيع والترميم ما عادا ممكنين، بل الضروري المتفق مع روح الدين اعتبار قيمة الرحمة في العلاقة بالله عز وجل لاستعادة السكينة والطمأنينة في الدين، وقضية التعارف في العلاقة مع بني البشر، لاستعادة السلم والأمن والثقة، والمشتركات الخمس مع الآخرين، لكي نكون جزءاً من العالم في قيمه وتنظيماته فنصون الحق في الوجود وفي الكرمة، وفي صنع الجديد والمتقدم والإنساني.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




حول إعلان الأزهر للمواطنة ولقاء «سيدة اللويزة» في لبنان

بقلم: رضوان السيد — لدينا ثلاثةُ محاور أو أولويات على المستوى اللبناني، والمستوى العربي العام. والأَولويات هي: استعادةُ السكينة في الدين وإليه، وتجديدُ تجربة الدولة الوطنية وإصلاحها، ومُراجعةُ العلائق مع العالم، ثقافةً وسياسات واستراتيجيات.
في المسألة الأولى، أي استعادة السكينة في الدين، طرأت مشكلتان: مشكلة التطرف باتجاه الانشقاقات، ومشكلة الانقسامات الداخلية في الدين إلى مذاهبَ وطوائف وجماعات متذرّرة ومنعزلة أو متفجّرة. وفي المشكلتين، والأولى أخطَر، كانت هناك جهودٌ قامت بها المؤسسات الدينية، لاستعادة الزمام، والحيلولة دون ظهور أجيالٍ جديدةٍ تمضي باتجاه التطرف. ونحن نعرفُ أنّ المؤتمر الأول للأزهر عام 2014، والذي حضره عشرات اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، كان هدفُهُ مكافحة التطرف والإرهاب، باعتبار التطرف مؤدياً إليه. ولا تزالُ الجهودُ قائمةً ومتتابعة؛ وبخاصةٍ لدى المؤسسات الدينية الإسلامية. وما عانى المجتمعُ اللبناني لهذه الجهة ما عانته المجتمعات العربيةُ الأخرى. لكننا نحن اللبنانيين نُعاني منذ القديم من الطائفية والمذهبية اللتين قام عليهما النظامُ السياسيُّ ولا تزالان تنخرانه حتى العظْم، وتحولان دون تطور النظام وتطويره.
وهكذا فإذا كان المُرادُ إحقاق مقولة العيش المشترك، وهي مقولةٌ لبنانية عريقة، فإنّ ذلك يحتاجُ إلى أمرين: التأهُّل من جانب المؤسسات الدينية والثقافية، وذلك بالمعرفة والمتابعة والإدارة والاستنارة والتنظيم، والتضامُن بين سائر الفئات الدينية والثقافية والفكرية والسياسية، المهتمة والمهمومة فعلاً بوحدة المجتمعات واستقرارها. الدينُ كما نعرفه في خطر، والمجتمعاتُ في أخطار. ونحن بحاجةٍ من أجل الاستقرار الاجتماعي والسياسي إلى مكافحة التطرف الذي يُشرذم الأديان والمجتمعات، وإلى مكافحة استثمار السياسيين للطائفية والمذهبية اللتين تُحوِّلان العيش المشترك مُساكنة، بدلاً من المواطنة.
أما المسألةُ الثانية أو الأولويةُ الثانية فهي التجديدُ والإصلاحُ في تجربة الدولة الوطنية في لبنان والعالم العربي. لقد فشلت التجربةُ في بلدانٍ عربية عدة، صارت مواطن ومستنقعاتٍ لحروبٍ أهلية وإقليمية ودولية. والدولةُ الوطنيةُ في لبنان، والنظام السياسي اللبناني، يعانيان من تأزمٍ شديد. وإذا كان الملفُّ الأولُ، أي الديني، تتقدمُ فيه مسؤوليات المؤسسات الدينية، وإن لم تنحصرْ بها وبرجال الدين كما سبق القول؛ فإنّ ملفّ الدولة الوطنية ونظامها السياسي، تقعُ بشأنه المسؤوليةُ على عاتق السياسيين وإن لم تنحصر بهم. إعلانُ الأزهر تحدث مراراً عن الدولة الوطنية الدستورية الديموقراطية القائمة على المواطنة. والمفروض أننا نملكُ ذلك كلَّه في لبنان، فلماذا التأزُّمُ الهائلُ إذاً؟ إنّ الذي أراهُ أنّ التأزُّم الحاصلَ له علتان: مطامحُ ومطامعُ الغَلَبة من جهة، وإصرار الراديكاليين من السياسيين على الفصل بين اللنبانيين مسيحيين ومسلمين، وسنةً وشيعة. وكما لم نخضع لأوهام التطرف والإرهاب والدولة الدينية؛ فكذلك لا ينبغي الخضوع لهذه الانفصاليات التي تُخِلُّ بالعيش المشترك وبالدستور. وهكذا فإنّ النُخَب الثقافية والفكرية والدينية والسياسية، وبالنضال السلمي الوطني والثقافي والسياسي، يكون عليها أن تنهضَ لاستعادة العناوين والأولويات الوطنية والدستورية للمواطنة والعيش المشترك. لقد نشبت في بلادنا نزاعاتٌ أهليةٌ سياسيةٌ ومسلَّحة بدعاوى الظلم والهضم والغُبن.
أما اليوم، فكلُّ اللبنانيين مُصابون ومظلومون ومغبونون بدولتهم ونظامهم السياسي. فلتظهر جبهاتٌ وتحالُفاتُ تضامُنٍ غير طائفية ولا مذهبية ولا انقسامية من أجل إحقاق الدولة الوطنية الدستورية الديموقراطية المدنية. إنّ طموحنا ينبغي أن يكونَ في الدين كما في الدولة والنظام السياسي: استعادة سطوة وسلطة وطموحات الـMain Stream أو الغالبية في دولةٍ وطنيةٍ ديموقراطية ذات سيادةٍ واستقلال. لقد تحدث إعلانُ الأزهر عن الدولة الوطنية الدستورية التي تحمي الناس وتصونُ مصالحهم، ولا تعلو على سلطتها وشرعيتها أي سلطةٍ أو شرعيةٍ أُخرى، لأنها دولة المواطنين الأحرار.
أما المسألةُ الثالثةُ أو الأولوية الثالثة فهي لتصحيح العلائق بالعالم. وقد تحدث إعلانُ الأزهر عن استعادة الصِلات الودية بالجهات الدينية في العالم، والوصول من هذه الطريق لمكافحة وتجاوُز الإسلاموفوبيا ودعوات الكراهية، وسواء أكانت آتيةً من جهاتٍ عندنا أم في العالم. وقد كان اللبنانيون في نخبهم ومجتمعاتهم وحركتهم ومؤسساتهم وفي علاقاتهم يؤدون هذا الدور على مدى عقود. إنما مع تكاثر الأزمات في النظام السياسي وفي المجتمع، ما عادت دعوةُ لبنان مسموعة أو قائمة. فإذا أردْنا نحن اللبنانيين استعادة هذا الدور، وهذه الرسالة، بحسب مقولة البابا يوحنا بولس الثاني؛ ورغبة الأزهر؛ فإنّ ذلك يشترط أمرين: أن يُظهر عيشُنا المشترك نجاحاً من جديد لجهة الانفتاح بين فئاته، ولجهة فتح النظام السياسي على التطور المدني الديموقراطي، وأن يستعيد نظامُنا السياسي من خلال ذلك عافيته وشرعيته وثقة المواطنين به.
بيد أنّ تصحيح العلاقة بالعالم يحتاج إلى ما هو أكثر من التضامُن الداخلي. يحتاجُ إلى أنظمةٍ سياسيةٍ عربية غير تابعة لا في الإقليم، ولا على المستوى الدولي. ليست هناك منطقة في العالم اليوم، فيها جيوش وميليشيات وقواعد أجنبية أكثر من المنطقة العربية. وما عاد هناك بلدٌ مستعمَرٌ في العالم غير فلسطين العربية. ولذا فإنّ جزءًا كبيراً من تصحيح العلاقة بالعالم، يتمثل من جديد في نهوض الدولة الوطنية العربية، والنظام العربي العام، والذي يبعثُ على الاحترام.
لقد كان مؤتمر الأزهر وإعلانُه للمواطنة والعيش المشترك مُدهشاً في الوعي والبصيرة وإرادة النهوض. والمدهشُ أيضاً وأيضاً هذا الذي نشهدُهُ اليوم برعاية البطريرك بشارة الراعي وبحضور هذه النخبة الكبيرة والمستنيرة من اللبنانيين. هذا هو الأملُ، الذي يبعثُ على العمل في شتى الاتجاهات، لتكونَ لنا حياة، وتكونَ حياةً أفضل!

* كلمة أُلقيت في المؤتمر الذي أقامته البطريركية المارونية في جامعة سيدة اللويزة في 1 تموز(يوليو) عام 2017 لملاقاة مؤتمر الأزهر للمواطنة والعيش المشترك. وقد انتهى المؤتمر بإعلان اللويزة، وبتشكيل لجنة متابعة.

المصدر: الحياة




ما هي الدراسات الإسلامية؟

بقلم: د. رضوان السيد — قبل أقل من أسبوع، وبمناسبة حصولي على جائزة الملك فيصل العالمية، فرع الدراسات الإسلامية، ألقيتُ بقاعة الملك فيصل بالرياض محاضرةً عن أعمالي في التفكير السياسي في الإسلام ومسألة المرجعية العلمية والأكاديمية في الدراسات الإسلامية. وبالطبع فإنّ هذا السؤال، الذي يعني: ما هي الدراسات الإسلامية ولمن السلطة العلمية أو التأويلية فيها؟ طُرح كثيراً في العقود الأربعة الماضية، وهو ما يزال مطروحاً بقوة وسيبقى كذلك لسنواتٍ قادمة. فقد بلغ من هول التحديات التي تُواجهُ العرب والإسلام (السني) في المحيط القريب والبعيد، أنها صارت تحدياتٍ للدين الإسلامي ذاته. لكنها قبل أن تصبح كذلك بفعل انفجار الإحيائيات السنية والشيعية في السبعينات من القرن الماضي؛ كان انقلابٌ جذريٌّ يحدث من جانب” المراجعين الجدد” على الأكاديميات التقليدية والمحدَّثة للإسلام والإسلاميات في المجال الغربي. إنما قبل الوصول للحديث في ذلك، دعوني أُقدّم بإيجاز لإشكاليات المجال والمرجعية في عالم الإسلام الكلاسيكي، وبإيجازٍ آخَر لنشوء علم الإسلام وتطوراته في المجال الأوروبي والغربي.

I

علوم الإسلام ومفهوم العقل
يعتبر جورج مقدسي أنّ علوم الإسلام في العصر الوسيط قامت على تقليدين متمايزين، تقليد الإنسانويات، وتقليد الإسكولائيات(1). وهو يقصد بالإنسانويات تلك القاعدة العريضة والمشتركة من علوم اللغة واللسان والمنطق المعروفة عند الإغريق، والتي التقت من خلال الترجمات في القرنين الثاني والثالث للهجرة، مع علوم اللغة والنحو الناشئة بالعربية في تلك الفترة. وكما صارت إنسانويات المنطق والبلاغة أساساً لعلوم العقل التي ظهرت ترسيمتها الأُولى بالعربية لدى الكندي(-252هـ)، والفارابي (-339هـ) باعتبارها تطوراً عن الـ Paideia(2)؛ فإنها ظهرت في عالم الإسلام باعتبارها قاعدةً لعلوم الشرع، كما تبلورت لدى الخليل بن أحمد(-150هـ) في كتاب العين، ولدى الشافعي(-204هـ) في الرسالة.
وعندما نتحدث عن السكولائية في سياق علوم العقل، فالمقصود بها البرنامج الدراسي المكوَّن من الخطابة والمنطق والشعر والموسيقى والهندسة والفلك والرياضيات وعلم العدد والعلم الطبيعي وما وراء الطبيعة، والحكمة العملية المكوَّنة من العلم المدني أو الأخلاقيات والسياسيات. أما علوم الشرع؛ فإنّ برنامجها الدراسي جرى تقسيمه إلى علوم وسائل وهي اللغويات واللسانيات وعلوم البلاغة والمقترنة بحفظ القرآن، لتصبح علومُ المقاصد هي التفسير والحديث والفقه وأصوله والكلام. ثم هناك العلوم المُساعدة والتي تباينت بشأنها الآراء مثل المنطق والسيرة والتاريخ إلى آخِر المتفرعات عن علوم الوسائل والمقاصد. إنّ علومَ الشرع بحسب هذه الترسيمة التي تبدو في القرن الرابع الهجري في الفهرست لابن النديم بمقالاته العشر، هي التي حملت في العصور الكلاسيكية عنوان: علوم الإسلام(3).
مقدسي إذن وبخلاف روزنتال(4) يقيم قاعدةً مشتركةً لعلوم العقل وعلوم الشرع في اللغويات واللسانيات وفنون الفيلولوجيا، بينما يرى روزنتال أنّ القواعد المشتركة بين علوم العقل وعلوم النقل تقتصر على الآداب أو التقنيات المشتركة والتي تهب الموضوعات المختلفة صبغتها العلمية. والذي يبدو لي أن مسلمي العصور الوسيطة وسواء أكانوا علماء شرع أوأهل فلسفة، إنما اعتبروا القاعدة المشتركة هي النظر العقلي. وقد اختلفوا منهجياً على مفهوم العقل، وطرائق تدبيريته أو الإفادة منه. والدليل على ذلك رسائل الكندي المتعددة في العقل، ورسالة معاصره المحاسبي(-243هـ) المسمَّاة: مائية العقل وحقيقة معناه. ففي حين قال الكندي ومن بعده الفارابي إنّ العقل جوهرٌ فردٌ مُدركٌ للأشياءُ بحقائقها ويتفاوت فيه الناس؛ فإنّ المحاسبي اعتبر العقل غريزةً أو نوراً يتساوى فيه جميع الناس، وإنما يتمايزون بالتجربة والعلم والحلم والاكتساب. فالـCurriculum الإسكولائي لدى الإغريق وفلاسفة الإسلام يصطنعه ذوو الحكمة المعطاة من أعلى، بينما تصبح التربية والتعليم في علوم الشرع تثقيفاً وتجربةً وعقلاً مكتسَباً(5).
من الفيلولوجيا إلى التاريخ الثقافي وعلم الإسلام: تأسَّس الاستشراق الذي صار يدعي لنفسه سِمة العلمية على الفيلولوجيا والتاريخ مثل سائر العلوم الإنسانية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وبلغ ذروته خلال القرن التاسع عشر مع ظهور أعلامه الكبار في المانيا وبريطانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا. والأعلام الكبار هؤلاء هم الذين فصلوه بالتدريج عن بحوث الصين والهند والشرق الأقصى، ثم ناضلوا ليفصلوه عن علوم نقد العهدين القديم والجديد، وقد نشأ فيما يتعلق بالعربية والإسلام في ظلّهما(6).
لقد لاحظ جورج مقدسي هنا أيضاً أنّه كانت هناك مفارقة بين النهوض الأوروبي والآخر الإسلامي. ففي حين ظهرت الإنسانويات في عالم الإسلام الوسيط قبل البرنامج السكولائي والتعليمي؛ فإنّ السكولائية في عالم الجامعات الأوروبية ظهرت قبل إنسانويات النهضة في القرن السادس عشر وما بعد(7). وقد كانت لذلك نتائج كبرى على دراسات الاستشراق بعامة والإسلام بخاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. إذ رغم العمل ظاهراً على الفيلولوجيا والتاريخ؛ فإنّ فكرتين رئيسيتين استبطنتا هذا التخصص المتبلور: فكرة انحطاط الروح التعليمي والحضاري في الإسلام، وفكرة إخضاع دراسة الإسلام لمقاييس تأمل العهدين باعتبار القرآن والإسلام مشتقَّين منهما من جهة، وربط إمكانيات النهوض بدراسات الإسلام بالتقاليد الكلاسيكية التي نهضت أوروبا الإنسانوية على أساسٍ منها(8). ولذلك كثرت المؤلفات في أصول القرآن والإسلام، وهل هما يهوديان او مسيحيان- ومن جهةٍ أُخرى تعليل الانحطاط الثقافي في عالم الإسلام بالتخلي عن التقاليد الثقافية والفلسفية الإغريقية والهيللينية، وسيطرة الجمود بسبب استيلاء أهل السنة في الدين والثقافة، وخنق الفلسفة وتيارات التحرر التي تنتمي بالانتساب أو بالتأثر إلى الثقافات الكلاسيكية. ولذا فإلى جانب نشر مخطوطات الفيلولوجيا والتاريخ، كان هناك انصرافٌ لنشر المؤلفات الفلسفية، بعد أن كان الميراث العلمي العربي قد نُشِرت كثرةٌ من دثائره مترجمةً إلى اللاتينية في القرون السابقة(9). وعلى هذا فقد ساد في دراسة الإسلام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين ميلان متناقضان: ميلٌ إلى إبراز شدة التشابُه بين الماضيين الأوروبي والإسلامي، وميلٌ إلى إبراز شدة الاختلاف. وفي كلتا الحالتين فقد ظلَّ المحكُّ هو مصائر التقاليد الكلاسيكية في ثقافة المسلمين وحضارتهم. وقد لاحظ جوزف فان أس أنه فيما بين فلهاوزن وكارل هاينرش بيكر ظهر اتجاه التاريخ الثقافي أو المجال الثقافي الإسلامي، وصولاً للمطالبة بإنشاء علم الإسلام باعتباره جزءًا من الحضارة الكلاسيكية، التي ينبغي العملُ على إحياء تقاليدها، كما نهض الاوروبيون من خلال المواريث الإغريقية(10). وكان ذلك أقصى ما استطاعت التاريخانية بلوغَهُ أو التفكير فيه خلال القرن العشرين، والمَثَلُ على ذلك كتاب آدم متز: رينسانس الإسلام، عام 1922؛ والذي رغم مثاله النهضوي الأوروبي، صار نموذجاً للدراسات الإسلامية الجديدة، وهو التعبير الذي كثُر استعماله في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين وحتى أواخر الخمسينات.
II
ثقافة الأصالة وثقافة القطيعة والمراجعون الجدد: فيما بين مطالع القرن العشرين والستينات منه سادت أُطروحة التاريخ الثقافي باعتبارها رافعةً في النهوض العربي والإسلامي. وكثرت مشروعات المعاجم ودوائر المعارف، والمجامع اللغوية. وفي الجامعة المصرية الأهلية الجديدة ثم الرسمية توارد المحاضرون من المستشرقين الألمان والطليان والإنجليز والفرنسيين للكلام في الفلك والترجمات وتاريخ العلوم العربية المستندة إلى الكلاسيكيات، والآداب وفقه اللغة. واتفق أحمد أمين وطه حسين وعبد الحميد العبّادي على الكتابة في التاريخ الفكري والتاريخ السياسي والتاريخ الأدبي لأزمنة الإسلام الكلاسيكية(11). ومع هذا الاستمداد أو في امتزاج معه ظهرت أُطروحة الثقافة الوطنية أو القومية التي ما لبثت أن أطلّت على فكرة الثقافة الإسلامية. وكما كان في الوطنيات أصيلٌ ودخيل، فكذلك في الإسلاميات. في الجامعة المصرية، كان الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر فيما بعد (1945-1947) يدرّس مادة الفلسفة الإسلامية، وكان إلى جانبه ماكس ما يرهوف وباول كراوس اللذان كانا يعملان مثل أجيالٍ من قبل على نقل العرب للتراث العلمي والفلسفي في الازمنة الكلاسيكية. والشيخ عبد الرازق كتب أيضاً عن الفارابي. لكنه وبخلاف السابقين، ودون أن يخرج على السقف الفلسفي المصطلحي، ذهب في كتابه:” تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية” الصادر عام 1943 إلى أنّ أولويات الأصالة في الثقافة الإسلامية تشير إلى علماء أصول الفقه ثم علماء الكلام ثم التصوف وأخيراً فلاسفة الإسلام المعروفين مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد(12). في التاريخ الفكري للإسلام اعتبر أحمد أمين في” ضحى الإسلام” المعتزلة هم فلاسفة الإسلام وأحراره الحقيقيون، أما زميله الشيخ عبد الرازق فقد اعتبر علم أصول الفقه هو الأكثر أصالةً، ويأتي المتكلمون والمتصوفة بعد ذلك. فإذا كان كثيرون ما يزالون يبحثون عن العناصر الهيللينية والهندية والبوذية في الكلام والتصوف؛ فإنه لا أحد يُنكر على علماء الأصول عبقريتهم الإبداعية وبحثهم العميق في القواعد الفكرية والمنطقية للاستنباط. وهذا فضلاً عن امتلاكهم أو امتلاك كثيرين منهم دعوى معرفة التراثين الكلاسيكي والإسلامي.
فتحت فكرة التاريخ الثقافي المجال واسعاً للمبادرات وتداخُل التخصصات باعتبار الثقافة عالماً شاسعاً ومفتوحاً على احتمالاتٍ بالغة الروعة. لكنها ما ألْغت فكرتين أُخريين مشكلتين: الإبداع والأصالة. فالإبداع لدى المستشرقين ظلَّ كلاسيكياً في مقولاته وإنجازاته الكبرى من إغريقية وهيللينية، بينما انصبَّ جهد العرب والمسلمين في زمن مصارعة الاستعمار والتغريب على استكشاف الأصالة التي صارت حصراً للذات وقولاً بالإبداع الذاتي، ونفياً للغريب والوارد قديماً وحديثاً. ثم ما لبثت أن التقت مع الإحيائيات الصاعدة التي اعتنقت التطهر والتطهير فانشعبت إلى ثلاث شُعَب: شعبة العودة إلى الكتاب والسنة لاستكشاف ما هو الإسلام، وشعبة نقد التغريب في الأزمنة الحديثة والمتسلل إلى المجتمعات والدول من خلال الاستشراق والاستعمار والغزو الثقافي، وشعبة المطالبة بتطبيق شريعة الإسلام المطهَّرة والمصفَّاة(13).
إرتبطت دعوات الأصالة تدريجياً بامرين آخرين: العقْدنة، إذ صارت إداناتُ الغرب أموراً عقائدية، والأمور العقائدية الأكبر والأهم أُطروحة تطبيق الشريعة، وهي التي جعلت الاجتهاد الفقهي الحر والذي كان قد بدأ بالانتعاش، مسألةً اعتقاديةً في الحِلّ والحرمة والشرعنة. وإذا كانت ثقافة القطيعة هذه مع الغرب ومع التاريخ القريب قد تغلغلت في أوساط المتدينين المهمَّشين والمتعبين والمقبلين على الإحيائيات الدينية؛ فإنها صارت شاملةً للمتدينين وغيرهم عندما دخل فيها الكُتّاب اليساريون والقوميون(14). وقد كان دخولهم ذا شعبتين أيضاً الحملة على الموروث الديني، والحملة على الغرب الرأسمالي والاستعماري. وإذا كانت ثقافة العقدنة لدى الإسلاميين قد أعلنت عن نفسها من خلال كتب الغزالي وسيد سابق وسيد قطب والقرضاوي؛ فإنّ القطيعة اليسارية والقومجية مع الموروث أعلنت عن نفسها في كتب الجابري وأركون وأدونيس وآخرين كثيرين. وقد ظهر ذلك في مؤتمر الكويت عام 1974 عن التراث وضرورات القطيعة معه. وبالطبع فإنهم يقصدون بالتراث والموروث الإسلام كلَّه؛ باعتبار أنهما عائقان مانعان لدخول المسلمين في الحداثة.
وإذا كانت نهضويات التاريخ الثقافي في المجال العربي قد قضت عليها تيارات الأصالة والقطيعة من اليمين واليسار في الحرب الباردة؛ فإنّ الدراسات الإسلامية التي شهدت ولادةً جديدةً من خلال مقولة التاريخ الثقافي في الغرب؛ ظهرت هشاشتها في مناسبتين: مناسبة كتاب إدوارد سعيد: الاستشراق عام 1977، ومناسبة صدور كتابي وانسبورو: دراسات قرآنية، وكرون ومايكل كوك: الهاجرية Hagarism – فالتاريخ الثقافي الاستشراقي يمثّل في نظر إدوارد سعيد بقايا خطاب استعماري ينبغي أن يزول. أمّا وانسبورو فيعتبر أنّ القرآن ظهر في القرن الثالث الهجري مجموعاً من شذرات، ولذا لا بد من إعادة قراءة أصول الإسلام مرةً اُخرى بعيون جديدة تماماً. في حين تذهب باتريشيا كرون وزميلها إلى أنّ الأخبار عن التاريخ الإسلامي الأول في زمن النبي ونبوته وزمن الصحابة كلها مكتوبة بعد القرن الثالث الهجري للتغطية على الأصول اليهودية للإسلام. ولذلك إذا أردنا أن نعرف شيئاً عن الإسلام الأول، فيكون علينا أن نأخذه من المصادر السريانية والعبرية والبيزنطية المعاصرة لحدث ظهور الإسلام. وما أن جاءت التسعينات من القرن الماضي، حتى كان تيار “المراجعين الجدد” هؤلاء قد سيطر على مراكز نافذة في الجامعات والمعاهد والكراسي والمجلات العلمية.
لقد انتهى اتجاه التاريخ الثقافي في الدراسات الإسلامية في الشرق ثم في الغرب. انتهى في الشرق على أيدي دُعاة الأصالة والقطيعة، وفي الغرب على أيدي نقاد خطاب الاستشراق والاستعمار والمراجعين الجدد(15). أمّا في المشرق فإن الإسلاميات صارت بحوثاً في الدين والدولة وتطبيق الشريعة مع بعض متعلقات الهوية. وهي لدى اليساريين والليبراليين تحولت إلى إدانةٍ للموروث، واعتبار آنّ الإحيائيات خرجت من رحمه، ولا بد للتخلص منها أن نتخلَّص منه. وأمّا في الغرب فقد انقسمت إلى قسمين: القسم الذي يتولاه “المراجعون الجدد” وقد عاد لليهوديات والعنفيات في أصل الإسلام. والقسم الذي يتولاه السوسيولوجيون والأنثروبولوجيون ولذلك صار كلٌّ من غلنر وغيرتز وجيلسنان أعلاماً ومرجعياتٍ في فهم الإسلام لدى الغربيين- بالإضافة إلى المستشرقين الجدد الذين يعملون خبراء أمنيين لدى إدارات الدول في مكافحة الإرهاب! أما تقليديو التاريخ الثقافي فقد صاروا معدودين على أصابع اليدين من مثل مؤلفات هودجسون ومونتغومري وات وفان أس ومادلونغ وجيماريه. وأعمال هؤلاء الكبار الكبيرة سائرة إلى انقضاءٍ بسبب التقدم في السن أو الوفاة، لكن أيضاً بسبب انقضاء الاهتمام.

III
هل المشهد مُقْبضٌ إلى هذا الحدّ؟
إذا أردنا أن نعرف مدى السوء والضرر الذي نزل بعلم الإسلام أو تخصص الدراسات الإسلامية، فلننظر في كتاب الأستاذ وائل حلاّق الصادر عام 2013 بعنوان: الدولة المستحيلة. الأستاذ حلاّق إلى جانب موتسكي الألماني هما الأكثر معرفةً بالتاريخ الفقهي الكلاسيكي. ولحلاّق أعمالٌ جليلةٌ في تاريخ الفقه والأصول. لكنه في كتابه السالف الذكر يضع المسلمين والإسلام وبحجة الاحترام الكبير الذي يملكه لهما في موقفٍ مستحيلٍ بل في موقفين أو بين مستحيلين. فالانضمام إلى الدولة الحديثة أو الدخول فيها بالموروث المحدَّث والساعي للتلاؤم مستحيل. لأنّ الدولة الغربية الحديثة تعتمد مطلقات غير أخلاقية، وتفترض التهميش والإلغاء. ولا يستطيع المسلمون بموروثهم الفقهي والأخلاقي الهائل الدخول فيها بشروطها. بيد أنّ هذا الموروث لا يبلغ من تلاؤمه أن يتمكن من الدخول في الزمان رغم كل الجهد المبذول. ولذلك فإنّ المسلمين لا يستطيعون البقاء حيث هم، محتفظين بإسلامهم وإنسانيتهم، كما أنهم لا يستطيعون الانضمام لزمان الغرب بأي شروط!
لقد عملتُ على قضايا التفكير بالدولة في المجال الإسلامي طوال أكثر من ثلاثين عاماً. ومعرفتي بالفقه وأُصوله، وبعلم الكلام أو علم أصول الدين لا بأس بها. وما توصلْتُ إلى النتائج التي توصل إليها الأستاذ حلاّق. لكنني هنا معنيٌّ بالدرجة الأُولى بإمكان افتكاك الدراسات الإسلامية أو علم الإسلام من الإرغامين: إرغام الإسلاموفوبيا الذي يسود منذ ثلاثة عقود دراسات الإسلام في الغرب وبعض الشرق. وإرغام أو إرغامات اعتبار الدين أو الشريعة مقولات ذات صبغة عقدية تستدعي التطبيق.
لقد ظهرت الدراسات الإسلامية في الغرب وفي ثلاثة بلدانٍ رئيسية هي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. ورغم كل المتغيرات التي حصلت وتحصل، فلا غنى عن الشراكة مع الغربيين في اتجاهاتٍ وتوجهاتٍ جديدة. وذلك لأنّ الغربيين أقاموا كما في سائر مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية مؤسَّساتٍ ومعاهد بحثية ومجلات علمية ومؤتمرات ومنتديات للتشاور والإنتاج المتبادل والمتداخل(16). لكننا في حالتنا الحاضرة، وفي حالتهم الحاضرة (أعني الموجات العاتية للإسلاموفوبيا ) يُصبح الحديث عن الشراكة المجدية صعباً ويستدعي التأمل والإتساء. ولذلك فلنبدأ من مجالنا الخاص. نحن محتاجون من أجل تجديد العمل في الدراسات الإسلامية إلى التأهُّل، التأهُل لاستعادة السكينة في الدين، والتخلص من الإسلامين السياسي والجهادي. وهذا شرطٌ تاريخي لأنه يتناولُ العمل مع الجمهور وعليه، وفي الوقت نفسِه العمل مع الدولة وعليها. وهذا العمل الذي ينبغي ان نقوم به نحن العلماء، ويقوم به المثقفون والإعلاميون شديد التعقيد. وذلك لأنه يشمل أمرين متوازيين ومتداخلين: الخروج من اعتبار الإسلام مذهباً أو حزباً سياسياً يعمل على إحقاق الدين بواسطة الدولة أو بقوتها وإرغامها- والخروج من الخوف من الدولة والخوف عليها. وقد سمَّيتُ هذا التمهيد أو الشرط تاريخياً، لأننا لم نقم به من قبل لا في الدين ولا في الدولة.
إنّ العملَ الآخَرَ أو الشرط الآخَر منهجي، وهو يأتي متزامناً مع الشرط التاريخي. وذلك لأنه يشمل في منحاه الأول العمل على تحويلات المفاهيم التي أحدثتْها الإحيائيات وأحدثها الاستراتيجيون الغربيون عن الإسلام وعن المسلمين. لا يحبُّ المتدينون تعبير الإصلاح الديني لشبهه بالإصلاح البروتسانتي. ولذلك قلت إنّ علينا استعادة السكينة في الدين، بحيث لا يدخُلُ ضمن مشروعه أو أولوياته إقامة الدولة الدينية. وفي الوقت نفسِه علينا أن نعمل على تصحيح التجربة السياسية للدولة الوطنية بحيث تأمن من التغول عليها باسم الدين، ويأمن الناسُ فيها. شيخ الأزهر في إعلان الأزهر قبل شهر، اعتبر الدولة المدنية، أو دولة المواطنة من إنشاء النبي(ص) في تجربته السياسية بالمدينة المنوَّرة. وهذا كله يتضمن أعمالاً فكريةً واجتهاديةً كبرى لإخراج فقه العيش وفقه الدولة والدين من العقدنة الصاعقة في أذهان الجمهور وأذهان وتصرفات الحزبيات الدينية المسيَّسة.
أما العمل المنهجيُّ الآخَر فهو العملُ العلمي الفردي، والآخَر المؤسسي. لقد عملتُ أستاذاً للدراسات الإسلامية على مدى خمسةٍ وثلاثين عاماً، ودرّست وكتبْتُ في عشرات الموضوعات، لكنني – من وجهة نظري- لم أبرعْ وأُنتج إنتاجاً فيه بعض الجِدّة إلاّ في مجال التفكير بالدولة أو التفكير السياسي في المجال الإسلامي القديم أو الكلاسيكي. ولذلك فالذي أراه وبعد التوسع في علوم الوسائل ومنها اللغات، علينا العودة للالتزام بالتخصص الدقيق في ستة تخصصات: القرآن وعلومه، وعلوم السنة والحديث، والفقه وأًصوله، وعلم الكلام، والتاريخ الإسلامي، وتاريخ العلوم الإسلامية. وتعلمون أنّ لكلٍّ من هذه العلوم فروعاً وتشقيقات يمكن أن يعمل عليها الشبان الجدد إلى جانب أساتذة الكراسي. وفي قسمٍ أو معهد يمكن أن تكون هناك وظائف للاستشراق أو الدراسات الإسلامية الحديثة أو دراسات للحالات. إنّ الذي أقصده من هذا الكلام تجربة المعاهد البحثية العليا. والمجال هنا ليس للحديث عن الجامعات الدينية التي يمكن أن تكون فيها كليات، يكون المقصود منها التعليم الديني وتنشئة الأئمة والمدرسين في المعاهد والإعداد لوظائف ومهمات محددة. لكنْ حتى في تلك الجامعات، أنا أرى أن تكونَ هناك معاهد بحثية عليا للماجتسير والدكتوراه وممارسة البحث العلمي. وهي خاصةٌ بالمتميزين الممنوحين. ولستُ أقول جديداً بالطبع. فهذا النوعُ من التنظيم هو السائد في الولايات المتحدة، وبعض الجامعات الأوروبية. لقد عانيتُ من الاضطرار لتدريس كل شيئ، ومن تعليم الطلاب مختلف المواد في السنوات الجامعية الأُولى. كما أنني أدرتُ كلياتٍ للدراسات الإسلامية أو للشريعة ومعاهد عليا. وما شهدتُ نجاحاً كبيراً في الكليات، وشهدتُ بعض النجاح في المعاهد، لأنني خرّجتُ بالفعل بعض الشبان المتميزين.
إنني أتصور جذعاً إذن من ستة تخصصات في معهدٍ عالٍ فيه ست كراسٍ، ووظائف في موضوعات فرعية ليست كثيرة. وبعكس الكليات، يكون الهمُّ ليس التدريس والتنشئة فقط رغم وجودهما؛ بل البحث العلمي والتدريب. وهذه الفكرة موجودة ومتبعة كما سبق القول، ومضى عليها أكثر من قرن، لكنها مسألة حياةٍ أو موتٍ في الدراسات الإسلامية اليوم. لا أعرف كثيراً عن تجارب الدراسات الدينية في الدول الشيوعية السابقة والحالية. لكنني أعرف أنّ معاناة الإسلام هائلة في المشرق والمغرب، واستعادة الزمام والانضباط والمسؤولية ضرورية لبقاء الدين. ولذلك فإنّ الجهد ينبغي أن يكون استثنائياً. وستبتسمون، لكنني أزعم أنّ أستاذ الإسلاميات ينبغي في هذا الزمن بالذات أن يكونَ صاحبَ رسالة وليس داعيةً بالمعنى المتعارَف عليه لذلك. ما الهدف من وراء ذلك؟ استعادة الزمام والجدية بالإنتاج المتميز والذي يصنعُ فارقاً في فهم الدين وإفهامه- والوصول إلى التأهُّل للمرجعية أو المشاركة فيها. نريد أساتذةً عظاماً في الفقه والتفسير وعلم الكلام القديم والحديث يُشارُ إليهم بالبنان، ويُقصدون من الشرق والغرب. وبذلك نستطيع صنع شراكات في المدى المتوسط، وصنع مرجعيات في المدى الطويل أو خلال جيل كما يقول ابن خلدون. يقول ماكس فيبر (1864-1920) في محاضرته:” العلم باعتباره حرفة”(17) إنّ الأستاذ لا ينبغي أن يعمل في العمل العام، كما لا ينبغي أن يسعى لكسب المزيد من الرزق من خارج عمله العلمي. وقد لا يكون الأستاذ الكبير مدرِّساً جيداً، لكن ينبغي أن يُمكَّنَ من تولّي كرسيٍّ للتفرغ للبحث العلمي. العلم عند فيبر Beruf أي حرفة، لكنه أيضاً Berufung أي رسالة. وقد نصحتُ الزميل المترجم لمحاضرتَي العلم والسياسة أن يترجم Berufung بالاحتساب، لكنه أبى عليّ واعتبر ذلك تقعراً وحُوشية!
لقد قرأتُ قبل أيام بحثاً طويلاً وقيّماً لزميلتنا الدكتوره وداد القاضي عنوانه:” قضية المرجعية بين الشرق والغرب، ومستقبل الدراسات العربية والإسلامية”(18) تذكر فيه ضرورة مشاركة الطلاب والأساتذة في المؤتمرات العلمية والمجلات وتبادُل البعثات وسنوات أو شهور للتفرغ لبحثٍ معين. وهذه الأُمور عاديةٌ في الغرب وبعض الشرق. لكنّ المهمَّ أنّ هذه الأعمال والنشاطات ووسائل التنمية والتدريب والتأهيل، كلُّها أُمورٌ من أعمال المؤسسات ذات البنية والقوام والاستمرارية عبر أجيال. ونحن لا ينقصُنا المال ولا تنقصُنا القدرة على التميز، وإنما تنقُصُنا سعةُ الأُفُق، وطول النَفَس. وقد عرفت الجامعات الغربية أساتذةً عرباً ومسلمين تميزوا في العلوم البحتة والتطبيقية وحصل بعضهم على جوائز نوبل. لكنّ الباحثين العرب في الجامعات الغربية في الدراسات العربية والإسلامية وعلى كثرتهم وجودة تعليمهم وباستثناءات ضئيلة، ما تميزوا كما تميز زملاؤهم في العلوم الحديثة، ربما لأنهم خضعوا للمسبقات الأيديولوجية والأبستمية. ولذلك فإنّ لدينا تحديين: تحدي الإتْقان في التخصص، وتحدي الانخراط والتميز والتمايز في شروط وأواليات المرجعية الغربية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
وهناك شرطٌ ثالثٌ وأخير هو شرطُ الوعي بالتطور الديني والحضاري للإسلام والأمة وعلومه وعلومها. لقد تحدثتُ عن السياقات والتي تقتضي تنظيماً معيناً، وسميتُ الشرط الأول تاريخياً، والثاني ذا الشقين تنظيمياً. وأنا أُسمّي الشرط الثالث (وهو حديثٌ في الوظائف والمهمات والمنهجيات): وعياً بالتقاليد العلمية والحضارية. وأقصِد بذلك أنّ الهدف هو استكشافُ عمق وأبعاد هذا التقليد العريق العلمي والحضاري للاتجاه الرئيسي في الإسلام، والذي صنع هذا التاريخ الطويلَ للدين وللحضارة. وهو تقليدٌ كرهه الإحيائيون والإصلاحيون النهضويون، والكارهُ عاجزٌ عن الفهم والإفهام. لقد خرجت عليه السلفيات الجديدة باتجاه التأصيل، وخرج عليه العصرانيون باتجاه أوروبا والغرب. وبالطبع فإنّ الانكسارات التي عانى منها التقليد لا تعود للثورةعليه وحسْب؛ بل وللاختلالات البنيوية والزمانية التي تخلَّلتْهُ وأحاطتْ به. إنّ الدراسات الإسلامية الجديدة أو المجدَّدة شرطُها المنهجي والضروري الثالث هو القراءةُ الواعيةُ لهذا التقليد في استتبابه الفقهي والكلامي والثقافي والحضاري، وصولاً إلى تأمل تصدعاته وانكساراته. وإلاّ فكيف يمكن العمل تاريخياً ومنهجياً على الفهم والتقويم وإدراك تحولات المفاهيم وتحويلاتها، وقوانين ومسارات التغيير. وسيقال إنّ في ذلك رجوعاً أوعودةً إلى أُطروحة أو مقولة أو ممارسة: التاريخ الثقافي. وهذا طموحٌ ما عاد من الممكن وسط الظروف والشروط الحاضرة القولُ به أو ممارسته. فلستُ أربط قراءة التقليد في الحقيقة بمقولة التاريخ الثقافي، على الرغبة في ذلك، بل بالمسار الذي يزدهر للتأويليات بالمعنى المعاصر. فكلُّ قراءةٍ تأويل، وقراءة التقاليد الفكرية والدينية والمفهومية تأويلٌ نقديٌّ من طراز رفيع(19). فالمنهج الذي نقصد به إلى صنع مستقبل آخر للدراسات الإسلامية هو قراءة التقليد الإسلامي بطرائق نقدية وتأويلية دونما إنكارٍ ولا قطيعة ولا ابتسار بل من أجل الفهم والتجاوز وفتح الآفاق.
******
لقد تحدث كارل هاينرش بيكر عن “علم الإسلام”، بيد أنّ التعبير الذي ساد في حقبة “التاريخ الثقافي” هو تعبير أو مصطلح الدراسات الإسلامية. ولدينا اليوم نوعان من المؤسسات التي تمارس هذا التخصص على اختلاف المقاصد والمناهج: المعاهد والأقسام في الجامعات الغربية عن اللغات والحضارة الإسلامية والجامعات والمعاهد الدينية والمدنية في العالمين العربي والإسلامي. وفي المعاهد الغربية تسيطر اليوم السوسيولوجيات والأنثروبولوجيات التأصيلية(20). أمّا في الجامعات العربية والإسلامية فتسيطر العقائدياتُ والاعتذاريات والتسويغيات. والمرادُ وسط الشروط الثلاثة التي ذكرتُها الإتقانُ والانضباط والتأهُّل لأعمالٍ تأويليةٍ كبرى تُسهم في الخروج من العقدنة والإسلاموفوبيا. وفي هذا الوعي والعمل عليه يكمن مستقبل(21) الدراسات الإسلا مية، وقسطٌ كبيرٌ من مستقبل الإسلام: { فأمّا الزبد فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} (سورة الرعد:17).

أُلقيت بجامعة حمد بن خليفة، كلية الدراسات الإسلامية في مساء 10/4/2017.

الحواشي
(1) George Makdisi: The Rise of Humanism in Classical Islam and the Christian West (1990), 2-15, 121-140
(2) Werner Jaeger: Paideia, The Ideals of Greek Culture. Translated From the German by Gilbert Hichet, 1-111(1986).
(3) مقدسي، مرجع سابق، ص 2-4. وقارن بمقدسي: G. Makdisi: The Rise of Colleges. Institutions of Learning in Islam and the West (1981), 80-85.
(4) فرانتز روزنتال : مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي. ترجمة أنيس فريحة (1961)، ص ص 14-21. وقارن بنموذج الـ curriculum الفلسفي عند الفارابي في “إحصاء العلوم”؛David C. Reisman: Al- Farabi and the Philosophical curriculum; in: Arabic Philosophy, ed. Adamson and Taylor (2005), 52-71.
(5) رسائل الكندي الفلسفية. تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريدة، 1-2(1950) 1/165، 312، 348، والفارابي: رسالة في العقل. نشرة موريس بويج (1983)، ص 4-10- والمحاسبي: العقل وفهم القرآن. تحقيق حسين قوتلي(1978)، ص 201-202. وقارن برضوان السيد: العقل والدولة في الإسلام؛ في: الأمة والجماعة والسلطة، الطبعة الثالثة (2012)، ص ص 182-183، 191-193.
(6) Dirk Harwig(ed.): Im wollen licht der Geschichte. Die Wissenschaft des Judentums und die Anfänge der Koranforschung (2008) – Suzanne L. Marchand: German Orientalism in the Age of Empire (2009), 74-77, 135-240 وقارن برضوان السيد: المستشرقون الألمان، النشوء والتأثير والمصائر. الطبعة الثانية (2016)، ص 23-40.
(7) جورج مقدسي: Rise of Humanism ، مرجع سابق، ص ص 88-96.
(8) رضوان السيد: المستشرقون الألمان، مرجع سابق، ص ص 15-24.
(9) رضوان السيد: التراث العربي في الحاضر، النشر والقراءة والصراع (2014)، ص ص 75-97.
(10) Joseph van Ess: From Wellhausen to Becker: the Emergence of “Kulturgeschichte”; in M. Kerr(ed.) Islamic Studies: A Tradition and its Problems (1980), 27-52.
(11) رضوان السيد: النشر التراثي العربي، الأصول والاتجاهات والدلالات الثقافية؛ في: التراث العربي في الحاضر، مرجع سابق، ص ص 89-97، 115-120.
(12) مصطفى عبد الرازق: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية(1943)، ص ص 26-38، ورضوان السيد: المستشرقون الألمان، مرجع سابق، ص ص 79-80، ورضوان السيد: التراث العربي، مرجع سابق، ص ص 115-119.
(13) قارن برضوان السيد: سياسيات الإسلام المعاصر، مراجعات ومتابعات. الطبعة الثانية (2015)، ص ص 105-128.
(14) رضوان السيد: الأيديولوجي والمعرفي في تحقيقات التراث العربي وقراءاته؛ في: التراث العربي في الحاضر، مرجع سابق، ص ص 119-159.
(15) قارن بدراستي: ما وراء التبشير والاستعمار، ملاحظات حول النقد العربي للاستشراق؛ في كتابي: الإسلام المعاصر، مرجع سابق: ص ص 258-268.
(16) قارن بمقالة الأستاذة وداد القاضي: قضية المرجعية بين الشرق والغرب ومستقبل الدراسات العربية والإسلامية في العالم الجديد؛ في نشرة د. بلال الأرفه لي لمقالاتها المجموعة بعنوان: الرؤية والعبارة، دراسات في الأدب والفكر والتاريخ (2015) ص ص 27-54.
(17) ماكس فيبر: العلم باعتباره حرفة، والسياسة باعتبارها حرفة. ترجمة جورج كتوره، ومراجعة وتقديم رضوان السيد(2012). وانظر بحثاً لي عنوانه: ماكس فيبر، الأخلاق البروتستانتية: سلطة الأيديولوجيا وعلائقها الاقتصادية والاجتماعية؛ في: سياسات الإسلام المعاصر الطبعة الثانية 2015، ص ص 261-282.
(18) استشهدت بالبحث من قبل في الحاشية رقم 15.
(19) قارن على سبيل المثال بـHastings Donnan (ed.) Interpreting Islam (2002).
(20) قارن : Baber Johansen: Islamic Studies. The Intellectual and Political Conditions of a Discipline; in: Penser L’orient. Traditions et actualité des orientalismes français et alleman . Ed. Y. Courbage et Manfred Kropp. (2004), 65-93.
(21) قارن على سبيل المثال Fazlur Rahman: Islamic Studies and the Future of Islam; in Islamic Studies (ed. M. Kerr), op.cit. 125-135.

المصدر: موقع الدكتور رضوان السيد
http://www.ridwanalsayyid.com




الفكر العربي الإسلامي ومطلب التجديد: حوار مع المفكّر اللبناني رضوان السيّد

بقلم مولاي أحمد صابر — “رضوان السيّد” كاتب ومفكّر عربي من لبنان. وهو أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية، قسم الفلسفة. حاصل على الإجازة العالية من جامعة الأزهر، كُليّة أصول الدين (1970)، وعلى شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة توبنغن بألمانيا الاتحادية سنة 1977. له العديد من المؤلَّفات، والعديد من المقالات والدراسات والبحوث المنشورة في المجلات العلمية العربيّة والدوليّة. وهو يكتب أيضاً في الصحف والدوريّات.

وقد ارتأينا أن نُجري معه هذا الحوار الذي جاء تحت عنوان: “الفكر العربي الإسلامي ومطلب التجديد”.

مولاي أحمد صابر: الدكتور رضوان السيد، أنت رجلٌ غنيٌّ عن التعريف، لكنْ كيف تُقدّم نفسك للقارئ؟

أنا قارئٌ ودارسٌ للتجربة الفكرية والسياسية العربية والإسلامية في القديم والحديث.

مولاي أحمد صابر: لقد اشتغلتم وما زلتم على سؤال التجديد في الفكر العربي الإسلامي منذ عقود. ما هو تقييمكم المعرفي والمنهجي لهذا الفكر في الوقت الراهن؟

رضوان السيد: أوّل كتبي في مسألة التجديد أو الظواهر الجديدة في الفكر العربي الإسلامي صدر عام 1987، وكان بعنوان: الإسلام المعاصر. ومنذ ذلك الحين صدرت لي عدة كتب وعشرات الدراسات والمقالات في المسألة ذاتها. وكنتُ قد بدأْتُ حياتي العلمية أواخر السبعينات من القرن الماضي بدراساتٍ وكتبٍ ومقالاتٍ في التجربة الفكرية التاريخية للإسلام من الجوانب المفهومية، وما يزال هذا الاهتمام حاضراً بقوةٍ في عملي العلمي. لكنْ وكما سبق القول فإنني تنبّهْتُ بعد أواسط الثمانينات إلى مشكلات وإشكاليات الأزمنة المعاصرة على الأمّة والدين. ومنذ ذلك الحين، وبعد “الإسلام المعاصر”، وإلى جانب الدراسات والاستطلاعات التي نشرتُها في المجلات التي ترأستُ تحريرها، ظهرت لي كتبٌ في قراءة الظواهر الحديثة والمعاصرة، مثل: “سياسيات الإسلام المعاصر” (1997)، والصراع على الإسلام (2004)، ومقالة في الإصلاح العربي (2004)، والتراث العربي في الحاضر (2014)، و”أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسي” (2014)، “والعرب والإيرانيون” (2014). وهكذا فقد كانت لي متابعاتٌ لمسألة التجديد مظاهرَ وضرورات على مدى عقدين وأكثر. وقد ظهرت لي، كما سبق القول، دراساتٌ في المجلات التي حرّرتُها عن الإشكالية ذاتها، مثل الفكر العربي (1979- 1985)، والاجتهاد (1988-2004)، والتسامح/ التفاهُم (2004-2014). وحُكْمي على التفكير في المسألة العربية/ الإسلامية الحديثة والمعاصرة أنه يعاني من فصاماتٍ هائلةٍ بين التشدّد الخارج عن كلّ حدّ، والغربة الخارجة عن كل حدٍ أيضاً. فهناك هُوامات متصاعدة عبر أربعة عقود في سياق ما صار يُعرفُ بظاهرة الإحياء الإسلامي، وهناك من جهاتٍ أُخرى تأليفٌ كثيفٌ في لعن الموروث الفكري لأمّتنا، وتجربتها الحديثة والمعاصرة. وبالطبع فإنّه ضمن هذا الفصام أو الانفصام يظلُّ سؤالُ التجديد وارداً أو ملحوظاً، وإنْ بأشكالٍ مختلفةٍ خفيّة أو ظاهرة. إنمّا لأسباب بنيوية وأُخرى جدالية لا يتحقق شيء من ذلك. اليساريون الذين صاغوا منظومات فكرية ضخمة في قراءة التراث وتفسيره يكرهون الدين أو يضيقون به ذَرعاً، وهم يقصدون بالتجديد أو النهوض تفكيك الدين تحت اسم تكسير الأرثوذكسيات. لكنهم لا ينجحون في ذلك، ليس لأنه مستيحل فقط؛ بل لأنّهم أيضاً مخطئون في الفهم والتشخيص للمشكلات والرهانات. هم يقولون إنّ الجمود متأصِّلٌ في الموروث القروسطي والمتخلِّف والمفوَّت والمفوِّت، ولذلك ظهرت الأُصوليات أو استمرّت، وتفاقمت في الحاضر تحت وطأة الحداثة. وهذا تشخيصٌ مُخطئٌ تماماً. فالأصوليات الانشقاقية باتجاهاتٍ مختلفة جاءت أو ظهرت على أنقاض التقليد وليست استمراراً له، وهي لا تستظلُّ به ولو شكلاً. أمّا الإسلاميون على اختلاف فِرَقِهم وتنظيماتهم فقد ظهروا قبل قرنٍ باعتبارهم أعداءَ التقليد، وأرادوا وعملوا – كما يقولون ـ على العودة للكتاب والسُنّة مباشرةً. والطريف أنهم وهم يعملون على التحويل في المفاهيم بقصد العودة لنصوص الشريعة أو مقاصدها في مواجهة التقاليد البالية والبدعية؛ عمدوا لإنتاج إسلاماتٍ جديدةٍ تماماً قائمة على أمرين: استعادة الشرعية الدينية والسياسية (فكر الهوية)، وأسلمة “الدولة” بالاستيلاء عليها من أجل تطبيق الشريعة على المجتمع وإقامة الخلافة. ولذلك فإنّ أفهامهم ومسالكهم وتصرفاتهم أسوأ من أفاعيل الحداثيين الذين يتجاهلون الدين أو يكافحونه. بالطبع فإنّ التفكير في التجديد أو التغيير ليس منحصراً في هذين الفصامين، لكنهما غالبان فيه. والملفت أنّ الأمر آل إلى هذين الانسدادَين في العقود الأخيرة، أمّا قبل ذلك فقد كان هناك ما صار يُعرف بالتيار الإصلاحي، والذي انصبَّ عملهُ على نقد التقليد الذي اعتبره مغلقاً، وعمل على فتح منافذ للاجتهاد والتجديد. وقد أنجز إنجازاتٍ كثيرةً على مدى حوالي القرن من الزمان. ومعظمُ الاتجاهات المُشرقة والواعدة في شتى مجالات التفكير في المسألة الإسلامية هي من إنتاج ذلك التيار بأجياله الثلاثة. وقد واجه بدءًا بخمسينيات القرن العشرين تحدياتٍ شرسةً من أصوليات الحداثيين والإسلاميين، إلى أنْ قضى نحبه أو كاد في الثمانينات من القرن الماضي.

مولاي أحمد صابر: سؤال التجديد في جزءٍ كبير منه ينصبّ حول إشكال التراث والمعاصرة. ماذا يعني التراث بالنسبة لك في علاقته بالتجديد وروح العصر؟ وهل المعاصرة نقيضٌ لكلِّ ما هو موروث، أم على العكس من ذلك؟ وماذا تعني المعاصرة بالنسبة لك؟

رضوان السيد: لقد كان من “سوء الطالع” كما يقول الأُدباءُ القُدامى أنّ قسطاً كبيراً من جهد المفكرين العرب في القرن العشرين انصبَّ على معالجة هذه الإشكالية، سواء بالتركيز على التوافق أو التنافي أو التوسط بين هذا وذاك. ولم يظهر سوءُ تلك المقاربة إلاّ عندما ازداد ارتباطها بالدين أو اعتبار الدين جزءًا من التراث الذي لا بد من دخوله في معالجة هذه الإشكالية. وقد كان شيخنا محمد أبو زهرة يفرّق بين الاجتهاد والتجديد. ويرى أنّ الاجتهاد خاصٌّ بالمسلك الديني، والتجديد الفكري والثقافي هو عملٌ من أعمال العيش المباشر في العصر والعالم. والطريف أن يكونَ ذلك رأي محمد أبو زهرة الشيخ المعمَّم؛ بينما كان أُستاذنا محمد البهي يرى – تبعاً لمحمد عبده الذي كتب عنه أُطروحته للدكتوراه- أنّ الإصلاح الدينيَّ ضروريٌّ ضرورةً مطلقةً للدخول في العصر والعالم. والذي أراه أنّ هذه الإشكالية مستعارةٌ أصلاً من المستشرقين، وما بدت استعارتُها منذ أواخر القرن التاسع عشر سلبيةً أو سيئة. فقد حمل المفكرون الاستعماريون على الإسلام باعتباره سبباً لتأخُّر المسلمين، وردَّ عليهم كثيرون منهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورفيق العظم ..إلخ. وكان ذلك سبباً للتأسيس لتلك الإشكالية في الفكر العربي كُلِّه. لكنّ تلك الإشكالية كانت وقتها: الدين والعصر. بينما عنى المستشرقون بالتراث الإنجازات الفكرية والثقافية والأدبية واللغوية والتاريخية في الأزمنة الكلاسيكية. وكما انصرف المفكرون الأوروبيون في سياق التاريخانية وصناعة الانتماء والهوية إلى إحياء التراثين اليوناني والروماني؛ فإنّ المستشرقين في القرن التاسع عشر بالذات اعتبروا أنّ الموروث الفكري والأدبي العربي والفارسي والتركي ..إلخ يمكن أن يكون له دورٌ بارزٌ في النهوض وفي إعادة تحديد الهويات والانتماء. وإلى هذه النظرة في نشر النصوص ودراستها استند المثقفون النهضويون في أعمالهم الأُولى، دون أن يكونَ هناك تمييزٌ واضحٌ بالطبع أو تدقيق في علائق أو وشائج الفكري بالديني في الأزمنة الكلاسيكية. وازداد التدامُجُ بين الموروثين أو المواريث في المشكلات التي حصلت في حقبة ما بين الحربين العالميتين وبعدها؛ بحيث صار الحديث في الموروث أو التراث حديثاً في الدين، وصار الحديث في المعاصرة يقتضي اتخاذ موقفٍ من الدين أو المسألة الدينية. وقد درستُ هذه المسألة الإشكالية في كتابي الأخير (2014): “التراث العربي في الحاضر: النشر والقراءة والصراع”. والذي أراه بعد كلّ ما حصل أنّ المسألة الدينية في الحاضر ليست هي ذاتُها المسألة الفكرية والثقافية، والأمر أَوضح في الأزمنة الكلاسيكية. فالكتابةُ في التاريخ الثقافي العربي لا تختلف عن الكتابة في التاريخ الثقافي لأيّ أُمةٍ أُخرى. والتراث هو موضوع ذلك التاريخ الثقافي. وبالطبع فإنّ التفكير الديني والعلوم الدينية داخلةٌ في قسمٍ منها على الأقلِّ في التاريخ الثقافي. لكن هذا شيء، وما آلت إليه إشكالية “التراث والمعاصرة” شيءٌ آخَر. لقد فسد الموضوع، وينبغي تجاوُزُهُ، أو نظلّ نعمل في نطاق الفصاميات والقطائع. ليست المعاصرة “جوهراً”، وكذلك “التراث”. بل إنّ المعاصرة هي مناهجُ وطرائقُ وأساليبُ حديثةٌ في قراءة الموروث. وإن لم نحاول ذلك فسنظلُّ نعيد ونكرّر تجربة أو تجارب اليساريين والإسلاميين في إنتاج مقولاتٍ ضخمةٍ في تفسير التراث تفسيراً دينياً أو دنيوياً أو بين بين. الزمن زمن التاريخ وزمن الحاضر والمستقبل، والعرب يعيشون في هذه الأزمنة كُلِّها. ولا مكان لإشكالية التراث والمعاصرة فيها، بل للتاريخ الثقافي والعمل الفكري التجديدي والإبداعي. وليس معنى ذلك أنني أُحرِّمُ على الإسلاميين وخصومهم الحديث في الدين، لكنّ العقائديات والفصاميات سادت لدى الطرفين، ولا أرى مجالاً لقول المزيد.

مولاي أحمد صابر: ألا يقتضي الواقع اليومي في نظركم، أكثر من أي وقت مضى، نوعاً من التأسيس للفكر الإسلامي يأخذ بآليات المعرفة الحديثة والمعاصرة، ويستفيد من مختلف التجارب الإنسانية في التعاطي مع مرجعية الفكر الإسلامي بغية النظر إلى العلوم بشكل متكامل بدل تجزئتها إلى علومٍ شرعية وأُخرى عقلية؟

رضوان السيد: هذه التجزئة وقعت للأسف، وقد كان التقليديون والإصلاحيون والسلفيون ضدَّها ولأسباب مختلفة. فالإصلاحيون يرون أنّ الدراسات الدينية تستفيدكثيراً من العلوم العقلية القديمة ومن الفلسفات المعاصرة. أمّا التقليديون والسلفيون فقد وقفوا ضدّ تلك التجزئة؛ التقليديون لتفرقتهم القاطعة بين الأصيل والدخيل، والسلفيون لأنهم رأوا أنه لا مدخل للعقل في النصّ، باستثناء جزئيات الفقه المحدودة بحدودها. ونحن نعلم أنّ الدول الناشئة هي التي أحدثت هذه القسمة، وطعّمتْها من أجل التسويغ ببعض الأدوات والموضوعات التراثية. فجاءت المناهج هجينةً لأنّ التعقيل الفيبري (على سبيل المثال) لم يُداخِلْها. وعلى أي حال لقد فات الأوان. ونحن أمام واقع الفصام، وحتى الاجتهاد الديني يُعاني من أزمة مع أنه كان يسعى للملاءمة بقوة. اقرؤوا معي كتاب “الدولة المستحيلة” لوائل حلاّق، الصادر عام 2013 (قرأْتُه بسرعة في كتابي: أزمنة التغيير، الدين والدولة والإسلام السياسي، 2014). فقد كتب عشرات الكتب والمقالات عن جهود الملاءمة في الدراسات الفقهية الحديثة (بل والقديمة)، لكنه يقول الآن إنّ تلك الجهود ما كانت كافية، وإنه لا بد من الدولة العلمانية الحديثة بدون رتوشٍ ولا تلاؤمات: إمّا أنّ تقبلوا الدولة الدهرية، وتعتبروا الدين أخلاقيات وحسْب (على منهج طه عبد الرحمن) أو تقعوا ضحايا الفوات والتفويت والأُصوليات. تماماً مثلما قال لنا برنارد لويس وهنتنغتون بشأن صراع الحضارات. وقد كان لويس مذهولاً بالنموذج العلماني التركي، ولستُ أدري الآن ماذا يقول عن أردوغان وإسلاموياته غير المسالمة على الإطلاق. لقد انفجرت الفصاميات الدينية بأيدي الطغاة والمؤسسات الدينية التقليدية المحدَّثة. فماذا نفعل؟ هل نَعِظ في عظمة العلمانية المتدهِّرة، أم نظلُّ نعتبر الأصوليات عدواً للإمبريالية ونظام العالم المهيمن؟ أنا مع الدولة العصرية، ومع نقد المفاهيم الدينية المحوَّلة والمحوَّرة، وإعادة بناء المؤسَّسات الدينية لاحتضان الشباب وتهدئة غضبهم وإزالة مخاوفهم. ولا ينبغي التهيُّبُ أمام الطغيان القاتل سواء أكان دينياً أم سلطوياً. نحتاج إلى سلطاتٍ عاقلةٍ وحاضنة وغير قاتلة. ونحتاج إلى مفكرين ملتزمين بحقّ الأمة في الأمن والاستقرار والتنمية، لكي نعمل مع المؤسَّسات الدينية الناهضة على صرف الشباب عن أوهام الدولة الدينية سواء أكان النموذج داعشياً أوكان النموذج ولاية الفقيه.

مولاي أحمد صابر: كيف تفسِّرون الفصل المنهجي القائم بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية في مختلف الجامعات في الوطن العربي؟

رضوان السيد: ما عاد الفصل حادّاً. فقد قرأنا في كُليّة أصول الدين بجامعة الأزهر في الستينات نصوصاً فلسفيةً حديثةً وعقلانيات معتزلية وأشعرية. حتى في جامعة الإمام محمد بن سعود كُتبت أُطروحات في أُصول الفقه المعتزلي، وفي أعمال المجدِّدين المسلمين في الفقه والأُصول. وقد قرأْتُ عشرات الأُطروحات النقدية بالجامعة التونسية والجامعات المغربية، والتي تتوسَّل المناهج التاريخية الحديثة، وعلوم نقد النصّ، واللسانيات في “تحطيم” الأرثوذكسيات؛ وبخاصةٍ الأرثوذكسية السنيّة حتى في مسائل مثل تدوين القرآن والسيرة النبوية. وقرأتُ من جانب غير مختصين عشرات التفاسير العصرية للقرآن، حتى مللتُ وتعبتُ. فالمشكلةُ ليست في نقص الدراسات النقدية ذات المناهج الحديثة، بل هي في الروح الفصامي الخصوصي والمقاتل، والذي يؤثر في شبابنا ويدفعهم للاستشهاد والقتل بحجة حماية الدين من التحريف والتهميش. ومثقفونا بدلاً من التأمّل النقدي لهذا الوعي القاتل للدين والمجتمع ينصرفون إلى نقد “التقليد” الإسلامي الأشعري باعتباره المسؤولَ عن أُطروحات “أنصار الشريعة” والقاعدة وداعش وغيرها من الأُصوليات الانشقاقية القاتلة. إنها أُصولياتٌ منشقةٌ عن التقليد وليست استمراراً له. وقد كنتُ أستشهدُ بكارل ماركس بشأن استحالة تكرار التجارب التاريخية، وأنها إن كانت فهي إمّا مأساة أو مهزلة. لكنني أعرفُ الآن أنّ هؤلاء لا يقولون باستعادة التجربة التاريخية في مقولات مثل تطبيق الشريعة أو الخلافة. بل إنّ بينهم وبين التقليد والتجربة التاريخية وأفهامها أكثر من مائة سنة، جرت خلالها عمليات تحويل ضخمة للمفاهيم، بحيث صارت الشريعة في أفهامها (وهي الدين ذاتُه) غير مطبَّقة، وبحيث صارت الخلافةُ ركناً من أركان الدين؛ بينما هي حتى في زمن الراشدين نظام إنساني مصلحي وتدبيري كما قال كلُّ المتكلمين والفقهاء عبر العصور. لا بُدّ من استخدام الأدوات والمناهج الحديثة في قراءة التقليد ونقده بالطبع، وهذا ما أقصده بالتاريخ الثقافي والفكري. إنّما لا ينبغي التسليم للأصوليين بأنّهم عندما يقتلون الناس باسم الشريعة أو الخلافة إنّما يستعيدون “التقليد الأصيل”. التقليد الأصيل كان شأن المؤسسات الدينية في المذاهب الأربعة. لكنّ هؤلاء القتلة، ومنذ أكثر من قرنٍ، أعداؤه عودةً فيما يزعمون للكتاب والسنة، أي إلى ما قبل التقليد أو ما فوقه. لقد صار الجو كله عقائدياً، وما يزال مثقفونا الكبار ينعون على التقليد المتساقط جموده واستغلال الأُصوليين له. لقد أراد الإصلاحيون ـ كما سبق القول- إدخال الدرس الحديث لفتح التقليد، وإخراجه من جموده وانحطاطه كما قالوا. وقد حصل ذلك بعد جَهدٍ جهيد، لكنّ الإحيائيين الأوائل والثواني تجاوزوا ذلك كلَّه إلى اصطناع إسلامٍ جديدٍ باسم الكتاب والسُنّة.

مولاي أحمد صابر: هل هذا (الفصل) يرجع لطبيعة التعارُض بين هذه العلوم؟ وهل بالإمكان توظيف آليات العلوم الإنسانية في تفعيل العلوم الشرعية؟

رضوان السيد: هناك شيء من ذلك، وقد ظهر في النقاش بين الفيلسوف يورغن هابرماس والبابا السابق بنديكتوس السادس عشر. وقد بدا البابا منفتحاً ويريد إدخال العلوم الإنسانية في كلّ الدين مستنجداً بالمناهج التأويلية التي ما كان يقرّها من قبل، وبخاصةٍ في كتابه عن المسيح. لكنّ هابرماس بدا متكبراً وبعيداً، ورأيه أنّ البشرية ما عادت بحاجةٍ للدين في الحقيقة، لكنْ لم يكن لديه مانع في اقتراب الدين من الفلسفة وليس العكس. والذي أراه أنّ الفلسفة الحديثة كلّها لاهوت مسيحي أو يهودي، ومن ضمن ذلك تداولية هابرماس، واعترافية تلميذه أكسِل هونيت. أنا مع توظيف آليات العلوم الإنسانية في مجالات العلوم الدينية. وهذا أسهَل في الإسلام منه في اليهودية والمسيحية. فالعقائد الإسلامية الأساسية هي: الوحدانية، واليوم الآخر، والكتب والنبوات. وقد دُرست كثيراً في النقد التاريخي والموضوعي للعلوم الكلامية، وما تزال التجربةُ الفقهية الهائلة تحتاج إلى درس كثير، وكذلك مجموعات الأحاديث النبوية. ولا أرى أنّ الدراسات النقدية أثّرت أو تؤثر في إيمان الجمهور، وأنا شديد الاهتمام بذلك. وهناك دعواتٌ حادّةٌ منذ قرابة القرن للتجديد في علم الكلام مناهج وموضوعات. وأرى أنّ كتاب محمد إقبال (تجديد التفكير الديني في الإسلام) هو الأكثر جدوى وجدية.

مولاي أحمد صابر: فقدت الساحة الفكرية في العالم الإسلامي في الآونة الأخيرة مجموعةً من الوجوه الفكرية… مثل الجابري وأركون ونصر أبو زيد. ما هو تقييمك العلمي والمنهجي لطروحات هؤلاء بشكل عام؟

رضوان السيد: لقد كتبتُ عن تجربتَي الجابري وأركون، ولم أكتب عن أعمال أبي زيد. ورأيي أنّ هؤلاء جميعاً وغيرهم من الأحياء ـ أطال الله أعمارهم ـ مثل حنفي وأومليل وسعيد بنسعيد وجدعان والشرفي، أسهموا على اختلاف اهتماماتهم في تقدّم الدرس الأكاديمي العربي والإسلامي. كلّ عمل أركون استحثاثٌ على استخدام العلوم الإنسانية في الدرس القرآني والإسلامي، وله تلامذةٌ في هذه الاتجاه. أمّا الجابري فقد صاغ أُطروحةً تأويليةً هائلة الاتساع للفكر العربي والإسلامي كلّه، وقدّم قبل وفاته بسنواتٍ قليلةٍ تفسيراً للقرآن. وأنا آخُذ على الراحلَين الكبيرين التسرُّع في قراءة التقليد، بل والعداء له من جانب أُستاذنا أركون على وجه الخصوص. ولا اعتراض لي على دراسات أبي زيد القرآنية ـ رحمه الله ـ، وهو مُحافظٌ بعكس اتهامات الأُصوليين له. ولا يُقارَنُ طرحه بأطروحات التونسيين الشديدة الجرأة على القرآن والسُنّة والسيرة. وأظنّ أنّ الدراسات الأكاديمية في الإسلام بشكلٍ عام أفادت من أُطروحات العروي والجابري وأركون. لكنها تدخل الآن بتأثير الغربيين في أطوار جديدةٍ ما أفاد منها غير العروي في السنة والإصلاح وديوان السياسة. وقد راجع فيهما أطروحاتٍ له من الستينات والسبعينات والتسعينات. أمّا الدراسات القرآنية ففيها زلازل وثورات بين الأُصوليات الجديدة الرامية لتحطيم النصّ، والأُخرى التي أحالته من جديد على اليهوديات والنصرانيات والمراحل الكلاسيكية المتأخرة. ولا يستطيع الأكاديميون العرب الذين يعرفون النصَّ القرآني معرفةً جيدةً أو جيدةً جداً أن يسايروا أحد هذه التوجهات الثلاثة. وكما يقول ابن خلدون في خواتيم بعض فصول مقدمته: (والله غالبٌ على أمره، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون).

مولاي أحمد صابر: وفقاً للتحولات الثقافية والسياسية التي عرفها العالم في القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين والتي أفضت إلى نظام العولمة الذي تجاوز كلّ الحدود إلى درجة صار العالم فيها بفضل تكنولوجية الاتصال شبيهاً بالقرية الصغيرة، وفقاً لهذه التحولات ماذا يمكن أن تقول لنا ـ بصفتك أحد أبرز المشتغلين والمتخصصين في الفكر الإسلامي ـ عن الإسلام كمعطى تاريخي وحضاري وما سيحتاجه العالم الإسلامي ليكون في مستوى الزمن الحالي الذي تطبعه روح الفلسفة والعقل والعقلانية وكل ما له صلة بالحداثة؟ ألا تقتضي كلّ هذه التحولات بناء فكر ديني جديد ينسجم مع خصوصيات الزمن المعاصر في الوقت الذي نجد العالم الإسلامي اليوم مقسّماً بين سنة وشيعة و.. وهذه تقسيمات تشكلت وفقاً لأسباب ومتطلبات غير موجودة اليوم؟

رضوان السيد: هناك خمسة أحداث وقعت، واتخذت لشدّة تأثيرها أبعاداً رمزية في الوقت نفسه: الثورة الإيرانية (1979-1980) التي أقامت دولةً دينية. وهجمة القاعدة على الولايات المتحدة عام 2001. واحتلال الولايات المتحدة لأفغانستان والعراق 2002و2003، ومحاولات توريثهما لإيران. والتدخل الطائفي الإيراني في خمس أو ست دول عربية لشرذمة المجتمعات والإسلام. وفشل الموجة الأولى من الثورات (2011- 2014) في إقامة أنظمةٍ مدنية، وظهور الإخوان وداعش والإيرانيين في قلب تلك الثورات ومن حولها، بحيث جرى حصارها بين الطغيان والأصوليات والإيرانيات والتركيات. هذا في المشرق، أمّا في مغرب العالم العربي فالوضع صعب بين الفوضى الليبية والعسكريتاريا الجزائرية. ولو فرضنا أنّنا سنستطيع التخلُّص من هذه الظواهر القاتلة والمحبطة خلال السنوات الخمس القادمة؛ فإننا نحن المشارقة سنكون مرهقين جداً، وقد خرب عمراننا التقليدي والجديد، وفقدنا نصف مليون إنسان نصفهم سقطوا على يد النظام في سورية، إضافة إلى اثني عشر مليون مهجَّر بالداخل والخارج. وإذا ظلّ أردوغان على هياجه وشعبوياته فإنّ المستقبل القريب لتركيا غير واعد. ولذا أرى أنّ الأمل (القريب دائماً) ينحصر في الدائرة الخليجية، وفي شرق آسيا، أي إندوينسيا وماليزيا. أمّا باكستان وأفغانستان وآسيا الوسطى فأوضاعها في المدى القريب ليست أفضل من أوضاعنا بالمشرق العربي.

ولدينا مشكلتان أُخريان فظيعتان: الملحمة التي يكون علينا أن نخوضها في وجه الأًصوليات وإيران، والوجه الأسود للإسلام (السنّي) في العالم.

لقد أصدرتُ ثلاثة كتب عام 2014 كلها تدرس هذه المشكلات. والأوضاع الآن أسوأ من أوضاع العام 2004 الذي أصدرتُ خلاله كتابي: الصراع على الإسلام، وأنا أُتابع الأحداث عن كثبٍ في مقالاتٍ أُسبوعية، وأقترح بحسب الوسع والطاقة مخارج من الدم والطغيان والداعشيات والإيرانيات. وقد بلغتُ من الكبر عتيّاً (عمري خمسة وستون عاماً). وعندما أسترجع ما كتبتُهُ بمجلة (الفكر الإسلامي) عام 1968 عن المصالحتين مع الدين والجمهور ومع العالم، أجدُ أننا نحن ـ المثقفين ـ لم ننجز الكثير. ولله الأمر من قبل ومن بعد، وهذه الآيةُ أيضاً من تسليمات ابن خلدون في خواتيم فصول مقدمته.

مولاي أحمد صابر: كيف تنظر لمستقبل الفكر العربي والإسلامي؟

رضوان السيد: أعتقد أنني أجبتُ عن السؤال، ولا مزيد عندي. لقد سألوني الليلة (4/9/2014) في فضائية العربية عن أسباب ظهور الانتحاريين بين شباب السُنّة بلبنان، وقد فجّر أحدهم نفسَه قبل أيام مع داعش ببغداد، فبدأْتُ أذكر الأسباب: من الفقر إلى الخوف إلى حسن نصر الله، ثم قرّرتُ التوقف، وقلتُ مرةً واحدة: نحن مذنبون في جهازنا الديني والتربوي، أو لأقل لكِ بصراحة: لا أعرف، فقد صارت المعرفةُ مخيفةً مثل الجهل ذاته.

[1] نشر هذا الحوار في مجلة يتفكرون عدد 5




الإسلام والآخر

بقلم: د. رضوان السيد* — لاحظتُ في كتابي: مفاهيم الجماعات في الإسلام (1984) أنّ هناك تجاذُباً في القرآن بين اعتبار الفرد بحسب عمله: { فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره}- { وأنْ ليس للإنسان إلاّ ما سعى، وأنّ سعيه سوف يُرى، ثم يُجزاهُ الجزاءَ الأَوفى}، وبين اعتباره جزءًا من مجموعةٍ لها سمةٌ أو سِماتٌ عامةٌ، فهناك النصارى ويهود وأهل الكتاب والمؤمنون والكفار. وفي هذه الحالة: كيف يتحدد الفرد، هل يتحدد بعمله أم يتحدد بانتمائه الديني . ثم إنّ التعبير ذاتَه عن مجموعةٍ مثل يهود أو بني إسرائيل، هل هو تعبيرٌ مُحايدٌ أم أنه يملك ظلالاً سلبيةً أو إيجابية؟ ثم هل يمكنُ ثالثاً القول إنّ الفرد يتحدد بعمله، أما المجموعة فتتحدد باعتقادها أو دينها؟ وإذا كان الأمر كذلك فماذا عن مقولة الشعوب والقبائل التي يقسم القرآن البشر إليها: { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتَعارفوا. إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم}. إنّ الواضح هناك أن مفرد شعب أو قبيلة هو مفردٌ مُحايدٌ بالفعل، وهو يشير إلى التنظيم الاجتماعي. ولذلك يختلف المفسِّرون للقرآن في تحديد المعنى والفروق بين الشعوب والقبائل. فيقولون حيناً إنّ الشعوب هم المقيمون أما القبائل فهم البدو الرحَّل، أو أنّ الشعوب هم الفلاّحون، بينما القبائل هم رُعاة الإبل والماشية. لكنْ هناك أخيراً من يقول إنّ الشعوب هم الأعاجم أما القبائل فهم العرب أو الأعراب.
على أنّ هذه الحيادية الظاهرة التي تحدّد الانتماء إلى هذه الفئة او تلك، تعود فتكتسب في القرآن وخارجه صفات وخصائص أخلاقية ودينية. ففي القرآن: { قالت الأعراب آمنّا، قل لم تؤمنوا ولكنْ قولوا أسلمْنا}. أو { الأعرابُ أشدُّ كفراً ونفاقاً}. وفي الحديث النبوي وَصْفُ الأعراب بأنهم جُفاةٌ، ووصف الفلاّحين أو المُزارعين بأنهم راكدون أو أذلاّء وراء أذناب البقر. ثم إنّ هذه السِمات أو الخصائص تتخذ عند ابن خلدون في المقدمة كما نعرف أوصافاً حضارية فيقال إنّ الأعراب أو العرب ما استولَوا على ديارٍ إلاّ أسرع إليها الخراب!
هناك مستوياتٌ متعددةٌ إذن لتحديد الآخر أو الآخَرين إذا صحَّ التعبير. هناك المستوى اللغوي، أو المعروف عند العرب قبل القرآن، والذي تفاعَلَ معه القرآن. وهناك المستوى الاجتماعي، والذي ينفتح ويجري عليه الخلاف في التفصيل بين الحواضر والبوادي أو العجم والعرب. وهناك في كل الحالات المستوى الديني، والذي يتعامل معه القرآن بكثرةٍ، وهو ينقسم إلى قسمين: القسم الفردي، والذي يجري الاحتكام فيه إلى الاعتقاد والعمل، والقسم الفئوي أو الجمعي والذي يقال فيه إنّ هناك ديانات معترفاً بها مثل اليهود والنصارى وأهل الكتاب، وأُخرى غير معترفٍ بها أو أنه تجري إدانتها وهم المشركون أو الكفار.
وإلى هذه المستويات الثلاثة، تبقى هناك تصورات عميقة وموروثة.B. Lewis على سبيل المثال يرى أنّ هناك تصوراً قديماً يشترك فيه اليهود والمسلمون في التفرقة بين الأحرار والعبيد أو أبناء الأحرار وأبناء العبيد: أبناء سارة، وأبناء هاجر، ويتفرع عليه التفرقة بين البياض والسواد. في حين يرى G. Rotter أنّ القرآن والإسلام ضدّ هذا التمييز. فالعرب المؤمنون هم أبناء إسماعيل وأمهم هاجر، ومنهم آخِر الأنبياء محمد وأمته. أما البياض والسواد بحسب Rotter فإنهما لا يلعبان دوراً ملحوظاً، لأنّ عرب الجزيرة شديدو السُمرة، والسُمرة الشديدة دليلٌ على الأصالة والعراقة، يقول الشاعر العربي: أخضر الجلدة من جنس العرب!
II
كيف كان يتمُّ تصنيفُ الناس إذن في العصور الوسطى الإسلامية؟ هنا أيضاً ينبغي التفرقةُ بين زمانين إذا صحَّ التعبير: زمان البدايات وقيام الدولة، وزمان استتباب الثقافة الإسلامية، والنُظُم الإسلامية. من الزمن الأول نجد صحيفة المدينة التي تعتبر المهاجرين من مكة مع النبي إلى يثرب أو المدينة، وأهل المدينة الذين أسلموا على مختلف قبائلهم، واليهود- تعتبر صحيفة المدينة أو دستور المدينة ( بحسب M. Watt) أنهم “أمةٌ واحدةٌ من دون الناس”. والأمة الواحدة هنا ليست موحَّدةً في الدين، ولذا يكون المقصود من الأمة الواحدة، الانتماء إلى كيانٍ سياسيٍّ واحد هو الذي قام في المدينة في زمن النبي بين 623م و632م.
على أنّ تصنيف البدايات هذا يتغير بعد قيام الدولة الإمبراطورية، وظهور نُظُمها القانونية. في هذه الأزمنة الكلاسيكية يظهر تصنيفٌ واضحٌ بالنسبة للدولة، وتصنيفاتٌ أُخرى في المجتمعات والفكر والثقافة. ففي الدولة ظهر نظام أهل الذمة، والذي يشمل بالدرحة الأولى اليهود والمسيحيين. وهؤلاء هناك اعترافٌ بأديانهم من جانب الدولة والمجتمع استناداً إلى القرآن. لكنّ عليهم أيضاً أن يدفعوا الجزية، أو ضريبة الرأس، وهي ضريبةٌ سنوية. ولهم حرياتهم في العبادة والتعليم والحياة الاجتماعية بل والقانونية. فهم لا يتقاضَون إلى القضاء الإسلامي، بل لهم قضاؤهم الخاصّ. وقد سمّي هذا النظام أيام العثمانيين: نظام المِلَل. والنظام هذا في الأصل خليط من تقريرات القرآن، وأحاديث النبي، وتعاملات الدولة معهم في زمنها الأول، ثم ما طوَّره الفقهاء من أحكام عبر القرون من أجل الضبط والتنظيم.
بيد أنّ شعوب الدولة الإسلامية الإمبراطورية ما كانوا يهوداً ونصارى فقط، بل كان منهم الزرادشتيون الذين تسميهم المصادر: المجوس، من أتباع الديانة الفارسية القديمة. وكان منهم البوذيون، والذين تسميهم المصادر السُمَنية أو الشامانيين. وكان منهم الهندوس. والقرآن لا يذكر هذه الديانات. لكنّ الدولة الإسلامية الأُولى (660-750م) روى فقهاؤها قولاً عن النبي بشأن المجوس مفادُهُ: سُنُّوا بهم سُنّة أهل الكتاب، أي أنه تُركت لهم حرياتهم الدينية والاجتماعية، ودفعوا الجزية أو ضريبة الرؤوس، لكنّ المسلمين لا يأكلون من ذبائحهم ولا يتزوجون نساءَهم. والكُتّاب والجغرافيون يميزون المجوس عن البوذيين، لكنهم يخلطون أحياناً بين البوذيين والهندوس باستثناء البيروني. بيد أنّ الأحكام المتبعة بشأنهم من جانب الدولة، تشبه أحكام المجوس.
الثقافة الإسلامية تجاه الآخر، مختلفة كثيراً عن ثقافة الفقهاء، وقليلاً عن سياسات الدولة. فقد كان لدى الثقافة العالِمة فضولٌ شديدٌ في معرفة اليهود والمسيحيين وفِرَقهم وكتبهم المعاصرة وخلافاتهم ونشأ أدبٌ للجدل سُمّي الرد على النصارى، لا يستند إلى القرآن فقط؛ بل وإلى المنطق والإلزامات بحسب ما هو معروف في جدليات العصور الوسطى. وفيما عدا الجدال وبعض الخصومات مثلما حدث بالأندلس، كان هناك إعجابٌ خفيٌّ لدى الصوفية المسلمين بحياة الرهبان وسلوكهم. بل إنّ ابن تيمية المتشدد يصف نساء المسيحيين بأنهن: “متعفِّفات”. وتظهر هذه النظرات الإيجابية في كتب التاريخ والجغرفيا والأدب. وهناك احترامٌ لدى المتفلسفين المسلمين بالثقافة الكلاسيكية للمسيحيين، والتي قام رجال الدين السريان بترجمتها إلى العربية. و ترقّت التجربة إلى حدود “العيش المشترك” لعدة قرونٍ في الأندلس.
لكنْ، هل زال التمييز أو تضاءل؟ لقد تضاءل في فترات الطمأنينة والازدهار، لكنه لم يَزُلْ بل كان يتصاعد في فترات الحروب مثل الحروب الصليبية. ويذكر الأب Fiey أربع موجاتٍ للاضطهاد ضد المسيحيين في المشرق قبل العصر العثماني. والطريف أنه في ثلاثٍ من تلك الحالات، كانت الهجمات من جانب العامة والغوغاء، وليس من أجهزة الدولة الرسمية. وحوادث الاضطهاد لليهود أقلّ لأنهم بسبب قلة أعدادهم ما كانوا ظاهرين كثيراً في الحياة العامة، ولا يشكِّلون تحدياً. والمعروف أنه في زمن حروب الاسترداد؛ فإنّ المهجَّرين من اليهود آثروا الذهاب مع المسلمين إلى المغرب أوإلى أقطار الدولة العثمانية.
إنّ علينا أن نتصور الأمر بالنسبة للآخر الديني في العصور الوسطى الإسلامية على النحو التالي: هناك اعترافٌ من جانب الدولة بالديانات الرسمية، وليس ديانات أهل الكتاب فقط؛ بل وبالزرادشتية (المجوس)، والبوذية والهندوسية. وكما يقول الماوردي(-1055م) هناك أمانٌ عامٌّ، يُعتبر سياسةً رسمية. وطبعاً هناك إخلالٌ أحياناً من جانب العامة أو بعض المسؤولين بأمن الآخرين الديني والاجتماعي بأعذارٍ مختلفةٍ مثلما فعل محمود الغزنوي بالهند مثلاً. وهذا الأمان أو العقد أو العهد هو الذي كان يلجأ إليه رجال الديانات الأُخرى أيام العباسيين والعثمانيين للطلب من السلطات مراعاة مقتضيات العهد، أو ضبط بعض أتباعهم الذين خرجوا عليهم لسببٍ ما . وهذا يقودنا للدخول في مسألةٍ حسّاسة، وهي الانشقاق الديني أو الهرطقة أو الزندقة، والتي لعبت دوراً في العصور الوسطى الإسلامية، ولعبت دوراً أكبر في العصور الوسطى الأوروبية. هناك اتهاماتٌ كثيرةٌ بالانشقاق والانحراف الديني والكفر بين أتباع الفِرَق الإسلامية منذ القرن الثامن الميلادي. وما كانت السلطات تتدخل لصالح فريق باستثناء مرتين أو ثلاث. في المرة الأولى أيام المأمون طلبت السلطة من علماء الدين أن يقولوا بخلْق القرآن، وتابعها على ذلك الأكثرون، بينما أصرَّت قلةٌ بزعامة أحمد بن حنبل على القول إنّ القرآن هو كلام الله القديم. فجرى اضطهاد القائلين بِقِدم القرآن على مدى أربعة عشر عاماً، بالعزل من المناصب والسجن. ثم أعرضت الدولة عن التدخل. وفي المرة الثانية تدخل وزيرٌ لدى الفقهاء للحكم بالهرطقة على متصوفٍ شارد هو الحسين بن منصور الحلاّج، وجرى صَلْبُهُ، لذلك شبّهه ماسينيون بالمسيح. وفي المرة الثالثة تدخل الخليفة العباسي القادر ببيانٍ أو إعلان يُحدّد العقيدة السنية الصحيحة، وينهى القُضاة وموظفي الدولة عن التشيُّع والاعتزال. ولا ندري إن كانت لذلك الإعلان عواقب على المخالفين.
إنّ الحالة الوحيدة التي ظهر فيها ما يشبه محاكم التفتيش القروسطية، هي حالةُ المانوية. وهؤلاء مختلفٌ فيهم هل هم ديانة مستقلة، أم أنهم انشقاقٌ عن الزرادشتية، أسسها ماني المقتول من جانب الشاهنشاه الفارسي عام 274م. وقد كانت لها جاذبيةٌ بين المثقفين في القرون المسيحية الأولى( كان القديس أوغسطين منهم)، واستمرت هذه الجاذبية في ظلّ الإسلام. فجأةً قرر الخليفة العباسي الثالث المهدي، إنشاء” ديوان الزنادقة” ضد المانوية بالذات، وظلُّوا ملاحَقين لأكثر من قرنٍ، وقُتل منهم عشرات.

III
بدأت الأزمنة الحديثة في ديار المسلمين بإشاراتٍ مختلطة. فمن جهة كثرت المحاولات والمبادرات للتجديد السياسي وتجديد مشروع الدولة، في ظل الشروط الحديثة. ففي العام 1857 أصدر السلطان العثماني مرسوماً سلطانياً (= خط همايون) يقرُّ مبدأ المواطنة بين شعوب الإمبراطورية. وإلى جانب المُضيّ في قانون الولايات للحكم الذاتي (1864)، صدر عام 1876م الدستور العثماني، وانتخُب على أساسٍ منه مجلسٌ للنواب(= مجلس المبعوثان). وكان الوزير الأول التونسي خير الدين باشا قد عمل مع زملاء له على دستور لتونس صدر عام 1864. وفي العام 1867 صدر كتاب خير الدين نفسُه: أقوم المسالك والذي يدعو فيه من أجل استيعاب السيل الأوروبي للأخذ بأنظمة الدولة الحديثة. وقد لقيت هذه المبادرات جميعاً انتكاسات، لكنها كانت قد تحولت إلى تيارٍ زاخرٍ نشأت على أساسٍ منه الحركات الوطنية والاستقلالية في إيران وتركيا ومصر، وبلاد عربية وإسلامية أُخرى.
ومن الجهة الأُخرى، جهة السلبية، كانت الهجمات الاستعمارية تتقدم لاحتلال أجزاء جديدة من العالمين العربي والإسلامي، منطلقةً من فرنسا وبريطانيا وأسبانيا وفيما بعد إيطاليا. ففي عام 1830-31 احتلت فرنسا الجزائر، وانطلقت حركةٌ جهاديةٌ بزعامة عبد القادر الجزائري ضدها. وفي العام 1857، عام صدور قانون المواطنة العثماني، استطاع البريطانيون إخماد تمرد كبير بين مسلمي الهند. إنّ الجديد في المشهدين الجزائري والهندي وفيما بعد المغربي والسوداني والليبي، أنه في كل مرةٍ كانت تحدث فيها هجماتٌ استعماريةٌ؛ تصدُرُ فتاوى تدعو للجهاد، فإن لم يمكن فالهجرة من الديار. لأنّ الدار لم تعُدْ دار إسلام! فأول مرةٍ منذ حروب صقلية والأندلس، يقال إنّ الغزو الأوروبي أحدث حالةً من انعدام الشرعية، يستحيل معها البقاءُ في الديار. وكانت تلك نكسةً كبرى في العلاقة مع الغرب والمدنية الحديثة، تركت آثاراً فاجعةً على الرؤية للآخر الاستعماري والمسيحي. وقد قال الشيخ عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية علماء الجزائر مرةً إنّ العلاقة بالغرب هي كمن يلحس المبرد. ذلك أنّ الظاهر لذيذ، لكنها كالسم في الدسَم.
لقد عرفنا ردَّةَ فعل أنصار الحداثة المتلائمة مع الغرب الأوروبي، فكيف نحدّد أو نكيّف ردَّة فعل جماعات الهجرة وانعدام الشرعية. الظاهر أنّ هذا الردَّ هو ردٌّ تقليديٌّ عرفته المذاهب الفقهية في زمن انهيار الأندلس. ومعروفةٌ رسالة الونشريسي: أسنى المتاجر فيمن غلب على وطنه النصارى ولم يُهاجِرْ. لكنها تقليديةٌ بدأت تلفظ أنفاسَها، بمعنى أنّ الهنود ما هاجر إلاّ قليلٌ منهم، وكذلك الجزائريون. وقد قال فقيه جزائري حنفي إنّ ترك الديار تكليفٌ بما لا يُطاق. إنما ماذا اختار الذين بقوا بالديار، اختاروا التلاؤم العاجز أو شبه العاجز مثلما فعل سيد أحمد خان بالهند، والأمير عبد القادرالجزائري بعد هزيمته عام 1847. وإذا كان الجهاد والهجرة كلاهما قد تُركا؛ فإنّ الذي خَلَفَهما ليس الحركة الإصلاحية التي كانت توردُ تعليلاتٍ دينيةً لتبرير الانضواء في الحداثة. بل الذي فاز في المدى المتطاول فريقان: فريق الانفصال، وفريق المفاصلة. أمّا الانفصال فتجلَّى في الباكستان، وفي مفارقة فقه العيش المشترك القديم بداخل بلدان الإسلام. وأما المفاصلة وهي القتال المستمر فقد تجلّى في السودان وليبيا ثم الجزائر. والطريف أنه في مصر في الستينات من القرن الماضي ظهرت مجموعة سمت نفسَها: جماعة الانفصال الشعوري. والانفصال في هذه المرة ما كان عن الخارج الاستعماري فقط بل وعن الداخل السياسي والاجتماعي باعتباره صار متغرباً، وسقط ضحية الغزو.
لقد اعتبر خبراء كثيرون أنّ فشل التقليد الفقهي والعقدي الإسلامي في مواجهة الاستعمار، دفع باتجاه أحد خيارين: الحركات الوطنية والإصلاحية، أو العمل عند المستعمرين. وهذا صحيحٌ، لكنْ بقيت هناك نافذة أُخرى كانت ضيقةً ثم اتسعت لتيار الإحيائيات أو الصحوات الناجمة عن الحداثة والمعادية لها كما هو معروف، وهو ما صار يُسمَّى حركات الهوية الدينية والقومية.
ولا يجوز هنا نسيان الحركات الوطنية والإصلاحية، والتي كانت ضد التقليد، وتريد انتزاع الاستقلال من المستعمرين بالوسائل السلمية أو القتالية. وقد كانت تلك الحركات أقوى ما تكون في مصر، وهي التي اشترعت دستور العام 1923، وقد ظهرت مثائل لها في سائر أنحاء العالم الإسلامي. وقد وفّقت هذه الحركات في بقاعٍ بآسيا وإفريقيا، لكنها ما كانت محظوظةً في العالم العربي، لأنها انهزمت في فلسطين، ثم انهزمت في الستينات عدة مرات. وخلال ذلك تحولت إلى أنظمةٍ أمنيةٍ وعسكرية استبدادية، وفقدت شعبيتها، كما فقدت غطاءها الشرعي لأنّ الفقهاء الإصلاحيين بالمشرق والمغرب غادروها، وحاصرها الإسلاميون بالشارع ثم بالتمردات المسلَّحة.
مرت رؤية الآخر أو رؤية العالم في القرن العشرين إذن بمرحلتين: مرحلة تراجع التقليد وتقدم الإصلاحيات والإحيائيات، ومرحلة الهبوط السريع للدولة الوطنية، وبدء التأزم في رؤية العالم. ولنأت إلى الحرب الباردة العالمية، والحرب الباردة الثقافية. في الحرب الباردة الأولى أو الكبرى اصطف العرب والمسلمون على الجانبين، فريق مع الولايات المتحدة، وفريق مع الاتحاد السوفياتي. وقد استخدم الطرفان الحرب الثقافية. استخدم الأميركيون وحلفاؤهم العربُ والمسلمون إسلاميي الصحوات ضد الشيوعية وأنصارها. واستخدم الروس وحلفاؤهم المثقفين اليساريين ضد الرأسمالية والإمبريالية والثقافة الغربية الاستعمارية. وكانت النتيجة أنّ الثقافة الغربية الليبرالية والمنفتحة تضررت من الطرفين: من الإسلاميين الحريصين على الهوية، ومن اليساريين الحريصين على التحرر من الاستعمار وثقافاته. وعندما شاهد الشيخ يوسف القرضاوي الطرفين يتنافسان في شتم الثقافة الغربية، قال مثلما قال القذافي فيما بعد: لنمض باتجاه الطريق الثالث، طريق الثورة الإسلامية فالدولة الإسلامية على النحو الذي شرحه المودودي وقطب. وهذا أصل مقولة: حتمية الحل الإسلامي! وعلى أنقاض الدولة الوطنية ذات الثقافة الغربية قامت الدولة الإسلامية الإيرانية، والتي ما يزال الإسلاميون المناضلون السنة يسعَون لمثلها. وقد انقسموا في ذلك إلى قسمين: إسلام سياسي، يريد الوصول للدولة بالسلم والانتخابات، وآخَر جهادي، وهو يريد إقامة الدولة بالجهاد والقوة. وقد بدأ بن لادن بالعدو البعيد، أما البغدادي فأقام دولته على أرض العدو القريب.
********
في التقليد الإسلامي رؤيةٌ للعيش وترتيباته، ورؤيةٌ للدين وملاءماته مع فقه العيش. وقد حطّم الاستعمار والحداثة العيش التقليدي وترتيباته. فحاول الإصلاحيون أن ينتجوا فقهاً جديداً أو فهماً جديداً للدين يتلاءم مع ترتيبات العيش الجديد. وما استطاعوا ذلك، لأنّ الحداثة ماضيةٌ كالسهم، ولأنّ الدولة الوطنية فشلت، ولأنّ الأميركيين وحلفاءهم استخدموا الإسلام السياسي والثقافي والآخر الجهادي في حربهم على الاتحاد السوفياتي؛ فجعلوا له قضيةً وهدفاً. ولقد اضطربت رؤية العالم في الإسلام المعاصر تحت وطأة هذه الصدمات. ومع اضطراب الرؤية اضطرب مشهد الآخَر ناظراً ومنظوراً إليه. فعالم المسلم اليوم مكوَّن من شظايا وبقايا التقليد القديم، مضموماً إليها فذلكات الجماعة الإسلامية المودودية والإخوان، ومضموماً إليها القراءة الخاصة للقرآن، والهُيام بإقامة دولة دينية ضد كل الآخرين- وإلى ذلك كله أشواق عارمة لدى العامة للسكينة الدينية والأخلاقية.
فهل يكون عنوان هذه المداخلة، أي الإسلام والآخر، مبالَغاً فيه أو شديد العمومية؟ قد لا يكون كذلك، إنما الأصح فيه: المسلمون والآخرون؛ باعتبار أنه ينبغي أن يحضر الجميع وإنْ بدرجاتٍ متفاوتة، وكثيرٌ من المسلمين يعتقدون أنهم بمجموعهم غير حاضرين على الإطلاق، وقد يكون ذلك بين أسباب العنف المنتشر في أوساطهم وفي العالم.
——————–
*مفكر وأستاذ جامعي لبناني مختص بالفكر العربي والإسلاميات.
(**) محاضرة أُلقيت بكلية اللغات والترجمة في جامعة إشبيلية بتاريخ 6/5/2016.




آفاق المواطنة في الفكر الإسلامي المعاصر

Radwan-Asayed

بقلم: البروفيسور رضوان السيد* —
I
يُعتبرُ مبدأُ المواطنة، وقد صار شرطَ وجود في الدولة المعاصرة، قياماً وتحقُّقاً، أحد أكبر التحديات التي تُواجه الدولة الوطنية في العالمين العربي والإسلامي في الزمن الحاضر. وذلك لعدة أسباب؛
منها الاضطراب الاجتماعي والسلطوي الذي يتهدد الكيانات السياسية القائمة منذ الاستقلال في عددٍ من البلدان من حيث البُنى ومن حيث الحدود.
ومنها الاضطراب العميق في مسألة الشرعية، والتي تتعلق بأمرين أساسيين: الهوية والانتماء الاجتماعي العام، والعلائق بين النظام السياسي والمواطنين.
ومنها ظهور تيارات الإسلام السياسي والآخر الجهادي والتي تملك أفكاراً غائمةً أو عدائية بشأن الدولة الوطنية والمواطنة.
ومنها هشاشةُ حركات المجتمعات المدنية والأحزاب السياسية والتي كان يُفترضُ أن تكونَ الدرعَ الحاميَ، والحضنَ الحاضنَ للمجتمع السياسي ولمبدأ المواطنةِ وتطبيقاتِها.
ومنها أخيراً السياساتُ التدخُّليةُ من أطرافٍ في المجتمع الدولي والإقليمي، تارةً لملء الفراغ واصطناع مناطق النفوذ، وطوراً لما تزعُمُهُ حقاً أو باطلاً من تهديدٍ لأمنها الوطني، وأمن العالم.
ما هي المواطنةُ المهدَّدةُ إذن، والتي تواجهُ تلك التحديات المصيرية؟

إنني لا أهدُفُ هنا للتأريخ لهذا المبدأ لأنّ هذا الأمر لا مكانَ له في المطالعة المتاحة، بل سأركِّزُ على العوامل والشروط العامة التي سادت من خلال ميثاق الأُمم المتحدة (1945)، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948). وهي المبادئُ والعواملُ والشروطُ التي ثبتت في دساتير الدول الديمقراطية القومية والوطنية في أوروبا وأميركا، وظهرت في أكثر دساتير الدول العربية والإسلا مية؛ وأقدمُها فيما نحن بصددِه الدستورُ المصري 1922-1923.
يقومُ مبدأ المواطنة في العصر الحاضر إذن على المقومات المسلَّم بها التالية:
أولاً: قيمة الانتماء الوطني، وهو أحد أهم عناصر التماسك والترابط لإيمان الأفراد بأنهم يتمتعون بهويةٍ مشتركة، وأنهم قادرون على الدفاع عنها وحمايتها، مقابل أداء واجباتهم والتزاماتهم نحن الدولة والوطن. وقد صار ممكناً بعد قيام نظام الدولة الوطنية اكتسابُ جنسيتها بالقوانين المتعارَف عليها في البلد المعني، وفي العالم.
ثانياً: قيمة المساواة: وهي تعني التساوي في القيمة الإنسانية، وفي الحقوق والواجبات بين سائر المواطنين، والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية، وحقوق الحماية من التمييز بسبب الأصل أو الدين أو النوع أو الموقف الفكري.
ثالثاً: قيمة وحق المشاركة في الحياة السياسية والوطنية بما في ذلك حق المشاركة في صناعة القرار السياسي، والقوانين والبنى المجتمعية الأساسية، والرقابة على الممارسات الحكومية.
رابعاً: قيمة الحرية والديمقراطية. وهي تعني الحق في حرية التفكير والتعبير والاعتقاد، وتكوين الجمعيات الأهلية والنقابات والأحزاب السياسية، وحقوق التجمع والتنقل، وتوفير الحماية اللازمة لممارسة هذه الحرية على المستوى الفردي، ومن خلال التنظيمات من ضمن مبادئ السيادة الشعبية.
II
إنّ الشرط الأول والأخير بالطبع لممارسة هذه الحقوق والحريات التي تقتضيها المواطنة أو تتيحها هو وجودُ الدولة والمجتمع السياسي. والمفهومان حديثان في العالم، وأكثر حداثةً في المجتمعات العربية والإسلامية. ولا أعني بالحداثة هنا أنّ العرب والمسلمين الآخرين ما كانوا يعرفون الدول والكيانات السياسية؛ بل ما أعنيه أنّ مبدأ المواطنة ( وهو مبدأٌ ومفهومٌ غربيٌّ أو أوروبيٌّ) مرَّ في أوروبا حتى اكتمل بقرونٍ من التطور والتطوير. ومن طريق الأوروبيين عرفت معالمه المجتمعات العربية والإسلامية بالتدريج في زمن الاستعمار، وعندما كانت أوروبا تبني نظاماً جديداً للعالم. ولا أقصِد هنا النظام الدوليَّ الجديد فقط، بل أيضاً نظام المجتمعات السياسية التي تضع مفهوم المواطنة في مواجهة مفهوم الرعية. فإذا كانت المواطنة تتمثل عبر الحرية والمساواة والمشاركة والعدالة والديمقراطية، والدساتير والقوانين التي تنظّم ذلك؛ فإنّ الرعية تقوم على النقيض من ذلك، أي على تبعية المحكوم. ومن هنا تأتي الأبعاد السياسية والقانونية والأخلاقية والعاطفية التي تتبلْورُ من خلالها المواطنة مبدأً وقيمةً وتطبيقاً.
لقد أدرك ذلك المفكرون المسلمون منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، عندما كانوا يحاولون فهم هذه المسألة الخطيرة، وإيجاد المفردات والتعابير الصحيحة والدقيقة للتعبير عنها. عانى ذلك رفاعة الطهطاوي عندما أقبل على ترجمة الدستور الفرنسي الصادر عام 1830؛ فسمّاه الشَرْطة تعريباً لـ La Charte ، بينما تركه خير الدين التونسي في لفظه الفرنسي بحروفٍ عربية، أي الكونستيتوسيون؛ وذلك في تقديمه لكتابه: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك(1867).. ومع أنّ الأتراك والعرب استخدموا أخيراً أواخرَ القرن التاسع عشر المفرد الفارسي: دستور، فإنّ الإيرانيين في ثورتهم من أجل الحكم الدستوري عام 1906 سمَّوه المشروطة، وعَنَوا بذلك الاشتراطَ على الحاكم أو تقييدَ صلاحياته! ولماذا نذهبُ بعيداً، وبخاصةٍ أننا لا نريدُ هنا التأريخ لفكرة المواطنة والدستور عند العرب والمسلمين؛ بل نريد الإشارة إلى تطور الموقف منها لدى المفكرين المسلمين والإسلاميين عبر القرن العشرين. لقد بلغت الشجاعة بالسيد محمد رشيد رضا أن يقول عام 1907 في مداخلةٍ له بمجلته المنار إجابةً على سؤال سائل: “لا تقل أيها المسلم إنّ هذا الحكمَ المقيَّد بالشورى أصلٌ من أصول الدين، ونحن قد استفدناه من الكتاب المُبين، ومن سيرة الخلفاء الراشدين، لا من مُعاشرة الأوروبيين والوقوف على حال الغربيين. فإنه لولا الاعتبارُ بحال هؤلاء الناس لما فكَّرْتَ أنت وأمثالَك أنّ هذا من الإسلام”!
إقترن بزوغ فكرة المواطنة إذن لدى أوائل المفكرين المسلمين ورجالات الدولة بثلاثة أمور: ضرورة إقامة أنظمة جديدة أو تطوير الأنظمة الموجودة استناداً للمثال الأوروبي للدولة الحديثة، والوصول إلى ذلك عبر اشتراع دساتير على النهج الأوروبي تقيِّد سلطات الحاكم، وتُتيحُ للنُخَب المشاركة في إدارة الشأن العام- والعمل على إبراز التلاؤم بين الأنظمة الجديدة والموروث العربي والإسلامي لدواعي القبول والشرعية. ويتبيَّن من أعمال الطهطاوي وخير الدين التونسي، وحسين المرصفي، ومحمد عبده ومدرسته، والكواكبي، وعبد الحميد بن باديس ومحمد بن الحسن الحجوي، أن تسويغاتهم للدولة الحديثة تنطلق في عدة اتجاهات، أولُها إحياء مفهوم الشورى والتأكيد عليه، لضرب الاستبداد، وتقوية فكرة المشاركة. وثانيها فكرة المنافع العمومية أو المصالح العامة والتي تملك وظائف دفاعية تتمثل في إيجاد التنظيمات التي تخدم الجمهور من جهة، وتوجد الوسائل النافعة في مواجهة السيل الغربي، وثالثُها تثقيفيةٌ أو تعليمية، وتهدف لإيضاح فوائد الدساتير والقوانين والمؤسسات الجديدة لاستحداث العالم المصطَلَحي السياسي والمَدَني فهماً وإفهاماً من جهة، وتنويراً من جهةٍ ثانية. رشيد رضا، في الاقتباس السابق عنه، كان واضحاً في الأمرين؛ الأول أنها أفكارٌ ومؤسساتٌ مقتبسة وهي لا تُناقِضُ الموروث، لكنْ لا يمكن الادّعاء أنها مشتقةٌ منه، والثاني أنّ الإصلاحَ السياسي عمادُهُ الحكم الدستوري، ويمكن اتخاذ الشورى بصيغتها الجديدة أو بفهمها الجديد عنواناً له، لكنّ المفهوم والمؤسسة يظلاّن جديدَين وأوروبيين. وبالطبع كان هناك تياران آخران يشاركان في النقاش والمُجادلة أحدُهُما تقليدي يرفض هذه الأفكار والمفاهيم التركيبية إمّا لأنه ليس من شأن العلماء الدخول في عمليات التفكير السياسي، كما رفض علماءُ تونس المُحافظون المشاركة في محاولتي خير الدين التونسي الدستوريتين عامي 1857 و1861 لأنهم لا يريدون تعاطي الشأن السياسي- أو لأنّ الإصلاحَ الجديدَ هذا يمكن أن يزعزع المؤسسات القائمة بالدولة العثمانية، وبمصر وشمال إفريقيا. وقد انضوى هؤلاء المعارضون تحت سياسات عبد الحميد الثاني الذي عطّل الدستور العثماني عام 1878. أما التيار الآخر أو الثالث ضمن التفكير الإسلامي في تلك الحقبة فقد كان راديكالياً من مثل اعتبار قاسم أمين أنّ الزمن هو زمن الحرية والعدالة وعلى المسلمين الدخول فيه بأي ثمن، أو أنّ الدخول في هذا الزمن هو من صميم تعاليم القرآن كما في كتاب عبدالله العلمي الصادر عام 1913. وقد بلغ التيار الإصلاحي الراديكالي إحدى ذُراه في الدستور المصري المعلَن عام 1922-1923م ، والذي ظهرت فيه المعالم الرئيسية لمبدأ المواطنة في ملكيةٍ دستوريةٍ وبدا لأول وهلةٍ أنه تجاوز كل العقبات التي كانت مخوفةً من جانب التقليد والموروث. وقد حظي بشعبيةٍ جارفةٍ حتى من جانب علماء الازهر تقليديين وغير تقليديين، لاقترانه بمصارعة الاستعمار البريطاني، وانتزاع استقلال مصر منه.
III
سمَّيتُ في بحوثي المنشورة في العقدين الأخيرين حقبة العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين الذي انقضى وما انقضت عجائبه وعقابيلُهُ: حقبة التحولات. والتحولات المقصودة في التفكير الإسلامي بشأن الدين ومهماته، وبشأن الدولة ووظائفها في إدارة الشأن العام. كان الإصلاحيون يخشون من التقليد العَقَدي والفقهي في مجالَي التجديد الديني، والمشروع البازغ للتجديد السياسي المُنشئ للدولة الوطنية الحديثة عند العرب والمسلمين. لكنّ التحدي أو التحديات التي واجهها التجديدُ في المجالين، ما أتى من جهات التقليد الذي انضوى ضمن الدولة الوطنية من جهة، وانصرف للتجديد والإصلاح الديني من جهةٍ ثانية. بل أتت التحديات من جهة جماعات الهوية وجمعياتها التي ركّزت على هوية المجتمع والدولة التي خشيت عليهما تلك الجماعات من التغريب، ومن الدولة الوطنية، التي اعتبرت تلك الجمعيات أنّ الاستعمار أنشاها ليخلُدَ في ديار المسلمين. ففي حين انصرف مفكرو ومثقفو الإسلام الإصلاحي إلى العمل على بناء الثقافة الوطنية التي تجترح الحداثة من قلب الموروث، انصرفت جماعاتُ الهوية الدينية لطرح سؤال الشرعية للمجتمع والدولة معاً. وتجلَّى ذلك في العمل على سمتيةٍ دينيةٍ صارمةٍ تعتمدُ فكرة العودة للأُصول، للكتاب والسنة، في مواجهة التقليد والتجربة التاريخية للأمة من جهة، وفي مواجهة الظروف الجديدة والسياقات لما سمتْه غزواً ثقافياً ودينياً غربياً. وبينما كان الإصلاحيون يبحثون في الملاءمة، صار سؤالُ الشرعية لدى تلك الجماعات يعتمد على مبدأ التأصيل. وبين الملاءمة والتأصيل بونٌ شاسعٌ ما كان واضحاً لدى المشارقة؛ بينما ظلَّ واضحاً للمغاربة حتى الستينات والسبعينات من القرن العشرين. لقد انفصلت نُخَب الدولة الحديثة بالمشرق عن النُخَب الإصلاحية في التفكير الإسلامي في زمنٍ مبكر يعود إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين؛ بينما ظلَّ الأمر بالمغرب الإسلامي على غير هذه الشاكلة الانفصالية. إذ إنّ العلماء بالغرب الإسلامي هم أنفسهم شكّلوا النُخَب التي قادت النضال الوطني ضد الاستعمار، وظلّت تُسهم في التغيير من أجل إنشاء الدولة الحديثة بعد انقضاء زمن الاستعمار، وإقامة دول الاستقلال.
لقد أدَّى سؤال شرعية المجتمع والدولة المعتمد على التأصيل (= الكتاب والسنة)، والمستند إلى ما فوق التاريخ وما وراءه إلى تنحية الأمة والجماعة باعتبارهما مصدر الشرعية، وإلى إحلال الشريعة محلَّهما، ووضْعها في مواجهتهما. وما حصل ذلك بالطبع دفعةً واحدةً. بل ومن خلال السمتية الدينية الصارمة، جرى بالتدريج بناءُ ثقافةٍ شارك فيها كثيرون من غير الحزبيين الإسلاميين تُشدّد على فكرة الانفصال فالمفاصلة بين الإسلام والعالم. فهناك بحسب الإحيائيين والأصاليين نظامٌ إسلاميٌّ كاملٌ مؤسَّسٌ على الكتاب والسنة، يفارقُ نظام العالم الحديث، ويفارقُ بالطبع أنظمة الدول الوطنية. وفي هذا النظام الجديد لا يُطرحُ سؤالُ الوطن والمواطن والمواطنة وحقوقها، بل حقُّ الله، الذي يكون على هذه الجمعيات والجماعات والأحزاب إحلالهُ وإحقاقه لاستعادة الشرعية في المجتمع أولاً لدى بعض الحركات، وفي الدول أولاً تمهيداً لفرضه على المجتمع لدى بعض الحركات الأُخرى. وقد ظهر ذلك واضحاً في سيرورة نُخَبٍ مسلمةٍ بالهند، كسبت جمهوراً عريضاً، واتفقت مع البريطانيين على فصل الأقاليم ذات الكثرة الإسلامية هناك، وإقامة دولة باكستان عام 1947، لأنه لا ولاية لغير المسلم على المسلم، بغضّ النظر عن طبيعة النظام الذي يسودُ بالهند، وهل هو نظامٌ ديمقراطي، ونظامٌ للمواطنة المتساوية أم لا! ووقتَها كان المغاربةُ جميعاً ما يزالون يكافحون الاستعمار متحدين؛ بينما واجهت الدول الوطنية بالمشرق وهي على مشارف الاستقلال، قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، دون أن تستطيع الدول الوطنية الجديدة إسقاطها. وبعد أقلّ من عقدين، شهدت خلالهما الدول الوطنية بالمشرق في الحرب الباردة، وقد حكمها العسكريون- هزيمةً أُخرى على يد إسرائيل؛ فبدا أنها فاشلةٌ بمقاييس النُخَب العلمانية، ومن باب أَولى هي فاشلةٌ وغير شرعية في عيون النُخب الإسلامية، التي صارت أحزاباً صلبةً ذات شعبيةٍ عريضة. وتبلورت في أدبياتها المتكاثرة مقولةُ الدولة الإسلامية في مواجهة الدولة الوطنية. وفي حين ما اهتمت أنظمة العسكريين ذات الدعوى القومية والاشتراكية كثيراً لمسالة المواطنة، كذلك ما اهتمَّ لها تفكير الإحيائيين الحزبيين الطهوري، لأنّ الفريقين اهتمّا أكثر كثيراً وفي عقائدياتٍ مشهودة بمسألة الهوية العامة للدولة والمجتمع، وإن بتصورين مختلفين تماماً.
ولأنّ هذه المطالعة موضوعها المواطنة في الفكر الإسلامي المعاصر، فلننظر في الملامح التي تتبدّى فيها هذه الفكرة أو المقَتَربات منها؛ لنرى كيف دخلت هي أيضاً في الصراع على الهوية العامة، وحتّى في مسألة الشرعية. صدر ميثاق الأُمم المتحدة عام 1945، كما صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948. وقد تعامل معهما الإسلاميون حزبيين وغير حزبيين من مواقع المجادلة والانفصال والمفاصلة. أخذوا على الوثيقتين أولاً أنّ النظام العالمي الذي قام عليهما يكيلُ بمكيالين. فيطبّق مقتضيات الميثاق والإعلان في نواحي معينة، بينما يتجاهلُهُما إذا تعلّق الأمر بالدول العربية والإسلامية. وكانوا يقصدون بذلك تعامل المؤسسات الدولية مع قضية فلسطين، ثم قضية كشمير. ثم مَضَوا قُدُماً بزعم الخلاف مع الإعلان مبدئياً. إذ هو يقول بالحقّ الطبيعي في الحقوق، بينما ينكر ديننا ذلك، لأنّ واجباتِ الإنسان وحقوقَهُ اشترعها الكتابُ والسنة؛ فلا حاجة لتأليه الإنسان تأليهاً مصطَنَعاً بالذهاب إلى أنها جزءٌ من إنسانيته. ثم تطوَّر الأمر إلى كتابة إعلاناتٍ إسلاميةٍ لحقوق الإنسان على أساس تأصيلي. وهي لا تقول شيئاً جديداً أو مختلفاً كثيراً عما ورد في الإعلان والعهود والمواثيق اللاحقة. لكنها عند كل مادةٍ توردُ آيةً قرآنيةً أو حديثاً نبوياً. وقد أردتُ في بعض دراساتي في الثمانينات من القرن الماضي أن أعتبر ذلك إسهاماً إسلامياً في ثقافة حقوق الإنسان المعاصرة؛ وبخاصةٍ أنّ جهاتٍ رسميةً عربية وإسلامية بعد الإسلاميين، دخلت في هذا الخضمّ. قلتُ إنّ هؤلاء المؤصِّلين يريدون من جهة إعلامَ المسلمين وتثقيفهم بثقافة حقوق الإنسان، وأنها لا تتناقضُ مع القرآن أو السنة. وقلتُ إنهم يرمون إلى إخبار العالَم وتنويره بأنّ الإسلامَ يمكن له أن يشارك في ثقافة العصر وقيمه.
لقد ذهبتُ في التسعينات موفداً من الحكومة اللبنانية لاجتماعٍ في لجنة حقوق الإنسان عن إسهام الأديان في ثقافة حقوق الإنسان، وبينما كنتُ أمضي متحمساً في عرض نماذج من الإعلانات الإسلامية، واستشهاداتها القرآنية والحديثية، سألتني السيدة ماري روبنسون في لهجةٍ بين الجد والمُزاح: طيّب، وماذا يحصل إن كانت هناك هذه المادة أو تلك في الإعلان أو المواثيق والمعاهدات الملحقة، في حقوق المرأة أو الطفل، ولم تجدوا شاهداً عليها في القرآن أو الموروث، هل تتنكرون لها؟ وأجبتُ غير متتعتع: لقد تمَّ التنكر في مواد قليلة، بينما جرى التجاهُلُ في حالاتٍ أُخرى، والتأويل والتحويل في حالاتٍ ثالثة، بالذهاب إلى أنّ الإسلام أو الفقهاء اهتموا لهذه الجزئية أو تلك مما لم يلحظْهُ الإعلان! وتابعت السيدة روبنسون: لكنّ الكثرة الساحقة من الدول العربية والإسلامية وقّعت على هذا الإعلان وملحقاته، وعلى ميثاق الأُمم المتحدة بالطبع، وهناك تعثُّرٌ كبيرٌ في التلاؤم والتطبيق في دولكم رغم التوقيع والالتزام، فهل تُسهمون أنتم ذوو التفكير الإسلامي في النضال من أجل تطبيق ما تعتبرونه تقصيراً من دولكم؟ وقلتُ: الأكثرون من الإسلاميين لا يسعَون للتأثير على الحكومات لأنهم في مواقع المعارضة ولا يعتبرون أنّ الأنظمة القائمة يمكن أن تستمع إليهم. وبعضُ مُصْدري الإعلانات يعيشون في الغرب، وهم يوجِّهون خطابَهم إلى الغربيين. وفي النهاية فإنّ الإسلاميين هم ضد الاستبداد، لكنّ مسألة حقوق الإنسان ليست أولويةً عندهم. ثم تحدث ممثلو الأديان الأُخرى، وقدموا أفكاراً كثيرةً وبخاصةٍ أهل الديانات الأسيوية، لكنهم جميعاً كانوا يبدأون كلماتهم بالقول إنهم لا يملكون باعتبارهم رجال دين إعلاناتٍ منفصلة. وإنّ الذين يمارسون النقد للإعلان والميثاق في دولهم ومجتمعاتهم معظمهم من الفلاسفة أو الاقتصاديين أو رجالات المجتمع المدني، وهؤلاء في الغالب تنصبُّ ملاحظاتُهم على تصرفات الدول الكبرى أو حكوماتهم، وليس على الميثاق والإعلان. ويضيفون أنّ المواثيق والمعاهدات اللاحقة استوعبت وتجاوزت الكثير من وجوه النقص وسوء الفهم والتقدير.
بعد الإعلانات الإسلامية، بدأت تظهر الدساتير الإسلامية. وهي تهتم بالفعل بتقييد سلطة الحاكم، لكنّ موادَّها الكثيرة الأُخرى تهتمُّ بإبراز ملامح النظام الإسلامي الكامل، والشريعة التي تعتبرها واجبة التطبيق. وهي بالمفهوم الإحيائي والطهوري الجديد تهتم بالتقييد والتشديد والمنع والتحريم، أكثر مما تهتمُّ بالحقوق وبالمواطنة. وصحيحٌ أنها تؤكّد على فكرة الشرعية، وضرورة التزام أحكام الشريعة من أجل إحقاقها، وليس إرادة الجماعة مثلاً، إنما الملحوظ أنها تُنيط بالسلطة السياسية مهمة تطبيق الشريعة، وتحاسبها على هذا الأساس. وبذلك فإنها تُعطي السلطة السياسية صلاحيات وواجبات دينية كثيرة بحيث تحوِّلُها عن طبيعتها ووظيفتها في حسن إدارة الشأن العام، وإقامة الحكم الصالح.
وفي العقود الثلاثة الأخيرة ظهرت مئاتُ الكتب وآلاف المقالات في نظام الدولة الإسلامية، وحقوق الإنسان التأصيلية والتكليفية فيها. والكثير من هذه الكتب والدراسات يعود إلى جانب فكرة التأصيل، إلى فكرة الملاءمة التركيبية كما في أعمال الإصلاحيين في مطالع القرن العشرين وما بعد. وأعني بذلك الحديث إلى جانب التأصيل عن مقاصد الشريعة وغايانها الإنسانية العليا. لكنْ تبقى فيها مشكلتان: الطابع العقائدي الغلاّب، ومحدودية فكرة أو ممارسة المشاركة. والطابع العقائدي القوي أثّر في مسألة الحرية وخبرات المؤمنين في اجتهاداتهم وعملهم الفردي والجماعي. وأحسب أنّ لظهور فكرة عقائدية الدولة وليس المجتمع فقط أكثر من سبب. ومن أسبابها فشل تجربة الدولة الوطنية، وسياسات الحرب الباردة وحقبة الهيمنة. لكنّ هناك سبباً آخر مهماً للعقائدية في تفكير الإسلاميين الحزبيين وعملهم. فقد صارت الشريعة نظاماً كاملاً، وكتلةً ضخمةً من الواجبات والتنظيمات المتشابكة فيها الكثير من الرغبويات التي صارت واجباً دينياً. ولكلّ ذلك جرى تكليف الدولة والنظام السياسي، فظهر للدين ركنٌ جديدٌ هو الدولة، لأنّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلاّ به فهو واجب، وسواءٌ أسمَّينا النظام المرتجى والضروري لاستعادة الشرعية للدولة والمجتمع خلافةً أو إمامةً أودولةً إسلامية. وفي الدولة الإسلامية الجديدة، هناك مشكلات كبرى في مسألة المواطنة، ومشكلات في مسألة حقوق الإنسان، كما ظهر في تجارب الإسلاميين في مثل إيران والسودان.
إنّ الطريف، أنه في زمن التأصيل أو حقبته الطويلة، هناك بنى مفكرو الإسلام السياسي وعديدون من الحزبيين وغيرهم، ممن يحاولون عقلنة العملية التأصيلية، نظامهم الجديد ليس شأن الأصوليين المتطرفين الذين يعودون لآيات: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون أو الفاسقون أو الكافرون؛ بل إلى صحيفة النبي أوعهده أو كتابه بيثرب قبل تسمية المدينة. وهناك يؤكدون على الطابع التعاقُدي للنظام الجديد، والاعتراف بالحقوق المتساوية والواجبات المتساوية لفئاته القَبَلية والدينية. والواضح أنّ تلك الفئات بيثرب عند هجرة النبي(ص) إليها تعاقدت على العيش معاً، وعلى التعامل فيما بينها على مواضعاتٍ معينةٍ في الحقوق والتبعات، والمسؤوليات الفردية والشخصية والعامة. وهي مواضعاتٌ عُرفية ومصلحية. وما ذُكرت في الصحيفة آيةٌ واحدةٌ أو حديث. فالمفهوم أنّ هذه الجماعات كانت تتشارك في بناء نظامٍ باختيارها، وتستطيع تغييره أو تغيير بعض جزئياته، على أساس المصالح والتفاهمات الممكنة. وفقهاؤنا القُدامى جميعاً يذهبون إلى أنّ النظام السياسي مصلحي وتدبيري ولا شأن له بالاعتقاد- والماوردي الحريص على الدين والشريعة حرصاً منقطع النظير يقول إنّ الإمامة هي لسياسة الدنيا وحراسة الدين، وماذا تعني الحراسة؟ يفسِّرها بأنها حفظ الدين على أصوله المستقرة، وأعرافه الجامعة. فالدولة لا تتدخل في الدين، وإنما تصونُ ما تواضع عليه المؤمنون أصولاً وأعرافاً. فأين هي الجماعة ذات الفئات المتعددة التي تبني النظام من طريق التشارُك عند الإسلاميين، وما الحاجة حتى لدى معتدلي الإسلاميين للبحث الطويل العريض فيما يتلاءم مع الشريعة وما لا يتلاءم في إدارة الشأن العام، ما دام الناس مسلمين، وما دام حقهم ثابتاً في بناء نظامهم السياسي كسائر بني البشر، أوحتى بحسب تجربة النبي بيثرب أو المدينة؟
ولا شكَّ أنّ الإسلاميين ليسوا وحدهم سبب ظهور مشكلات الأقليات في المشرق والمغرب، وإنما الظروف الحديثة والمعاصرة، وقضايا خيبات وقصور الدولة الوطنية. لكن هنا أيضاً ومع تضخم مقولة الشريعة والشرعية؛ ما برز الإسلاميون في طرح حلولٍ لمشكلات الأقليات الإثنية والدينية، رغم تكرارهم لقول النبي(ص): لهم مالنا وعليهم ما علينا! ولّما أراد الإسلاميون عندما صاروا فريقاً سياسياً معتبراً في الثمانينات، أن يوسِّعوا الأُفق لجهة فقه الاختلاف الاجتماعي والسياسي، قالوا بتفرد مصر في نشأة جماعةٍ وطنيةٍ فيها، بحيث لا تحتاج إلى تبرير التمايُز الديني والطائفي الإثني. لكنّ بعضهم عاد فنقض هذه المقولة بسبب التطرف المزعوم والتآمر في أوساط الأقلية الدينية، وهو سوءُ تصرفٍ كبير في نظر الإسلاميين، دفع من جديد باتجاه الهوية الواحدة والتي لا تنقسم، وفيها عقلاء الأقباط!
ولا يمكن بالطبع تحميل أهل الإسلام السياسي تبعات ظهور الجهاديين. فالجهاديون انشقاقيون. والانشقاق الذي يعلن مسألة الفسطاطين والتكفير والعداء المطلق للآخر، وشن الحرب على العالم، يهدف أول ما يهدف ليس لمواجهة العدوّ البعيد، بل العدو القريب، فيما صار يُعرفُ عندهم بإدارة التوحُّش والعياذ بالله. الانشقاق يريد إزالة الأصل الذي انشقّ عنه لأنه يريد الحلولَ محلَّه، وليس محلَّ البُعداء في الدين أو المذهب أو الجغرافيا، الذين قد يكون على استعداد بعد قيام دولته الميمونة لإقامة علاقاتٍ معهم. ليس من المستحسَن إذن نسبةُ هذا الانشقاق الهائل لأهل الإسلام السياسي، إنما لو تأملنا مقولات هؤلاء المستوحشين أو المتوحشين مقولةً مقولةً، لرأينا لها جميعاً أُصولاً أو تأصيلات في أفكار أهل تسييس الإسلام، وإنما قادها هؤلاء الجهاديون إلى نهاياتها القصوى.
ولنمضِ للمرة الأخيرة إلى الإمكانيات المتاحة أو التي أُتيحت بعدما صار أهلُ تسييس الإسلام جماعات سياسية محترمة. لقد انفتحوا على فكرة مقاصد الشريعة والتي تتيح توسيع الآفاق لجهتين: مركزية مقولة الإنسان فيها، ولأن فكرة المصالح الضرورية لا تستند إلى النصوص مباشرةً، بل إلى استقرائها كما قال الشاطبي. فالمصالح الضرورية للإنسان هي حق النفس، وحق العقل، وحق الدين، وحق النسْل، وحق الملك. وكما قال ابن القيم نقلاً عن ابن عقيل- وكلاهما حنبلي- فإنّ المصالح اكتشافاً وآفاقاً لا تستند إلى النص بل إلى روحه ومقاصده. إنما رغم خصوبة هذه الفكرة فإنها ظلّت مقيدةً بقيود نظام الإسلام الجديد أو الكامل الذي جرى اصطناعه عبر عدة عقود، ثم جرى الوقوع في إساره، بحيث إنّ أحدهم ما قبل من بعض مفكري الإسلاميين القول بعمومية النسَق أو النظام واعتبر ذلك جبناً ومجاملة، وطالبهم بشدةٍ أن يعتبروا النظام الإسلامي قائماً بكل تفاصيله أو يكون إسلامهم مدخولاً وقاصراً!
إنّ التفكير القائم على الهوية والتأصيل ولا شيئ غير ذلك، يظلُّ أسير طهوريته مهما حاولَ التلاؤم والتوفيق من بعد لمراعاة مستجدات الظروف. فالعقائديةُ تنكسر وتفقِد أصلها إن توقفت عن التأصيل، أو حاولت استشراف الآفاق. وهذا الفكرعلى أي حال ليس من أولوياته مسألة الإنسان وحقوقه ومواطنته، بل مسألة الشرعية، والنظام المتوهَّم القائم عليها. وقد استطاع طَمْسَ فكر الإصلاح، بينما سدَّت عليه نزعتُها العقائدية والتأصيلية الإمكانيات المفتوحة لاستشراف آفاقٍ جديدةٍ تماماً بسبب المزج غير الصحي أيضاً بين مقولتي الدين والسلطة. ولذا لا بُدَّ من البحث عن آفاقٍ أُخرى للإنسان والمواطن في مجالنا الحضاري، من غير مدخلي الهوية والتأصيل؛ بل من مدخل التجربة التاريخية للأمة والتي بدأت في صحيفة المدينة، ومن مدخل التلاؤم مع العصر ونظام العالم.
IV
إنّ التحدي الرئيس في المشهدين العربي والإسلامي في العقود الثلاثة الأخيرة هو تحدي تجديد تجربة الدولة الوطنية المدنية، والمجتمع السياسي الحر. ويقع مبدأُ المواطنة في قلب هذا المشهد، ويكاد يكونُ شرطَ الاعتماد الرئيس لمواجهة التحدي. وقد كانت هناك نضالاتٌ وأفكارٌ ومبادرات كثيرة لمواجهة هذا التحدي من غير جانب الإسلاميين. ولأنّ الموضوعَ الذي نعالجه في هذه المطالعة الآفاق التي يطرحها الفكر الإسلامي المعاصر في مسألة المواطنة؛ فإنّ الاهتمام ينصبُّ على الإمكانيات التي تملكها التيارات الفكرية والسياسية العربية والإسلامية الأخرى، وتأويليات النصوص، لاستكشاف آفاقٍ تعودُ فيها مقولة الإنسان والمواطن إلى مركز الصدارة، فتُعينُ بذلك بأشكالٍ مباشرةٍ وغير مباشرة على استقامة الأوضاع في المجالين الديني والدولتي في مجتمعات العرب والمسلمين.
إنّ أول عوامل عودة السوية إلى الأوضاع العامة الفكرية والمجتمعية في المجال الإسلامي تتمثّلُ في إخراج الدين من خضّم الصراع على السلطة السياسية في الدول والمجتمعات. فقد أوصلت هذه المسألة التي اعتبرتها تيارات الإسلام السياسي والآخر الجهادي أولويةً أَنْستْها كلَّ القضايا الأُخرى- إلى انقساماتٍ في الدين، وإلى تصوير المسألة باعتبارها صراعاً بين الدين والدولة، والدين والأمة في العالم العربي بالذات. والمستهدَفُ من وراء هذا الإخراج للدين المسيَّس إعادة الانسجام بين الديني والسياسي والاستراتيجي في المجتمعات والدول. بحيث يستعيدُ الدين ثوابتَهُ ومهماته باعتباره عاملَ توحيدٍ رئيسياً في المجتمعات، وباعتباره مناطَ الرؤية للعالم، ومُنتجَ خطابات الرسالة والدعوة الشاملة. فقد اقتحمت حركات وأحزاب تسييس الدين المجالين السياسي والاستراتيجي، عندما أرادت وما تزال الاستيلاء على السلطة باسم الدين لتطبيق الشريعة من جهة، ولمواجهة السياسات الإقليمية والدولية في العالمين العربي والإسلامي. وبذلك؛ وبدون مقاومةٍ قويةٍ من داخل البيئات الفكرية الإسلامية والمؤسسات الدينية، صار هذا الفاعل السياسي العقائدي، أَولويةً في الصراع على السلطة، وأَولويةً في النزاعات الاستراتيجية على العرب والمسلمين. ومن نافِل القول أنّ هذه التيارات الراديكالية، التي أرادت تقوية فعالية الدين أو إحلالهُ، تسببت في أسْره، وجعلِه رهينة الحسابات الاستراتيجية في ديار العرب والمسلمين والعالم. إنما الأخطرُ من ذلك على الدين قبل الدولة يتمثل في عملية التحويل القيمي والعملي. فقد صار الاستيلاءُ على السلطة هو القيمة الرئيسية في اعتبار تلك الأحزاب والحركات، وما عاد العمل الدعوي والإرشادي في مجتمعاتنا ومع العالم ممكناً إلاّ من هذه الزاوية الضيقة، والتي لم يجد الإسلام نفسَه فيها منذ آمادٍ وآماد. وبالطبع فإنّ هذه الإشكالية الأساسية، نحّتْ كل القضايا الرئيسية الأُخرى الضرورية في عملية إعادة بناء الدولة الوطنية المدنية وأهم شروط سوادها واستقرارها مسألة المواطنة. وكما سبق القول؛ فإنّ التيارات الفكرية الأُخرى، وبعضُها يعتبر نفسَه إسلامياً، ما تزال تناقش وتنصر مسألة الدولة المدنية وضروراتها؛ لكنّ همَّ الهوية الإسلامية للدولة الموعودة، وبالسلب والإيجاب، ما يزال يتصدر المشهد، تحت وطأة تأثيرات الإسلام السياسي والآخر الجهادي.
من أين يجبُ البدءُ لإزالة أو تنحية هذه الإعاقات التي تحول دون عودة السَوية الدينية والثقافية/ المجتمعية إلى المجتمعات والكيانات؟
أعتقد أنه يجب البدءُ من التحويلات العقدية والفقهية التي أنجزتْها جماعاتُ تسييس الدين في العقود الماضية، والتي تعتبر الدولة وظيفةً وعملاً جزءًا من الدين، وضرورةً من ضرورات تطبيقه. وفي هذا ظلمٌ للدين وتكليفٌ له بما لا يطاق، اتهامٌ للجماعة المؤمنة أنها لا تطبقه، واختراع ركنٍ دينيٍّ جديد، وصرف الدولة عن حُسْن إدارة الشأن العام والحكم الرشيد، إلى مهمات فرض الشريعة. ولنتصور سلطةً سياسيةً تمتلك الدين بحجة تطبيقه، وتأمل من وراء ذلك البقاء الأبدي في السلطة.
لقد انكسرت في السنوات القليلة الماضية الشعائريات التي انغمس فيها اجتماعتنا الإنساني والاجتماعي والثقافي والديني. وهي شعائرياتٌ نجمت عن السمتية الدينية الصارمة التي سادت لعدة عقود، وانفجرت أخيراً بأشكالٍ مختلفةٍ أبرزُها الشكلُ العنيفُ الذي اتخذتْه كلٌّ من القاعدة وتنظيم الدولة ومتفرعاتهما. فحتى العنف الهائل الذي شهدته الكيانات والمجتمعات اتخذ صِيَغاً شعائريةً فيما صار يُعرف بإدارة التوحُّش. والتصدي لذلك كُلِّه يكونُ من المفيد فيه العملُ على استعادة السكينة الدينية من طريق الاستمرار في نقد مقولة أنّ الإسلامَ دينٌ ودولةٌ. ذلك أنّ التجربة التاريخية للأمة ما قالت في تيارها الرئيس بأنّ الدين يمتلك نظاماً سياسياً موحىً أوشبه مُوحى. بيد أنّ هذا النقد ليس كافياً، بل لا بد من التلازُم بين أمرين: الإصرار على أنّ الدين لا يمتلك مهماتٍ سياسية تفرضُها ثوابتُه. والأمر الآخر ظهورُ تجارب للحكم الصالح والرشيد تقعُ المواطنةُ في أساسِها. والأمر الثاني هذا يشجّع عليه ظهورُ أحزاب سياسية ذات اهتمامات بثقافة الهوية في الأصل في دول المغرب تقول بالديمقراطية بدون استنصارٍ ملحاحٍ بمسألة الهوية، ولا لجوءٍ إلى العنف العَقَدي والسياسي مهما كانت الأسباب.
من الذي ينبغي أن يقوم بنقد مقولة الارتباط العقدي بين الدين والدولة؟ ينبغي أن يقومَ بها علماءُ الدين والمؤسسات الدينية. لأنّ في ذلك صَوناً للدين عن المهالك، واستنقاذاً له من الانشقاقات العنيفة التي وقعت فيه نتيجة اندفاع بعض الشبان المتدينين في مسألتين كلتاهما قاتلتان للدين وللمجتمعات وهما: إنجاز دولة دينية ذات نظامٍ شبه مقدسٍ أو معصوم، ومصارعة ما يسمونه فسطاط الكفر في العالم:
كناطحٍ صخرةً يوماً ليُوهنَها فلم يضرْها وأَوهى قرنَهُ الوَعَلُ
وهكذا فإنّ مصلحتَنا في ديننا أن يستتبَّ الأمر تدريجياً في تجديد تجربة الدولة المدنية القائمة على المواطنة في مجالنا الحضاري- فننصرف نحن علماء الإسلام وعارفيه إلى القيام بالمهمات الضرورية لديننا، والتي شهدت قصوراً كبيراً في الأداء والإنجاز في العقود الماضية؛ وهي جميعاً مهماتٌ اجتماعية وثقافية وحضارية وتربوية وأخلاقية فائقة الأهمية للدين قبل الدولة وهي: وحدة الدين وعباداته التي ضيّعها وأساء إليها المتطرفون- والتعليم الديني المستنير- والفتوى المتبصِّرة- والإرشاد العام- وإعادة التواصُل السوّي والسليم مع العالم بثقافاته وأديانه وشعوبه، أي بحضارة العصر وعصر العالم.
هل نستطيع القيامَ بكلّ هذه المهامّ الكبيرة، ثم هل نستطيع القيام بها في حالتنا الحاضرة؟ الدوافع هائلةٌ بالنظر للأخطار التي يتعرض لها الدين، وتتعرضُ لها المجتمعات. والدوافع كبيرةٌ لدينا أو ينبغي أن تكونَ لأنّ الدولة المدنية، دولة المواطنة، نحن أهل الدين والدعوة والإسلام أصحاب المصلحة الأولى في قيامها. فمجتمعاتنا ومنذ أيام الإسلام الأُولى هي التي تحتضنُ الدين والقرآن والإسلام. وهذا الاستظهار ليس من عندي، بل هو من عند النبي عليه الصلاة والسلام في مقدمة صحيفة المدينة، وفي خطبة الوداع. وفي دول المواطنة تكونُ سلطةُ التأسيس والمشاركة والإدارة بيـد المواطنـين. وفي عـزّ دولة الخلافة الوسيطة يقول الماوردي (- 1055م) إنّ الإمامة تتولى أمر حراسة الدين وسياسة الدنيا للمسلمين وبتكليفٍ منهم. وإذا كانت السلطة السياسية تعمل للناس وتصون دينَهم على أصوله الثابتة وأعرافه الجامعة – كما قال الماوردي؛ فإنّ المؤسسات الدينية في مذهبنا هي مؤسساتٌ تطوعيةٌ متخصصة غير مقدسة قامت في الأصل على أوقاف الناس لخدمة دينهم. فمصلحتُنا في ديننا ودنيانا هي في قيام دولة المواطنة. ولذلك، أي للصدْق والاقتدار في خدمة الدين، ينبغي أن نكونَ نحن أهل العلم والدين والدعوة والمؤسسات في مقدمة دعاة المجتمعات المدنية، والدول المدنية، أو دول المواطنة. وهذا كلُّه إذا كنا بالفعل نريد حفظ الدين وصَونَه، وليس السعْي وراء سلطةٍ تنتحلُ الدينَ ونُصرتَه، أو ظُلْمَ الناس وقتلهم وتكفيرهم باسمه جلَّ وعلا وتنزَّه، أو الفَخْرَ بإدارة العلاقة مع العالم تحت اسم إدارة التوحُّش والعياذُ بالله – في حين يخاطب الله عز وجل رسوله قائلاً: {وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين}، ويخاطبنا قائلاً:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في دينكم ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُقسطوا إليهم إنّ الله يُحبُّ المقسطين}.
هل نستطيع القيامَ بالمهامّ المذكورة سابقاً، والتي تنهي الصراع بين الدين والدولة، وتُعيدُ الانسجام بينهما، وتُسهِّلُ قيام الدولة المدنية، دولة المواطنة والمواطنين، وتُعيدُ دينَننا وبشرَنا إلى علاقةٍ سويةٍ مع العالم، بعد أن اسودّ وجه الدين والأمة، وتناثرت أشلاءُ مجتمعاتنا وأمتنا في جهات الأرض الأربع؟!
في إحصاءٍ تقريبي للعاملين في المؤسسات الدينية الإرشادية والتعليمية في العالم العربي، فإنّ عددهم يبلُغُ حوالى الخمسة ملايين. فهل نحن غثاءٌ كغثاء السيل؟ لا، نحن لسنا كذلك. لكننا نحتاج للكثير من المعرفة، والكثير من التأهُّل، والكثير الكثير من الوعي والتنظيم والاقتناع بالمهمات، والكثير من التعاون.
والتعاون هذا ليس فيما بيينا وحسْب؛ بل ومع الفئات الاجتماعية والثقافية في العالم العربي. بيننا وبين المثقفين ما صنع الحدّاد، ونحن نتبادل الإهانات والإساءات حتى اليوم. والذي عنده قضيةٌ كبرى مثل قضيتنا يكون عليه أن يتنازل عن الشخصي ليجمع وليكسب لقضيته. ثم إننا نحن والمثقفين والسياسسيين نفيد جميعاً من عودة السوية إلى مجتمعاتنا ودولنا، ونتضرر بل نهلك إذا استمرّ هذا الخراب، وانتشر هذا اليباب. يقال إنّ الشأن العسكري هو من الأهمية بحيث لا يجوز أن ينفرد به العسكريون، فكذلك الشأن الديني لا ينبغي أن ينفرد به علماء الدين!
ثم إنّ التعاوُن يعني أيضاً مراجعة التجربة الماضية مع دولنا في إدارة الشأن الديني. ما كانت تجربتنا ناجحة في التعليم الديني والخطاب الديني، والإرشاد الديني، وإلاّ لماذا خرج الأُلوف من الشبان محاولين إنشاء دينٍ جديد باسم العودة إلى الأصول والثوابت؟ وما كانت تجارب الدول ناجحةً وإلاّ لماذا اضطُرت للاحتكام إلى الأمن والعسكر ولا شيئَ غير لمكافحة الثوران؟ إذا كان الهدف هو إعادة الانسجام إلى العلائق بين الدين والدولة، فينبغي أن نتجاوز بالمراجعة النقدية تفويتات الماضي، ومشكلات الحاضر؛ وبالمشاركة والتشاور وليس بالتقاطع ولا بالاستتباع.
والتعاونُ أخيراً يعني المضيَّ المستقيم باتجاه العالم وثقافاته وحضاراته ودياناته وسياساته. لقد انفرضت المواجهةُ من الطرفين. وشبابُنا الهُوجُ هم الذين بادروا ويبادرون ولا نتيجة إلاّ الخراب الذي نقف الآن على أطلاله. الهجوم الآن ينصبُّ على ديار العرب والإسلام الأُولى، لكنّ الاستاذ محمد السمّاك نبهني إلى أنّ ثلث المسلمين البالغ عددهم المليار ونصف المليار، يعيشون في ديارٍ وبين أُممٍ أكثرياتها غير مسلمة. فنحن محتاجون للعالم أكثر من حاجة العالم إلينا!
لستُ متشائماً رغم النوازل والترديات، لأنّ عملاً كثيراً أُنجز أو اتخذ مسارَهُ بعد طول تردد. بياناتُ الأزهر الخمسة إنجازٌ بارز. ومبادرة الملك عبد الله لحوار الثقافات إنجاز. ومبادرة “الكلمة السواء” من الأردن إنجاز. ومبادرات العلاّمة بن بيه السلمية والتصالحية وسمعته العالمية إنجاز. ومجلس الحكماء ومبادرة تعزيز السلم في المجتمعات إنجاز. وأعمال الدولة والمؤسسات الدينية المغربية في إفريقيا وفي أوروبا إنجاز. وأعمال دور الإفتاء المنطلقة في عددٍ من البلدان إنجاز. وإعلانا بيروت للحريات الدينية، وللإعلام الديني المستنير إنجاز. والمؤتمرات المتكاثرة لمكافحة التطرف والإرهاب إنجاز. ومؤتمر الأقليات هذا في رحاب المملكة المغربية إنجاز. وقد قرأت قبل ثلاثة أيامٍ في كتابٍ كان يتمدح بالمؤسسات الدينية التقليدية أنّ أول من قال بالحكم المدني في الأزمنة الحديثة شيخ. وأول من قال بفصل الدين عن الدولة لحماية الدين شيخ. وأول من قال إنّ الجهاد دفاعي شيخ. وأول من قال بمركزية مسألة الإنسان في الإسلام من خلال مقاصد الشريعة شيخ. وأول من ألف في الحريات الدينية شيخ. وأول من قال بوحدة العالم ووحدة الدار بالعودة لكتب السِيَر شيخ. وقبل المجئ إليكم مررت على دارين للنشر في القاهرة وبيروت، فرأيتُ هذه العناوين الصادرة عامي 2015 و2016: تاريخ موجز للمواطنة، والمواطنة والدولة المدنية، والدولة المدنية لتجاوز الاستبداد وتحقيق مقاصد الشريعة، وأربعة كتب في التربية على حقوق الإنسان، والمشاركة لا المغالبة، والحريات والحقوق الأساسية في الشريعة، والجنسية في الشريعة، وتاريخ مدرسي لحقوق الإنسان، والديمقراطية: الجذور وإشكاليات التطبيق، والاجتهاد المقاصدي، والإسلام والنشاط المدني، ومقاصد المقاصد، والأمة هي الأصل، وقضية الأغلبية، والإسلام والعدالة.
إنّ مصلحة الإسلام في ديارنا تتمثل في استعادة الرشد بإقامة دولة المواطنة.
ومصلحة الدين والمؤسسات الدينية في ديارنا أن يعود الانسجام بين الدين والدولة. ومصلحة الإسلام والمسلمين في العالم ومعه أن لا نخافَ من العالَم ولا نُخيفَه:
{ أمّا الزبد فيذهب جُفاءً وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكث في الأرض}. صدق الله العظيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مفكر عربي، باحث في الدراسات الإسلامية.

(**) محاضرة أُلقيت بمؤتمر “الأقليات الدينية في الديار الإسلامية” بمراكش(25-27/1/2016) الذي أقيم بالتعاون بين وزارة الأوقاف بالمغرب ومنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة.




مسألة التسامح في كتابات العرب المحدثين والمعاصرين

بقلم: د. رضوان السيد —

حوارات — تأتي اللحظة التاريخية للصحيفة أو لـ (وثيقة المدينة) في سياق متماسك، يبلغ حد النسق أو الاتساق الكامل، وهي من اللحظات المؤسسة للعلاقة مع الآخر المختلف دينا، والتي يمكن اطراد القياس عليها كلما أتيح لبني الإنسان أن يقيموا بينهم علاقات سوية، لا قسر فيها ولا اعتناف ولا استلاب ولا نهاب. ولأن هذه اللحظات المؤسسة ” قد بزغت إبان النشأة الأولى للمجتمع الإسلامي في التاريخ فهي منه بمثابة الأركان التي يرفع عليها الوجدان، وهي خير دليل – في براءتها الأولى إذا صح التعبير – على انفتاح الكينونة الإسلامية الوليدة على مطلق الإنسان دون أدنى تحفظ، وعلى التماسها عناصر وحدة البشرية التي خلقها الواحد الأحد -جل جلاله- من نفس واحدة، ثم جعلها شعوبا وقبائل لتتعارف، وتتنافس في الخير، وفي تحقيق الكمال الأخلاقي”(1).
وحتى لا نصادر على مطلوبنا من هذا البحث، فنؤكد ابتداء اشتمال هذه اللحظات المؤسسة، لأول النظر ولمستأنفه على حد سواء، على القانون الإنساني الأعلى للعلاقة مع الآخر أيا كان وأينما وجد، فإننا سنقف مع أربع منها نتخذها أنموذجات مضيئة للحظة “الصحيفة” بوجه خاص، ولموقف الإسلام البدئي من الآخر المختلف دينا، ولا سيما أهل الكتاب، بوجه عام.
وهذه اللحظات المؤسسة الأربع هي على التوالي:
أولا: لحظة الهجرة الأولى إلى الحبشة أو لحظة النجاشي.
ثانيا: لحظة وفد نجران.
ثالثا: لحظة فتح مكة وإزالة الصور والأوثان من الكعبة.
رابعا: لحظة فتح القدس والعهدة العمرية.
(1)
وأول ما نبدأ من ذلك لحظة الهجرة، أو لحظة النجاشي الذي قال فيه رسولنا الكريم مُـحَمَّد -صلوات الله عليه وسلامه عليه-: “إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم منه فرجا ومخرجا”(2). وقالت فيه أم سلمة زوج النبي “لقد جاورنا خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه”(3)، والذي استمع إلى أوَّل خطاب إعلامي شامل في الإسلام، يوم أن وقف جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول:
“أيها الملك، إنا كنا قوما أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث لنا الله رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى رحمة الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلموا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا و بين ديننا؛ خرجنا إلى بلدك واخترناك عمن سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك”(4).
ونحن نعلم من أمر النجاشي بعد هذا البيان أنه سأل عما جاء في القرآن الكريم من ذكر مريم ابنة عمران وابنها عيسى المسيح -عليهما السلام- وأنه آوى إليه المسلمين وأكرم وفادتهم بعد أن دمعت عيناه وخشع قلبه، وقال إن ما يسمعه من آيات الذكر الحكيم يصدر وما جاء به المسيح من مشكاة واحدة. كما نعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال فيه لَـمَّا توفي سنة تسع للهجرة: “إن أخا لكم قد مات بأرض الحبشة”، وأنه خرج بالمسلمين إلى الصحراء وصفهم صفوفا ثم صلى عليه”(5).
ولعلنا هنا أن ننتبه إلى أن هذا الحوار يَدُلُّنا على أن الآيات التي تتعلق بمريم العذراء والسيد المسيح –عليه السلام– نزلت قبل واقعة الهجرة إلى الحبشة، وأن تلاوتها في مجلس النجاشي كانت بطلب منه، لا بمبادرة من جعفر يتوسل بها عطفه ونصرته، فهي إذن بعض معتقد المسلم وما يتعبد به، لا كلام يقتضيه المقام، أو تتطلبه السياسة والكياسة. وإن هذا ليتأدى بنا إلى أن القرآن الكريم هو المرجع الأعلى الذي تتأسس في ضوئه العلاقات الإسلامية والمسيحية، وأنه بما يشتمل عليه من آيات بينات عن آل عمران، والمسيـح –عليه السلام– وأمه مريم المصطفاة ومعجزاته، وتعاليمه، وحوارييه، تكاد تبلغ – عدد صفحات – حجم أحد الأناجيل المسيحية المعتمدة؛ يبسط أرضا واسعة من القيم المشتركة والأخلاق المتقاربة، ويرسم أفقا متراحبا، ينظر فيه إلى الأنبياء جميعا بصفة كونهم حلقات في سلسلة واحدة متصلة: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾(6).

(2)
أما حديث وفد نجران وما كان من مصالحة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأهلها، وما كتب لها من كتاب في ذلك فهو من مرويات عروة بن الزبير بن العوام التي جمعتها سلوى مرسي الطاهر في كتاب تحت عنوان “أوَّل سيرة في الإسلام”(7). وقد جاء فيه بعد مفتتح الكتاب: “ولنجران وحاشيتها ذمة الله وذمة رسوله على دمائهم وأموالهم، وملتهم، وبيعهم، ورهبانيتهم، وأساقفتهم، وشاهدهم، وغائبهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير”(8)، وألزمهم “الجهد والنصح فيما استقبلوا غير مظلومين ولا معنوف عليهم”(10).
وقد شهد فيمن شهد هذا الكتاب عثمان بن عفان -رضي الله عنهم-، وكان أشرف نصارى نجران وفي مقدمتهم العاقب والسيد وأسقفهم أبو حارثة بن علقمة قد وفدوا على الرسول -عليه صلوات الله وسلامه- في مسجده في المدينة، فأحاطهم بالإيناس والتكريم، وجادلهم بالتي هي أحسن، بحسب الهدي القرآني الكريم، حتى إذا استيقن صدهم المؤكد لم يعنف بهم ولا فرض رأيه عليهم ﴿لا إكراه في الدين﴾؛ بل رفع الأمر إلى الله تعالى، ودعاهم إلى المباهلة: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾(11)، محتكما إلى مرجعية فوق البشر، ثم ودعهم آمنين إلى ديارهم، لم يمسسهم سوء بل كرمت إنسانيتهم خير تكريم.

(3)
ثم إننا نستذكر إلى ذلك ما كان من موقف الرسول الكريم حين دخل مكة فاتحا ورجع إليها ظافرا، وخاصة ما كان منه حين دخل الكعبة وكانوا – كما جاء في الجزء الأول من السيرة النبوية من سير أعلام النبلاء – ” قد زوقوا سقفها وحيطانها من بطنها ودعائمها وصوروا فيها الأنبياء والملائكة والشجر، وصوروا إبراهيم يستقسم بالأزلام، وصوروا عيسى وأمه، إذ أمر بثوب فبل بماء وأمر بطمس تلك الصور، ووضع كفيه على صورة عيسى وأمه، وقال: امحوا الجميع إلا ما تحت يدي”(12).
ولقد ظلت صورة سيدنا المسيح –عليه السلام– وأمه مريم البتول مرسومة على السارية الوسطى من سواري الكعبة إلى أن ذهب بها الهدم من بعد، يثبت ذلك قول عطاء بن أبي رباح حين سأله سليمان بن موسى الشامي –كما جاء في تاريخ مكة ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء– عما إذا كان أدرك في البيت تمثال مريم وعيسى (وهو يقصد صورتيهما -عليهما السلام-) إذ قال: “نعم، أدركت تمثال مريم مزوقا، في حجرها عيسى قاعد، وكان في البيت ستة أعمدة سواري، وكان تمثال عيسى ومريم في العمود الذي يلي الباب”. كما تثبته رواية عمرو بن دينار في قوله: “أدركت في الكعبة قبل أن تهدم تمثال عيسى وأمه (صورتهما)”، ورواية داود العطار إذ قال: “أخبرني بعض الحجبة عن مسافع عن شيبة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “يا شيبة، امح كل صورة إلا ما تحت يدي، قال: فرفع يده عن عيسى ابن مريم وأمه”. وثَمَّ رواية أخرى أوردها الذهبي إلى ما سبق، في السيرة النبوية عن ابن شهاب: “أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل الكعبة وفيها صور الملائكة، فرأى صورة إبراهيم فقال: “قاتلهم الله، جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام”، ثم رأى صورة مريم فوضع يده عليها وقال: “امحوا ما فيها إلا صورة مريم”(13).
هذه ثلاث لحظات تاريخية من أربع أردنا أن ننظر إلى “الصحيفة” وإياها في سياق واحد.

(4)
أما الرابعة فهي لحظة فتح بيت المقدس يوم أن كتبت ” العهدة العمرية ” فكانت أنموذجا للمعاهدات التي تراعي أحوال الناس جميعا وتتناول حضورهم الإنساني في شتى احتمالاته: من إقامة دائمة وأخرى مؤقتة، ومن مرور، ومن متاجرة، ومن زيارة، ومن حج وعبادة، تقول المعاهدة كما روى الطبري:
“بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل “إيلياء” من الأمان”.
أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها، وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من غيرها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود.
وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص.
فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية.
ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم، وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم.
ومن كان بها من أهل الأرض، من شاء منهم قعد، وعليه مثل ما على أهل ” إيلياء ” من الجزية، ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع إلى أهله، وأنه لا يـأخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم.
وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله، وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية(14).

(5)
إن مبعث حرصنا على قراءة “الصحيفة” في سياق من مواقف ومعاهدات تعكس الرؤية الشمولية للآخر الكتابي في الإسلام هو توكيد أن الإعتقاد بكرامة الإنسان بإطلاق، وبقربى النصارى من أهل الكتاب خاصة، وبأهمية الوفاء بالعهود، وكل أولئك كان أساسا ومنطلقا وغاية وهدفا في آن، أي أن “الصحيفة” لم تكن موقفا آنيا اضطر إليه الرسول الكريم محمد -صلوات الله وسلامه عليه-، أو موقفا “تكتيكيا” بلغة القوم. بل كان موقفا مبدئيا ثم اتخاذه في ضوء كتاب الله الكريم وسنة نبيه المشرفة، هذين الأصلين اللذين حكما كل معاهدة سابقة أو لاحقة في الإسلام.
وحتى يكون لنا أن ننظر في “الصحيفة” أو أن نقرأ دلالاتها، فإنا موردوها نصا بحسب ما انتهى إليه تحقيق الأستاذ صيدان بن عبد الرحمن اليامي في كتابه “بيان الحقيقة في الحكم على الوثيقة”(مكتبة المعارف- الرياض- 1987م- من ص5-10) ومثبتو بيان ما غمض من معاني ألفاظها بحسب هذا التحقيق أيضا.

نص”الصحيفة”
“بسم الله الرحمن الرحيم. هذا الكتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم(15) يتعاقلون بينهم(16) وهم يفدون عانيهم(17) بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن عوف، على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا(18) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة(19) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينصر كافرا على مؤمن. وأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم. وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وأنه من تبعنا من اليهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم. وأن سلم المؤمنين واحدة، ولا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا. وأن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماؤهم في سبيل الله. وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، أنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وأنه من اعتبط مؤمنا قتلا (20) على بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه. وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله – عز وجل- وإلى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم وإلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ(21) إلا نفسه وأهل بيته، وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف. وأن ليهود بني حارث مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف وأن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته. وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم وأن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف وأن البر دون الإثم. وأن بطانة يهود كأنفسهم، وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأنه لا ينحجز على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم، وإن الله على أبر هذا، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم. وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله – عز وجل- وإلى محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها. وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه. وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم. وأن الأوس مواليهم وأنفسهم، وعلى مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وأن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج آمن ومن تعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-(22).
لقد كتبت هذه “الصحيفة” في أعقاب مقتل الشاعر اليهودي كعب بن الأشرف الذي شبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، كما آذى النبي الكريم بالهجاء، وركب إلى قريش فاستغواهم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-حتى قال الرسول يوما: من لكعب بن الأشرف فقد آذانا بالشعر وقوى المشركين علينا. فلما قتل “فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين، فغدوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-حين أصبحوا فقالوا: أنه طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من سادتنا فقتل، فذكر لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-الذي كان يقول أشعاره، ودعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابا، فكتب بينه صحيفة، وكانت تلك الصحيفة بعده عند علي، أخرجه أبو داود”(23).
وعلى أننا لا نعدم من يرى أن هذه الرواية لا يمكن الجزم بصحتها لفقدانها عامل الصحة، وهو اتصال السند إن صح، كما ذهب إلى ذلك الأستاذ صيدان بن عبد الرحمن اليامي، فإننا لا نعدم في الوقت نفسه من يراها دستورا رفيعا “لم يستطع الفقهاء دراسته كما ينبغي، شكوا في صحة الوثيقة إذ إنها وصلتهم مكتوبة دون سند، وهم كانوا يدققون جدا في موضوع السند، ثم إنهم خافوا من الإصرار على تطبيق الصحيفة؛ لأنَّها كانت تعطي الأمة حقوقا لا تقرها النظم الحاكمة من أمويين وعباسيين وغيرهم”(24(.
وليس يخلو من الدلالة أن من يرون هذه الرواية مما ينبغي الاحتجاج به ومن يرونها موضع احتجاج؛ متفقون جميعا على أنها قد أخذت ” طابعا هاما في دراسة النظام السياسي في الإسلام”(25). كما يخلو من الدلالة أنها تصدر نصا ودلالة من المشكاة نفسها التي خرجت منها الكتب والمعاهدات التي سقناها بين يديها، سواء ما كان سابقا لها أو لاحقا. الأمر الذي يجعلنا نميل إلى قراءة الدكتور حسين مؤنس لها، من حيث هي “دستور وضعه الرسول لجماعته في المدينة ليحدد لها نظام العمل في شؤون الجماعة الداخلية والخارجية.. دستور كامل يبين الحدود الجغرافية لوطن الأمة: جوف المدينة، ومنازل القبائل، وَكُلّ من لحق بنا وجاهد معنا”، والمراد هنا منازل كل القبائل التي تنضم إلى الأمة و”تقر بما في هذه الصحيفة” أي توافق على ذلك الدستور، وقد اتسعت مساحة المدينة بذلك؛ لأنَّ القبائل حولها أخذت تنضم إلى الأمـة الإسـلامية(26(.
وتحدد الصحيفة، فيما يرى الدكتور حسين مؤنس “واجبات أعضاء هذه الجماعة وحقوق كل منهم، العدل والبر (والبر معناه الوفاء) ولهم الأمن على النفس والمال”.
والجماعة كلها هي التي تقوم بحماية الأمن في داخلها ” ويد المؤمنين جميعا على من ابتغى دسيسة فساد بينهم”. والجماعة متعاونة لمساعدة المحتاج والمدين والمريض، وهي ملزمة بمعاونته في فداء أو أسر، وكل مجموعة قبلية من أهل المدينة مسؤولة عن الأمن في مواطنها وعن حماية المدينة من ناحيتها، والأمة كتلة واحدة ” يد المسلمين واحدة ” ولا تعقد جماعة صلحا إلا باتفاق الجماعة. لكل مجموعة رياستها وهم مسؤولون عن جماعتهم من كل ناحية. والقاعدة في التعامل هي البر -أي الوفاء-، فمن نصوصها: “والبر دون الإثم”، أي: أن الوفاء دون الحنث، و” أن الله على أبر هذا ” أي: أن الله يؤيد أصفى وأصدق ما في هذه الوثيقة من وفاء.
وإذا هوجمت المدينة فلا بد أن يشترك الجميع في الدفاع. أما إذا قامت الجماعة بحرب خارج حدودها فلا إلزام، وليخرج من يريد، ولكن الرسول كان إذا ندب أحدا لمهمة سارع في التنفيذ مختارا سعيدا. وهذه القواعد واردة في القرآن الكريم بهديه وأخلاقه التي هي مكارم الأخلاق، أو المروءة الإسلامية التي حلت محل المروءة الجاهلية، والمروءة مشتقة من مرء أي إنسان فمعناها إذن الإنسانية. والمروءة الجاهلية كانت تبيح القتل وسفك الدم والقسوة، كما ترى في بعض أشعار عنترة العبسي وغيره من الجاهليين، أما المروءة فتحض على الرحمة والمغفرة والإحسان والرأفة باليتيم والضعيف والعاجز، ونصرة المظلوم. وكل هذه مبادئ واردة في القرآن الكريم وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وطبقها بنفسه وبين للناس كيف يسيرون عليها، وهذا هو ما نسميه بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-أي خلقه وتصرفه وقولـه، ولـه صلوات الله عليه حديث جامع مانع يوجه المسلمين إلى كل خير ويمنع عنهم كل أذى ويحميهم من كل شر ويدفع عنهم كل ضرر، ولو عملوا بما فيه لكانوا أعظم الأمم في كل عصر، قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي”(27).
وإذا كان الدكتور حسين مؤنس قد غلب – في تحليله للصحيفة – جانب الأمة على الدولة، ورأى في رسول الكريم محمد -صلوات الله وسلامه عليه- نبيا وسراجا منيرا، لا قائدا عسكريا أو قائد دولة دبلوماسيا، فإن الدكتور كامل الدقس يرى في الصحيفة إعلانا “عن قيام دولة قانونية في الأرض”، وقد نظم الرسول -صلى الله عليه وسلم- جميع شؤونها ورسم سياستها الداخلية والخارجية بصفته الرئيس الأعلى للدولة.
يقول الدكتور كامل الدقس في ذلك: “لقد وضع الرسول -صلى الله عليه وسلم-دستورا للدولة نظم فيه شعب دولته، وحدد العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وبين فيه الحقوق والواجبات على مواطني الدولة (اليهودية بقبائلهم – القبائل المتفرقة – الأوس والخزرج – المهاجرين)، وهذا الكتاب الذي يعرف بعقد (الصحيفة) يعد دستورا فريدا لم تحلم البشرية في عمرها الطويل منذ نشأتها وإلى يوم الناس هذا بمثله. وإن المتأمل في هذه الوثيقة يتبين في وضوح وجلاء عظمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السياسة والصياغة على السواء. فقد كتبت هذه الوثيقة على غير مثال سبقها، وشملت نصوصها كل ما تحتاج إليه الدولة في تنظيم شؤونها الداخلية والخارجية. وقد تضمن الدستور الكثير من القواعد والمبادئ الأساسية التي ما تزال البشرية تحوم حولها، أو تحلم بقليل منها”(28(.
ولعل ألصق هذه القواعد بموضوعنا تلك التي تنص “على إباحة الحريات: حرية العقيدة، والإقامة والتنقل، ومزاولة الحرف دون تقييد ما دامت هذه الحريات لا تضر مصلحة المجموع، وتراعي المبادئ الأخلاقية في السلوك الفردي وفي العلاقات الاجتماعية”(29(.
ومهما يكن الأمر في استخلاص دلالات هذه الصحيفة في جانبيها السياسي والتنظيمي، أو في التحرير الفقهي لبنودها، فإنها حافلة بدلالات أخر تتعلق بما وراء البنود من التوجه نحو وحدة الشعور بالجماعة الإنسانية، وحميمية العلاقات فيما بين أفرادها على اختلاف الانتماء الديني والقبلي.
وثَمَّ في الصحيفة إشارات لا بد أن نتدبرها إلى “المعروف والقسط” اللذين اعتبرا مدخلا عاما لها، وتكررا تسع مرات فيها، وإلى أن “ذمة الله واحدة”، و “أن سلم المؤمنين واحدة”، و “أن النصر للمظلوم”، و “أن الجار كالنفس غير مضار”، و”أن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره”، و “أن البر دون الإثم”، و “أن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة”، وأن اليهود مواليهم وأنفسهم “على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة”، و “أن الله جار لمن بر واتقى”.
إن هاهنا توكيدا لما يمكن تسميته “روح القانون” أو المرجع العقدي الأعلى له، وإن في طوق الدراسة الأسلوبية أن تظهرنا على دليل داخلي في الصحيفة يصحح روايتها ويثبتها. وخاصة فيما يتعلق باليهود، وما تناولته الصحيفة من ألوان العلاقة معهم، كما يمكن للدراسة المقارنة بين “الصحيفة” و “كتاب أهل نجران” و “العهدة العمرية” أن تجزم بالصدق الداخلي لمتنها، وبصدورها عن رؤية إيمانية شاملة ترى إلى الآخر المختلف عقديا أو دينيا على أنه توسعة للذات، وميدان لفضائلها، ولما تتمتع به من معروف وقسط وبر وتقوى وصدق، وحسبك ذلك كله التماسا لوحدة الشعور الإنساني في المجتمع الواحد أو تعزيزا لوحدة الخلق، على تنوع مللهم ونحلهم وألسنتهم، في مقابل وحدانية الخالق الذي شاء سبحانه أن يجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا، وأن يجعل لكم منهم شرعة ومنهاجا، وقضت حكمته أن لا يزالوا مختلفين حتى يبلوهم أيهم أحسن عملا، وأيهم أتقى له وأقوم سبيلا..
إن “الاختلاف” بما هو حقيقة كونية وإنسانية لا ينبغي أن يحول دون استشعار معنى الرحم الجامعة لبني الإنسان، ولعل مقاربة أخرى من الصحيفة وأخواتها أن تظهرنا على اعتراف الإسلام بالتعددية المليئة في الأرض، وعلى أن ذلك شرط موضوعي للتعارف الذي يتجاوز معرفة الآخر إلى “القسط المعروف” معه، وإلى أن يكون “كالنفس غير مضار” وأن يكون البر المحض “هو ضابط العلاقة معه وميزانها…”.
إن التسامح الذي نراه هنا فعل إيجابي ومروءة نفسية وتوجه صادق نحو الآخر، لا موقف سلبي اضطراري. والمسامحة لغة واقعة في حقل دلالي تجاورها فيه: المساهلة والمقاربة والمداناة والمواتاة والملاينة(30)، كما أن لسمح في العربية معنى جاد وكرم، والملة السمحة: التي ما فيها ضيق(31). وشتان بين هذا كله وبين دلالات Tolerantia اللاتينية، التي تعني التساهل السلبي، أو “سلوك شخص يتحمل دون اعتراض أي هجوم على حقوقه، في الوقت الذي يمكنه فيه تجنب هذه الإساءة”(32). فلكأن للغات أرواحا تسكنها، ولكأن حكمة الله قد قضت بأن يكون للعربية التي نزل بها القرآن سعة وجدانية أو رحابة روحية تتميز بها عن سائر اللغات.
على أن الأمر لا يتوقف عند النصوص دون تمثلاتها، ولا عند المفاهيم دون ما صدقاتها، أو الوقائع التاريخية التي تتجلى بها، ونحن عند هذه في غناء أي غناء من الشواهد المتتابعة، والأدلة المتظاهرة، فقد روى يحيى بن آدم في كتاب الخراج أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- لما تدانى أجله أوصى من بعده وهو على فراش الموت بقوله: “أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرا، وأن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفهم فوق طاقتهم”(33). كما جاء في كتاب: “أهل الذمة في الإسلام” للدكتور أ. س، ترتون قوله تعقيبا على وصية الفاروق: إن “في الأخبار النصرانية شهادة تؤيد هذا القول، وهي شهادة البطريرك “عيشوبايه” الذي تولى منصبه من سنة (647هـ) إلى (657هـ)، إذ كتب يقول:
– “إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون، إنهم ليسوا بأعداء للنصرانية، بل يمتدحون ملتنا، ويوقرون قديسينا وقسيسينا، ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وأديرتنا”(34).
شهادة تأتي بعد ستمئة وخمسين عاما من ظهور الإسلام، لا منفردة ولا يتيمة ولكن في سياق من البراهين على أن الإسلام قلب مشرع الجنبات للإنسانية كلها، وأنه الدين الْـحَقّ الذي جاء رحمة للعالمين.
لقد كانت هذه قراءة أولية للصحيفة أو الوثيقة المدنية في سياق ينظمها وأخواتها اللواتي يؤكدن قيام التسامح في الإسلام على أصول قرآنية ومبادئ عقدية، أو على رؤية شاملة جامعة جديرة باهتمام العالم كله وتقديره، وهي فيما آمل توطئة لما وراءها من النظر العميق في ما سميناه ابتداء “اللحظات المؤسسة” للعلاقة مع الآخر المختلف دينا…
والحمد لله أولا وأخيرا…

الهوامش:
(1) انظر: الجزء الثالث من كتابنا ” الشذرات “، ص312، عمان 2000م.
(2) سير أعلام النبلاء، ج1 ص208، حققه وضبط نصه وعلق عليه د. بشار عواد معروف.
(3) المصدر السابق، ص431.
(4) سير أعلام النبلاء، ج1 ص443.
(5) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
(6) سورة الأنبياء: آية 92.
(7) بدايات الكتابة التاريخية عند العرب: “أول سيرة في الإسلام ” د. سلوى مرسي الطاهر – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت، 1995م.
(8) المصدر السابق، ص290.
(9) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(10) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(11) سورة آل عمران: آية (61).
(12) سير أعلام النبلاء، الجزء الأول من السيرة النبوية.
(13) المصدر السابق، الجزء الأول.
(14) انظر: التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، محمد الغزالي، دار الكتب الحديثة، القاهرة، د. ت.
(15) قال ابن زنجويه في كتاب الأموال: 2/471: “الرباعة هي المعاقل، وقد يقال: فلان على رباعة قومه: إذا كان المتقلد لأمورهم، والوافد على الأمراء فيما ينوبهم”. وورد في رواية ابن زنجويه (رباعتهم) ولعل الصواب ربعتهم. كما رجح المحقق 1/ 456، وقال الزمخشري في الفائق في غريب الحديث، ص1- 25: “رباعة الرجل، شأنه وحاله الذي هو رابع عليها، أي ثابت مقيم ومنه حديثه –صلى الله عليه وسلم- حين سأله عمر عن الساعة: ذاك عند حيف الأئمة، وتصديق أمتي بالنجوم، وتكذيب بالقدر، وحين تتخذ الأمانة،مغنما والصدقة مغرما، والفاحشة رباعة. فعند ذلك هلك قومك يا عمر. قال يعقوب – ولا يمكن في خير حسن الحال، يقال: ما في بني فلان من يضبط رباعته غير فلان وقال الأخطل:
ما في معد فتى تغنى رباعته إذا يهم بأمر صالح فعلا
وفي تحقيق ديوانه 145، روايته: “بأمر صالح عملا”.
(16) أي: يعقل بعضهم عن بعض، والعقل: كما في الفائق للزمخشري، (2/ 26) هو: إعطاء الدية.
(17) هو: الأسير، كذا في الفائق 2/ 26.
(18) قال ابن زنجويه 2/471 “المفرح: المثقل بالدين فيقول: عليهم أن يعينوه إن كان أسيرا…، وإن كان جنى جناية خطأ عقلوا عنه”. انظر أيضا: الفائق 2/ 26.
(19) قال في الفائق 2/ 261: “الدسيعة من الدسع وهو الدفع يقال: فلان ضخم الدسيعة أي: عظيم الدفع للعطاء، وأراد دفعا على سبيل الظلم، فأضافه إليه وهذه إضافة بمعنى من. ويجوز أن يراد بالدسيعة العطية أي: ابتغى منهم أن يدفعوا إليه عطية على وجه ظلمهم. أي: كونهم مظلومين، أضافها إلى ظلمه لأنه سبب دفعهم لها”.
(20) الاعتباط: أن يقتله بريئا محرم الدم، وأصل الاعتباط في الإبل أن تنحر بلا داء يكون بها. كتاب الأموال لابن زنجويه 2/ 471، وقال في الفائق 2/ 261، الاعتباط: النحر بغير علة فاستعاره للقتل بغير جناية.
(21) قوله (لا يوتغ إلا نفسه) يقول: لا يهلك غيرها، يقال: قد وتغ الرجل وتغا إذا وقع في أمر يهلكه. وقد أوتغه غيره، الأموال لابن زنجويه 2/ 471.
(22) انظر: سيرة ابن هشام، 2/106. وكتاب الأموال لابن زنجويه، 2/466.
(23) سير أعلام النبلاء، السيرة النبوية، تحقيق د. بشار عواد معروف، 1/389.
(24) دراسات في السيرة النبوية، د. حسين مؤنس، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة 1985م، ص56.
(25) بيان الحقيقة في الحكم على الوثيقة، صيدان اليامي، مكتبة المعارف، الرياض 1987م، ص39.
(26) دراسات في السيرة النبوية، ص55.
(27) المصدر السابق، ص56.
(28) الدولة الإسلامية، د. كامل الدقس، دار الأرقام، عمان 1993 م، ط1، ص79.
(29) المصدر السابق، ص80.
(30) انظر: جواهر الألفاظ لأبي الفرج قدامة بن جعفر، تحقيق محمد محيي الدين بن عبد الحميد، دار الكتب العلمية، بيروت 1985م.
(31) انظر: القاموس المحيط للفيروزآبادي، مادة ” سمح”.
(32) انظر: الموسوعة الفلسفية العربية، تحرير د. معن زيادة، معهد الإنماء العربي، مادة: تسامح.
(33) انظر: التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، محمد الغزالي، دار الكتب الحديثة، القاهرة ص46.
(34) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
****
المصدر: موقع الدكتور رضوان السيد
http://www.ridwanalsayyid.com/




محمد عبده والتجديد الديني والثقافي: المشروع ومواريثه

بقلم: د. رضوان السيّد

I
إرتبط اسم الشيخ محمد عبده بالإصلاح الديني العقَدي والتربوي والثقافي منذ الثمانينات من القرن التاسع عشر الميلادي. وهذا الاهتمام ظهر للمرة الأولى في عمله بمجلة العروة الوثقى مع جمال الدين الأفغاني. ثم تطور في مشروعاته لإصلاح المحاكم، والنظام التربوي والأوقاف، ودروسه في التفسير، وفتاويه، ومقالاته بمجلة المنار، ورسائله في الإصلاح العقَدي، والفقهي- كما تجلى في إقباله على نشر التراث النهضوي اللغوي والأدبي والديني.

قصد محمد عبده بالإصلاح ثلاثة أمورٍ محدَّدة: أنه إصلاحٌ دينيٌّ، لأنه يتناول هياكل المؤسسة الدينية، كما يتناول برامجها وأنماط تعليمها العقدي والفقهي- وأنه إصلاحٌ تدريجي غير ثوري، وأنه في المظهر تجاوُزٌ للتقليد في عودةٍ للأصول والينابيع، لكنه مفتوحٌ على فكرة التقدم الأوروبية.

إنّ الرهانات كبيرةٌ اليوم على الحاضروالمستقبل في وجودنا الديني والدولتي والسياسي والثقافي والإنساني. لذلك تنصبُّ هذه المحاولة على قراءة مشروع محمد عبده ومواريثه بعيون الحاضر ومشكلاته، فتتعرض لمضامين ذاك الإصلاح، وماذا يبقى من تلك الرؤية، وذاك المشروع.

قلتُ إنّ إصلاحَ محمد عبده في مرحلة نضجه، أي بعد عودته من المنافي، وتولّيه منصبَ الإفتاء في مصر، هو إصلاحٌ دينيٌّ، وهو شاملٌ لأنه كذلك، باعتبار التطورات بمصر والسلطنة العثمانية في ما بين الثلاثينات والتسعينات من القرن التاسع عشر. ولكي لا اُطيل في التاريخ السابق لهذه المسألة، أُبادر للقول إنّ الطهطاوي (رفاعة رافع)، أول عربيٍ امتلك رؤيةً لقضية النهوض والتقدم بالمعنى الغربي لذلك؛ ما كان يرى ضرورةً للتغيير الديني. فقد قال بوضوح إنّ تأخرنا يتناول نواحيَ الحياة المادية: الزراعة والصناعة والتجارة.والتخلف في هذه الأمور معرفيٌّ وكميٌّ وليس كيفيـاً. وبـرنامج محمد علي باشا للنهوض في هذه النواحي كافٍ، وبدأ يحقّق نجاحات. أما الناحية الدينية، فلا تحتاج إلى إصلاح؛ إذ نحن باعتبارنا مسلمين متفوقون دينياً وخُلُقياً على الفرنسيين والأوروبيين. والواقعُ أنّ التجربة الفرنسية المعاصرةَ له أثناء وجوده بباريس بين 1826 و1831م، والتي كانت فيها الكنيسة الكاثوليكية ما تزال مُلاحقَةً وغير ذات شعبية بين المثقفين، رغم عودة الملكية منذ العام 1816؛ أثَّرت سلباً على رؤيته للدين المسيحي؛ وبخاصةٍ أنّ الذين عرفهم أثناء دراسته كانوا جميعاً غير متدينين، وقد اعتبر هو تبعاً لذلك الكنيسة مؤيدةً للملكية المطلقة، ومعاديةً لمذهب “الحرية”، أي المَلَكية الدستورية، كما يقول. ولا ندري هل كان يرى حقاً عدم الحاجة للإصلاح الديني، أم أنه كان يخشى غضب رجالات الأزهر؟ هذا التساؤل علتُهُ أنّ الإلحادَ الفرنسيَّ كان مزعجاً له، دون أن يعتبر الكنيسة بديلاً ملائماً بسبب رجعيتها السياسية. إنما ما أقصِدُهُ: أما كان الرجل يرى حاجةً لإصلاح المؤسسة الدينية، لتلافي أمرين: أن يتسرب الإلحادُ إلى العالم الإسلامي نتيجة الهجمة الغربية التبشيرية، والتواصل الذي أقامه حكامُ مصر واسطنبول مع الغرب الفرنسي ثم البريطاني والألماني وأن يجري تهميشُ الدين، لعجز الأزهر عن مساوقة التطورات المتسارعة منذ اختارت مصر والدولة العثمانية إنشاءَ تعليمٍ مُوازٍ حديث لحاجة الجيش إليه، ثم في المجالات الأخرى في الحياة العامة؟! هذان الأمران كان ينبغي أن يخطُرا ببال الطهطاوي، لأنه وهو الأزهري، كُلِّفَ من جانب محمد علي بإنشاء المدارس الحديثة في المجالات التي تُهمُّ العسكريين، ثم إنشاء التعليم العامّ هو وعلي مبارك. لا نرى أَثَراً لخوفٍ أو توجُّسٍ على الدين في مؤلَّفات الطهطاوي حتى المتأخّر منها. ليس في المجال الأول: مجال التساؤل عن مصائر الإيمان والدين، وليس في المجال الثاني: مجال التفكير في مصائر المؤسسات الدينية. في مجال النظرة إلى الدين، وحتى إلى الخيارات المتاحة داخل التقليد الإسلامي، يبدو الطهطاوي شديد المحافظة. فهو يذكر الافتراق الأساسيَّ في الرؤية إلى العالَم والإنسان بين الغربيين والمسلمين؛ فيقول إنّ الحسن والقُبح عندهم عقليان، بينما عندنا نحن هما شرعيان؛ دون أن يفكّر في أنّ المعتزلة كانوا يقولون بالمقولة الغربية ذاتها. بل وهناك بين السنة المتأخرين، القريبين من عصر الطهطاوي مَنْ ذهب إلى التمييز بين المجال الديني الأُخروي، والمجال الدنيوي الحاضر في الحكم على الأشياء. أمّا في مجال إصلاح المؤسسة الدينية فما قال الرجلُ شيئاً حقاً، حتى في فصوله في “الاجتهاد” في أواخر حياته، باستثناء الذهاب في فقرةٍ عابرةٍ إلى ضرورة معرفة الفقهاء لعلوم العصر. لكنْ، على أي حال، لا بد أن يكونَ هناك سببٌ قاهر دفع باسطنبول وتونس والقاهرة، وخلال القرن التاسع عشر، للذهاب إلى خيار إنشاء التعليم العامّ الموازي – حتى في مجال تدريس اللغة العربية، والفقه الإسلامي- بدلاً من تحديث المؤسسات التعليمية الدينية في الآستانة والزيتونة والأزهر.

وتطور الأمر تُجاه الإصلاح الديني، في ما وراء اهتمامات الطهطاوي، على يد خير الدين التونسي، الذي كتب مقدمته على مؤلَّفه الضخم: “أقوم المسالك” في ستينيات القرن التاسع عشر. ما قصد خير الدين إلى إصلاح الدين أوالمؤسسات الدينية؛ بل أراد أن يُنَحِّي اعتراضات الشيوخ الممكنة أوالواقعة من أمام مشروعه لدولةٍ حديثة. وقد وَجَدَ ضالتهُ في التقليد الآخر- إذا صحَّ التعبير- داخل الإسلام الموروث نفسه. استند خير الدين إلى قاعدة المصلحة، التي تُسوِّغُ إنشاء المؤسسات والتنظيمات الضرورية لرَفاه المسلمين، ووجودهم الاجتماعي والسياسي والعسكري. ووجد لذلك شواهدَ في “رسالة السياسة الشرعية” لبيرم الأول، أُلّفت قبل عقودٍ على كتابه، وكثرت فيها الاقتباساتُ عن فقهاء الأحناف والمالكية والحنابلة. وهكذا فمحاولةُ خير الدين توفيقية، تقولُ ضمناً بما قاله اليساريون العرب في خمسينات وستينات القرن العشرين: أنّ هناك إسلاماً تقدمياً وآخَرَ رجعياً، وأنه يمكنُ الاستنادُ إلى الموروث التقدمي الإسلامي للتأصيل، وإثبات عدم الغُربة أو التمرد. وقد تبع خير الدين في ذلك كثيرون بالغرب الإسلامي، وبمصر أيضاً، أي أنهم قاموا بعمليات تحويلٍ وتأويلٍ واسعة للمفاهيم التقليدية التي اعتبروها قابلةً لذلك.
بيد أنّ خطورة محاولة خير الدين أنها أدخلت مفاهيم فقهيةً إسلاميةً في مسائل الشأن العامّ من أجل الشرعنة واستجلاب الاعتراف؛ وذلك لأول مرة. فحتى في عصر التنظيمات باسطنبول؛ ظلَّ الأمرُ مقصوراً على استصدار فتاوى من شيوخ الإسلام لما تعتزم الدولةُ العليةُ القيامَ به؛ إن اعتبرت أنّ ذاك الأمر يعني رجال الدين. كان الانسجامُ بين الدين والدولة موجوداً في الممارسة العثمانية على أساس تقسيم عملي للعمل بين السلطتين السياسية والدينية؛ بين السلطان وشيخ الإسلام- بيد أنَّ الإمرة والأَولوية طبعاً للسلطة السياسية. والسلطة السياسي هي التي تختار المجالات التي ترى ضرورة استفتاء رجالات المؤسسة فيها. وما اعتبر خير الدين الشيوخ أو الفقهاء سلطة، لكنه اعتبر أنّ الإسلام ذاتَه أو في أحد تقاليده، ينبغي ويمكّن من إنشاء دولةٍ حديثة، كما سبق له- في هذه الرؤية- أن كان أساساً لإمبراطوريةٍ قويةٍ وسيطة.

إصلاحُ محمد عبده يبدو للوهلة الأولى بهذه الحدود، وذلك في مسألتين: بذل جَهد اجتهادي وتأويلي بحيث لا يبدو الإسلامُ عقبةً أمام المشروع الجديد للدولة، واللجوء إلى مقاصد الشريعة؛ من أجل إطلاق الاجتهاد الجديد على أساس الاحتياجات الجديدة، وليس على أساس الطريقة القياسية المعروفة في الاجتهاد الفقهي التقليدي منذ أيام الشافعي مطالعَ القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي. بيد أنّ ما يبدو لأول وهلةٍ من نزوعٍ توفيقي لا يلبث أن يتوارى، إذا عرفْنا أنّ محمدعبده تابع مشروعَه للإصلاح الديني بكتابة “رسالة التوحيد” في العقائد الإسلامية، وعلم الكلام؛ بعد أن كان قد كتب حاشيةً على العقائد العضُدية، وهي أهمُّ كُتُب علم الكلام الأشعري المتأخر. وهو لا يتجاوز آليات فكرة التنزيه الأشعرية فقط؛ بل يتجاوز أيضاً عقيدة القَدَر السُنيّة، ويصلُ إلى مسألة الحسن والقبح العقليين. ولذلك اعتبره البعضُ من المعتزلة الجُدُد؛ بينما هو في الواقع يطرحُ رؤيةً أُخرى للعالم والإنسان، وعلاقتهما بالله عز وجلّ على أساس السُنَن الكونية الثابتة، وليس على أساس تلقائية الخَلْق. ولهذا فحتّى فكرة “مقاصد الشريعة” التي استمدّها من الشاطبي الفقيه المالكي من القرن الثامن الهجري/ الخامس عشر الميلادي، لا تبقى في حدود المصلحة أو المصالح الضرورية، كما يبدو لأول وهلة؛ بل تفتحُ الباب لاجتهادٍ مطلقٍ، يقطعُ مع المنظومة الفقهية التقليدية كلّها. فيكون الاجتهادُ اجتهاداً في إمكانيات النصّ وآفاقه، وليس في مناطق الفراغ التشريعي، كما عَبَّر بعضُ الفقهاء القُدامى والمُحدَثين. وتأسيساً على هذا المعنى الآخر للاجتهاد يجري تجاوُزُ المذاهب التقليدية، لأنّ العقل يُصبحُ أصلاً في العقائد، كما في الفقه. وقد بدا ذلك على خير وجهٍ في فتاواه الجديدة التي أثارت مشكلاتٍ في مصر وخارجها، كما بدا في نقده للفقهاء الاحناف الذين يضيقون على المرأة في الطلاق، وصولاً إلى القول، كما ذكر قاسم أمين عنه أنّ الأصل في قضية المرأة: الحرية. وعقد الزواج كسائر العقود هو شريعةُ المتعاقِدَين: لكن بما لا يُخِلُّ بمقاصِدِه وغاياته.

وعندما يصلُ الأمرُ إلى حديثٍ في المؤسسة الدينية ومهماتها وأدوارِها، يُدخِلُها عبده في مشروعه الاجتهادي. فقد كان دائماً من مرحلة الثورية في الحركة العُرابية، ثم في باريس والعُروة الوُثقى مع جمال الدين عميق الإيمان بالتعليم والتربية الحديثة، ولسائر الناس، وربما كانت تلك الفكرة من ضمن ما أخذه مبكّراً عن الطهطاوي. لكنه يفترقُ عن النهضويين الآخرين بعدم إيمانه بنظامين للتعليم. ومن هنا إرادتُهُ تحديث المؤسسة الأزهرية، لتستعيدَ دورَها الأساسيَّ باعبتارها مؤسسةَ تعليمٍ شاملٍ وإنْ على مراحل. وقد أدرك منذ البداية أنّ المشكلة في الأزهر ليس جمود شيوخه وحسْب؛ بل والارتباط الوثيق بين المؤسسة والسلطة الخديوية. ولذلك فقد كانت فكرتُهُ من أجل الإصلاح: تحرير المؤسسة الدينية من التبعية للسلطة الخديوية، وتجديد معارف طلاب الأزهر من طريق المناهج الحديثة، وإعمال تلك المناهج في قراءة الأصول التراثية الأساسية في الفقه والأصول وعلم الكلام واللغة والأدب والتفسير القرآني؛ بدلاً من الاكتفاء بالحواشي والتعليقات المتأخرة على حواشٍ وموجزاتٍ متأخرة أيضاً. ومن أجل ذلك أقبل على نشر وتشجيع نشر مصادر رئيسية في سائر الفنون التراثية. كما أقبل- شأن العقلانيين الكبار أصحاب المنظومات في العصور الإسلامية الكلاسيكية – على كتابة تفسيرٍ جديدٍ للقرآن توفّي قبل أن يكمله – وفيه تجلّت ثقافتُهُ الحديثة، من ضمن السائد في أوروبا في العلم البيولوجي والاجتماعي والتاريخي، أواخر القرن التاسع عشر.

وما كان محمد عبده يملكُ مشروعاً سياسياً باسم الإسلام. لكنه اقتنع بعد تردد أنّ الإصلاحَ السياسيَّ (وحدودُهُ عنده فكرة الدستور أو تحديد سلطة الحاكم) يتطلبُ ثلاثة أمور: إصلاح الحياة العقلية والثقافية، والتعليم العامّ، وإقامة المؤسسات. وفي هذه الأمور كلِّها يؤدّي الدينُ، وتؤدي مؤسساتُهُ دوراً رئيسياً، لا يكفي للوصول إلى مُلاءمته للتطورات الحديثة أن لا يكونَ الدينُ ومؤسساتُهُ عقبةً في تجديد المشروع السياسي؛ بل لا بد أن يكونَ عنصراً فاعلاً بالمعنى الإيجابي للفعالية. ولهذا فالإصلاح الدينيُّ ضرورةٌ لبقاء الإسلام، وضرورةٌ لنهضة المسلمين، وضرورةٌ لاستعادة ما سمّاه: المدنية الإسلامية.

وما كان ذلك رأي جمال الدين، ولا رأي الوطنيين المصريين والشوام التقليديين والراديكاليين من مثل الشيخ علي يوسف صاحب المؤيَّد، والشيخ حسين الجسر الطرابلسي صاحب الحصون الحميدية، ومصطفى كامل رائد مناهضة الاحتلال البريطاني. لقد رأى هؤلاء جميعاً أنّ الواجب الحاضر مناهضة الاستعمارين البريطاني والروسي، والتفكير في كيفية إقدار السلطنة العثمانية على استعادة دورِها درعاً للإسلام والمسلمين. والنزوعُ التحشيديُّ هذا يتنافى مع الإصلاح العَقَدي والفقهي، الذي يُحدثُ انقسامات. بل ويتنافى مع اقتناع محمد عبده بأنّ المسألة أعمق من أن يكفي فيها إنشاء جيشٍ عصري، أو تهييج الجمهورعلى المحتلين مثلما فعل المهديُّ في السودان، أو مثلما كان جمال الدين يعمل.

والواقع أنّ العرقلات التي واجَهَها المشروعُ المدنيُّ عند عبده، لا تعودُ فقط إلى جمود رجال الدين، أو إلى أنه ما كان شعبوياً، أو إلى أنه كان مُهادناً عملياً للمستعمِرين؛ بل وبالدرجة الأولى إلى الحدود التي فرضها المشروعُ الأستعماريُّ نفسه في الجوانب الثقافية والدينية بالذات؛ وما أثاره ذلك من ردود فعلٍ ما استطاع محمد عبده نفسُهُ التأبِّيَ عليها. فرغم عمق إيمانه بفكرة التقدم الأوروبية ذات البُعدين التطوري والوضعي، ما استطاعَ تقبُّلَ تلك الحملة المَهينة على الإسلام، وذلك الاحتقار لإنسانية المسلمين من جانب مفكري الاستعمار ودُعاته. جمال الدين رفض مذهب النشوء والارتقاء أو التطور لدى دارون وسبنسر، لأنه ضدّ الدين. أمّا محمد عبده فقد رأى إمكان تقبل الاجتهاد الإسلامي لفكرة التطورية، من ضمن رؤيةٍ أُخرى للاسلام تتحملها النصوص الدينيةُ المؤوَّلة. لكنه لم يفهمْ كيف يمكنُ قَبولُ آراء رينان وهانوتو وداركور- وهم حملةُ مواريث الثورة الفرنسية- القائلة إنّ تخلُّف المسلمين يعودُ لدينهم تارةً، ولطبائعهم العقلية والنفسية تارةً أُخرى. ولذلك فقد جادلهم، وطالب تلامذته بالردّ عليهم. ثم تصدّى بنفسه لفرح أنطون، تلميذه وصديقه، عندما رأى ضرورةَ فصل الدين عن الدولة من أجل النهوض، تبعاً لآراء رينان في علمانية ابن رشد، وتأثيراته في الرشدية اللاتينية، وتبعاً للتجربة العلمانية الفرنسية في الفصل بين الكنيسة والدولة والدين والدولة. لو كان محمد عبده يعتبر أن مشكلة المسلمين في أنظمتهم السياسية، وهجمات المستعمِرين؛ لربما تقبل التضحية بالعلاقة الاستتباعية بين الخديوي عباس الثاني والأزهر، أو عبد الحميد الثاني ومشيخة الإسلام. لكنّ مشروعه كان مشروعَ نهوضٍ شاملٍ، ما كانت المؤسسة الدينية صاحبةَ الوِزْر الأول في تعويقه حسب قناعته. المؤسسةُ الدينيةُ شديدةُ الضعف والتخلف. أما الإسلامُ فهوعنصرٌ أساسيٌّ في إنسانية المسلمين وكرامتهم. وإذا كان التعليمُ هو الأداةُ الماديةُ للنهوض، فالدينُ هو الذخيرةُ المعنويةُ لاستتباب إنسانية الإنسان في اجتماعنا البشري؛ ولذلك لا يمكنُ التعامُلُ معه كما نتعاملُ مع المؤسسة التي تزعُمُ حمايته. ولهذا انصرف محمد عبده للتفرقة بين المسيحية والإسلام في التعامُل مع العلم، ومع الدولة، في العصور الوسطى. وما كان ذلك مقصد فرح أنطون من وراء قياسه، ولا كان ردّ محمد عبده هو الردُّ المُلائمُ أو المباشرُ على التحدي الاستعماري لإنسانية المسلمين.

II
.. وعلى صخرة هذا التحدي الكولونيالي الحضاري والثقافي والاستراتيجي تحطّمت إصلاحيةُ محمد عبده؛ وبأيدي المسلمين. في العام 1907، كان السيد محمد رشيد رضا ما يزالُ عميقَ الاقتناع بكلام أُستاذه عبده حول المدنية وشروطها. ولذلك ما رأى حرجاً في الذهاب إلى أنّ الشورى الإسلامية ليست أساسَ الفكرة الدستورية، كما زعم بعضُ مؤسلمي الحداثة. وفي العام 1908 كان تلميذ عبده الآخَر البارز قاسم أمين صاحب تحرير المرأة، والمرأة الجديدة، ما يزالُ يرى أنّ العهدَ الحاضرَ هو عهدُ السلام والعدالة و الحرية. لكنّ قاسم أمين ما لبث أن توفي، ورشيد رضا ما لبث أن تحول تحولاً عميقاً. وفي عشرينيات القرن العشرين عند ما كان الشيخ علي عبد الرازق يكتب كتابه “الإسلام وأصول الحكم” ذاهباً إلى أنّ رسالة النبي كانت دينيةً بحتةً، وإلى أنّ الإسلام لا يملكُ نظاماً للحكم، وإلى أنّ محمد عبده مُحِقٌّ في القول بمدنية السلطة في الإسلام؛ كان الشيخ مصطفى صبري، آخِر شيوخ الإسلام باسطنبول، واللاجئ إلى مصر هارباً من مصطفى كمال، ينشرُ كتابه عن العلم والعقل والدين؛ ذاهباً إلى أنّ محمد عبده مفتي مصر في إضراره بالدين، هو الوجهُ الآخر لمصطفى كمال في إضراره بالدين والدولة معاً. وإلى جانب مصطفى صبري ظهرت الإحيائية الإسلامية، عبر حركة الإخوان المسلمين، ثم عبر حركة الجماعة الإسلامية بالهند بعد حركة الخلافة؛ لتردَّ على التحدي الاستعماري رداً ثقافياًمؤداهُ أنّ مشكلة المسلمين، ليست كما زعم محمد عبده في تخلُّفهم؛ بل إنما هو في محاولة المستعمرين المستمرة لتهديد هويتهم الإسلامية. ولذلك لا بد من اجتراح الوسائل الملائمة لصَون الهوية وحفظها بالتصدي للتغريب الثقافي مثل التغريب السياسي.

قامت الإحيائية الإسلامية على خمس أفكارٍ رئيسيةٍ تبلورت وسط زَخَمٍ شعبيٍ هائل فيما بين العشرينات والسبعينات من القرن الماضي:

أولاً: مشكلة المسلمين في الهجمة الغربية عليهم. وهي هجمةٌ شاملةٌ ذات أبعاد دينية وثقافية وعسكرية وسياسية. ولذلك لا بد من الردّ عليها رداً شاملاً أيضاً يعتمد عدة أساليب: نقد الأطروحات والممارسات الغربية في ديارهم، وفي ديار المسلمين. وإقامة الحركات والأحزاب والتيارات التي تمثّل النموذج المضادّ، أو المجتمعات البديلة للمجتمعات الغافلة، وأنظمة الحكم المستتبعَة، والنُخَب الثقافية والاجتماعية المتغربة. واعتبار الصراع مع الغرب صراعاً حضارياً ممتداً إلى أن يزولَ أحدُ الطرفين.

ثانياً: الإيمان بأنّ الإسلام يملكُ نظاماً حضارياً شاملاً وكاملاً. ولا بد من إبراز معالمه في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعلاقات الداخلية، والعلاقة مع العالم. وهذا النموذج نموذَجٌ عقائديٌّ بكافة أجزائه وتفاصيله: من البنوك اللاربوية، وإلى طرائق اللباس، مروراً بالنظام السياسي، ونظام الأُسرة، والعلاقات بين الناس داخل المجتمع.

ثالثاً: تشكّل الشريعةُ الإسلاميةُ جوهرَ هذا النظام، ونقطتَهُ المحورية. وهي وضْعٌ إلهيٌّ، له نتائجُ قانونية. ولذلك لا بد من نظامٍ سياسي يعملُ على تطبيقها، كما تُطبَّقُ الدساتيرُ والقوانين؛ بحيث يملكُ الإسلام، وتملكُ شرعيتُه القدرةَ على حُكْم المجتمع من أجل تحصينه، ومن أجل مواجهة أعدائه، بعقائديةٍ طهوريةٍ غلاَّبة. وفي حين يعتبر المودودي (زعيم الجماعة الإسلامية) أنّ هذا النظام ثيو- ديمقراطي ؛ يسمّيه سيد قطب: نظام الحاكمية.

رابعاً: كلُّ هذه الوسائل والأدوات الهدمية والبنائية لا بد من سلوكها معاً والجهاد في سبيلها بشتى الوسائل. لأنها ضروريةٌ لاستعادة الشرعية للدولة والمجتمع، وللمجتمع من طريق سلطة الدولة التي يحكمها الإسلاميون.

خامساً: الخصومُ الداخليون للحاكمية طَرَفان: الفقهاء التقليديون، فقهاءُ المذاهب، الذين تجمدوا على تقاليد بالية تُفارقُ النصَّ، وتعجِزُ عن الاستجابة للتحديات، وتخضعُ للأنظمة واحتياجاتها- والطرف الثاني الإصلاحيون، ووثنهُمُ الأكبر محمد عبده الذي تغرَّب، كما تغرب تلامذتُهُ ومُريدوه. ولذلك ينبغي أن يكافَحَ كما يكافَحُ الغربُ ذاتُه، لإمكان اغترار الناس بمرجعيته. ولذلك أقبل الإسلاميون الكبار جميعاً من مصطفى صبري وإلى محمد محمد حسين وأنور الجندي وعلي جريشه.. الخ على مهاجمة عبده، وإظهار العلمانيين المعاصرين في المجتمعات الإسلامية؛ باعتبارهم الناتجَ المنطقيَّ لفكره وسلوكه.

وهكذا ما بقي من فكر محمد عبده في أَوساط الصحويين غير مسألة مدنية الحاكم، وليس نظام الحكم؛ بمعنى أنّ الحاكم ليس معصوماً. لكنْ حتى هذه الفكرة فقدت سياقاتِها وميزاتِها؛ لأنّ قيام الحاكم بتطبيق الشريعة يهبُهُ عصمةً تُشبه أو تناظر عصمة الشريعة التي يقومُ بتحقيقها. ثم إنّ مرجعية النظام السياسي لدى التقليديين والإصلاحيين هي الجماعة؛ بينما مرجعيةُ النظام لدى الأُصوليين المتشددين الشريعة. ولذلك فالنظام الذي يطبّقُ الشريعةَ معصوم، وبصورةٍ غير مباشِرة زعيمهُ.

*******

أين نحن من مشروع محمد عبده الإصلاحي بعد مائة عامٍ ونيِّف على وفاته، وما مدى أهميته بالنسبة لنا في ضوء المشكلات والتحديات الراهنة؟

لقد سيطر الأصوليون والتأصيليون في المجال الديني والثقافي؛ دون أن يعني ذلك أنّ الإصلاحيين اختفوا تماماً. ففي المجال العَقَدي تعرضت الأشعريةُ التقليديةُ لانتقاداتٍ شديدةٍ بسبب صورتها الإشكالية عن الله والإنسان والعالم، والعلاقات المفترضة أو القائمة. وفي المجال الفقهي ظهر لمحمد عبده أنصارٌ بالأزهر، أسهموا إلى جانب الأنظمة السياسية في إصلاحاتٍ تنظيميةٍ وفقهية. وظهر مجتهدون كبارٌ مثل المراغي وشلتوت ومحمد عبد الله دراز، وعبد الوهاب خلاف، وعبد المتعال الصعيدي ومحمد حسنين مخلوف، ومحمد البهي ومحمد أبو زهرة. بيد أنّ الأجواء المتشددة التي سادت منذ الخمسينات من القرن الماضي؛ حوَّلت الشيوخ والمثقفين المدنيين الكبار من أمثال السنهوري، إلى توفيقيين؛ يقولون بالاجتهاد والتجديد والتوفيق والتلفيق، وليس الإصلاح. فالتجديد يعني التجدد الذاتي، والاجتهاد يعني التأصيل.

لكنّ الأهمَّ من ذلك أنّ الصراع بين الأطراف الثلاثة: الإصلاحيين والإحيائيين والتقليديين؛ حطَّم التقليديين، واضطر بقاياهُم للاستظلال نهائياً بالانظمة وليس بالدولة، والخضوع – مقابل الحماية، لاحتياجاتها. وقد تبلور في العقدين الأخيرين تيارٌ رئيسيٌّ عاد للحديث عن مقاصد الشريعة. لكنّ التأصيل ونزوع الهوية، ظلَّ وراءَ البيانات الكثيرة لحقوق الإنسان الإسلامية، ووراء الكثير من مشاريع الدساتير الإسلامية؛ التي همُّها الافتراقُ عن السائد في المجال العالمي لهذه الأمور. وإذا كان كثيرون من المعتدلين يتحدثون عن نظام الشورى، باعتباره المعادلَ للديمقراطية أو المتقاطع معها في كثيرٍ من الأمور. فإنّ الأطروحة الرئيسية للإحيائية ما تزال صامدة: أنّ المرجعية العليا في النظام السياسي الإسلامي هي للشريعة؛ أما الشورى فهي في القضايا التدبيرية.

لكنْ: ماذا عن العلاقة بين الدين والدولة؟ إنها الآن في منتهى السوء، في أكثر بلدان العالم الإسلامي. كان محمد عبده يرى أنه كان هناك انسجام بين الدين والدولة أو الدولة والمؤسسة الدينية، في العصور الكلاسيكية الإسلامية. ويرجعُ ذلك إلى أنّ الإسلام يملكُ مشروعاً عالمياً، يقومُ على مبدأَي أو قيمتي العدالة والمساواة بين الناس، ولا يعُنى بشكل النظام السياسي المتروك للجماعة تدبّرهُ حسب مصالحها وإجماعاتها وتوافُقاتها. وقد رجا أن يستمرَّ هذا الانسجام من طريق تجديد مشروعي الدين والدولة. ومن أجل ذلك ما كان يرى ضرورةً أو حاجةً في المجال الإسلامي القديم والحديث للفصل بين الدين والدولة. بل إنه كان يخشى ثَوراناً دينياً إن حصل فصلٌ كالذي تمَّ في أوروبا. وقد حدث هذا الثوران، ليس بسبب الفصل، كما توقع عبده؛ بل بسبب التحدي الاستعماري السياسي والثقافي والعسكري – وظهور الإحيائية الإسلامية، التي طوَّرت رؤيةً سياسيةً شاملة وبديلة. فكان لا بد أن يصطرع المشروعان على الأرضية الواحدة. وبخاصةٍ أنّ الإسلاميين ربطوا بقاء الدين باستيلائهم على السلطة أو قيادة النظام السياسي بحسب الشريعة؛ لإعادة الإسلام للدولة والمجتمع؛ تحقيقاً للمشروعية التي لا تظهر الهويةُ إلاّ باكتمالها فيها!

وكما لم يتوقعْ عبده ثوراناً دينياً إلاّ إذا جرى فصلٌ بين الدين والدولة؛ ما توقَّعَ انهياراً للمؤسسة الدينية التقليدية إلاّ إذا عجزت عن إصلاح نفسِها. وقد تمت إصلاحاتٌ كبرى في المؤسسة؛ لكنها ضعُفت ضعفاً شديداً رغم ذلك. وهذا ليس بسبب استتباع الدولة لها أو اضطهادها فقط؛ بل ولأنّ الإحيائيين تقدموا لانتزاع المرجعية منها باسم الشريعة. والحقُّ أنّ إصلاحية عبده تتحمل بعض المسؤولية في ذلك. فقد تحالف هو وبعض تلامذته مع السلفية الجديدة وقتها ضدَّ التقليديين من رجال الدين. ثم إنه في تركيزه على مكافحة انفصال الدولة عن الدين؛ أكَّد على الاهتمامات السياسية للإسلام؛ فأوصل من حيث لا يدري إلى أُطروحة حسن البنا: الإسلامُ دينٌ ودولةٌ، مصحفٌ وسيف! ومن الذي يستطيع اليومَ، وسط سواد هذه الفكرة أن يذهب إلى أنه كان هناك، طوالَ العصور الكلاسيكية الإسلامية تمايُزٌ بين المجال الديني والآخَر السياسي، أو في الحدِّ الأدنى تقسيمُ عمل؛ ولذلك ساد الانسجامُ بينهما في أكثر حِقَب التاريخ؛ إذ إنّ إحدى المؤسستين ما رغبت أو طمحتْ إلاّ في النادر أن تحلَّ محلَّ الأُخرى.

إنّ أبرز وجوه الفشل في مشروع محمد عبده للإصلاح الديني حدوث أمرين: التحويلات المفهومية الضخمة والتي أخرجت المرجعية في الدين والدولة من الجماعة والمجتمع، وفرضت أولوياتٍ ما كانت كذلك في الإسلام الكلاسيكي، أَولوية الجهاد من أجل إخراج الغرب من الديار، وأَولوية الشريعة بالمفهوم الجديد لاستعادة الشرعية، وأولوية السلطة والدولة تحت اسم الدولة الإسلامية والخلافة باعتبارها ركناً من أركان الدين، شأن الإمامة العائدة عند الشيعة. والأمر الثاني: عدم تقدم الإصلاح بدرجةٍ كافية، في المؤسسة الدينية بحيث تتصدى لمهمات: فتح التقليد وتجديده في الفكر والبرامج والقراءة النقدية للموروث الفقهي- ونصرة السَعة والاستيعاب العقَدي الأشعري- والتصدي لتحويلات المفاهيم بحيث يمكن صَونُ السكينة الدينية أو صَون الدين على أُصوله وأعرافه المستقرّة كما قال الماوردي- واعتبار ذلك كلّه مهمةً ورسالةً وليس وظائف وحسْب.

إنّ ما حدث ويحدث منذ ثلاثة عقود في المجال الديني، ليس أقلّ من انشقاقٍ أو انشقاقات في الدين، سواء فيما سُمّي بالإسلام السياسي، أو ما سمي بالإسلام الجهادي. وهو انشقاقٌ أو هي انشقاقاتٌ هددت وتهدد المجتمعات والدول والدين في المجال العربي بالذات. إنما ينبغي الانتباه إلى أنه في حين سيطر الإحيائيون العنيفون في أكبر دولةٍ شيعية، ما استطاعوا ذلك في دولةٍ سنيةٍ رئيسية. وليس في ذلك عزاءٌ إن لم تتعاون الأنظمة مع المؤسسات الدينية في علاقاتٍ مختلفة عما قبل الثورات. وهذا التعاون ضروري لأنّ الاستقرار الأمني والسياسي، محتاجٌ في حدوثه إلى سكينة أو إلى استعادة الدين لسكينته، وهذه مهمةٌ لا تستطيعها إلاّ المؤسسات الدينية التي تنهض بالصلاح والإصلاح المفهومي والعملي. ونعرف جميعاً صعوبة الأجواء والبيئات التي يسودها الاضطراب على كل المستويات. لكنْ لا بد من اجتراح نهوضٍ في مؤسساتنا الدينية والثقافية إنقاذاً للدين، وصَوناً له عن الدخول في الصراع السياسي، وفي بطن الدولة الطاحن والمشرذم. إنّ هذا الإحساس، إحساس أنّ الإسلام في أزمة، هو شعورٌ كان يسيطر على محمد عبده إبّان وفاته. وهذا ما تدلُّ عليه الأبياتُ المنسوبةٌ إليه. وإذا كان الدين متأزماً في العام 1905، فماذا نقول عن المشهد الصاخب من حول الإسلام في ديارنا وفي العالم اليوم، بل ومنذ أكثر من عقدين؟!

قبل سنواتٍ، انعقد بالجامعة الأميركية ببيروت مؤتمرٌ عن الجاحظ، الأديب والمفكر المعروف في القرن الثالث الهجري تحت عنوان: ” الجاحظ الأديب والمفكر، إنسانويٌّ لعصرنا”. وإذا كان الجاحظ من القرن التاسع الميلادي، إنسانوي، ولعصرنا؛ فلا شكَّ أنّ محمدعبده أَولى بأن يكون كذلك، أي أن يكونَ مُعاصراً في فكره وأسئلته وإجاباته وحياته المليئة بالتحديات. وليس هذا فقط. بل إنّ مفتاح فكره ومشروعه مسألة الإصلاح الديني؛ وهي تحتلُّ أوسع المساحات في النقاشات الدائرة اليوم. بيد أنني وأنا أُقررُ هذين الأمرين: أمر المعاصرة، وأمر الإصلاح الديني؛ أشعُرُ، ربما كما لم يشعُرْ عبده، الريفيُّ المصريُّ الباحث عن نهوضٍ وإصلاحٍ بين القاهرة وتونس وبيروت ودمشق وباريس ولندن: المفاجآت الصاعقة التي نشهدها كل يومٍ في هذه الغربة المستشرية باسم الدين، وأنّ أحدنا يقبض بكفيه على ما يعتبره إصلاحاً ومعاصرةً في الوقت نفسِه، ثم يفتحُهُما فلا يجدُ شيئاً، كأنما هو سرابٌ بقيعةٍ يحسبُهُ الظمآنُ ماءَ؛ أفيكونُ الأمر كما ذهب لذلك رهينُ المحبسَين: هناك فُرصة؛ لكنّ بلوغها شأنٌ بالغ الصعوبة والتعقيد:
فيا دارَها بالخَيف إنّ مزارها قريبٌ ولكنْ دون ذلك أهوالُ

————–
(*) محاضرة أُلقيت بمعرض القاهرة للكتاب في 10/2/2015.




«أزمنة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسي»

بقلم: خالد عزب – صحيفة الحياة – اعتاد رضوان السيد، المفكر والمبدع اللبناني، منذ تخرج في جامعة الأزهر وحصل على الدكتوراه من ألمانيا، على الخوض في غير التقليدي من المسائل الفكرية، وهو في كتابه «أزمة التغيير: الدين والدولة والإسلام السياسي»، الصادر عن «هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة» يخوض معركة فكرية بضراوة غير معهودة في كتاباته، فهو كتاب سجالي ونضالي. سجالي لأنه يعنى بمساجلة الإسلام السياسي، في أصوله ودوافعه وتياراته وتحولاته للمفاهيم الدينية، خلال ستة عقود. وهو كتاب نضالي لأن همه طرح بدائل لإخراج الدرس الديني والممارسة الدينية من الأفق المسدود للعلائق بين الدين والجماعة، وبين الدولة والدين وبين الإسلام والعالم.
يرى رضوان السيد أن الاسلام الصحوي أو الأصولي أو الإحيائي – الأخير يفضله المؤلف- في عشرينات القرن العشرين بوصفه احتجاجاً على التغريب، وعلى الاستعمار، وعلى التقليد الإسلامي المتمثل في المؤسسات الدينية العريقة كالأزهر، وأخيراً على الدولة الوطنية.
درس المؤلف وحلل فكر العديد من الحركات الإسلامية وكشف اصطدامها بالدولة الوطنية العربية في بدايات المرحلة العسكرية. فقد كشف صدام العام 1954 بين ثورة تموز (يوليو) و «الإخوان» عن أمرين مهمين. الأمر الأول: وجود تنظيم حديدي أو حزبي صارم وعقائدي مثل الأحزاب الشيوعية الصاعدة وقتها في آسيا وأفريقيا.

أزمنة التغيير

الأمر الثاني: أن التنظيم ومنذ بداياته في الثلاثينات من القرن العشرين استطاع تركيز الشرعية بالمعنى الإسلامي لذلك، باعتبارها انحسرت في العالم الإسلامي، وتوشك أن تنحسر عن المجتمعات.
درس السيد أصول هذه الفكرة، فقد كان حسن البنا شديد الوعي بالمسألة منذ البداية عندما سمي تنظيمه «جماعة» وهو مصطلح عريق، يعني الإجماع، ويعني السلطة الدينية والسياسية الشائعة في المجتمعات، والتي تهبها إسلامها المكتمل، ومشروعيتها الواثقة من شتى النواحي، ويبرر السيد ذلك بأنه منذ مطلع القرن الثاني الهجري ظهرت مجموعات صغيرة من العلماء تطلق على نفسها اسم أهل السنة أو أهل الحديث. ثم أضاف بعضهم في النصف الثاني من القرن الثاني إلى اللقب مفردة (الجماعة) فصاروا معروفين باسم (أهل السنة والجماعة). تطور هذا المصطلح من مواجهة المعتزلة والشيعة في الدين، إلى جماعة سياسية لا تعتنق نظرية الإمامة، وترى أن السلطة شائعة في المجتمعات التي تهب إمارة المؤمنين شرعيتها، ولذا فأساس اختيار الإمامة وشرعيتها عندهم هو الاختيار من الناس وبخلاف أكثر جماعات الهوية التي ظهرت في عشرينات القرن الماضي، فإن حسن البنا سمى جمعيته أو تنظيمه (جماعة) – وهذا يعني عنده أن «الشرعية» تركزت فيه.
الجانب النضالي والنهضوي في أطروحات هذا الكتاب يتمثل في اقتراح أفكار للخروج من مأزق الإسلام السياسي، وآفاقه المسدودة، هذه الأفكار التحليلية التي طرحها السيد يرى لها شرطاً واحداً هو الإصلاح السياسي، وإقامة الحكم الصالح بعد انقضاء الأنظمة العسكرية الوراثية بقيام الثورات. وكان السيد يعتقد أن الإصلاح الديني يمكن أن يتقدم على الإصلاح السياسي، وإن كان العكس ممكناً. بيد أن بروز الإسلام السياسي والجهادي في موجة ثانية بعد اندلاع حركات التغيير العربية أوصل المؤلف إلى قناعة مفادها أنه لا بد من إنقاذ الدولة الوطنية العربية بالإصلاح السياسي، والحكم الصالح، قبل أو في موازاة القيام بإصلاح ديني جذري، بنقد التحويلات الشاسعة التي أحدثها الإسلاميون في مفهوم الدين والتدين وفي علاقة الدين بالدولة، وفي تجديد وفتح التقليد الديني، بحيث تتصدى المؤسسات الدينية لمهماتها الباقية والضرورية في التعليم والفتوى وفقه العبادات وفقه العيش، وإعادة المشهد الديني إلى سويته.
هذا الكتاب هو استكمال لما سبق أن أصدره السيد تحت عنوان «الصراع على الإسلام»، وطرح فيه أن هناك صراعاً على ديننا، أو صراعاً للقبض على قلب الدين وروحه من جانب أهل العنف باسم الإسلام، والأنظمة العسكرية العبودية، والنظام العالمي وفي طليعته الولايات المتحدة. والكتابان يذهبان إلى أننا بصدد حروب في قلب الإسلام ذاته، ليس بين المعتدلين والمتطرفين، كما زعم الأميركيون، بل بين الذين يريدون أن يبقى دينهم على سويته حاضناً للسكينة الاجتماعية والثقافية والعيش مع العالم، وبين أولئك الذين يعملون على تقسيم المجتمعات والدول، وتدمير أعراف العيش ومصارعة العالم باسم الإسلام.




رضوان السيد: البغدادي يوهم المسلمين باستعادة الخلافة

حوار: عمرو عبد المنعم

الدكتور رضوان السيد
الدكتور رضوان السيد

الدكتور رضوان السيد هو كاتب وأكاديميّ وسياسي لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية اشتهر بدارسات الحالة الإسلامية ومنهجية مقارنة الفكر السياسي الإسلامي بأصوله المرعية في التراث الفكري والسياسي .
له دراسات عديدة عن ازمة الفكر السياسي الإسلامي المعاصر , الخلافة ودور العلماء في مواجهة السلطان والخروج علي الحاكم وتناول ذلك في فصلية الاجتهاد والتفاهم والتسامح .

التقيناه مؤخرا وكان هذا الحوار :

لماذا فشلت علاقة الدين بالدولة في التجربة الإسلامية الحديثة؟

بسبب عدم قدرة الإسلاميين على فهم الواقع، فالتقليد الإسلامي أسقطه السلفيون والإصلاحيون معا، فقد كانوا يريدون فتح باب الاجتهاد السياسي وكان ذلك أمرا صعبا، حتى السلطان عبدالحميد في أواخر العصر العثماني اضطر للموافقة على الدستور الذي يحدد صلاحيات الحاكم.

ولقد كنا أعظم أمة في العالم، فأبو بكر وعمر فتحا العالم، وفي غضون ثلاثين عاما فقط وقفنا على حدود الصين، وكانت أعظم تجربة ديمقراطية في العالم هي تجربة السقيفة أو حادثة سقيفة بني ساعدة، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث اجتمع فيها عدد من الصحابة من المهاجرين والأنصار ودارت بينهم مفاوضات انتهت في النهاية باختيار أبوبكر كأول خليفة للمسلمين، وكانت أعظم من التجربة اليونانية في ذلك الوقت.

فما الذي حدث، وهل يمكن استنساخ تجربة الخلافة والسقيفة مرة أخرى؟
لا يمكن تقليد الخلافة، من يريد استعادتها “واهم”، حيث قامت أنظمة جديدة ولا يستطيع أحد أن يعود بالخلافة من جديد.

كيف ترى من يزعم بالخلافة الآن؟
ما نراه الآن من قدوم أبو بكر البغدادي، وتنصيب نفسه خليفة، ومطالبته المسلمين ببيعته، بل قتله لكل من يرفض مبايعته، ليس من الخلافة في شيء.
ومن أبقى على فكرة الخلافة لمدة ثلاثمئة عام، هو معاوية بن أبي سفيان، والخلافة عبء ثقيل، قال عنها الخليفة عمر بن الخطاب في أخريات حياته “اللهم كبُر سني ودق عظمي فاقبضني إليك غير مضيع ولا عاجز”.

هل عندنا سوابق يمكن الاستناد إليها في علاقة الدين بالدولة في الإسلام؟
ليس عندنا سوابق يمكن الاستناد إليها في علاقة الدولة بالدين، فالنموذج الإسلامي الخاص بالخلافة قد مات، حتى العثماني مات، حيث كان يتولى شيخ الإسلام زمام الأمور في العهد العثماني، وكان أعلى من المفتي، ويتولى كل القضاء والمشايخ والطرق الصوفية، وكان أكبر من الأزهر في ذلك الوقت، والسلطان كان له الرئاسة ولا يتدخل في الشأن الديني، وعندما يختلف معه يعزله، لكن لا يستطيع أن يتدخل في الشأن العقدي مثل الإمبراطورية البيزنطية على سبيل المثال.

فكرة الخروج على، الحاكم لماذا فشلت عبر التاريخ الإسلامي؟

أود أن لا تخلط بين النماذج القديمة والحديثة في الثورة على الحاكم، نحن بشر ونستطيع أن نفهم نتيجة التحول من جمهورية إلى ملكية، والإمبراطورية أنشأت تقاليدا جديدا للملك، لذلك كثرت الثورات وحركات الخروج، والتمرد.
ومع الوقت ظهرت نتيجة الثورات الداخلية، وظهر حلا وسطيا، وهو الخروج على الحاكم شريطة أن يكون بسب حقيقي لا بسب الخلاف الإيديولوجي، مثل انعدام العدالة في توزيع ثروات الدولة، فإذا تحققت من هذا الأمر يكون عليك عمليا الثورة.
وعندما أرادوا الخروج مع علي ضد معاوية أثناء معركة صفين وهي المعركة التي وقعت بين جيش علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبي سفيان سنة 37 هـ, بعد موقعة الجمل بسنة وتم تشبيه ابو بكر في السقيفة بعلي فلا تقل شرعيته عن شرعية ابو بكر وحدثت المعركة لمدة ثلاثة شهور، وكان حل الموضوع رفع المصاحف لحل المأزق ، عاجز علي الانتصار علي معاوية ويقال في رواية إباضية انه انهزم في هذه المعركة ورددت في كتاب “لجواهر المفردة” للبرادي.
هل أنت رافض لثورات الربيع العربي؟

لا، أنا مع ثورات الربيع العربي، ولكن دخلتها الهشاشة الفكرية، ولم تكن لها خطط ما بعد إسقاط النظام، كما واجه الثورات عدم القدرة على خلق قيادات ودخلها ثلاثة اتجاهات، الإسلام السياسي والإسلام الجهادي والتدخل الإقليمي.. لكن أن ترفع السلاح سيكون ضدك سلاح، وتصبح فوائد التغيير أقل من مساوئه.

لكن هل يوجد تغيير دون ضحايا؟
الحركة الاحتجاجية السلمية التي تنشد سقوط السلطة الظالمة، ينبغي أن تستخدم طرق سلمية، وينبغي أن تقوم بها وإذا تأكدت بسرعة القضاء على الحاكم وهذا مشكوك فيه، ولو ظن أنه سيموت عشرة فعليك ألا تثور، لأن الحاكم متترس بجنده ورجاله، ولو حدثت مقتلة فهذا لا يجوز، فعليك ألا تثور.

لذلك الفقيه عبر التاريخ لم يكن يخشي علي الدم الحرام فقط بل يخشي علي تقسيم الدولة ، لان اصل الشرعيات في السياسية الشرعية ثلاث وحدة الأمة ووحدة الدار ووحدة السلطة ، الخليفة واحد والدول واحدة والأمة واحدة .

كيف ترى العلاقة بين فتاوى العلمتء والسلطة؟
ليس هناك علاقة بين الفتوى والحاكم في التاريخ الإسلامي، وهذه العلاقة تداخلت قريبا، كانت الناس يتوجهون إلى المفتي ليجيب على مسائلهم، وبعد الدولة الخديوية انتقل المفتي ليجلس في غرفة في وزارة العدل، وسار له وظيفة ثابتة، وفقهاء الأزهر كانوا منتشرين في كل مكان ولم توظفهم الدولة إلا بعد القرن التاسع عشر.
وبعد ظهور الجماعات الدينية وظهور فتاوى مثل قتل الأجنبي من أبو بكر البغدادي، فتكون هذه الفتوي ملزمة، ويكون القائد هو المفتي عند أغلب الجماعات الإسلامية، حتى حدثت جميع الملاحقات الأمنية، وتولى الظواهري أميرا ومفتيا للقاعدة، بعد أن كان المفتي هو سيد إمام، والجماعة الإسلامية لها عمر عبدالرحمن ثم عبد الآخر حماد، لذلك أصبح المفتي هو رئيس الجماعة، والأمير في الوقت نفسه.