تطابقات جلية بين الشريعة الإسلامية والقوانين الألمانية

بقلم: شيفلي آدمي* — هاتفتني مؤخرا أستاذة قانون وسألتني “هل من الممكن أن تبعث لي بنسخة من الشريعة، ويفضل أن يكون ملف “ب.د.ف”؟: فأجبتها: إنني أخشى من أنه لايوجد عندك سعة تخزين كافية في جهازك. ولكنها رجعت ولمحت لي أنه لديها سعة تخزين على قرص خارجي. لم يبدد جوابها هذا شكوكي.
تظن هذه الباحثة القانونية أن الشريعة عبارة عن كتاب قانون محكم، وهذا هو الرأي السائد. وما يعزز هذا الرأي هو الإرهاب الذي يمارسه “داعش”، الذي يجعل الخوف منتشرا حتى بين أوساط المسلمين.
هذا الخوف هو ماتستخدمه الأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا الغربية بنجاح، مثلما يظهر في نتائج الانتخابات. ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك البرنامج المعادي للإسلام الذي يتبناه حزب البديل من أجل ألمانيا، ففي اختزالية، تعلن هذه الحركة أن الإسلام هو مجرد أيديولوجية وتخفي حقيقة أن فهم “داعش” للإسلام لايتفق معه أغلبية المسلمين.
ولكن في المقابل لا يفيد أن يدعي المسلمون أن داعش لاعلاقة له بالإسلام. الإسلام بحد ذاته لايستطيع أن يكون هنا فاعلا في التخفيف من المخاوف. بينما المسلمون هم الذين يمكن أن يكون لهم دور في ذلك، ولا يكفي أن نقول إن أغلب المسلمين محبون للسلام. ولكن أن نبقى صامتين. كذلك لايمكن أن يكون مقنعا أن نلقي اللوم على القوى العظمى وعلى سياساتها التي هي بحق مشكوك فيها. حتى أن القرآن يعتبر أن إلقاء اللوم على الآخرين من عمل الشيطان ويدعو الناس إلى النقد الذاتي والتأمل.

تأويل الإسلام معرفة وليس دوغما
نعم، هناك عنف باسم الشريعة ولكن لا، ليس هناك شيء يسمى شريعة واحدة، وإنما عدة مفاهيم للشريعة، وهي تتغير بتغير ظروف الحياة.
يجب علينا كمسلمين أن نفعل كل ما في وسعنا من قول أو عمل لمقاومة المفاهيم المحتقرة للإنسانية والبعيدة عن الواقع. وأنا أتفق مع نافيد كرماني الذي يعتبر مثل هذه المفاهيم خرقا للإسلام وليس امتدادا لها.
إن الفهم التقليدي للعقوبات في الإسلام، لايتسم بتلك العقوبات القاسية التي يمارسها “داعش” أو المملكة العربية السعودية أو ايران. إن العقوبات الجسدية، كانت في الأزمنة السابقة هي العقوبات السائدة. لكن الإسلام جاء ليقننها ويضع لها شروطا، بحيث يجعلها تكون صعبة التنفيذ.
فقد اعتمدوا القاعدة الشرعية التي تقول إن الأصل هو البراءة ولا يمكن إزاحتها من خلال دليل ظني وهذا يتطابق مع القواعد القانونية المتبعة حاليا في ألمانيا. وقد حذر النبي محمد من أن يحكم القاضي بالعقوبة بدليل خاطئ واعتبر أنه من الأفضل أن يخطئ القاضي في حكم البراءة.
إن القراءة التقليدية لأحكام الإسلام محكومة بتقاليد علمية صارمة وبعقلانية عملية ومنهجية. ومن هذا المنطلق وليس من منطلقات دوغمائية ممأسسة، أصبح من الراسخ في فكر غالبية الفقهاء أن الفهم المطلق للشريعة بيد الله فقط. وهذا يعني أن باب الاجتهاد مفتوح للبحث عن القيم الإلهية في مجال المعاملات الإنسانية.
هذا البحث الإنساني يستند على احتمالات تسترشد بالنص الإلهي وليس على قانون إلهي في القرآن والسنة، فكانت نتيجته ظهور عدة مدارس ومذاهب فقهية تتنافس وتتعايش ويعترف بعضه ببعض.
الجماعات المتطرفة، التي كانت موجودة في العصورة المبكرة للإسلام، مثل الخوارج، الذين يرون في فهمهم لشريعة قانون إلهي مطلق، يمكن اعتبارهم نسخة قديمة عن “داعش”. لكن هذه المجموعات كان ينقصها وسائل الإقناع المنطقية. حتى أن الخليفة علي بن أبي طالب كشف سذاجة منطق هؤلاء. فالخوارج اتهموه بمخالفة الشريعة الإلهية، لأنه ترك موضوع تعيين الخليفة للاجتهاد الإنساني ولم يفرض نفسه بالقوة.
فحينها قام علي بجمع الناس وإحضار نسخة من القرآن ومسكها بيده وخاطبها آمرا أن تكلم الناس وتعلمهم عن القانون الإلهي، فصاح أحد المجتمعين: ماذا تفعل؟ القرآن لايستطيع أن يتكلم. وهنا أراد علي أن يبين أن القرآن في حد ذاته ليس سوى حبر على ورق ولا يكون له فعل إلا من خلال البشر ذوي الأفهام المحدودة.

المشكلة الحقيقية في النقاش حول الشريعة
هنا تكون مرتبة الإله أعلى من التعاملات البشرية، لذلك منع النبي محمد اعتبار أحكام الفقهاء بمثابة الأحكام الإلهية. وذلك فتح الطريق أمام الاحتمالات المتعددة والاحتفاء بالتعدد. إن الشريعة هي تراكم من التحولات والتطبيقات والنظريات الإنسانية عبر أكثر من ألف عام.
إن أي بائع للكتب في أي بلد اسلامي في مصر أو الأردن سيكون مستغربا لو طلبنا منه إحضار كتاب الشريعة. ولو أراد أن يجتهد في عمله لعرض أن نشتري كل مالديه من كتب إسلامية وحتى تلك التي لم تنشر بعد. فكل هذه الأعمال هي في الواقع محاولات لفهم الشريعة والزبون الذي يسأل عن شراء الشريعة سيكون بحق زبون العمر.

ينتقد رجل القانون والخبير في العلوم الإسلامية البروفيسور الألماني ماتياس روهه تصريحات بعض السياسيين الألمان المحافظين القائلة إن المعايير القانونية السارية على المسلمين في ألمانيا يجب أن تكون مستمدة حصرياً من القيم الألمانية، مؤكداً أن “ألمانيا تتيح تطبيق الشريعة الإسلامية في ألمانيا على أسس القوانين الألمانية”. كما يرى أن المسلمين في ألمانيا بإمكانهم تطبيق مفاهيمهم ببساطة على أساس القانون الألماني. وبالمناسبة، يستطيع المسلمون في ألمانيا تطبيق مفاهيمهم ببساطة على أساس القانون الألماني، حيث يجوز لهم تحديد حقوقهم، على سبيل المثال في قانون العقود وفي أجزاء من قانون الزواج. وأيضاً على سبيل المثال فقد أقرّت المحكمة الاتحادية الألمانية تحديد مهر للزوجة المستقبلية في عقد الزواج وفقًا للقانون الألماني. وكذلك يسمح القانون الألماني بإنشاء صناديق الاستثمار الإسلامية أو ما شابه ذلك. وفي عام 2005 أصدرت ولاية ساكسونيا-أنهالت سندات قروض إسلامية عن طريق شركة قابضة هولندية من أجل توفير رأس المال.
فالشريعة الإسلامية ليست كتاباً قانونياً ولا يمكن أن نجمعها في ملف “ب.د.ف” إلكتروني وأن نرسلها أو أن نجعلها قانونا لدولة.
وكون أن الشريعة أصبحت ذلك الشبح المخيف، سببه تلك القراءات الخالية من المنطق التي انتشرت في العقود الأخيرة. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية في النقاش حول الشريعة.
إن الفقه الإسلامي التقليدي يؤكد أن الاجتهاد حول الاحتمالات الثيولوجية لا يقدر عليه إلا من كان مسلحا بثقافة عالية ومصداقية. والخوارج لم يكونو يتمتعون بذلك. لذا يبدو لي أن جهلنا هو مايجعلنا نعتبر تلك القراءة الفاشلة للإسلام قراءات ناجحة.
كمجتمع ماذا يمكننا أن نفعل إزاء ذلك على مستوى الحجة والعمل؟ لا يمكننا أن نضع على عاتق الأقلية أن ترد على الأحكام المسبقة.

المصدر: زود دويتشه تسايتونغ / موقع قنطرة – ar.Qantara.de

*شيفلي آدمي باحث معروف بحقوق الشريعة وأصول الفقه في جامعة أوكسفورد




هجمات طهران ونظرية المؤامرة

بقلم: حسن أبو هنية– تشكل نظرية المؤامرة إحدى أهم المقاربات التفسيرية شيوعا وانتشارا في فهم التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وقد تنامت مقاربة المؤامرة مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وانتشاره في بلدان عديدة، حيث تبادلت أطراف الصراع المحلي والإقليمي والدولي نظرية المؤامرة باتهام بعضها بالوقوف خلف نشوء «داعش»، فالرواية المفضلة لدى المحور الإيراني تنص على أن تنظيم الدولة صنيعة أميركية صهيونية خليجية، بينما تشدد السردية الخليجية المقابلة على أن التنظيم صنيعة إيرانية، وفي غياب منابر علمية تتحول المنصات الإعلامية إلى أحد أهم مصادر المعرفة لدى الجمهور في بيئة اجتماعية أسطورية ما قبل علمية رغم انتشار التعليم.

أحد أهم حجاجات نظرية المؤامرة في علل صعود تنظيم الدولة ومن يقف خلفه، تتمثل بتكرار السؤال والاتهام، ذلك أن نظرية المؤامرة لا تطرح إجابات، وأسئلتها الأثيرة تبدأ بلماذا لا يهاجم التنظيم باستهدافاته هنا أو هناك، ولسوء الحظ يمكن القول أن التظيم لم يدع مكانا لم يهاجمه، فقد نفذ هجمات في معظم الدول العربية والإسلامية، وبلغت هجماته أميركا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا وغيرها من البلدان، وفي الأثناء كانت إيران بعيدة عن الاستهداف، الأمر الذي ساعد أنصار نظرية المؤامرة على المحور الآخر بالترويج لدعايتهم، رغم أن التنظيم يخوض صراعا مميتا مع الحرس الثوري الإيراني والمليشيات الشيعية التابعة له في العراق وسورية.

يعتقد البعض أن نظرية المؤامرة يمكن تقويضها في حال تعرضت الدولة محور المؤامرة للهجوم من طرف من يتهم بالتآمر معها، لكن ذلك غير صحيح؛ حيث ستصبح الهجمات إحدى الركائز الجديدة للمؤامرة بالقول أن ما حدث هو محاولة بائسة لخلط الأوراق والتعمية على المؤامرة، ولكن بعيدا عن المؤامرة ونظرياتها فقد تعرضت طهران لهجمات مزدوجة استهدفت أسس الجمهورية على الصعيدين الرمزي والسياسي في 7 حزيران 2017، حيث نفذ هجومان في نفس الوقت ضد البرلمان الإيراني وضريح الخميني، مما أسفر عن مقتل 17 شخصًا وإصابة 40 بجروح، وأعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية أن منفذي هجومي البرلمان وضريح الخميني هم إيرانيون التحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية، مشيرة إلى أن خمسة منهم كانوا قد غادروا إيران وشاركوا في عمليات بـالموصل والرقة.

في سياق نظرية المؤامرة عملت إيران على استغلال الهجمات بالهجوم على أميركا والسعودية واتهمها الحرس الثوري بالوقوف خلف الهجمات، وقال وزير الاستخبارات الإيرانية محمود علوي أنه «لا يوجد شك بأن السعودية تدعم المنظمات الإرهابية في العالم، حسب تعبيره، وأن آثارها واضحة في دعم الإرهاب بالعراق وسوريا، وأوضح أن هناك اعتقادا في العالم بأن السعودية هي من وراء التيارات الإرهابية وأنها مركزهم الأيديولوجي».

في حقيقة الأمر لم يكن تبني تنظيم الدولة الإسلامة للهجمات مفاجئا للخبراء والمراقبين، وقد تبنى التنظيم الهجمات في بيان وقال: إن خمسة من مقاتليه نفذوا الهجومين على البرلمان الإيراني وضريح الخميني، مستخدمين بنادق هجومية وقنابل وسترات ناسفة، وقتلوا وأصابوا قرابة 60 شخصا قبل مقتلهم، كما بثت وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم لقطات من الهجوم بكاميرا أحد المنفذين، وبعدها نشرت وكالة «أعماق» وصية مصورة لمنفذي الهجوم، وقال أحد المقاتلين الخمسة إن «هذه الكتيبة هي أول كتيبة تشكل في إيران، ولن تكون الأخيرة»، ودعا المتحدث جميع المسلمين السنة في إيران إلى قتال الشيعة في أي مكان من البلاد، وفي نهاية الفيديو، هدد المتحدث -وهو أحد منفذي الهجوم- السعودية بأن الدور القادم سيكون عليها بعد إيران، وفق قوله، وكانت مجلة «النبأ» التابعة لتنظيم الدولة قد نشرت كنى منفذي الهجومين، وهم: «عبد الرحمن الإيراني، وأبو جهاد الإيراني، وأبو وردة الإيراني، وأبو عبد الله الإيراني، وأبو محمد الإيراني».

تمثل هجمات طهران تحولا خطيرا في مسار الصراع بين إيران وتنظيم الدولة، على الصعيدين الإيديولوجي والعسكري، فالسردية الأساسية لدى تنظيم الدولة تقوم على أساس هوياتي ديني يقوم على احتكار تمثيل السنة ومناهضة وتكفير الشيعة وتأجيج الطائفية، وعلى الصعيد الميداني منذ إعلان التنظيم عن تأسيس الخلافة بعد السيطرة على الموصل في يونيو 2014، كانت حدودها تنظيم الدولة تبعد حوالي 20 ميلاً فقط عن حدود ايران، فقد امتدت الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم الى المحافظة العراقية الحدودية ديالى، مما شكل تهديداً خطيراً على الأمن القومي الإيراني، الأمر الذي أدى إلى تدفق مئات العناصر من الحرس الثوري الإيراني الى العراق لخوض معركتهم الأولى في جلولاء جنباً إلى جنب مع القوات الكردية والعراقية وأعضاء من منظمة بدر العراقية.

لم ينقطع القتال بين إيران وتنظيم الدولة في العراق، وأصبح قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري يشرف بصورة مباشرة على المعارك في العراق وسوريا ويدير المليشيات الشيعية المختلفة من جنسيات عدة، وفي الأثناء كان تنظيم الدولة يعمل على تأسيس خلايا وشبكات وكتائب داخل إيران، حيث أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية في مناسبات عدة خلال العامين الأخيرين بأن المؤامرات الإرهابية داخل حدود البلد قد أحبطت.

الصراع الاستخباري الأمني بين إيران والتنظيم كان في أعلى مستوياته في سباق محموم، وقد أعلنت وكالة أنباء فارس، نقلاً عن مصادر لم تسمها، في 27 سبتمبر 2016، أن قوات الأمن قتلت الزعيم الجديد لداعش في إيران، المعروف بـ أبو عائشة الكردي، وحسب الموقع الإخباري إنه «منذ بعض الوقت وفي مدينة كرمنشاه الحدودية ، قُتل شخص كان من المفترض أن يتم اعلانه أميراً لداعش في إيران، في عملية معقدة وضخمة وشاقة قام بها جنود الإمام المجهولين»، في إشارة إلى عملاء وزارة الاستخبارات، وكان مقتل أبوعائشة وبعض معاونيه قد تكرر مرات عديدة على لسان الأجهزة الاستخبارية والدعائية.

لم يكن القلق الإيراني من نجاح تنظيم الدولة باختراق المجتمع الإيراني السني والإعلان عن تأسيس ولاية في بلاد فارس مجرد دعاية، فقد استثمر التنظيم حالة الأقليات السنية ووجود بعض الحركات الجهادية السنية المناهضة لحكومة طهران وحكم الملالي أمثال حركة جند الله والعدل، وعمل على استقطاب أعداد من الشباب الإيراني السني من الأقليات البلوشية والأهوازية والكردية للقتال في صفوفه تمهيدا للعمل داخل إيران، وقد تطور الجهاز الخاص بإيران منذ بداية العام الحالي، حيث أعلن تنظيم الدولة الإسلامية عن تشكيل قوة جديدة شرقي العراق، تحمل اسم «كتيبة سلمان الفارسي»، تضم في صفوفها إيرانيين، لتكون الأولى من نوعها.

جاء إعلان التنظيم عن تشكيل القوة الجديدة من خلال شريط فيديو مصور من إصدار ولاية ديالى ، في 27 مارس 2017 بعنوان «بلاد فارس بين الأمس واليوم»، تضمن مشاهد لأفراد من الكتيبة أثناء تدريبهم على الرماية، في محافظة ديالى، شرق العاصمة بغداد، تضمن المقطع مشاهد لقيام عناصر من الكتيبة أثناء تصويبهم النار على صور للمرشد الإيراني الراحل «الخميني»، والمرشد الأعلى الحالي علي خامنئي، والرئيس الإيراني حسن روحاني، والجنرال قاسم سليماني، وعرض المقطع أيضاً لقطات لقيام أربعة عناصر إيرانيين من التنظيم بنحر أربعة عراقيين، أحدهم قائد عسكري «في رسالة تهديد لحكومة طهران»، وتحدث في المقطع ثلاثة عناصر إيرانيين من التنظيم هم «أبو الفاروق الفارسي، وأبو مجاهد البلوشي، وأبو سعد الأهوازي»، وحثوا الشعب الإيراني على «الانتفاض في وجه نظام ولاية الفقيه»، ودعوا الإيرانيين في طهران وأصفهان وقم، وغيرها إلى «مهاجمة التجمعات التابعة للنظام الإيراني».

هكذ فإن نظرية المؤامرة تعبر عن بؤسها وبأسها ونفوذها، ذلك أن الجهل والذهنيات الأسطورية لا طاقة لها بالتفاصيل وتنفر من المعرفة وتكتفي بالعناوين، وتلك صناعة يتقنها سدنة الإعلام التضليلي، ففي ظل غياب قدرة تفسيرية علمية للظواهر الاجتماعية الإنسانية تستند إلى تفهم دوافع الفاعلين وفق مبدأ السبب الكافي ماديا ورمزيا، والاستقالة والاستسلام أما التحولات البنيوية العميقة الجارية في العالم العربي، ينسحب العقل التآمري مطمئنا رافضا الأسباب والشروط والظروف الموضوعية التي أدت إلى صعود تنظيم الدولة الإسلامية، متلبسا بخطاب نمطي تبريري يستند إلى مقولة المؤامرة لفهم وتفسير طبيعة ما يجري من تحولات بنائية دخلها العالم العربي منذ بدء فعاليات الربيع العربي.

يقوم خطاب المؤامرة على رؤية معرفية للإنسان والمجتمع العربيين، تتماهى مع الأطروحة الكولينيالية الاستشراقية التي تختزل الإنسان والثقافة والديانة الإسلامية بأنماط ثابتة وجوهرانية، تتسم بالركود والثبات، والعجز عن القدرة على التطور والتحول، والتلبس بإعادة إنتاج الذات، كما أن خطاب المؤامرة أحد أسلحة الأنظمة السياسية السلطوية المحلية في الحفاظ على الوضع القائم، إذ يغدو كل تغيير ثمرة لمؤامرة خارجية، وبهذا لن تسقط نظرية المؤامرة بهجمات طهران أو الرياض أو نيويورك أو باريس أو لندن أو برلين.

المصدر: صحيفة الراي




تحولات الخطاب في أفريقيا من الصوفية الإصلاحية إلى «بوكو حرام»

Sufi-dance_roumi

موقع حوارات — بقلم: كرم سعيد — صدر حديثاً عن «مركز الأهرام للنشر» في القاهرة كتاب «تحولات الخطاب الإسلامي في أفريقيا» الذي يتناول فيه الدكتور حمدي عبد الرحمن الظاهرة الدينية في أفريقيا التي تشهد تعدداً في الأديان والمعتقدات، وتداعياتها على الحياة السياسية والاجتماعية التي تشهدها القارة. فبالإضافة إلى الديانات السماوية، وفي الصدارة منها الإسلام والمسيحية تموج القارة السمراء بمئات الديانات الوضعية المحلية، ولكنها خلافاً للمعتقدات التقليدية تبدو محدودة الأثر والتأثير، إذ إنها لا تتعدى نطاق الجماعة العرقية المؤمنة بها ناهيك عن أنها تخلو من أي رؤى تجديدية ولا تتضمن سطورها ما يجعلها قادرة على التطويع والتطبع إزاء الواقع الأفريقي.
ويرتكز الكتاب على محاور عدة، منها دراسة الظاهرة الإسلامية استناداً إلى دراسة النموذج السوداني والسنغالي والنيجيري. كما يسعى إلى تقديم حصر للإشكاليات وقضايا خطاب التجديد والإصلاح الإسلامي في الواقع الأفريقي مع تقديم إجابة حول حقيقة الأسباب والدوافع التي تفسر ظهور الخطاب التجديدي في بعض المجتمعات الأفريقية، وكيف استجاب هذا الخطاب من جهة وتجاوز من جهة أخرى تحديات مشروع الحداثة الغربي، وبخاصة ما يتعلق بواقع التخلف والتبعية التي ما زالت قطاعات أفريقية واسعة غارقة فيها. ولم يغفل الكتاب الذي يقع في 398 صفحة من القطع الكبير الإشارة إلى أنماط الخطاب الإصلاحي وتنويعاته الفكرية والمعرفية.
توصف أفريقيا بأنها قارة الإسلام، فهو يسبق كل ما عداه من أديان، وهو في الوعي الجمعي يعد ديناً أفريقياً انتشر بقوته الذاتية وخصائصه الدفينة، كما أنه أكثر الأديان صلاحية وارتباطاً بالواقع الأفريقي. والأرجح أن ثمة عوامل عدة مثلت أهمية كبرى في انتشار الإسلام في القارة منها الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا وتحول مجموعاته السكانية إلى الإسلام، والدور الحركي على الأرض للتجار والعلماء المسلمين الذين زاوجوا بين الاقتصاد والعلم في رحلاتهم الأفريقية، فعرضوا بحرفية ومهارة بضائعهم التجارية بجوار أفكارهم العقائدية. وراء ما سبق لعبت تحركات القبائل وهجراتها جنباً إلى جنب الطرق الصوفية دوراً بارزاً في الترويج للإسلام.
ويمضي الكتاب في الحديث عن الحركات الإسلامية في أفريقيا التي لا تعبر في جوهرها عن تجانس فكري، على رغم أنها نهلت من روافد فكرية مشتركة، فتأثرت على سبيل المثال بأفكار الجماعات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي، وفي الصدارة منها جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر الذي أسسها «حسن البنا» في العام 1927، وأيضاً الحركة الوهابية في السعودية وقيم ودساتير الجماعة الإسلامية في آسيا. والمتابع لنشأة وتطور الحركات الإسلامية في أفريقيا يدرك أنها انتقلت بسرعة من مرحلة التركيز على الجوانب العقائدية والإيمانية إلى الغوص في أوجه النشاط الإنساني كافة لا سيما القضايا التي تمثل فرس رهان لتقدم المجتمعات وتطورها، وبخاصة السياسة والاقتصاد والتعليم. ولعل ذلك يفسر حرص عدد من الحركات الإسلامية في أفريقيا على تقديم تفسير عملي للنصوص المقدسة، وترجمتها على الأرض عبر بناء نموذج اقتصادي ومعرفي يتسق وروح الإسلام باعتباره منهج حياة ومعتقداً بالغ التأثير في حركة المجتمعات.
ويحلل الكتاب في فصله الثاني مفهوم الخطاب الإسلامي بدلالاته المعرفية وأبعاده الإيديولوجية وسياقاته المجتمعية باعتباره المدخل الأساسي لفهم الخطاب الإصلاحي التي تطرحه الحركات الإسلامية في القارة. ولا يغفل الكتاب الإشارة إلى دوافع تجديد الخطاب الإسلامي الذي أصبحت الحاجة إليه ملحة مع تصاعد موجة التعليم الغربي الذي وسع البون بين الشرائح المجتمعية في القارة وخلق ازدواجية ثقافية لا تخطئها عين. وتمثلت أهم الدوافع التي وقفت وراء طرح الخطاب الإصلاحي في ظهور جماعة الإخوان المسلمين، والتي تأسست أول شعبة لها في جيبوتي عام 1932 ناهيك عن خفوت وتراجع الأطروحات الأيديولوجية التي ظهرت عقب الاستقلال، وقادها نكروما في غانا مع تصاعد موجات التحرر الوطني من الاستعمار. كما ظهرت رؤى إصلاحية إسلامية وطرحت قضايا مهمة تدخل في صلب خطاب التجديد. أيضاً مثلت الثورة الإيرانية وغياب الديموقراطية وتنامي روائح الفساد عاملاً مهماً في تغذية التوجهات الإصلاحية للخطاب الإسلامي في القارة، والذي وجد بيئة خصبة مع فشل نموذج النهضة الأفريقية الذي ارتكز على أسس علمانية.
على صعيد ذي شأن شهدت أفريقيا جنوب الصحراء طوال الأعوام التي خلت تنوعاً واضحاً في أنماط الخطاب الإسلامي، بدءاً بخطاب الحركة الإسلامية في السودان التي اشتبكت منذ نشأتها فكرياً وأيديولوجياً مع التيار الشيوعي السوداني، واتسم خطاب الحركة السودانية في جوهره بغلبة الطابع السياسي على الديني والتربوي، بل تبنت الحركة الإسلامية بعد تمكينها من السلطة في العام 1989 خطاباً أممياً. وإلى جوار الخطاب الحركي للحركة الإسلامية في السودان برز الخطاب الصوفي، بالنظر إلى تغلغل الطرق الصوفية وتشعب مسالكها في القارة السمراء، وكان بارزاً، هنا، استلهام الخطاب الإسلامي في تجديده لروح الصوفية وتقاليدها في السنغال ونيجيريا وغيرها من بلاد القارة.
ويشمل الكتاب تحليلاً مهماً للخطاب السلفي الذي كان أقرب لرد الفعل على الخطاب الصوفي الغارق بحسب خصومه في البدع والخرافات. وبرز التيار السلفي الحركي وهو يقدم قراءة مغايرة للدين وكاشفة للجوانب العملية لقواعد الدين الإسلامي ونصوصه، وليأخذ بذلك مسافة بعيدة من الطرق الصوفية مثل القادرية والتيجانية.
وبرز الخطاب الإصلاحي السلفي في أفريقيا، وبخاصة في نيجيريا من خلال ثلاثة تنظيمات أولها «جمعية الطلاب المسلمين» و «جمعية الدعوة» و «جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة».
ويلمح المؤلف إلى أن مصطلح السلفية ازداد غموضاً وتعقيداً على تعقيده في السنوات الأخيرة عندما تحولت السلفية وخطابها المضطرب إلى ظاهرة مؤثرة وفعالة في المشهد السياسي والديني في العالم الإسلامي، وبخاصة أفريقيا.
ويمايز المؤلف بين تيارات ثلاثة داخل السلفية، وهي السلفية الأصولية والسلفية المسيسة والسلفية الجهادية.
وفي جانب خامس من الكتاب ينتقل المؤلف إلى مناقشة خطاب الحركة المهدية في السودان، والتي تعد واحدة من أهم الحركات الثورية التقدمية في الواقع الأفريقي التي حملت بين جنباتها مضامين سياسية ودينية تقدمية. وكانت للحركة لمستها في عملية تشكيل وتطور الدولة الحديثة في السودان.
ويلقي الكتاب الضوء في الفصل السادس على الخطاب الديني الجهادي في القارة، والتي تمثله جماعة» بوكو حرام» التي تقص مضاجع نيجيريا ودول جوارها. واشتهرت هذه الجماعة بمعاداتها للتعليم الغربي، فعرفت إعلامياً باسم «بوكو حرام» التي تعني بلغة الهوسا التعليم الغربي حرام، لذلك، حرصت «بوكو حرام» دوماً على تقديم غطاء أيديولوجي لأعمالها الإرهابية.
المصدر: صحيفة الحياة




هل تنظيم “داعش” استمرار لحركة الخوارج؟

بقلم علی معموري – موقع المونيتور –

لقد شاع كثيراً في الفترة الأخيرة وصف تنظيم الدولة الإسلاميّة بخوارج العصر، مشيراً إلى مجموعات من المسلمين الأوائل الذين تمرّدوا على السلطة في القرون الإسلاميّة الأولى. ومن الملفت للنّظر إلى أنّ هذا الوصف تطلقه الجماعات السلفيّة الأخرى التي تشارك الدولة الإسلاميّة في مبادئها الدينيّة الأساسيّة، ولكنّها اختلفت معها لأسباب سياسيّة، أهمّها عدم رغبتها في البيعة لأبي ‌بكر البغدادي الّذي فاجأ الجماعات السلفيّة الأخرى بفرض نفسه خليفة للمسلمين أجمعين. ولذلك، لم تصدر مخالفة جديّة مع الدولة الإسلاميّة من قبل الجماعات السلفيّة، إلاّ بعد إعلان الخلافة في حزيران من العام الماضي.

لقد أصدر مفتي السعوديّة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ بياناً في آب من العام الماضي، اعتبر فيه تنظيم الدولة الإسلاميّة امتداداً لجماعة “الخوارج” الّتي كانت “تستحلي دماء المسلمين”، وقال: “لأنّ حسبهما على المسلمين”. واستمرّ الرّفض للدولة الإسلاميّة لكونها من الخوارج ليشمل القاعدة نفسها، الّتي كانت منذ زمن غير بعيد أخطر تنظيم سلفيّ جهاديّ في العالم. لقد أعلنت “جبهة النّصرة” في كانون الأوّل من العام الماضي حرب استئصال ضدّ من أسمتهم بـ”الخوارج”، في إشارة إلى الدولة الإسلاميّة، وجاء في تسجيل صوتيّ للمسؤول الشرعيّ في “جبهة النّصرة” سامي العريدي: “السيوف الّتي أمرنا الله تعالى باستخدامها هي أنواع، وأحدها هو السيف المسلّط على الخوارج، وهذه الفئة (الدولة الإسلاميّة) ثبت بالدليل القاطع أنّها خوارج. لذلك، فإنّ قتالها واجب شرعاً، ولا مجال للتورّع عن ذلك، لأنّ من يتساهل في قتالها، فإنّه يتساهل بدماء أهل السنّة”.

من هم الخوارج؟

تعني كلمة الخوارج لغويّاً “من خرج عن الانتماء إلى الجماعة”، ويقصد بها مجموعة متنوّعة من الفرق الإسلاميّة الّتي خرجت ضدّ نظام الحكم في عهد الخلفاء الرّاشدين، ومن خلفهم من حكّام بني أميّة والعبّاس. وأطلقت التّسمية من قبل معارضيهم ليتمّ اتّهامهم بأنّهم قد شقّوا عصا الجماعة، وخرجوا من طائفة المسلمين، ولكنّهم يعدّون أنفسهم المسلمين الحقيقيّين ويسمّون أنفسهم بالمحكمة أو أهل التّحكيم.

لقد ظهرت هذه الجماعات، للمرّة الأولى، في عهد عثمان بن عفّان الخليفة الثالث بعد النبيّ محمّد في ردّ فعل ضدّ انفراد فئة محدودة من قريش بالسلطة وموارد الدولة الماليّة. وكانت تلك الجماعات تدعو إلى المساواة ورفع التّمييز بين الحاكم والرعيّة. لذلك، جاءت بآراء مساواتيّة مثل صلاحيّة تسلّم الخلافة لأيّ فرد، ولو كان عبداً. وقامت بثورات عدّة ضدّ حكّام زمانها، ومال بعضها إلى استخدام العنف المفرط من قتل الأطفال والنساء وغير ذلك.

ولقد انقرض معظمها ولم يبق منها سوى الأباضيّة في سلطنة عمان وبعض مناطق شمال إفريقيا، وخصوصاً الجزائر. وينتمي هؤلاء إلى التيّار المعتدل للخوارج، ولم يعرف عنهم استخدام العنف والقيام بأعمال الشغب، كما كانت عليه الطوائف المتشدّدة من الخوارج في القديم.

لماذا تنسب الدولة الإسلاميّة إلى الخوارج؟

تطلَق هذه التّسمية نظراً لوجود مشابهات بين بعض فرق الخوارج وتنظيم الدولة الإسلاميّة، منها: تكفير المسلمين والقيام بقتل الأطفال والنساء في شكل مرعب، وأيضاً لجهة أنّها شَقّت صفوف الجماعات السلفيّة الجهاديّة وقاتلتها لتثبت الأمر لنفسها فقط. لقد خصّص التّنظيم قسمأ كبيراً من نشاطه في السنوات الأخيرة في سوريا لمقاتلة “جبهة النّصرة” والجيش الحرّ وغيرها، رغم اشتراك الجميع في معارضة النّظام السوريّ،

في حين أنّ هناك فوارق رئيسيّة تجعل الدولة الإسلاميّة مختلفة تماماً عن ظاهرة الخوارج في القرون الإسلاميّة الأولى، إذ لم يثبت عنهم موقف عدائيّ تجاه غير المسلمين ولم يضطهدوا الأقليّات مثل ما صدر عن تنظيم الدولة الإسلاميّة وأصبح ذلك من سياساته الرئيسيّة.

لم تعرف عن الخوارج اتّجاهات سلفيّة، بل على عكس ذلك، كانوا يعارضون الاحتكام إلى الصحابة والتابعين بوصفهم الجيل الأوّل والسلف الصالح. ولم يقدّس الخوارج السلف، ولم يعتبروا أنّ لهم أولويّة في فهم الدين وتطبيقه، بل كانوا على خلاف ذلك يقولون بالمساواة الشاملة بين الجميع وعدم التّمييز بين من أسلم سلفاً أو التحق بالإسلام أخيراً. كما أنّ التّشابه بين الفكر السلفيّ والتّنظيمات الجهاديّة السلفيّة من حيث تكفير المسلمين هو أوسع بكثير من التّشابه بفرق الخوارج في الماضي البعيد.

Militant Islamist fighters take part in a military parade along the streets of northern Raqqa province

وتعدّ هذه التّسمية نوعاً من عمليّة الإسقاط التي يقصد بها أصحابها أهدافاً سياسيّة ذات وجهين: أوّلاً، تطهير السلفيّة من الصورة السلبيّة الّتي انطبعت على تنظيم الدولة الإسلاميّة، وثانياً ردّ فعل تجاه الإقبال الواسع الذي حصل عليه التّنظيم أخيراً في سياق التّسويق للجهاد العالميّ. لقد انصدمت الجماعات السلفيّة الجهاديّة بالتطوّر الكبير الذي حصل عليه التّنظيم في وقت قصير جدّاً، إذ سالت أفواج المقاتلين من أقصى نقاط العالم لتلتحق بالتّنظيم، تاركة التّنظيمات السلفيّة الأخرى. وسيطر التّنظيم على أراضٍ شاسعة وموارد ماليّة كبيرة في فترة قصيرة جدّاً، هذا مضافاً إلى التّهديد الّذي بدأ التّنظيم يطلقه في شكل مباشر وكبير ضدّ المملكة العربيّة السعوديّة بوصفها الرّاعية الأولى للتيّار السلفيّ العالميّ. لقد أصبحت حاجة ملحة للنّظام السعوديّ أن يبرّئ نفسه من أعمال التّنظيمات السلفيّة المتشدّدة من جهة، وأن يحمي نفسه من تهديدات هذه التّنظيمات باستخدام تعابير دينيّة تجعلها خارجة عن الإسلام وغير مشروعة دينيّاً. وهنالك نوعان من التّعامل مع تسمية “خوارج العصر” من قبل التيّارات السلفيّة المعارضة لتنظيم الدولة الإسلاميّة، ويركّز الخطاب الرسميّ للمملكة العربيّة السعوديّة على اعتبار كلّ الحركات السلفيّة الجهاديّة المعارضة لها ضمن عنوان الخوارج، ومنها القاعدة والدولة الإسلاميّة في سياق واحد، في حين أنّ القاعدة نفسها وتوابعها أيضاً تستخدم التّسمية نفسها لتشويه سمعة الدولة الإسلاميّة بين أتباع الإتّجاه السلفيّ الجهاديّ.

وإنّ الحقيقة هي أنّ تنظيم الدولة الإسلاميّة ليس سوى التّطبيق الكامل والنهائيّ للسلفيّة الجهاديّة التي تربّت وترعرعت بحماية المملكة العربيّة السعوديّة منذ عقود، وخصوصاً في فترة حروب أفغانستان ضدّ الاتّحاد السوفياتيّ. كما أنّه نتاج لمزيج بين تيّارين متشدّدين في العالم الإسلاميّ، هما: التيّار السلفيّ السعوديّ والحركة الإخوانيّة العالميّة. ولقد التقى التطرّف السلفيّ الوهابيّ مع الإسلام السياسيّ الإخوانيّ لينتج ظاهرة القاعدة والدولة الإسلاميّة ونظائرهما.




في الحنين إلى فتاوى قديمة ورديئة

بقلم: عبدالله أمين الحلاق – صحيفة الحياة –
تمتلئ صفحات الويب ومواقع التواصل الاجتماعي بسيلٍ من الفتاوى الدينية لمشايخ مسلمين، من مختلف بلدان العالم العربي والإسلامي، يتناولون فيها أدق التفاصيل التي لا تغيب عن بالهم، وبما يدعو للاستغراب، بدءاً من أصغر تفاصيل الحياة الشخصية للإنسان وصولاً إلى ما يتعلق بمسائل الخلق والكون وغير ذلك.
تقابَل ظاهرة التمدد والتكاثر لخلايا وكائنات الإفتاء تلك، بردودٍ ساخرة عليها، عبر تحويل أولئك المشايخ إلى مادة للطُرفة، وعن وجه حق، كما هي فتاواهم، مثل صفحة «الشيخ أبو الإيمان» وصفحة «تخاريف الشيوخ» وغيرهما من صفحات تتناول ظاهرة الفتاوى على مواقع التواصل الاجتماعي. فإذا ما أضيفت إلى تلك الفتاوى بعض التحويرات الطفيفة، بات واضحاً للجميع حجم الخواء الذي تسبح فيه بعض مرجعيات الدين الإسلامي، وهذا في مقابل تغييب مقصود لأصوات ثقافية حقيقية تمنع من الحديث على تلك الفضائيات.
لكن الرد على حمّى الفتاوى تلك يأتي أيضاً من قبل مشايخ ورجال دين، وفي شكل جِدّي غير هزلي، أي من قبل أشخاص يقفون ويلقون بتلك الفتاوى المثيرة للسخرية على نفس الأرضية الإيمانية، ويتكلمون وإياهم من نفس دائرة الإيمان.
وهنا، لا بد أن يلحظ المتابع أن الرد على تلك الفتاوى يأتي فقط بقول رافضيها من المشايخ بعدم وجود مَسند أو نص يثبت جوازها أو صحتها، من دون الطعن في مشروعيتها ومشروعية قائليها ومشروعية نظام الإفتاء الحالي في عالمنا اليوم.
وبعد صعود «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، استطاع هذا الاخير أن يؤسس منظومة الإفتاء الخاصة به، تزامناً مع بناء دولته على رُقع واسعة من أراضي العراق وسورية، وهي منظومة تبدو أمامها فتوى «إرضاع الكبير» وفتوى «تحريم الانترنت على النساء من دون محرم» مزحةً سمجة، لسببين:
أولهما، أن فتاوى داعش تبدو مستغربة ومستهجنة أكثر من الفتاوى السابقة لناحية مضمونها وعلاقتها بمكبوت المجاهدين الآتين من كل حدب وصوب، إلى أرض خصب لا يرون إليها إلا رقعة جغرافية لسلوكيات يرونها مستمدة من الدين.
وثانيهما، أن الفتاوى التي شهدها عالمنا العربي بقيت في إطار الأخذ والرد والسجال بين مشايخ لديهم الوقت الكثير لمناقشة فتوى «إعدام ميكي ماوس»، من دون أن يلتقطها ويقف عندها من الملايين المسلمة إلا القليل، على ما يظهر من غياب ردود أفعال شعبية واضحة تلتف حولها.
إلا أن الأمر يختلف جذرياً مع تلويح «داعش» بالسوط وبالساطور والرجم ضد كل من يخالف قوانينه السماوية – الوضعية، وفتاواه التي لم يتساهل في تطبيقها، بدءاً من مدينة الرقة السورية وصولاً إلى الموصل في العراق.
فقد أصدر «داعش»، مثلاً، فرماناً بعدم جواز جلوس النساء على الكرسي «لأن الجن يجلسون عليه»، كما أصدر بياناً باسم مكتب مسؤوله الشرعي العام يقول بـ «وجوب الزكاة في الزيتون»، حيث على «كل سوري يقيم في إمارة داعش في بلاد الشام أن يؤدّي الزكاة في زيتونه». وحدد «داعش» نصاب الزكاة بـ «خمسة أوسق»، وهو ما يعادل 611 كيلوغراماً من الزيتون.
وفي مسائل النساء وشؤونهن أيضاً، قال داعش بوجوب ختان كل البنات والنساء اللواتي لم يتعرضن للختن، وغيرها من فتاوى لعل أكثرها دعوةً للإجرام وشرعنةً له هي الفتوى التي أصدرها أحد الدعاة المروجين للتنظيم، والقائلة بـ «وجوب قتل النساء الشيعية والمسيحية حتى إن كنّ حوامل»، أما «النساء السنيات المتزوجات فعليهم أن يمارسوا جهاد النكاح 5 ساعات يومياً مع المجاهدين في داعش».
فتاوى ما قبل «داعش»، لا تختلف كثيراً عن فتاوى «داعش» إلا لناحية غياب إمكانية تطبيقها بحد السيف، وهو ما يفعله «داعش» راهناً. وفي العمق، ثمة فتاوى كثيرة كانت تتجاور مع فتاوى جواز صيام «الممثلات الإباحيات» و «تحريم القراءة والكتابة إلا بما ينفع ويخدم دين الله» وغيرها، وهي فتاوى اتخذت في بعض الأحيان شكل «خطاب أكاديمي» مضاد لكل اجتهاد، أطاح بالدكتور نصر حامد أبو زيد وحالات أخرى مشابهة له. وهنا، لا بد من المرور مثلاً بفتوى مفتي الجمهورية في سورية، الشيخ أحمد حسون، والقائلة بأن «كل امرأة سورية تقدم إثباتًا أن زوجها مفقود، وتختم ورقتها لدى وزارة الأوقاف، لها الحق بالزواج عوضاً عن انتظار سنوات لمعرفة مصيره». والجدير بالذكر أن المفتي المذكور صاحب الفتوى الشهيرة التي توجب الجهاد دفاعاً عن نظام بشار الأسد.
على أي حال، لا يمكن أن يلتقي جزء كبير من المنظومة الفقهية المعترضة على دائرة الفتاوى الهزلية السابقة، مع أي منطق وعقل، بخاصة أن جزءاً كبيراً منها يصدر عن مرجعيات إفتاء دينية ممهورة بخاتم المباركة من السلطات السياسية «العلمانية»، على ما يحدث في سورية مثلاً. لكن، ثمة فتوى لا يمكن للمرء إلا أن يقف عندها رمزياً، وهي فتوى ابن باز التي قالت بتكفير كل من يقول بدوران الأرض وثبات الشمس. ولا ينبغي التقليل من هذه الفتوى اليوم ومن فوائدها الجمة، ذاك أن ثبات الأرض، في حال أقررنا بصدق الفتوى، يعني توقفاً للزمن، واستجابة من الكون والطبيعة لها، بعدم تعاقب الساعات والليل والنهار. وهذا يعني في مكان ما: داعشاً أقل، ونظاماً سورياً يقف عداد القتل الزمني له على مئات الآلاف الذين قتلهم دونما زيادة، كما يعني حداً ما لمسلسل القتل والجلد والصلب والجهاد، وللفتاوى الخمينية القائلة بوجوب قتال «حزب الله» في سورية «دفاعاً عن العتبات والمراقد المقدسة»، وما شابه من وقائع ميدانية لا تزال تجد شرعيتها في سِير ووصايا السلف والأوّلين قبل أي عقل واجتهادٍ ومنطقٍ قُضي عليه قبل قرون، مذ لوحق المعتزلة وأُحرقت كتب ابن رشد.

* كاتب سوري




“داعش” باقٍ في 2015

بقلم: د. لينا الخطيب – صحيفة الحياة

ملخّص
التنظيم سيبقى لاعباً رئيساً في الصراع السوري في عام 2015 وما بعده. وبالتالي، ما سيتغيّر على الأرجح هو أسلوب عمل تنظيم “الدولة الإسلامية” وليس وجوده.
مع دخولنا العام الجديد، لا تزال الحملة الجوية الدولية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” مستمرة منذ أربعة أشهر. غير أن التنظيم سيبقى لاعباً رئيساً في الصراع السوري في عام 2015 وما بعده. وبالتالي، ما سيتغيّر على الأرجح هو أسلوب عمل تنظيم “الدولة الإسلامية” وليس وجوده.

ثمّة عناصر عدّة اعتُبِرَت عوامل تغيير محتملة في اللعبة بالنسبة إلى التنظيم، بدءاً من مستقبل زعيمه أبو بكر البغدادي، مروراً بانخفاض أسعار النفط وانتهاءً بانبعاث “جبهة النصرة” مؤخراً، إلى جانب تحدّيات الحكم التي يواجهها تنظيم “الدولة الإسلامية”. بيد أن أياً من هذه العوامل لن يؤثّر كثيراً على وجود التنظيم هذا العام.
مع أنه غالباً ما يُنظَر إلى أبو بكر البغدادي على أنه العقل المدبّر وراء قيام “الدولة الإسلامية”، إلا أن التنظيم يعتمد في استراتيجياته السياسية والعسكرية على فريق من القادة من ذوي الخلفيات “القاعدية” (من تنظيم “القاعدة”) والبعثية. فحتى أبو محمد العدناني، المتحدث باسم التنظيم، لا يُعِدّ خطاباته بنفسه، بل يقوم بذلك فريق من كتبة الخطابات الذين يحرصون على أن تكون مدروسة ومكتوبة جيداً. وعلى هذا النحو، فإن الهيكل التنظيمي لـ “الدولة الإسلامية” ذو طابع مؤسّسي لا شخصي، الأمر الذي يشكّل عاملاً أساسياً لبقاء التنظيم بغضّ النظر عن مصير زعيمه الحالي.

كما اعتُبِر الانخفاض العالمي في أسعار النفط أحد العوامل التي قد تُضعِف تنظيم “الدولة الإسلامية”، لأن هذا الأخير يعتمد في شكل كبير على بيع النفط في السوق السوداء للحصول على التمويل. ولكن، تتأثّر السوق السوداء بقدر أقلّ حدّةً بكثير من السوق الرئيسة في أي سيناريو لانخفاض أسعار النفط، لأن أسعار السوق السوداء تُحدَّد في العادة عند مستوى أدنى بكثير من أسعار السوق الرئيسة. وبالتالي، يقلّص انخفاض الأسعار ببساطة الفجوة بين المستويين، ولكن نادراً ما تنحدر الأسعار في السوق الرئيسة إلى مستوى السوق السوداء، ما يعزز من استمرار الإقبال على الصفقات غير القانونية. وبما أن النظام السوري كان أحد المشترين الرئيسيين للنفط الذي يبيعه تنظيم “الدولة الإسلامية” منذ ما قبل انخفاض أسعار النفط، فإن وجود هذا الزبون يضمن لدى التنظيم نظاماً للبيع يتحايل على تقلّبات السوق العالمية.

إضافة إلى ذلك، اعتُبِر انبعاث “جبهة النصرة” في الأشهر القليلة الماضية عاملاً محتملاً آخر قد يُضعِف تنظيم “الدولة الإسلامية”. فصحيح أن كلاً من التنظيمين يعتبر الآخر خصماً، وقد انخرطا في العديد من المعارك ضد بعضهما البعض، إلا أنهما يدركان أن إنفاق مواردهما على هذا التنافس يأتي بنتائج عكسية في السياق الحالي. بدلاً من ذلك، يركّز التنظيمان بصورة أساسية على محاربة المعارضة السورية المعتدلة. ولذا، من المستبعد أن تكسب “جبهة النصرة” السيطرة على مناطق خاضعة حالياً لسيطرة “الدولة الإسلامية”، بل هي تركز على المناطق التي يسيطر عليها النظام والمعارضة. وعليه، يصبح عقد اتفاق شرفٍ بين تنظيم “الدولة الإسلامية” وبين “جبهة النصرة” أكثر احتمالاً من اندلاع معركة وجودية بينهما هذا العام.

ISIS_Beiji

وقد وردت تقارير عن تحديات تواجه تنظيم “الدولة الإسلامية” للقيام بوظيفة الدولة التي توفّر خدمات للناس في شكل كامل في المناطق الخاضعة لسيطرته. ومع ذلك، تبقى نقطة الضعف هذه عاملاً ثانوياً في علاقة التنظيم مع قواعده الشعبية. فقد دفعت الحملة الجوية التي يشنّها التحالف العديد من القبائل السورية في الشرق إلى التقرّب أكثر من تنظيم “الدولة الإسلامية”، ذلك أنها ترى أن المجتمع الدولي لم يتدخّل ضد نظام الأسد بل ضد التنظيم الذي يصوّر نفسه على أنه يحارب النظام. ولذا، تستغلّ دعاية “الدولة الإسلامية” هذا الشعور، وتستمر في التودّد إلى القبائل. إضافة إلى ذلك، فإن النقود وجوازات السفر الصادرة عن تنظيم “الدولة الإسلامية” لم تهدف أبداً إلى أن تكون وسائل لانخراطه في علاقات تجارية أو ديبلوماسية مع دول أخرى، بل هي تمثّل علامات رمزية للانتماء إلى دولة “مثالية”. ولذلك، ينبغي ألا ينظر إلى عجز تنظيم “الدولة الإسلامية” عن تفعيل هذه المبادرات كعلامة على فشل نظام حكمه.

الأمر الذي يُرجَّح أن يتغيّر هذا العام هو الطريقة التي يعمل بها التنظيم. فقد شهد عام 2014 عدداً من الهجمات الإرهابية في بلدانٍ خارج سورية والعراق ربطها المهاجمون بتنظيم “الدولة الإسلامية”، مع أن هذه الهجمات لم تكن بالضرورة بأمرٍ من التنظيم. في كثير من هذه الحالات، بارك تنظيم “الدولة الإسلامية” الهجمات بعد وقوعها، وكان أحدث الأمثلة على ذلك الهجوم الإرهابي الذي وقع في أستراليا في كانون الأول (ديسمبر) الماضي. ومن المحتمل أن تؤدّي هذه السيناريوات إلى مزيد من الحوادث المماثلة في جميع أنحاء العالم، وبخاصة من جانب جماعات وأفراد يبايعون “الدولة الإسلامية”، في محاولة للوصول إلى السلطة والحصول على الشهرة والموارد. وفي حين أن تنظيم “الدولة الإسلامية” يحتضن عدداً متزايداً من هذه الكيانات، فانه سيضطرّ إلى أن يتحوّل من منظمة مركزية إلى منظمة متعددة الفروع. إذن، التحوّل لا الانقراض هو السيناريو المحتمل لـ “الدولة الإسلامية” هذه السنة.

لا بدّ من التذكير قبل كل شيء بأن تنظيم “الدولة الإسلامية” هو نتاج الفشل في التوصّل إلى حلّ للنزاع السوري. فالضربات الجوية التي يشنّها التحالف لن تؤدّي سوى إلى احتواء التنظيم ولا يمكن أن تقضي عليه. وتركيز التحالف على مهاجمة “الدولة الإسلامية” في العراق يدفع التنظيم إلى تعزيز وجوده في سورية. وطالما أن المعارضة السورية المعتدلة ضعيفة على الأرض، سوف تكون هدفاً سهلاً لتنظيم “الدولة الإسلامية” الذي يسعى إلى فرض نفسه، الأمر الذي يعود بالفائدة على النظام السوري. في غضون ذلك، وعلى رغم هجمات نظام الأسد على تنظيم “الدولة الإسلامية” التي لم تبدأ إلا بعد توسّعه في الموصل في حزيران (يونيو) 2014، فإنها لا تزال محدودة وتركّز على الأهداف السهلة مثل المناطق المدنية، لأن الهدف الرئيس للنظام السوري لا يزال يتمثل في القضاء على المعارضة المعتدلة وليس على الجماعات الجهادية. تظهر كل تلك الديناميكيات في نهاية المطاف أن العامل الرئيس وراء بقاء “الدولة الإسلامية” هو بقاء نظام الأسد الذي يستفيد من وجود هذا التنظيم. وطالما أنه لا توجد خطة للانتقال السياسي في سورية تكون قابلة للتطبيق وتقوم على تعزيز القدرات السياسية والعسكرية للمعارضة المعتدلة داخل سورية، فإن تنظيم “الدولة الإسلامية” سيستمر في البقاء.

د. لينا الخطيب
د. لينا الخطيب

*لينا الخطيب مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط. شغلت سابقاً منصب رئيسة برنامج الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي، في مركز الديمقراطية والتنمية وحكم القانون التابع لجامعة ستانفورد، وكانت أحد مؤسّسِيه.




جزية أهل الكتاب … قراءة تاريخية للموروث الديني

بقلم: هشام منوّر صحيفة الحياة –
أثار قرار ما تسمى «الدولة الإسلامية» أو «داعش» إجبار مسيحيي الموصل على دفع الجزية، أو القتل، أو التهجير، جدلاً كبيراً. هو مفهوم إسلامي لم ينجح الموروث الفقهي التقليدي في فك طلاسمه حتى الآن، واستأنف نقاشاً وجدلاً كبيراً يتنازعان دعاة المشروع الإسلامي بأطيافه المتعددة، حول كيفية التوفيق بين قوانين الدولة الإسلامية ونظيرتها الوطنية ومعاصرة التبدلات السياسية التي طرأت منذ انهيار الخلافة العثمانية.
بصرف النظر عن خلفية التنظيم الذي تمدد في كل من العراق وسورية مستغلاً أوضاع البلدين الداخلية، وربما التسهيلات اللوجيستية والعسكرية المقدمة من نظامي العراق وسورية، وما يقال عن خلفية التنظيم المخابراتية، فإن استغلاله مفهوم الجزية يأتي ليعيد فتح النقاش حول هذا المفهوم، وتسليط الضوء على أحد المفاهيم الذي لم ينجح الفقه الإسلامي في كشف ثناياه وتطبيقاته.
بداية وقبل الخوض في نقد المفهوم الفقهي التقليدي للجزية، تسترعي المتابع والمدقق حقيقة تاريخية ناصعة لا لبس فيها، وهي أن النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، لم يفرض الجزية المأمور بها في القرآن الكريم، وفق ادعاء الفقهاء، على أي من اليهود أو النصارى الذين قاتلهم! فاليهود الذين كانوا يشاركون المسلمين المدينة المنورة، كانوا أولى الناس بتطبيق هذا «الواجب» الإسلامي، بخاصة أن آية الجزية كانت مدنية بالاتفاق، فهل يتهم الفقه التقليدي الممارسات النبوية من حيث لا يدري؟!
مفهوم الذمة ذاته الذي تنبني عليه كل التصورات الخاطئة لدى الفقه الإسلامي، نابع من موقف أولي يميز بين الناس على أساس الدين، فيما كانت الوثيقة النبوية التي صاغها الرسول الكريم لسكان المدينة تقوم على الولاء للدار «أي الوطن» والالتزام بكل الحقوق والواجبات المترتبة عليه، من دون تمييز بين الناس إلا في ما يتعلق بمجال تعبدهم ودينهم.

كنيسة المهد في القدس
كنيسة المهد في القدس

أصل شرعة الجزية في الفقه الإسلامي يستند إلى قوله تعالى: «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» (التوبة: 29)، وأول ما نلحظه أن الآية خطاب إلى المسلمين يأمرهم بأخذ الجزية من جميع أهل الكتاب، لكن الممارسة الفقهية خصت الأخذ بمن يقاتل فقط، وثبت تاريخياً وفقهياً أن الجزية لا تؤخذ من غير المقاتلين من النساء والأطفال، على رغم أن النص القرآني عام وشامل لكل المكلفين، فكيف يمكن تخصيص النص من غير دليل من كتاب أو سنّة بالنسبة إلى من يتبنى مفهوم الجزية؟! يقول الإمام مالك في موطئه: «مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم، وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زروعهم ولا مواشيهم صدقة». وقال ابن حجر: «لا تؤخذ من شيخ فانٍ ولا زمِن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا من أصحاب الصوامع والديارات في قولٍ. والأصح عند الشافعية الوجوب على من ذكر آخراً [أي أصحاب الصوامع]». وقد كتب عمر بن الخطاب بذلك إلى أمراء الأجناد: «لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي» أي ناهز الاحتلام، وهو من يقدر عادة على حمل السلاح.
التفاوت في أخذ مقدار الجزية من النصارى واحد من العوامل التي تثير التساؤل، إذ لا نص في السنّة النبوية على تحديد مقدارها، على رغم أنها مبدأ إسلامي أصيل كما يقول الفقهاء، وترك لكل حاكم مسلم أن يفرض مقدارها بمقدار الحاجة وتقديرها، فهل تترك مقل هذه الأمور على عواهنها من دون تحديد، والسنّة النبوية كانت حريصة على شرح القرآن الكريم وبيانه للناس؟
يبرر الفقه الإسلامي فرض الجزية على أهل الكتاب بأنها مقابل واجب الحماية لهم، فإن عجز المسلمون عن ذلك، وذلك حصل مراراً في التاريخ، سقطت الجزية عن أهل الكتاب، أو حتى إن التزم أهل الكتاب الدفاع عن أنفسهم، سقطت كذلك، فكيف ينسجم هذا الفهم مع إلزام «الصغار» لمن يدفعها منهم، وأن الغاية إظهار مدى قوة المسلمين أمام أهل الكتاب؟ فقد كتب خالد بن الوليد لأهل بعض النواحي في العراق: «فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم»، وقال الباجي معلقاً: «وذلك أن الجزية إنما تؤخذ منهم على وجه العوض لإقامتهم في بلاد المسلمين والذب عنهم والحماية لهم». وقال الماورديّ: «ويلتزم، أي الإمام، لهم ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين».
يبرر الفقه الإسلامي المعاصر تحت وطأة المساءلة مفهوم الجزية بأنه ما يشبه الزكاة عند المسلمين تارة، وأنها ضريبة مالية تفرض على أهل الكتاب، كما تفرض الزكاة على المسلمين، لكن حقيقة الجزية وتطبيقاتها مختلفة تماماً عن الزكاة كما هو واضح من حيث إنه واجب مالي تعبدي في الإسلام، ويلجأ البعض أحياناً أخرى إلى تشبيهها بالبدل النقدي العسكري مقام أداء المسلمين لواجب الجهاد والذود عن الأوطان، لكن تطبيقات الجزية وظروف أخذها «عن يد» و «هم صاغرون» لا تشي بأنها ضريبة مالية مقام الدفاع عن الوطن أو القيام بواجب الجهاد على المسلمين، فالسياق القرآني لنص الجزية يشير إلى أنها في حال الاشتباك والقتال مع أهل الكتاب، أي أنها تفرض في حال الحرب لا السلم، كما يحاول الفقه التقليدي تلبيس ذلك، ما دفع البعض إلى القول إنها أشبه ما تكون بالغرامات المالية التي تفرض على الدول بعد انتهاء الحروب كضريبة إعادة الإعمار والخراب الذي تسببت به هذه الدولة في حق المسلمين، ووجه الاختلاف والتناقض أن ذلك أمر جماعي أو على مستوى الدول، ولا نظير لمثله في الإسلام، ولا يمكن أن يكون إلزاماً فردياً كما تقول التطبيقات التاريخية.
جل ما يستطيع فيه الفقه الإسلامي تبرير ممارسات الجزية وتطبيقاتها العملية كونها حدثاً تاريخياً موجوداً بين الدول والأمم منذ الأكاسرة، وأن المسلمين اتبعوا ذلك بناء على مقتضيات العصر إلا أنهم حاولوا أسلمة هذه الممارسات وضبطها بمعايير العدل والتسامح ما أمكن، «فالصغار» الذي تردد الفقهاء والمفسرون في تفسيره، وحرصوا على نفيه في ممارساتهم خلافاً للنص القرآني وفهمهم له، بحسب زعمهم، يعني كما يقول الإمام الشافعي أن تجري عليهم أحكام الإسلام، أي العامة منها، فالجزية علامة على خضوع الأمة المغلوبة للخصائص العامة للأمة الغالبة، كما يرى ذلك الفقهاء، على رغم تطرف البعض واشتراط شروط غريبة تنافي العدل والبر لأهل الكتاب من حيث أسلوب أداء الجزية.
تتمثل الإشكالية التي وقع فيها الفقهاء وحركات الإسلام السياسي في عدم جرأتهم على قراءة النص القرآني، بعيداً من ضغط التراث الفقهي. لذلك، تعاطوا مع التطبيقات التاريخية باعتبارها شريعة الإسلام التي نص عليها القرآن الكريم، وجعلوا الممارسات التاريخية نصب أعينهم في التعامل مع الآخر المختلف دينياً، وهي ممارسات تنبع من واقع عصرها وذيوع الولاء إلى الملة لا إلى الوطن كما هو اليوم، وما يؤكد هذا التأويل أن الصحابة في عهد الراشدين هم من دشن العمل بالجزية، بعد إسقاطهم دولتي فارس والروم واجتهدوا في تأويل مفهوم الجزية وتطبيقه على الأفراد. يقول الشيخ محمد رشيد رضا: «ومن وقف على هذه النصوص يظهر له أن الجزية مأثورة من آل كسرى، وأن الشريعة الإسلامية ليست بأول واضع لها، وأن كسرى رفع الجزية عن الجند والمقاتلة، وأن عمر بن الخطاب اقتدى بهذه الوضائع».
فهل يسائل الفقه الإسلامي التقليدي نفسه قبل غيره من الحركات الإسلامية المتشددة، التي انبرت لتطبيق الجزية على أهل الكتاب قبل استكمال بقية الواجبات والحقوق الأخرى، كيف يمكن التهاون في فهم النصوص وتطبيقها أن يؤدي إلى الإساءة إلى الإسلام وشرائعه السمحة؟ وإلى متى سيظل هذا الفقه أسير العجز والدونية عن انتقاد تراثه الذي يساء تطبيقه في سياقات تاريخية غير مناسبة؟




البابا يدين اضطهاد “داعش” للأقليات في سوريا والعراق

رويترز – أدان البابا فرنسيس في كلمته بمناسبة عيد الميلاد يوم الخميس “الاضطهاد الوحشي” الذي يمارسه تنظيم الدولة الإسلامية ضد الأقليات وحث الناس على الاكتراث بمعاناة الكثيرين في العالم.

وتدفق عشرات الآلاف على ساحة القديس بطرس لسماع كلمة البابا الأرجنتيني “إلى المدينة والعالم” ومباركته في ثاني عيد للميلاد منذ انتخابه للبابوية العام الماضي.

وناشد البابا أيضا إنهاء الصراعات في الدول الأفريقية وحث على الحوار بين إسرائيل والفلسطينيين وأدان هجوما شنه مسلحو حركة طالبان وأسفر عن مقتل أكثر من 130 طالبا في باكستان الأسبوع الماضي كما شكر من يقدمون العون لضحايا وباء الإيبولا.

لكن البابا استخدم العبارات الأشد لهجة للدفاع عن ضحايا تنظيم الدولة الإسلامية الذي قتل أو شرد الشيعة والمسيحيين وغيرهم ممن لا يعتنقون أفكاره في سوريا والعراق.

وقال “أطلب منه -مخلص العالم- أن يعتني باخوتنا وأخواتنا في العراق وسوريا والذين يعانون منذ وقت طويل من آثار هذا الصراع الدائر ويعانون هم ومن ينتمون إلى جماعات عرقية ودينية أخرى من اضطهاد وحشي.

“عسى أن يجلب لهم عيد الميلاد الأمل وللمشردين الكثيرين والمنفيين واللاجئين والأطفال والبالغين وكبار السن في هذه المنطقة وفي العالم بأسره.”

وألقى البابا (78 عاما) كلمته من نفس الشرفة التي ظهر منها لأول مرة في ليلة انتخابه يوم 13 مارس آذار 2013.

وقال في الكلمة التي ألقاها باللغة الإيطالية “عسى أن تتحول اللامبالاة إلى تقارب والرفض إلى حسن ضيافة حتى يحصل من يعانون الآن على المساعدة الإنسانية الضرورية للتغلب على قسوة الشتاء والعودة إلى بلادهم والعيش بكرامة.”

وأجرى البابا مكالمة هاتفية مفاجئة عشية عيد الميلاد لمواساة لاجئين مسيحيين في مخيم ببلدة عنكاوا العراقية وقال لهم “أنتم مثل يسوع في ليلة عيد الميلاد… لم يكن هناك مكان له أيضا.”

وجدول أعمال البابا في العام المقبل مزدحم إذ يعتزم زيارة آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة.

البابا يدين اضطهاد تنظيم الدولة الإسلامية للأقليات في سوريا والعراق




“الأزهر”: لا يمكننا تكفير “داعش” برغم بغيهم

المصدر: موقع رؤية – استنكر الأزهر الشريف ما تناقلته بعض وسائل الإعلام الإلكترونية من عبارات مقتطعة للشيخ إبراهيم صالح الحسيني مفتي نيجيريا، خلال كلمته التي ألقاها بمؤتمر الأزهر الشريف لمواجهة العنف والتطرف الذي عقد مؤخرًا، وما نسب إليه بأنه أفتى بتكفير حركة “داعش“.

وأشار الأزهر، في بيان له، اليوم، إلى أن هذه العبارات لم ترد صراحة ولا تلميحًا في عبارة الشيخ الحسيني، بل كل ما قاله “المبتدعة الذين قاموا بأفعال التطرف، قاموا بكل ألوان الفساد، فالمتطرفون و(داعش) بُغاةٌ من حيث ادعائهم الخلافة الإسلامية، وهم محاربون، فقاموا بإشاعة الفساد، وهتك الأعراض، وقتل الأنفس، ثم انتهوا إلى تكفير الأمة فتحقق فيهم الحرابة والبَغي، فهم أشد من بدعة الخوارج، وقتال المسلم كفر، وقد قتلوا المسلمين، فقد حكموا على أنفسهم بالكفر بأفعالهم“.

وأضاف البيان، أن الشيخ إبراهيم صالح الحسيني مفتي نيجيريا لم يفت بتكفير (داعش) أو غيرها، وإنما يوضح أن أفعال هؤلاء ليست أفعال أهل الإسلام، بل هي أفعال غير المسلمين، ولم يلزم من هذا حكم فضيلته بكفرهم.

وأوضح البيان أن كلاً من في المؤتمر من علماء الأمة يعلمون يقينًا أنهم لا يستطيعون أن يحكموا على مؤمن بالكفر مهما بلغت سيئاته، بل من المقرر في أصول العقيدة الإسلامية أنه لا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحد ما أدخله فيه، وهو الشهادة بالوحدانية ونبوة سيدنا محمد “صلى الله عليه وسلم”، وأن الذنوب مهما بلغت لا يخرج ارتكابها العبد من الإسلام.

وأضاف البيان أن المؤتمر في الأساس عقد لمواجهة فكرة تكفير الآخر وإخراجه من الملة، مشيرًا إلى أنه لو حكمنا بكفرهم لصرنا مثلهم ووقعنا في فتنة التكفير، وهو ما لا يمكن لمنهج الأزهر الوسطي المعتدل أن يقبله بحال، فلهذا لزم البيان حتى لا يفهم أحد كلام الشيخ إبراهيم صالح الحسيني مفتي نيجيريا خطأ، أو يحمله ما لا يحتمل، وفقًا لـ«الوطن».

مفتي الأزهر الشيخ أحمد الطيب
مفتي الأزهر الشيخ أحمد الطيب




دولة “داعش” وجدت.. لتبقى

بقلم: جو حمورة –

على الرغم من إثارته اهتمام العالم بشكل عام والأوساط الأكاديمية الإسلامية بشكل خاص، لم يقدم “داعش” بإعلانه إقامة دولة الخلافة الإسلامية على أي جديد على صعيد الفكر الإسلامي “الحديث”. إنّما التنظيم الموصوف بالإرهابي أتى كخلاصة لتطور هذا الفكر الإسلامي خلال حوالى قرن من الزمن، كما لتطور أجيال متلاحقة ربّاها تنظيم “القاعدة” في الدول الآسيوية ذات الأكثرية الإسلامية من أجل قتال كل آخر مختلف عن هويتهم الدينية ونظرتهم إلى الأمور الشرعية والفقهية.

منذ هزيمة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وقيام مصطفى كمال “أتاتورك” بإلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924، عاش العالم الإسلامي في تناقض فكري فيما بين تداعيات نشر مفهوم الدولة الحديثة من جهة وإرث الإسلام التقليدي من جهة أخرى، ووسط غياب “الزعيم” التقليدي الذي بقي وجوده هو الثابت في التجربة التاريخية للمسلمين على الرغم من تبدّل قادتهم وأحوالهم. فمنذ نشأة الدين الإسلامي ومروراً بكل من الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، ووصولاً إلى الخلفاء العثمانيين، جمع الخليفة في شخصه على مر الزمن ما بين السلطة الدينية والسياسة والعسكرية في آن واحد. فيما شغل إلغاء الخلافة، وإدخال المجتمعات الإسلامية في طور الحداثة القسرية على يد الانتداب والاستعمار، كمقدّمة لردة فعل عنفية، فكرية وعسكرية، بدأت ملامحها في سعي بعض المفكرين إلى استنباط حلول للمسلمين بالعودة إلى الجذور الإسلامية وإعادة بناء دولة الخلافة، حيث كان أبرزهم المفكر الإسلامي محمد رشيد رضا.

وتكمن أهمية رشيد رضا في الخط البياني للحركة الإسلامية الحديثة، في أنه شكّل حلقة الوصل فيما بين محمد بن عبد الوهاب وحسن البنا، أي فيما بين “الوهابية” و”الإخوان المسلمون”، فساهمت كتاباته في تشرّب حركة “الإخوان” بعضاً من النزعة السلفية في أوائل بدايتها في العقد الثاني من القرن العشرين. ورشيد رضا، المولود في قرية القلمون في شمال لبنان، عايش فترة إلغاء السلطنة العثمانية والخلافة بشكل نهائي، إلا أنه راح ينشر ويكتب ويزور الأقطار الإسلامية للتبشير بأهمية العودة للحكم الإسلامي الصحيح، فوضع كتابه “الخلافة” مفصّلاً فيه نظرته لكيفية بعث الحكم الإسلامي من جديد، ومركّزاً على تعاون العرب والتُرك والكُرد لتحقيق هذه الغاية، فيما كان اختياره لمدينة الموصل كعاصمة للخلافة الموعودة يعود برأيه لتموضعها في الوسط الجغرافي للعالم الإسلامي من ناحية ولأنها تضم كرداً وعرباً وتركاً من ناحية أخرى.

إلا أن أحلام رشيد رضا لم تثمر إلا بعد حوالي قرن من الزمن، وذلك على يد أبو بكر البغدادي الذي حقق إقامة الخلافة الإسلامية على أجزاء من العراق وسوريا، فيما باتت الموصل عاصمة الدولة الناشئة وأهم مدنها من حيث الموقع والحجم السكاني والتاريخ الثقافي والسياسي، كما أنّها المدينة التي ألقى فيها البغدادي أول خُطبِه الدينية كخليفة. إلا أن الدولة الإسلامية الناشئة لم تعتمد فقط على البُعد الجغرافي الذي ركّز عليه رشيد رضا عند اختياره لعاصمة الخلافة ومكانها، إنما على البُعد السياسي الذي وضعه المفكر الجهادي وأحد منظري “القاعدة” عبدالله بن محمد في كتابه “المذكرة الإستراتيجية” الذي كتبه على شكل رسالة ودليل استراتيجي إلى كل من يريد تطبيق نظام الخلافة وتحقيقه.

وفي هذا الكتاب الصادر عام 2011، يركّز بن محمد على أهمية القوة العسكرية وعملها الضارب والسريع في بناء معنويات جيش الخلافة، كما على الحرب الإعلامية التي يجب أن تكون دموية لدرجة أن تنهي كل معركة قبل بدئها عبر إخافتها للأعداء من هول “الإجرام”. وفي مقاربة ما طرحه بن محمد نظرياً وقام به البغدادي عملياً، يمكن ملاحظة التطابق بين النظرية المقترحة وأدوات التطبيق “الداعشية” في كل من سوريا والعراق على مدار العام 2014، حيث كانت كل الجيوش المختلفة تنهار سريعاً أمام تقدم جنود الخلافة الساحق. أما الماكينة الإعلامية لـ”داعش” فكانت تُنزل الرعب في قلوب أعداء التنظيم، بينما يقوم أعداؤه أنفسهم في بث فيديوهات التنظيم بشكل متكرر وساذج لظنهم أنهم يؤلبون الرأي العام ضد “داعش”، فيما التنظيم يكسب شهرة ويَدب الخوف في نفوس أعدائه في الوقت ذاته.

إضافة إلى الدعاية والحسم السريع، يَذكر كتاب “المذكرة الإستراتيجية” أهمية جذب المهاجرين المسلمين من كل أصقاع الأرض إلى دولة الخلافة اعتماداً على الدعاية وبث الروح المعنوية وتقديم المغريات للمقاتلين. وفي نظرة سريعة على دور المهاجرين إلى دولة الخلافة في الحرب وأهميتهم العددية حيث يمكن رؤيتهم في كل الفيديوهات التي تظهر يومياً على وسائل الإعلام، يمكن القول أن البغدادي وسياسة دولته طبّقت ما اقترحه بن محمد في كتابه.

وعدا ذلك، يقدّم الكتاب نفسه مقترحات على شكل أمثلة عن كيفية العمل العسكري والسياسي، ويقترح مثلاً نقل وقتل كل الأقليات الدينية لكي لا “تبقى شوكة في خاصرة المسلمين وباباً للتدخل في شؤون دولة الخلافة”. بالإضافة إلى استخدام النفط، بعد الاستيلاء عليه، من أجل تحقيق الموارد المادية اللازمة لأدوات الحرب، فيما هي مقترحات يبدو أن البغدادي قد أخذ بها وطبقها بحذافيرها بعدما مارس “داعش” الاضطهاد بحق الأقليات الدينية والعرقية من مسيحيين وشيعة وأيزيديين وأكراد وقبائل عدة، كما جعل من النفط والآبار التي سيطر عليها أدوات لزيادة موارده المادية والتقدم إلى مناطق جديدة بعد تعزيز آلته العسكرية.

بالعودة إلى فكر رشيد رضا من جهة وفكر عبدالله بن محمد من جهة أخرى والكثير من المفكرين فيما بينهما، يمكن الركون إلى حقيقة أن الدولة الإسلامية التي نراها تقوم بممارسة القتل اليوم ليست وليدة اللحظة، ولا هي نتاج أزمة سياسية وعسكرية في كل من سوريا والعراق فقط، إنما هي نتاج أزمة دينية في صلبها، وفشل كل المحاولات التحديثية بالمعنى الغربي للمجتمعات الواقعة في قلب المشرق العربي كما ظلم وطائفية نظامي البعث في سوريا والعراق. وعلى الرغم من أن التحالف الدولي المؤلف من 60 دولة يقاتل “داعش” منذ حوالي الثلاثة أشهر، ويلقي بقنابله على رؤوس التنظيم وقياداته، إلا أن هذا الأخير لا يزال يتمدد في العديد من الأماكن. كما أنه بدأ بكسب التعاطف والمبايعة الفعلية خارج أماكن سيطرته، وكان آخرها سيطرة مقاتلين إسلاميين على مدينة درنة على الحدود الليبية – المصرية وقيامهم بمبايعة “داعش”، كما قيام تنظيم “أنصار بيت المقدس” في سيناء المصرية أيضاً بمبايعة التنظيم، وصولاً إلى الخلية المغربية الصغيرة التي أعلنت مبايعة “داعش” وتمكنت السلطات المغربية من القاء القبض على أفرادها الأسبوع الماضي، علماً أن التنظيمين والخلية بعيدون جغرافياً عن أرض الخلافة وعاصمتها. وتؤشر هذه الاحداث المتنقلة إلى أن “داعش” لا يزال يتقدّم في أكثر من مكان ويحقق مكاسب عدة متكلاً على سلسلة من المفكرين الإسلاميين الذين يشكلون القاعدة لفكره وأسلوب عمله السياسي والعسكري، كما على عشرات آلاف المهاجرين القادمين للموت في أرض الخلافة طمعا بالجنة وببقاء دولة الخلافة الإسلامية.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 1 كانون الأول 2014 العدد رقم 1485