مفهوم الدولة المعاصرة وإمكانيات التأصيل الفقهي.. الإخوان المسلمون نموذجاً – ندوة

20160927_173144

“حوارات” — استضاف مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي في بيروت ممثل حركة الجهاد االإسلامي في لبنان، أبو عماد الرفاعي، في لقاء حواري حول: مفهوم الدولة المعاصرة وإمكانيات التأصيل الفقهي – الإخوان المسلمون نموذجا ، وحضر اللقاء حشد من الشخصيات الفكرية والسياسية والدينية والإعلامية ، وقدم للقاء وأداره قاسم قصير مشيرا إلى أن هذا اللقاء هو بداية لقاءات حوارية حول نظرة الحركات الإاسلامية إلى الدولة المعاصرة ، ومن ثم تحدث مدير الأبحاث في المركز الشيخ محمد زراقط عارضا الأسباب التي دعت المركز إلى اختيار هذا الموضوع وأهمية تقديم رؤى إسلامية حول القضايا المتعلقة بالدولة وتحدياتها.
ومن ثم تحدث أبو عماد الرفاعي ومما قاله : يتشكل مفهوم “الدولة” ركيزة الفكر السياسي المعاصر؛ وفي عالمنا العربي والإسلامي، شكل هذا المفهوم ساحة المعركة والمواجهة بين تيارات الأمة الفكرية، ولا سيما في مرحلة ما بعد سقوط “السلطنة العثمانية”، إثر الهجمة الغربية العسكرية والحضارية، ضد وطننا العربي والإسلامي. ويزيد من حدّة المواجهة فشل النظام السياسي الذي يحكم بلادنا، منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، في التعبير عن حضارة الأمّة، وهويتها، إضافة إلى فشل نموذج “الدولة القطرية” في تحقيق أهدافه المعلنة في التنمية والتحرير؛ وقد أثبتت الكثير من المحطات في تاريخنا المعاصر زيف ادعاءات “السيادة” و”الاستقلال” التي تدعيها “الدولة القطرية”.
يمثل ما يشهده عالمنا العربي اليوم من اضطرابات ومجازر، بعد موجة “الثورات” ضد الأنظمة، منذ عام 2011 وإلى اليوم، وصولاً إلى إعلان “الخلافة” على يد “تنظيم داعش”، ذروة التأزم في العلاقة بين الهوية الإسلامية للأمة ومفهوم “الدولة الحديثة”.
في الواقع، ولئن كان مصطلح “الإسلام السياسي” تم اشتقاقه لوصم “الحركات الإسلامية” واتهامها بالسعي للوصول إلى السلطة لأهداف وأجندات خاصة بها، إلا أن العديد من الحركات الإسلامية لا تخفي أن أولويتها هي إقامة “الدولة الإسلامية”، وأن هذا الهدف يتقدم على ما سواه لديها.
ومن ثم تناول في مداخلته أربعة عناوين أساسية: مفهوم “الدولة الحديثة”، وأسس التأصيل الفقهي، وموقف “جماعة الإخوان المسلمين” من “الدولة الحديثة”، وبيان توافق أو تناقض هذا الموقف مع الأسس الفقهية، وصولاً إلى استخلاص النتائج.
وحول نظرة الإخوان للدولة قال : تُعتبر “جماعة الإخوان المسلمين” أولى الحركات الإسلامية التي أخذت على عاتقها الاستجابة لتحدي إلغاء منصب الخلافة، على يدي مصطفى كمال أتاتورك، في آذار 1924. فالجماعة نشأت عام 1928.
منذ البدايات الأولى، رأت الجماعة أن (الخلافة) نظام تاريخي غير ملزِم دينياً؛ ولذلك، لم ترفع شعار (إعادة نظام الخلافة)، بل طرحت شعار (إقامة الحكومة الإسلامية). وفي ذلك، يقول حسن البنا إن الوصول إلى الخلافة (الإمام الواحد) يحتاج إلى خطوات عدة، منها: التعاون التام بين الحكومات الإسلامية، ثم إبرام المعاهدات، ثم تشكيل عصبة الأمم الإسلامية، وصولاً إلى الخلافة.
في التأصيل الفقهي “للحكومة الإسلامية”، يمكن التمييز بين ثلاثة اتجاهات داخل “جماعة الإخوان المسلمين”، تتباين فيما بينها تبايناً حاداً: اتجاه يمثله الإمام حسن البنا والمستشار عبد القادر عودة والشيخ يوسف القرضاوي ومرشدون عامون. واتجاه يمثله الأستاذ سيد قطب. واتجاه ثالث يمثله المرشد العام الثاني للإخوان المسلمين: الشيخ حسن الهضيبي.
وتجدر الإشارة هنا إلى مسألة هامة، تثير الانتباه، وهي أنّ جماعة الإخوان المسلمين، في حين أنها تنكرت لمقولات الهضيبي في مصر، إلا أنها في السودان (مع د. الترابي) وتونس (الغنوشي) وتركيا (حزب العدالة والتنمية / أردوغان) تبنّت هذه المقولات وطوّرتها.
وباستقراء أدبيات الإخوان، يمكن للمرء أن يخلص إلى أن الجماعة توصلت، بعد مخاض عسير، إلى تبني الصورة التالية للدولة الإسلامية: إنها جمهورية، دستورية، برلمانية، ديموقراطية (شورى)، مدنية، تقبل بتداول السلطة، وتعدد الأحزاب. باختصار: تبنت “جماعة الإخوان المسلمين” المفهوم الغربي لـ “الدولة الحديثة”.
يمكن القول إن الصّورة النّهائية التي وصلت إليها تلك المفاهيم، بصورتها الحاليّة على الأقل، لم تكن “أسلمة” للمفاهيم الغربية، بقدر ما كانت “تغريباً” للمفاهيم الإسلامية.
وبعد أن عرض للإاشكالات التي تواجه نظرة الحركات الإسلامية للدولة المعاصرة دعا إلى إعادة قراءة “الدولة الحديثة” كظاهرة تاريخية؛ وكذلك إلى قراءة النصوص الإسلامية وفق سياقاتها، خارج الأطر التاريخية والأيديولوجية، للوصول إلى حقيقة النظرية السياسية في الإسلام.
لأن أولوية إقامة الدولة الإسلامية يجب أن تحل محلها أولوية بناء المجتمع المسلم، وهو الذي يقيم إدارته السياسية وفق المنظور الشرعي الإسلامي.
على المستوى السياسي، يجب أن تحلّ أولوية مواجهة الهجمة الغربية والمشروع الصهيوني في فلسطين، بدلاً من صرف الدماء في سبيل الوصول إلى السلطة، وهو أمر لن يقدم ولن يؤخر، لأنه محكوم بالمنظومة السياسية الدولية، التي لا يمكن مواجهتها إلا بالتنمية المجتمعية وبالمقاومة.
وبعد ذلك جرى حوار موسع شارك في الحضور وطرحت خلاله العديد من النقاط الاشكالية حول مفهوم الدولة والنظرة الإسلامية لها.




أركون وسطوة الاستشراق

هل استطاع أركون التخلص في سطوة الاستشراق؟
هل استطاع أركون التخلص في سطوة الاستشراق؟

حوارات.نت ـ  عبد الله إدالكوس
يعرف إدوارد سعيد “المستشرق” بأنه كل من يعمل بالتدريس أو الكتابة أو بإجراء لبحوث عن موضوعات خاصة بالشرق، سواء كان ذلك في مجال الأنثروبولوجيا أي علم الإنسان، أو علم الاجتماع، أو التاريخ، أو فقه اللغة وسواء كان ذلك يتصل بجوانب الشرق العامة أو الخاصة، فالاستشراق إذن وصف لهذا العمل، من الواضح أن كثيرا من الدراسات الاستشرافية، كانت بدافع من إرادة الهيمنة، وعلى الخصوص منها ما يتعلق بالجانب الثقافي والاثنوغرافي، غير أننا نقر في نفس الوقت أنه قد حدثت طفرة في هذه الدراسات، وبرزت أجيال جديدة من المستشرقين تروم التفهم والدراسة العلمية للشرق وللإسلام وتاريخه على الخصوص، لذلك فإن إدوارد سعيد يقر أن المصطلح لم يعد يتمتع بتلك الحظوة القديمة، إذ يفضل المتخصصون استخدام مصطلحات بديلة كـ”الدراسات الشرقية”.

أما فيما يخص دراسة الإسلام، يطرح أركون مفهوما بديلا يرادف عنده الاستشراق ويورده في سياق نقدي، وهو “الإسلاميات الكلاسيكية”.

جل هذه الدراسات الكلاسيكية الاستشرافية تنطلق حسب أركون من موقف ثقافي يصدر عن خلفية فكرية وتاريخية تضخم أطروحة الاستثناء التاريخي للمسار الأوربي الذي أنتج الحداثة، وأراد لها أن تكون النموذج الوحيد المسيطر، “فالواقع أن هذا النموذج رفع تعسفا إلى مرحلة العالمية أو الكونية في حين أن له جذورا محلية واضحة”. فمنطق الاستعلاء والتمركز الذي صدرت عنه الدراسات الاستشرافية، أفضى إلى إنتاج أحكام أقل ما يمكن أن توصف به أنها اختزالية ومتحيزة، وإن كان هذا الوصف ليس مطلقا.

يظهر هذا المنزع النقدي الذي يتبناه أركون في محاورته للاستشراق حول تيمة الأنسنة، فإذا كان الإقرار بأن الإنسانوية كمفهوم يرتبط بالعقلانية والتعددية والانفتاح؛ ينتمي إلى المجال التداولي الغربي والتاريخ الأوربي، فإن نزعة إنسية أو باصطلاح أركون “أنسنة” في التاريخ الذي يؤطر الشعوب الأخرى، واقع لا ينفيه أحد، إلا أن المشكلة تكمن في اعتبارها نزعات عابرة غير قابلة للدراسة التاريخية والسوسيولوجية، على النحو الذي حصل مع “الأنسنة العربية” في أوساط البحث الاستشراقي، ذلك أن الاستشراق، وخصوصا الفرنسي استمر خاضعا إلى ما أسماه ميشل فوكو بـ”الموضوعانية التاريخية المتعالية”، التي يولدها المفهوم الخطي والتراكمي للتاريخ، حيث لا يبدو الحاضر إلا استمرارا للماضي.

والحقيقة أن محمد أركون يعد من أوائل الدارسين العرب الذين تصدوا إلى مثل هذه الدعاوى، فهو لطالما انتقد مثل هذا الموقف، لاسيما وأنه يتضمن القول بأن الثقافة الإسلامية هي ثقافة معادية للنزعة الإنسية، وقد وجد فيه إدانة “متسرعة” و”قطعية”، وهو يرى أنه حتى وإن كان الغرب قد استضاف التقليد الإنسي اليوناني الروماني الدائر على الإنسان، فإنه ما كف أبدا منذ حدث مجيء المسيحية عن تطوير إنسية مدارها على الله. فلا مساغ هنا أن يعاب هذا الأمر على إنسية الإسلام، ولا يعاب على إنسية مسيحية، وفضلا عن ذا وذلك لئن ساغ الحديث عن “فلسفة مسيحية” فلم لا يسوغ الكلام عن “فلسفة إسلامية”، ومن ثمة عن “نزعة إنسية مسلمة”، وذلك بقدر ما أوكل الفلاسفة وعلى إثرهم بعض أهل العقول الحرة المستقلة إلى العقل البشري، وحده دون سواه مهمة إعادة رسم المراحل المنطقية التي تقود إلى هذه الحقائق الكبرى التي يعرضها الوحي على إيماننا، فكما في كل الإنسانيات، على نحو ما تحددت هي في الغرب، صار الإنسان يحتل منزلة المركز في كل بحث فلسفي وعلمي، حيث تم التساؤل عن مصيره وأصوله ومنزلته في الكون وشرطه البيولوجي والروحي.

والسؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا في هذا السياق، هو هل يمكن تصنيف أركون ضمن الجيل الجديد من المستشرقين؟ قد تكون الإجابة بالنفي بالنظر إلى أن أركون ينتمي إلى الثقافة الشرقية، وهو حين يدرسها مسكون بهم أكاديمي ونضالي يروم تحريرها من قيود التبعية وسلطة السيطرة، غير أن الإشكالية تبقى قائمة وإن بصيغة أخرى.

ولعله من نافل القول، الإشارة إلى أن أركون يتخذ لنفسه مسارا بحثيا يعارض الاستشراق أو ما يسميه الإسلاميات الكلاسيكية، فنصوصه تحمل نقودا لاذعة للمنظومة الاستشراقية، وهو يروم من خلالها إلى نقد العقل الإسلامي وفق منهجية جديدة تتجاوز نواقص من سبقه، بذلك يفتح أركون أمام الباحث العربي أفقا انتظاريا أوسع بكثير مما صنعته المصادرات الاستشراقية. فهل فعلا استطاع الوفاء بهذا التعهد؟ أم أنه هو نفسه بقي أسير السياج الاستشراقي؟ هل حقا تخلص أركون من المصادرات الفكرانية التي وقع فيها غيره من نقاد العقل العربي؟.

ظل الاستشراق أسير المنهج الفيلولوجي في كثير من أبحاثه، لذلك لا يكل أركون في تكرار الدعوة إلى التخلص من سطوة الفيلولوجيا، غير أنه بقي في كثير من خلاصاته أسير هذا المنهج، ولعله هنا أكثر التزاما وإخلاصا للاستشراق، وتظهر هذه المسألة بشكل أبرز حين ينظر في مسألة نقد تاريخ القرآن، وإعادة النظر في قضية تدوينه وترتيبه، وهو يرى أن المانع من ذلك سببان: الأول سياسي يرجع إلى القرآن أو ما يسميه بالمدونة الرسمية التي تشكل ذروة المشروعية والشرعية للدول الناشئة بعد الاستعمار، وأما السبب الثاني فهو نفسي، حيث تمثل الوعي الإسلامي وهضم منذ فشل المدرسة المعتزلية بخصوص القرآن المخلوق ذلك الاعتقاد اليقيني الذي يقول: إن كل الصفحات الموجودة بين دفتي المصحف تحتوي على كلام الله بالذات، وهو بذلك يطابق بين القرآن المكتوب والقرآن الشفوي أو القرآن المقروء تلاوة.

هل قدم أركون بديلا لتجاوز هذا المأزق الذي أوقعتنا فيه المقاربة الفيلولوجية؟ الإجابة طبعا بالنفي، فهو هنا يكتفي بالدعوة إلى ضرورة فتح آفاق البحث على مجالات أوسع، كما يدعو إلى ضرورة تحديد أنماط الخطابات المستخدمة في المصحف، على غرار ما قام به بول ريكور P.Ricoeur في دراسة الوحي، من تنميط للخطابات المستخدمة في التوراة والأناجيل. دون مراعاة للسياق التداولي الفاصل بين النصوص، كما يقترح مجالا للبحث لا يزال بكرا في نظره، وهو مجال يرى أنه إذا تحقق أحدث نقلة معرفية في الفكر الإسلامي، وحقق للقرآن تاريخيته ومن ثمة تثويره وإدراجه ضمن المجال اللساني العلمي. وبالتالي فتح آفاق جديدة للحداثة.

انتهى بنسالم حميش في دراسته حول الإسلاميات التطبيقية كبديل للإسلاميات التقليدية، إلى أن النقد الأركوني للاستشراق لا يضيف شيئا اللهم إلا من باب التأكيدات البرنامجية والإلحاح على ضرورة تطوير وتحديث مناهج الدراسات الإسلامية، علاوة على أن في كلام أركون ما يشير إلى أنه المفكر الوحيد الذي يقف بمنأى عن إشكالية الاستشراق خلافا لعبد الله العروي وأنور عبد الملك وهشام جعيط وادوارد سعيد الذين لم ينجوا من البلبلة، وهم يحاولون معاينة بحيرة الاستشراق الكلاسيكي، أو الإسلاميات الكلاسيكية بخصوص افتقاره إلى العناية بالجوانب العملية والجمالية والمسكوت عنه في الثقافة والحياة العربية الإسلامية، واقتصاره على المتداول المكتوب والقار من أدب وفلسفة وعلم الكلام وفقه وتاريخ،… والأهم من ذلك أن النقود الرئيسة التي توجه بها أركون إلى الاستشراق الكلاسيكي أو الإسلاميات التقليدية سبقه إلى التصريح بها مستشرقون محددون، وفي مقدمتهم جاك بيرك، بل سبقه إليها بعض المستشرقين الكلاسيكيين النقديين، أمثال لوي ماسينيون، ما يعني حسب حميش أن أركون لم يأت بجديد في هذا الباب.

والواقع أن معظم الخلاصات التي انتهى إليها أركون، فيما يخص النص الديني عموما والنص القرآني بالخصوص لا تخرج عن الإطار العام للاستشراق، حتى لو سلمنا باختلاف بينهما على مستوى المنطلقات والمناهج والأهداف، وبناء على ذلك حق لنا التساؤل ما الفرق بين الإسلاميات الكلاسيكية والإسلاميات التطبيقية أو خطاب نقد العقل الإسلامي، إذا كان الاستشراق يرمي إلى التبعية الاقتصادية، وهو يرمي إلى التبعية المعرفية؟ ألا نستطيع القول إذن إن منهج الإسلاميات التطبيقية هو الوجه الآخر للاستشراق، أو بالأحرى هو الوجه الجديد له؛ إنه الوجه الجديد للاستشراق في ظل النظام العالمي الجديد.

المصدر: مؤمنون بلا حدود




نظرية توينبي في تعاقب الحضارات

toynbee

موقع حوارات — بقلم: السيد أمين شلبي — في هذا الوقت الذي يحتدم فيه الجدل حول الحضارات، صراعها أو تعايشها وتفاعلها، والتساؤل عما اذا كان التاريخ البشري هو نتاج حضارة واحدة ومتفردة، أم أنه حصيلة تراكم مساهمات حضارات متعددة ومتعاقبة، يحق أن نستعيد مساهمة مؤرخ ومفكر بارز هو أرنولد توينبي (1889-1975) ونظريته في الحضارات وتعاقبها، وهي النظرية التي ضمنها دراسته الضخمة: Study of history»» وأصدرها في 12 مجلداً بين 1934 و1954.
في هذا العمل قدم توينبي نظرة بانورامية للتاريخ ومفهوماً شاملاً للوجود البشري منذ بداية الحضارات التي سجلها التاريخ، ومثل هذه النظرة الشاملة للتاريخ هي التي جعلته يتحدى تمركز المؤرخين الغربيين حول تراثهم واعتبارهم أنهم بحضارتهم الغربية، إنما يقفون موقفاً متميزاً يحتكرون فيه التاريخ وكأنه توقف تماماً عند عالمهم الغربي، لذا اعتبر أن مساهمة توينبي الأساسية في تقاليد المعرفة هي رؤيته للتاريخ البشري من منظور أوسع وتذكيره بأن حضارته بالحقيقة بسيطة وهي أن الآسيويين والأفارقة بل وشعوباً مثل الهنود الحمر والإسكيمو لهم تاريخ مستقل عن تاريخ الغرب، وهذا التحليل للحضارات هو الذي مكَّنه من أن يلقى سؤاله الجوهري حول وضع الحضارات الغربية المعاصرة ومستقبلها، وتساؤلاً عما إذا كان مصير الحضارات التي اندثرت سينطبق عليها، وقد أدت مواجهة توينبي للحضارة الغربية بمأزقها إلى كثير من سوء الفهم حول دوافعه، الأمر الذي تعرض معه للنقد العنيف من جانب المؤرخين الغربيين الذين ذهبوا إلى أنه في أعماقه يود أن يحقق نظريته وأن يرى الحضارة الغربية قد تهدمت، كما رأوا فيه عدواً لكل ما يمثله الغرب من قيم العقل والحرية وما أنتجه من تقدم. غير أن الحقيقة كما أشرنا هي أن توينبي يعالج الغرب وحضارته من منظور أشمل، وهو علاقته ببقية شعوب العالم وأجناسه. وينطلق توينبي من حقيقتين: الأولى أن الغرب حتى وهو في قمة قوته، لم يكن هو الممثل الوحيد على مسرح التاريخ الحديث، والثانية: أن في المواجهة بين العالم والغرب التي تجري منذ خمسة قرون فإن العالم وليس الغرب، هو الجانب الذي يمتلك خبرة في هذه المواجهة. ففي هذه المواجهة لم يكن الغرب هو الذي تعرّض للإيذاء والضرب من العالم، إنه العالم الذي ضُرب وأوذي من الغرب. وفي هذا ينصح توينبي الغرب الذي يريد أن يعالج هذا الموضوع بأن يحاول أن ينسلخ عن جلده الوطني وأن ينظر إلى العلاقة بين العالم والغرب من خلال عيون الغالبية غير الغربية للبشرية.

itoynbr001p1
itoynbr001p1

وفي تحليله لعلاقة الغرب بالعالم توقف بعض شُرّاح توينبي عن الاهتمام الذي أبداه بالإسلام كدين وحضارة وجعله يكتب عن «الإسلام والغرب في المستقبل»، ودفع بعض المؤرخين أن يخصصوا دراسة عن «مفهوم أرنولد توينبي لمستقبل الإسلام». وتوضح هذه الدراسة مفهوم توينبي لهجوم الغرب على الإسلام على أنه جزء من عمل الغرب الضخم الذي يهدف إلى ضم كل البشر في مجتمع ضخم واحد. وهذه المواجهة الحالة للغرب مع الإسلام، هي أكثر حدة من غيرها من المواجهات، وفيها يقف الإسلام، في موقف ضعيف. ويرجع توينبي ذلك إلى أن الغرب المعاصر متفوق على الإسلام في السلاح والقوة الاقتصادية. ويوضح توينبي أن من يقف هذا الموقف ليس أمامه – وفقاً للسوابق التاريخية – غير بديلين لاستجابة لمثل هذا التحدى: فالذي يتعرض لمثل هذا التحدي إما أن يستجيب له في شكل متعصب، أو أن يستجيب له في شكل فعال.
والشكل الأول يلجأ إليه من يرفض الاعتراف بأي شيء جديد وينطوي على نفسه في مواجهة المجهول وهو في هذا توجهه الغريزة فقط. أما الشكل الثاني، فيمثل الاستجابة الفعالة التي تعتمد على مواصلة الهجوم بأسلحته وأدواته نفسها. وأول من اتبع هذا الأسلوب هو محمد علي باشا، وفي الوقت الذي لم ينجح السلطان العثماني سليم الثالث في إصلاحه، فإن تركيا الحديثة اتبعت البديل الثاني بتماسك حيث أخذت بالفكر الغربي سواء في هيكلها أم في المجتمع. ومع هذا، فإن توينبي يعبر عن شكه في هذه التجربة ويتساءل هل الوصول إلى هذه الغاية واتباع هذا البديل كان يستحق ما بذل من أجله من عذاب، وهل إقامة دولة على النموذج الغربي يشكل حقاً إثراءً للحضارة؟ يجيب توينبي بالنفى، ذلك أن النجاح الذي تحقق بإقامة الجمهورية التركية أفاد الأقلية الصغيرة جداً أما الغالبية، فليس لديها حتى الأمل في أن تصبح عضواً ولو سلبياً في الطبقة الحاكمة للحضارة المستعارة.
بعد هذه الإشارة الموجزة لعلاقة الغرب بغيره من الحضارات كما يراها توينبى، يحق أن نتساءل عن مدى مساهمته في تحديد هذه العلاقة وتوصيفها وكيف سيراه ويقومه مؤرخو التاريخ؟ في هذا الشأن كان تقدير توينبي الشخصي متواضعاً فحين سئل عام 1965 كيف يريد أن يذكره التاريخ أجاب: مثل من حاول أن يرى الصورة في مجموعها وليس من مجرد وجهة النظر الغربية. وبعد ذلك بسنوات أجاب عن سؤال مماثل بقوله: أود أن أعتقد أني عملتُ عملاً مفيداً في حق الشعوب الغربية وأن يفكروا في العمل ككل… لقد كانت رغبتي دائماً أن أرى الجانب الآخر من القمر، وقد تعلمت منذ طفولتي أن أتساءل عن الشعوب التي تركت خارج التفكير التقليدي: الفُرس، القرطاجيين والمسلمين وما شابههم.
مثل هذا الاهتمام، توسيع نطاق التعاطف والمعرفة في ما وراء الحدود التي رسمها مؤرخون آخرون، كان من الاتهامات الرئيسية المؤكدة التي قدمها توينبي لدراسة التاريخ وبخاصة لتحديد علاقة الغرب بالحضارات الأخرى، ولم يكن ذلك في الواقع بالمساهمة الضئيلة، ذلك أن توينبي اتجه لدراسة التاريخ خصوصاً لتحديد علاقات الغرب بالحضارات الأخرى ولم يكن ذلك بالمساهمة الضئيلة، ذلك أنه من قبل توينبى، وقبل أن يوسع من منظورنا للتاريخ، كان التاريخ كما يدرس في الجامعات والمدارس الغربية لا يتعامل إلا مع الأوروبيين القدماء والعصور الوسطى والحديثة ومن انحدروا من سلالاتهم في ما وراء البحار. ولم تدخل شعوب أخرى في المسح إلا عندما أُكتشفت أو غزاها الأوروبيون. وكان كل شخص يعلم أن الهند والصين والإسلام كان لها تاريخ طويل ولكن كانت الميادين الخاصة في البحث لا ينظر إليها المؤرخون، وإنما كانت تُترك لعلماء اللغات ودارسي الأديان المقارنة. حقيقة أن هناك عقولاً شجاعة قبل توينبي قد حاولت الربط بين التاريخ الأوروبي وغير الأوروبي من أمثال هـ. ميلز ولكن كتابه: Outline of history الذي نشر عام 1920 قد كتب في أقل من عامين واستمد معظم معلوماته من دائرة المعارف البريطانية، كما كان التاريخ الذي قدّمه ويلز هو تاريخ التقدم وكما نشأ في أوروبا، الأمر الذي كان تشويهاً ضخماً، كذلك كان المفكر الألماني سبنغلر أكثر علماً من ويلز وكانت رؤيته للمدنيات والحضارات غير الأوروبية هي التي قدمت لتوينبي مفتاحاً أساسياً في بناء دراسته للتاريخ، كما أن سبنغلر عامَل الحضارة العربية وبعض الحضارات غير الأوروبية كحضارات متساوية، كما كان هو الذي أحيا تقليداً للقرن التاسع عشر ونظر إلى حكماء الصين وغيرهم من حكماء الشرق باعتبارهم متفوقين على أقرانهم من الأوروبيين، غير أن ما يميز توينبي عن هذه المحاولات هو أن علمه كان أغزر وأكثر استيعاباً، كما أن ولعه بالتفاصيل أضيء بالمقارنات المدهشة عبر الزمان والمكان. ولذلك كان توينبي أكثر من أي مؤرخ آخر، قادراً على أن يُدخل في وعي قسم كبير من قراء العالم، الحقيقة البسيطة أن الآسيويين والأفارقة لهما تاريخ مستقل، وهنود أميركا الحمر وحتى شعوباً خاصة من الإسكيمو، لها تاريخ مستقل عن تاريخ الأوروبين. ولذلك كانت رؤيته للتاريخ البشري من منظور أوسع من وجهة النظر الغربية هي مساهمته الكبرى الرئيسية في تقاليد المعرفة، كما سيظل رصيده الدائم محل تقدير تاريخ العالم كله، وكذلك تأكيده على جوهر وحدة البشرية وعلى قيمة كل الحضارات العالمية ورفضه فكرة الغرب في التركيز على ذاته واعتباره أنه أسمى من غيره من الأجناس.

المصدر: صحيفة الحياة




من نحن

حوارات هو موقع يُعنى بتجديد الفكر الديني وتعزيز الحوار بين الأديان والمذاهب والثقافات المختلفة، وكذلك تعزيز مفهوم التعددية الدينية والمذهبية والثقافية والقبول بالآخر. يرحب “حوارات” بمساهمات الكتاب والباحثين والمفكرين على أن تكون كتابات أصيلة وموضوعية وبعيدة عن التعصب والتطرف.
للاتصال بنا: beirutcenter.mes@gmail.com
editorinchief@hiwarat.net