قونية في أغاني بزي

aghani-Konia

حوارات نت — بقلم: إيمان شمس الدين — قونية تلك المدينة الوادعة في وسط الأناضول في تركيا، تحمل في جوفها قلبا نابضا بالعشق الإلهي هو قلب جلال الدين الرومي ذلك الإنسان المتأله الذي أذابه عشق الله وذاب به كل عاشق لله،

هي موطن حوى حياة جلال الرومي الروحية، كما حوى مرقده الذي جسد خاتمته في لقائه لمعشوقه في رحيل أبدي خالد.

غنى الدكتور محمد حسين بزي قونية في أشعاره التي ضمنها ديوانه الأخير ” أغاني قونية” ، فاختصر مساحة قونية الجغرافية وأهميتها التاريخية بنبض قلمه الذي غرد يترجم نبض قلب الرومي .

أنشد قائلا :

مَنْ لَيْس َ لَهُ عَيْنٌ يَسْتَبْصِرُ عَنْ غَيْبٍ

فَلْيَأْتِ على شَوْقٍ في خِدْمَةِ مَوْلانا

ثم نصح :

مَنْ كانَ لَهُ هَمٌّ يُفْنيهِ ويُرْديهِ

فلْيَشْرَبْ ولَيَسْكَرْ مِنْ قَهْوَةِ مَوْلانا

وسبح قائلا في ترنيماته الجمالية الذائبة عشقا :

فَدَيْتُكَ يا ذَا الوَحْيِ آيتُه تَتْرى

تُفَسِّرُها سُرًّا وتُكَنٍّي به جهراً

وأَنْشَرْتَ أَمْواتًا وَ أَحْيَيْتُهُمْ بها

فَدَيْتُكَ ما أَدْراكَ بالأمرِ ما أَدْرى

فعادوا سُكارى في صِفاتِكَ كُلُّهم

وما طَعِموا إثمًا ولا شَرِبوا خَمْرًا

ولكنَّ بريقَ القربِ أَفنى عُقولُهم

فسُبْحان من أَرْسى وسُبْحان من أَسْرى

وكأنه يحاكي بها كلمات مولانا حين قال :

نسكَرَ،

لا الآلاتِ وقصفِ الغناءِ حتى ننتهي مجاذيبَ.

لا مُنشدينَ، لا مُرشدينَ، لا شدوَ،

بل نثبُ حول بعضٍ جامحينَ تمامَ الجّموحِ.

وكأن بزي في أغانيه يرد على مولانا قائلا:

سلامٌ على قَوْمٍ تنادي قُلوبُهُمْ

بأَلْسِنَةِ الأَسْرارِ شْكْرًا لَهُ شُكْرًا

لقد رسم بزي بريشته الشعرية في أغاني قونية، أسرار العاشقين التي طالما أرقت مولانا، حيث جَسّر بشعره بين زمانين ، زمان مولانا الرومي وزماننا الراهن ، فطاف كعاشق حول أستاذه ، ثم نهض من أعماقه العقلية المعتقدة بالإشراق كفلسفة، إلى أعماقه القلبية المتعلقة بتلابيب صوفية مولانا.

وفي وَجْدٍ صدح بصوت جَلْجلَ بيروت في عام ٢٠٠٧ حيث أقر معترفا :

أَحْرَقَ الوَجْدُ العُطاشى كَاحتراقِ الياسمينْ

عِنْدَما فاضَتْ مَرايا بِدماء العاشقينْ

وطالما انتظر بزي الحلاج ذاك الملهم العارف لكل المتطلعين للقاء فخاطبه في انتظار الحلاج :

أَنْتَظِرُ حَلاّجاً كان أخبَرَني

أَنْ يَصْحَبَني

مِنْ موتي وَعْداً

شِعْراً

حُبّاً

حَيّاً

مِنْ بعدِ موتِ الأَيّامْ

ورغم موت الأيام استطاع الدكتور بزي أن يحييها بشعره الذي بث الروح مجددا في صوفية الرومي وعرفان الحلاج ، كأنه سكرٌ ينشد سلاماً في زمن غارق بالدم حتى الثمالة. فاختياره للجغرافيا ” قونية” اختيار أعاد به الماضي للحاضر، وربط بينهما بأغانيه الشعرية التي رقصت على ألحان صوفية الرومي وإشراقية بزي ، مازجا بين العقل والقلب مزجة فلسفية بروح صوفية لإنسان سعى للتأله.

لا أدعي أنني شاعرة، فأنا مجرد عابرة سبيل تتذوق جمال الشعر، خاصة ذلك الغارق في العشق ، وحينما رست سفينتي على شاطيء أغاني قونية ورشفت من قهوتها وشرابها، ما لبثت أتمتم من شعرها الذي يقول :

أُناشِدُكُم بِاللهِ تَعْفونَ إِنني

لقدْ ذُبْتُ بالأشْواقِ وَالحُبِّ والوَلا

لِمَوْلَى ترى في حُسْنِهِ و جَمالِهِ

أَماناً مِنَ الآفاتِ والمَوْتِ والبلا

سَقَى الله أرْضًا شَمْسُ دينٍ يَدوسُها

كَلا الله تَبْريزاً بأحْسَنِ ما كَلا

في إشارة واضحة لشمس التبريزي الأستاذ الذي تتلمذ على يديه جلال الدين الرومي.

في أغاني قونية اعترف شاعرها أنها بدء أساطيرُ نشوره، حيث رماده صفوة خلقه القادم، الذي ننتظر صفوته القادمة من رماده أن تجود علينا شعرا يلهب القلوب المتعطشة للعشق، ويروي ظمأ عابري السبيل من واحة الأحدية الزلال.

أغاني قونية محطة شعرية تجذب إليها الباحثين في ذاتهم عن الله، والهاربين من صخب العنف وصراخ الدم، ليجدوا في بحرها وعلى شواطئها حروفا نابضة بالسكر في عشق الله، وتائهة في صحراء قلبها تبحث عنه.




الرومي- دين الحب لليلي أنفار (الجزء الأول)

الاسلام دين الحب
الاسلام دين الحب

حوارات.نت ـ عائشة موماد

 

تستهل ليلي أنفار كتابها عن مولانا جلال الدين الرومي “الرومي – دين الحب” ببيت شعري من ديوان شمس تبريز:
غرق محيطي في ذاته…
مذهل أنا، ذلك المحيط من غير شاطئ
كأنها تدعونا إلى دخول ذلك المحيط الشاسع، إلى عوالم مولانا جلال الدين الرومي من غير رجعة، حيث تقول: “أولئك الذين قرؤوا ودرسوا وأحبوا أعمال الرومي زهاء 800 سنة، مروا بتجربة الدخول إلى محيط من غير شاطئ، تصعب العودة منه”
اعتمد في إعداد هذا العمل على مجموعة من الأعمال السابقة، بغية إعطاء لمحة عن حياة مولانا، وكيفية تأثير سيرته في تكوين أفكاره وصياغة أعماله، حيث اهتمت الباحثة بأعمال كل من:
– بديع الزمان فروزانفر، الذي نشر جميع أعمال مولانا جلال الدين الرومي.
– فرانك ليويس، الذي دون كل ما قيل عن مولانا جلال الدين الرومي في مؤلفه: “الرومي ماضيا وحاضرا، شرقا وغربا”
– الأستاذ علي موحد خوارزمي، الذي نشر كتاب مولانا شمس الدين التبريزي “مقالات”
– الأستاذ محمد استعلامي، الذي نشر ووثق “المثنوي
بالإضافة إلى مراجع فارسية، ترجمت مادتها إلى اللغة الفرنسية:
– كتاب”فيه ما فيه“و”كليات شمس“أو”الديوان الكبير“لفروزانفر
– كتاب”المجالس السبعة“لتوفيق سبحاني
– كتاب”مناقب العارفين“لأحمد شمس الدين أفلاكي
– كتاب”معارف: مجمع المفايز وكلمات السيد برهان الدين محقق الترمذي“
– رسائل سبهسالار لفريدون بن أحمد سبهسالار
– كتاب”معارف“لبهاء الدين ولد
– كتاب”ولد نامه“لسلطان ولد
تؤكد ليلي أنفار على استحالة تقديم جميع جوانب حياة مولانا، حيث فضلت التركيز على الجانب الروحي الذي كان محط اهتمام مولانا جلال الدين الرومي، لذلك كان من الواجب التعريف بالشخصيات التي أثرت في حياته ثم تقديم أعماله ومؤلفاته الرئيسية.
تقول ليلي أنفار:”يجب التأكيد من الآن على أنه من الضروري تناول أعمال مولانا من زاوية روحية صرفة، فلأي مقاربة أخرى تعتبر تفسيرا خاطئا، ومن أجل ذلك علينا الخروج من دائرة التصورات المعاصرة. لقد عاش الرومي في عالم حيث يتآلف الروحي والمقدس واللا طبيعي من أجل تشكيل الحياة“
فالتصورات والتأويلات المعاصرة تغلب عليها المادية بخلاف الوضع أيام مولانا جلال الدين الرومي، حيث كانت الجماهير تتجه إلى تأويل الواقع من خلال نظرة أكثر روحانية رغم احتياجاتها المادية بالطبع، و”كانت الجوانب الدينية والروحية تعطي معنى للحياة وتكون بنية الوجود“ل.أ.
حاول مولانا إيصال كلامه حيث يعجز اللسان عن الكلام، فعالم الروح لا يمكن التعبير عنه، وجماله ينير كل أنحاء الكون. فكان لا بد من خلق لغة للروح تجلت في أشعاره التي جابت العالم وعرفت صدى كبيرا في الغرب، لبعدها الروحي أولا، دون إغفال البعدين الاجتماعي والديني. ف” لتجاوزه الضوابط والبنى التقليدية، قد وصل إلى الكونية“ل.أ، وشيد عالما جميلا، كان”انعكاسا للحب الذي يسكنه“ل.أ.
قدمت الباحثة مؤلفها في جزأين رئيسيين مرفقين بانطولوجيا. تتعمق من خلال الجزء الأول في حياة وسيرة مولانا منذ الولادة حتى الرحيل، وتبرز كل المراحل والرموز التي ساهمت في تكوينه وتغيير منحى حياته، أما الجزء الثاني، فإنه يشكل قراءة معمقة لأعمال مولانا جلال الدين الرومي الشعرية والنثرية ورسما متقنا لعالمه البديع.
اعتمدت ليلي أنفار في خطها لسيرة مولانا جلال الدين الرومي على مجموعة من المصادر، اعتبرتها متكاملة ومتناسقة، وتمكن من تتبع مسيرة الشيخ الصوفي والشاعر المتميز (قد تم ذكر كل المصادر في المقدمة)، وتؤكد أن تعدد هذه المصادر يشكل منجما ثمينا للباحث بالرغم من قولها أن بعضها ذو طابع قداسي وتختلط فيه الحقائق بالخرافات. فشخصية مولانا المشرقة جمعت حوله كثيرا من الباحثين عن الحقيقة وحتى بعض المتطفلين، أناس من كل التوجهات الدينية والانتماءات الاجتماعية التي ساهمت في خلق”أسطورة الرومي“على حد تعبيرها.
فمن أجل ذلك كان من الواجب لدى المؤلفة تحقيق كل المتن على قدر المستطاع ومقارنة الأساطير على ضوء المعطيات التاريخية والنصية، وتقبل بعض السرد الخرافي لأنه يخبرنا بمعطى أساسي، ألا وهو نظرة معاصري مولانا لشخصه وكيفية تلقيهم لتعاليمه وقراءتهم لأعماله.
منا، لن يبقى سوى اسم
إن الاسم الكامل لمولانا هو جلال الدين محمد ابن سلطان العلماء بهاء الدين ولد ابن الحسين ابن أحمد خطيبي، ولهذا الاسم دلالات كثيرة حول آبائه، حيث كان والده سلطان العلماء وهو الذي أطلق عليه لقب”جلال الدين“، وكان جد والده خطيبا.
كما أن للموقع الجغرافي نصيبا من اسم مولانا، فقد لقب ب”الرومي“لانتمائه إلى منطقة الأناضول وقد كانت تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية آنذاك، وسمي كذلك ب”البلخي“نسبة إلى”بلخ“مسقط رأسه وهي مدينة في أفغانستان الحالية، لكن الإسم الشائع والذي أطلقه عليه مريدوه هو”مولانا“في كل بلاد فارس وتركيا.
لا من الشرق ولا من الغرب
عبر مولانا عن لانتمائه لذلك العالم الذي مزقته الحروب وسفكت فيه دماء ملايين البشر تحت قوة الجبروت والغطرسة، في أبيات من الديوان الكبير:
داخل الحرب والدماء…قد دمر التتار العالم….أعلم ذلك
لكن الخراب يخفي كنزا…أي مكروه يستطيع إصابته؟
قد دمر العالم….اعلم ذلك…لكن، ألست صديق ذوي الحياة المحطمة؟
من كان ثملا بك…كيف يلحقه الدمار؟
”هذا العالم الدامي والذاهب نحو الهاوية ليس سوى معبر للوصول إلى بعد آخر. وفي نفس الوقت، كل إيقاع، كل لحظة جمال، كل نظرة تأمل في وردة، في وجه، في الشمس أو المحيط، كلها شهادات على عظمة الخلق، ما وراء كل الآلام“. ل.أ
معلومة جديدة تشير إليها المؤلفة من خلال دراستها لأعمال”فريتز ميير“و”ف.ليويس“، هي أن مولانا لم يولد ب”بلخ“بل ب”فاخش“وهي مدينة صغيرة بعيدة عن”بلخ“في طاجيكستان الحالية. لكن”من أجل رجل عشيرته من عالم ما وراء الأكوان، ويرنو إلى فضاء ما وراء اللامكان، فهذا ليس بالأهمية الكبرى“ل.أ
قد أشار مولانا إلى أهمية الحركة في العالم الطبيعي والعالم الروحي الذي يقابله، فكل الأشياء في حركة دائمة، وتكوين أكبر الصوفية كان من خلال الترحال والسفر، فمن المستحيل أن يكون هناك عالم ثابت وإلا فإن مصيره الهلاك والموت.
فكيف لنا أن نتصور مصير عدد من الرسل والأنبياء دون حركة وسفر: غياب يوسف عن أبيه ورحلته نحو مصر، فراق موسى لأمه، تنقل عيسى وإحياؤه للموتى، هجرة محمد من مكة ثم عروجه إلى سدرة المنتهى للقاء ربه.
يمكن أن نقيس على ذلك هجرة مولانا مع أسرته من مسقط رأسه الذي دمر وأحرق من طرف جيوش جنكيز خان.”الحركة جسمانية كانت أم روحية، فهي مرادف للحياة، للتطهر، للعروج وللنور“.ل.أ
وكما يقول مولانا في كتاب مناقب العارفين لأحمد الافلاكي:”الإنسان الحقيقي هو ذلك الذي ينمو و يرتقي كل يوم. …التشبث بشيء ما أو الوقوف يؤدي بك إلى الموت“.

المصدر: صحيفة الفكر

 




يا حضرة مولانا: ذاكرة العشق

بقلم: أنس أزرق – صحيفة العربي الجديد –

“ما تبحث عنه، يبحث عنك”!

تدور الحياة في مدينة قونية التركية حول مولانا جلال الدين الرومي، ففي قلب المدينة يتربع ضريح الرومي، مقصد مريديه وزائريه، وفي الطرف الأقصى منها توجد جامعة مولانا، وفي منتصف المسافة بينهما هناك المركز الثقافي لحضرة مولانا.
تدور المدينة حول حضرة مولانا، كما يدور الدرويش في رقصته المولوية.
لا شيء يشدك في المدينة التي تقع في قلب الأناضول، وانت تحضر احتفالات 741 سنة على وفاته، أكثر من أشعار وموسيقى الرومي ورقص السماح بطريقته الصوفية المولوية والتي تقام لمدة عشرة أيام وتتوّج بليلة العرس “شب عروس” Seb-i Arus (وتعني ليلة العرس باللغة الفارسية)، أو جمع الشّمل مع الحبيب، والتي تعبّر عن فلسفة الموت عند المتصوفة عموماً، وعند الرومي خاصة، فهو نهاية للحياة الدنيا الفانية وانتقال للقاء وجه الباقي، الله عز وجل، “غداً نلقى الأحبة: محمداً وصحبه”.
وكما تدور الحياة في قونية حول مولانا، تدور الطريقة المولوية حول العشق والوصول للمعشوق، فهو الغاية والمقصد:
“الكل معشوق والعاشق حجاب، والمعشوق حي والعاشق ميت، ولو لم يقم العشق برعايته، يبقى كطائر بلا جناح”.
“كل ما أقوله شرحاً وبياناً للعشق، أخجل منه عندما أصل الى العشق نفسه.. فالعشق أكثر وضوحاً دون لسان، والشمس تكون دليلاً على الشمس، فإن أعوزك الدليل لا تشح عنها بالوجه”.
وكل ما عدا العشق، في شرعة الرومي، باطل: “ليس في المعاني قسمة واعداد، وليس في المعاني تجزئة ولا افراد، واتحاد الحبيب بالأحبة طيب، ولتمسك بقدم المعنى فالصورة متمردة. أذِب الصورة المتمردة بالألم والمشقّة (بالرياضات)، حتى ترى الوحدة تحتها كأنها الكنز”.
ويدعو الناس جميعاً، على مختلف معتقداتهم وطبقاتهم واشكالهم، الى الأخوّة الإنسانية، أخوّة العشق: “أيها البشر الأتقياء التائهون في هذا العالم/ لم هذا التيه من أجل معشوق واحد/ ما تبحثون عنه في هذا العالم/ ابحثوا في دخائلكم، فما أنتم سوى ذلك المعشوق”.
وهذه هي سبيل النجاة والخلاص: “فالعاشق لا يعرف اليأس أبداً.. كل الأشياء ممكنة للقلب المغرم”. “مَنْ لا يركض إلى فتنة العشق، يمشي طريقاً، لا شيء فيه حي”.

سيرة موجزة

ولد محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخي (604 هـ -672 هـ = 1207 -1273 م)، في بلخ، من أفغانستان الحالية، وكانت حينها من مناطق بلاد فارس. وكان أبوه يلقب بسلطان العلماء، وعلى خصومة مع العالِم والمنطقي الشهير فخر الدين الرازي، واضطرّ للهجرة عند قدوم المغول، فهاجر وعائلته إلى نيسابور، حيث التقى هناك الشاعر الفارسي الكبير فريد الدين العطار، الذي أهداه ديوانه “أسرار نامه”، واستقر أخيراً بقونية، عاصمة السلاجقة الاتراك، أثناء حكم الأمير علاء الدين كيقباذ.
وعُرف جلال الدين باسم مولانا وأسّس الطريقة المولوية والتي اكتملت على يد ابنه وخليفته سلطان ولد وألّف المثنوي والرباعيات وديوان الغزل والمجالس السبعة ورسائل المنبر.
ولا تكتمل سيرة الرومي بدون سيرة رفيقه شمس الدين التبريزي والذي التقى به في عام 1244م. ويصف مريدو المولوية لقائهما بما ورد بالآية القرآنية “مرج البحرين”.
وعلاقة القطبين التبريزي والرومي كانت لحظة فارقة في حياة الرومي، حيث تحوّل من العلوم الشرعية الى التصوّف. كان التبريزي درويشاً متصوفاً هائماً على وجهه “باحثاً عن شخص فارغ يملأه بالحب”، وما أن التقى بالرومي، حتى هجر الأخير وظيفته المرموقة بالتدريس والافتاء وانزوى عن أهله وأولاده متفرغاً لخلوته مع شمس، ما جعل العلاقة مثار شائعات، وانتهت بمقتل التبريزي بظروف غامضة عام 1248م. ولم يُعرف قاتله، فحزن الرومي على موته ونظم أشعاراً وموسيقى ورقصات استوحاها من سوق الذهب وطرق صفائحه، وتحوّلت إلى ديوان سمّاه ديوان شمس الدين التبريزي أو الديوان الكبير.

رسم تخيلي لجلال الدين الرومي
رسم تخيلي لجلال الدين الرومي

شرعة الحب

كان العصر الذي عاش فيه مولانا عصر قتل ودمار وصراعات دينية ومذهبية وعرقية، كحال عصرنا، فكانت طريقة الرومي لا تعترف بالفوارق الدينية، فعدد الطرائق لله بعدد الخلائق: “أنا أنت وانت أنا في اتحاد”.
وكان يرى الأديان واحدة: “توكّلت عليك، أيّها الحقّ الأعلى، فلا تنأ عنّي. ليس لي سوى معبد واحد، أو مسجد، أو كنيسة، أو بيت أصنام. ووجهك الكريم منه غاية نِعمتي. فلا تنأ عنّي، لا تنأ عنّي”.
حضرت هذه المعاني في ليلة الاحتفال الكبير يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول، إذ لم يتخلّف عن الحفل الذي أقيم بملعب البلدة أركان الدولة من الحزب الحاكم والمعارضة، فخطب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام عشرة آلاف احتشد بهم المكان، وركز على إرث الرومي من فلسفة الحب “تبرز فلسفة العشق الإلهي أمام متبعي الديانة المزورة وذوي الفهم الخاطئ، هؤلاء سيسقطون وتسقط أقنعتهم كما في حالة داعش”.
كما استلهم أردوغان روح الاتحاد التي دعا إليها الرومي، فذكر السلطان ألّب أرسلان (1029-1072 م)، رابع حكام السلاجقة الملقب بـ”سلطان العالم”، لعظم ملكه، وكذلك السلطان صلاح الدين الايوبي (1138 – 1193م)، للموازنة بين رمزين تركي وكردي، واستحضر أيضاً سيرة المتصوف حاجي بكتاش، الرمز المعتبر لدى علويي تركيا. واعتبر أردوغان مساندة بلاده لفلسطين واجباً أخلاقياً “نتعلمه من مولانا في وقت تستعيد فيه الامة ثقتها بنفسها من جديد. فالوقت مثالي للبحث عن المستقبل”.

Sufi-Darwesh-Dancer-New-Age

Sufi-dance_roumi
دمشق وحلب

ثمة مراسم شعبية قبل مراسم الاحتفال الرسمية تقام في ضريح الرومي “تربة خانة”، والذي كان مركزاً لتكايا المولوية المنتشرة في العالم الإسلامي، قبل أن يغلق مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، عام 1927 التكايا ويحول الضريح الى متحف.
وقد تقدم هذه المراسم، التي بدأت بقراءة “المثنوي”، متولية الوقف حفيدة جلال الدين الرومي للجيل الثاني والعشرين، إسين جلبي بايرو، المولودة عام 1949. وكانت المفاجأة أنها تفهم العربية وتتكلم بعض الجمل، فهي عاشت جزءاً من طفولتها في مدينة حلب بعد انتقال مركز المولوية اليها. وقالت لي: “عشت في حلب، وأنا أتألم كثيراً ممّا يحصل فيها”. وأضافت: “منحني جدي، مولانا جلال الدين الرومي، أرثاً مستمراً من القرآن الكريم، وسهّل عليّ وعلينا فهمه، وهو يعلّمنا أن كل الناس سواسية، من آدم وحتى نهاية الخلق”.
وعندما سألتها كيف ينظر أتباع المولوية إلى أن متولية أوقافهم امرأة وغير محجبة؟ أجابتني بابتسامة بأن “الإسلام دين السماحة وهو لا يفرّق بين الذكر والانثى، وبالنسبة للحجاب فهو شيء خاص بينها وبين ربها، فإن ارتكبت معصية فهي التي ستحاسب”.
وختمت حديثها بما يقوله جدها: “يقول مولانا إن عرفنا أنفسنا، سنحب الآخر، والله يريد منّا أن نعرفه ثم نحبه وأن نشارك ونتشارك الحب في كل مكان، فنحن نحتاج للحب في هذا الزمن”.
ويذكر أن التكية المولوية مكان استخدمته الطريقة كملجأ للدراويش والمريدين، ولا سيما الفقراء، وقد انتشرت كثيراً في العالم الإسلامي إبان العصر العثماني وكانت غالباً ما تضم مسجداً ومستوصفاً ومركز تعليم وغرفاً لإقامة الطلاب ومكاناً لإقامة الغرباء، “عابري السبيل”، ويتم توزيع الطعام على الفقراء فيها وتقام حلقات الذكر والمولوية فيها.
ومن التكايا المولوية اشتهرت “خان المولوي” في إسطنبول، و”التكية المولوية” في نيقوسيا، و”مسجد الميلوية” في دمشق، و”التكية” المولوية بطرابلس الشام، و”الدار العلائية” في اللاذقية، و”تكية القدس”، و”تكية المغاوري” في القاهرة.
أما تكية حلب في منطقة “باب الفرج”، فقد أصبحت مركز المولوية بعد إغلاق تكية قونية عام 1925 حيث عيّن “عبد الحليم جلبي”، آخر شيوخ التكية المولوية بمدينة قونية، ابنه “محمد باقر جلبي” في حلب شيخاً في “مولوي خانة”.
ولما توفي “باقر جلبي” بإسطنبول عام 1943، عيّن ابنه “جلال الدين جلبي” مكانه.
وفي عام 1944م، ألغت الحكومة السورية مشيخة المولوية وألحقتها بالأوقاف، فعاد “جلال الدين جلبي” الى تركيا.
ولحلب ودمشق مكانة خاصة عند المولويين، لأن “مولانا” درس فيهما لسبع سنين فأخذ العلم في حلب من كمال الدين بن العديم والتقى بدمشق بالشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي.

Roumi_shrine

السماع والسماح:مدد، يا الله، مدد

“كنت نيئاً، ثم نضجتُ، والآن أنا محترق”. تتميز الطريقة المولوية عن غيرها من الطرق الصوفية برقصتها الدائرية واهتمامها الكبير بالشعر والموسيقى فمولانا قد اختار، كما يقول، طريق الرقص والموسيقى للوصول إلى الله، في الموسيقى سر الوجود وفي الناي حنين الإنسان للعودة لأصله السماوي. “إن الناي يتحدث عن الطريق المليء بالدماء، والناي هو الذي يروي قصص عشق المجنون..والناي صديق لكل من افترق عن أليفه”. الرّقصة الدائريّة، كما يقولون، ترمز لدوران المجرات في الفضاء وإلى حركة الطبيعة والكائنات، ودائرة الراقصين تقسم على نصفي دائرة يمثل أحدهما قوس النزول أو انغماس الروح في المادة، ويمثل الآخر قوس الصعود، أي صعود الروح إلى بارئها. ويمثل دوران الشيخ حول مركز الدائرة الشمس وشعاعها، أما حركة الدراويش فتمثل النظام الكوني والفصول الأربعة. وترمزالثياب البيض التي يرتديها الراقصون إلى الكفن، والمعاطف السود ترمز إلى القبر، وقلنسوة اللباد إلى شاهدة القبر فيما تشير الدورات الثلاث لمراحل التقرب إلى الله. في حلقات الذكر المولوية، التي حضرتها، طفلاً، في مدينتي حلب، بأعياد المولد النبوي يرقص الدراويش مع إنشاد المنشدين “يا إمام الرسل، يا سندي، أنت باب الله، ومعتمدي، وبدنياي وآخرتي، يا إمام الرسل خذ بيدي. ثم “مدد يا رسول الله، مدد يا حبيب الله) مع ترديد جميع الحاضرين كلمة “حي” وتختم الفتلة بعبارة “الله الله يا الله”‏‏.




ليلة عُرس العاشق الفرد: انتقالُ مولانا جلال الدّين الرّوميّ

خاص حوارات – بقلم: خالد محمد عبده*

لا تبحث عن قبرنا في التربة بعدما نموت
بل ابحث عنّا في قلوب العاشقين

أهلُ كلِّ دين محبون صادقون له، وأناسُ كلّ ملّة عاشقون له، كلّ من رآه تُيّم به، وكل من سمعه فُتن به، وما استطاع حزن كتم حزنه عند وقوع هزة الأرض العنيفة، فشق جيبه وأهال التراب فوق رأسه حزنًا على انتقال (نور الرسول) الكلّ أخذ في الصراخ والتأوه النصارى واليهود والمسلمون، عينُ حسدٍ أصابت الخلق فاحترقت الأرواح من صدمة ذلك البرق، وعندما اصفرّ وجه شمس الظّاهر، ومالت إلى الغروب، نزعت شمس العرفان تلك شعاعَ العناية من القالب الجسماني، وانتقلت من هذه الدُنيا الدنية إلى عالم الغيب.
روى سلطان ولد شعرًا وفاة مولانا جلال الدين الرّومي محددًا التاريخ بالخامس من جمادى الثانية من عام 672م الموافق للسابع عشر من كانون الأول من عام 1273م، وهو نفسه التاريخ المكتوب على مرقده الشريف.
يُقال إنه في الليلة الأخيرة التي اشتد فيها مرض مولانا اضطرب المحيطون به اضطرابًا عظيمًا وكان سلطان ولد ابن مولانا يأتي في كلّ لحظةٍ إلى عند رأس والده وعندما لا يتحمّل هذه الحالة كان يخرج من الحجرة. وقد نظم مولانا غزلاً في ذلك الوقت، وهو آخر ما نظمه:

امض وضع رأسك على الوسادة واتركني وحدي
اتركني متعبًا ساهرًا مُبْتلى
نحن وموجُ العشق وحيدين من الليل إلى النهار
فإن شئت فتعال من فضلك، وإن شئت فامضِ
الليلة الماضيةُ في المنام رأيتُ شيخًا في محلة العشق
أشار بيده قائلاً: ارحل إلينا

رسم تخيلي لجلال الدين الرومي
رسم تخيلي لجلال الدين الرومي

ويروي الأفلاكي أن زوجة مولانا قالت له في ذلك الوقت: مدّ الله عمر مولانا إلى أربع مئة سنة لكي يملأ العالم بالحقائق والمعارف، فقال مولانا: هل أنا فرعون؟ هل أنا النمرود؟ نحن لم نجي إلى عالم التراب من أجل البقاء، نحن محبوسون في حبس الدنيا أرجو أن نصل قريبًا إلى مأدبة الحبيب، ولولا إصلاحُ الفقراء وإرشادهم لما اخترتُ لحظة واحدة الإقامة في مستقر التراب.
يوم وفاتي عندما يكون تابوتي منطلقًا
لا تظن أنني متألمٌ من أجل هذه الدنيا
لا تبكِ عليّ ولا تقُل وآ أسفاه وا أسفاه!
تقع في حبائل الشيطان حين يأتي منك هذا التأسف
وعندما ترى جنازتي لا تقل: فراقٌ .. فراق
فذلك الزمان هو زمانُ الوصال واللقاء عندي
وإذا ما أودعتني القبر، فلا تقل وداعًا وداعا
ذلك لأن القبر سرٌّ لاجتماع الجنان
إذا رأيت النزول فانظر إلى الصعود
فلماذا يكون الغروب إيذاءً للشمس والقمر؟!
وأيّة بذرة دُفنت في الأرض ولم تنمُ
فلماذا يكون لديك هذا التشكيك في بذرة الإنسان
يتراءى لك أنني دُفنت في التراب
إن تحت قدمي هذه السماوات السبع
لم يكن مولانا جلال الدين الرّومي منزعجًا من الموت أو مستغرقًا في الانشغال به، فما الموت إلا خطوة للانتقال إلى لقاء المحبوب.
يروي الجامي في نفحات الأنس أنه عندما انتشر خبرُ مرض مولانا في قونيه أخذ الناس يأتون لزيارته والاطمئنان على صحته، وجاء الشيخُ صدرُ الدنيا وقال له: شفاك الله شفاءً عاجلاً، ويكون لك رفع درجات، آملُ أن يصحَّ بدنُك، لأن حضرة مولانا روحُ العالم. فقال مولانا: بعد هذا شفاء الله لكم، فما بقي بين العاشق والمعشوق إلاّ قميصٌ من الشعر، ألا تريدون أن يتصل النورُ بالنور!
ويندهش سبهسالار المؤرخ لحياة مولانا من فرح الرّومي وترحيبه بالموت الذي تجسده أشعاره وكلماته، ويتعجّب من أن يكون مخلوقًا قبله أو بعده ضارع كلامه في هذا الشأن.
يقول مولانا في بعض أشعاره:
يا من تطيرُ من هذا القفص الضيق وتشدُ الرحال إلى ما فوق الفلك
انظر إلى الحياة الجديدة بعد هذا إلى متى تتحمل حمق هذه الدنيا
إن لباس هذا الجسم من شأن الغلمان فارتد قميص العظمة
الموتُ حياةٌ وهذه الحياة موتٌ لكن نظر الكافر يُظهر العكس
إن جملة الأرواح التي غادرت هذا الجسد حيّة ومتواريةٌ الآن مثل الملائكة
فإن تهدّم منزلُ الجسمِ فلا تتألم واعلم أيّها السيدُ أنها مجرد باب للسجن
وعندما تخرج من السجن ومن غيابة الجُبِّ تكونُ مثل يوسف المصري ملكًا ورئيسًا.
عند غروب شمس يوم الأحد السابع من كانون الأول/ديسمبر من عام 1273 حُمل نعشُ مولانا بإجلال تام واكتظت شوارع المدينة بحشود من الناس من كافة طبقات الحياة، رجالا ونساء وأطفالاً وعامة وخاصة، ونصارى ويهود وروم وعرب وترك وغيرهم، ويذكر محمود مثنوي خان الذي روى قصة حضور أهل الأديان للجنازة أن أحد المسلمين سأل النصارى واليهود : ما علاقتكم بمولانا؟ فقالوا: إذا كان لدى المسلمين في منزلة مُحمّد، فقد كان لنا بمنزلة موسى وعيسى، وإذا كان لكم إمامًا ومُقتدى فإنه يُعدُّ عندنا قلبنا وفؤادنا.
ويعبّر عن ذلك سلطان ولد قائلاً: جعله النصارى معبودًا لهم، ورآه اليهودُ رائعًا مثل هود، قال قومُ عيسى: إنه عيسانا، وقال قوم موسى: إنه موسانا، وقال المسلمون: إنه خلاصة الرسول ونوره. قالوا: إنه بحرٌ عظيمٌ وعميق.. واستمر الأمرُ هكذا لأربعين يومًا، لم تخبُ لحظة الأشواق والحُرق، ثم بعد أربعين يومًا مضوا إلى منازلهم، صاروا جميعًا منشغلين بهذه الحكاية، كان حديثهم كلهم ليلاً ونهارًا: إن ذلك الكنز غدا دفينًا تحت التراب، وذِكر أحواله وحياته، وذكر أقواله وكلامه الشبيه بالدُّر.
صار مقام مولانا قبلة للعاشقين والمحبين، ومما عُلق على هذا المقام الشريف بلسان أحد العاشقين:
هذا المقامُ بمثابة كعبة للعُشّاقِ
من أتاه ناقصًا رجع كاملاً مكتملا.

المصادر:
-فرانكلين د. لويس: الرومي ماضيًا وحاضرًا، حياة جلال الدين الرومي وتعاليمه وشعره. ترجمه إلى العربية وراجع أصوله الفارسية وقدّم له: أ.د. عيسى علي العاكوب، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب.
-بديع الزمان فروزانفر: من بلخ إلى قونيه، سيرة حياة مولانا جلال الدين الرومي، ترجمة: د.عيسى علي العاكوب، دار الفكر، سوريا.
-جيهان أوقويوجو: مولانا جلال الدين الرومي، دار النيل، مصر.
-أنّا ماري شيمل: الشمس المنتصرة، دراسة آثار الشاعر الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي، ترجمه عن الإنكليزية وقدّم له وراجع مادته الفارسية الدكتور عيسى علي العاكوب، مؤسسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، إيران.




من الإسلام السياسي إلى الإسلام الصوفي: الفرار إلى روحانية الإسلام

خاص حوارات – بقلم: خالد محمد عبده –
للتصوف الإسلامي إمكانات ومقومّات استطاع من خلالها أن يضرب بجذوره في المشرق والمغرب الإسلامي، ويتعدى أثره من بلاد الإسلام لينتقل من الشرق إلى الغرب، ويشهد إقبالاً في عصرنا الحالي لم يكن يشهده من قبل، فمن خلال دراسة أجرتها جامعة ييل الأمريكية، يمكن القول: إن ثلثي مناطق العالم وصلها الإسلام عن طريق المتصوفة، نفس النتيجة تؤكدها الباحثة الأمريكية جيزيلا ويب، قائلة: كان الصوفية هم الناقلين الفعليين للإسلام إلى مناطق أبعد من الشرق الأوسط، خصوصًا إلى إفريقيا وشبه الجزيرة الهندية والعالم الماليزي-الأندونيسي، وفي سياق روح التقليد الصوفي نفسه، ما زال المتصوفة يواصلون هذا الدّور في أمريكا.
وفي أوروبا أيضًا تروى قصص كثيرة حول كيفية انجذاب بعض المفكّرين الأوروبيين الكبار للتصوف الإسلامي، والدخول عبر أبوابه الواسعة إلى رحاب الإسلام، ويمكن الإشارة هنا إلى رينيه جينو (الشيخ عبد الواحد يحيى)، وفريتجوف شيوون، وتيتوس بوركهاردت، ومارتن لينجز (الشيخ أبو بكر سراج الدين)، الذين وجدوا في الشرق الإسلامي نوذجًا عاليًا من نماذج الحكمة وحياة الحقائق. وعلى المستوى الشعبي ينجذب كثير من الشباب الأوروبي ذي النزعة اليسارية إلى التصوف الإسلامي ويرون فيه ثروة روحية تساعدهم على تحمل الحياة.
ومن اللافت للنظر أن فئات كثيرة في مجتمعاتنا العربية – كانت أبعد ما تكون عن التصوّف والمسائل الروحية في حياتها من حيث ظاهر سلوكها واهتماماتها – انجذبت اليوم إلى التصوف، واتقدت عقولها بما تقرأه أو تسمعه أو تشارك فيه من نشاطات صوفية، وصارت تشعر بشكل مختلف للحياة بعدما سمعت عبارة لذي النون أو بيتًا من الشعر لرابعة، أو وردًا لأحد الصوفية الشاذلية، أو حديثًا لأحد النقشبندية، أو مديحًا لمنشد صوفي، أو رقصة من رقصات المولوية!
وهو الأمر الذي نظرنا إليه نظرة استخفاف أحيانًا؛ فمثل هؤلاء لا يلتفتون إلى التصوف إلا من باب (الموضة والظاهرة) التي سرعان ما تأخذ وقتها وتنتهي آفلة! أو نظرت إليه فئات من المخاصمين للتصوف على أنه نافذة يمكن الدخول منها لمهاجمة التصوف وأهله، أو رأى بعض الدارسين فيه استلابًا للشباب اليوم!
ما مدى أهمية التصوف للمسلم المعاصر؟ وكيف يمكن للتصوف أن يسهم في تأسيس إنسان يتسق مع ماضيه العريق ويساهم في بناء مجتمعه الحالي؟ وكيف يمكن تفسير الحنين إلى التصوف في بلداننا الإسلامية، خصوصًا بعد انتفاضات الدول العربية؟ وهل يعود ذلك لممارسات جماعات الإسلام السياسي التي رغّبت الشباب عن الإسلام الذي يُعرض من خلالهم مستغلين فيه الدين؟ هل للتراث الروحي في هذه البلدان أثر أعاد المجتمع إليه اليوم؟

أهميةُ التّصوفِ للمسلم المعاصر:
مع انتفاضات الشعوب العربية اليوم، والتي بدأت منذ سنوات، تمكّن الكثيرون من أبناء التيّارات الإسلامية من الوصول بخطابهم الديني إلى فئات عريضة من الشعوب، ولم يكن هذا الوصول محض صدفة، بل كان امتدادًا طبيعيًّا للقنوات الفضائية التي صارت إعلامًا بديلاً عن الإعلام الرسمي المعبّر عن سياسة البلاد فيما يتعلّقُ بالتعامل مع قضايا الدين ومشكلاته، فمع عدم تبني الدّولة بشكل رسمي لخطاب ديني يلبّي حاجات النّاس، تمكّن أهل هذه التيارات من سدّ تلك الفجوة لنزولهم إلى واقع الناس وهمومهم وطرحهم حلولاً لها!
في ظلّ الأحداث المتلاحقة التي تتغيّر في كلّ لحظةٍ، حدث حراكٌ هائل وما كان مسكوتًا عنه بالأمس أصبح بارزًا ويتكرر الحديث عنه في الإعلام المقروء والمرئيّ. بعضُ المشكلات السياسية كانت هذه التيارات حديثة عهد بها على الرغم من تبشيرهم ليل نهار بالدّولة الإسلامية وضرورة الاحتكام إلى الشريعة، لكن يبدو أن قصورًا شاب أطروحاتهم ولم يحالفهم النّجاح في التّعامل مع الواقع بأدواته أو أدواتهم.
ورغم تهويل الإعلام الرّسمي الذي تتبناه الدولة لكل ما يطرحه الإسلاميون من أفكار أو يعلّقون به على مجريات الأحداث، فإن هذه التيارات تعاملت مع الجماهير كأطفالٍ ينبغي أن تُردع ويتمّ تأديبُها من جديد. وتكرر الحديث عن الفتوحات الإسلامية وعن عقائد أهل السّنة والجماعة، وتم الخلطُ بين القوانين المدنية والدساتير والآراء الفقهية، وبين التاريخ والواقع، وانتشرت الكتاباتُ التي تُروّج للإسلام الحركي والسّلفي، وتحدث البعض عن منع الكُتب، وروّجت الشائعات حول ما وُصف بفقه الموتى والحمامات، وتم استدعاء شخصيات بعينها خاصمت هذا الطرح السلفي لتكون أقوالها حائط صدّ تجاه ما يُطرح من أفكار وُصفت أنها تعود بنا إلى الوراء.
وبصرف النظر عن صدق الشائعات من كذبها، وما ثبت صدوره عن أهل الإسلام الحركي والسلفي من فتاوى وتصريحات، فإن كثيرًا من الشباب زهد في هذا الخطاب الديني الذي لم يترك صغيرة أو كبيرة إلاّ تدخّل فيها، وتنصّل بعض المنتمين إلى هذه التيارات منها، وبعضهم وصل به الأمر إلى إعلان عدم انتمائه إلى الدين ككل؛ لأن هؤلاء في نظره يمثّلون الدين نفسه لا صورة من صوره!

اهتمامٌ ملحوظٌ بالتّصوف:
في ظلّ احتدام الصراع السياسي الديني الذي لم تُستثنً منه الطُّرقُ الصوفية في مصر على سبيل المثال، ورغم مشاركة الطرق في إعلان خصومتها للتيار الحاكم بعد الثورة (الذي تمثّله قوى الإسلام الحركي) ورغم تصالحها مع النظام السابق للثورة الذي كان يحرك المشهد كله حسب مصالحه، فإن الشباب والكهول أبدوا اهتمامًا كبيرًا بالتصوف طريقة ومسلكًا وتجربة، ربّما للابتعاد عن الاهتمام باليومي والسائد، وربّما لأن الروحَ ضجرت من صور التّدين المتاحة ورأتها تبتعد عن أهداف الدين وغاياته، فأخذت تبحث في القديم عمّا يلبّي رغائبَها، وأبدت اهتمامًا ملحوظًا بتمظهرات هذا النمط الروحي في الآداب والفنون، فاهتمت بالسماع الصوفي والروايات التي تعتمد الموضوع الصوفي وشخصيات المتصوفين، كروايات سالم بن حميش، وعبد الإله بن عرفة، كما أبدت اهتمامًا بالكتابات الأعجمية التي تُرجمت إلى العربية كحكايات الصوفية لإدريس شاه، وقواعد العشق الأربعون لأليف شافاق التركية.
تم ترديد عبارات البسطامي وذي النّون المصري والحلاّج والجيلاني ورابعة العدوية وابن الفارض والرّومي وسنائي الغزنوي وغيرهم من أعلام التصوف، دون التفاتٍ لتنظير الدّارسين للتصوف ودون اهتمام بما يُقال من أهل الطّرق الصوفية عن أمثال هذه الشخصيات وعباراتهم التي تقال في مقام تستحق أن تُطوى ولا تُروى.
وقصد بعض الناس مقامات الأولياء من جديد، على الرغم مما أثير من غبار الكلام حول المقامات والأضرحة، إذ تمّ استدعاء فتاوى التحريم وكراهة الصلاة في المساجد التي تشتمل على أضرحة. وأعلنت بعض أجهزة الدولة عن إفشال أكثر من عملية تفجير للمقامات في مصر، ورغم كل هذا ازدادت الزيارات للمقامات، وقصدت جميع شرائح المجتمع هذه المساجد، وعقد بعض الشيوخ الصوفية الجدد مجالسهم فيها.

رسم تخيلي لجلال الدين الرومي
رسم تخيلي لجلال الدين الرومي

التصوف رحابٌ لا يعرف الحدود:
ومن الواقع إلى فضاء التواصل الاجتماعي، فكما شكّلت المواقع التي تتواصل عبرها الجماهير عاملاً مهمًّا في اندلاع الثورات وتحريك الأحداث وخلق وعي جديد، كذلك شهدت هذه المواقع ثورة معلوماتية، فكثيرٌ من المعلومات والإشارات والإحالات على كتب الصوفية في اللغات كافة، وتأسست صفحات ومجموعات للتحاور في الشأن الصوفي، وبعض المغمورين من الصوفية السالكين كوّنوا مجموعات من المريدين من خلالها، وبعض الشباب تخصص في إذاعة أخبار الأولياء والعارفين، ولم يقتصر الحضور في هذه المساحات الأثيرية على الذكور، بل كانت النساء حاضرة وكنّ أكثر ولعًا واهتمامًا ومشاركة.

التصوّف الأعجمي:
لم يقتصر الاهتمام بالتصوف العربي وأعلامه، بل وجدنا اهتمامًا كبيرًا بالتصوف الفارسي وعرفائه، وحضرت شخصيات صوفية كان الاهتمام بها قد اختفى بعد أن كانت حاضرة في الواقع المصري، كشخصية الرّومي الذي طُبعت مؤلفاته في مصر في وقت مبكّر، فأصدرت مطبعة بولاق كتابه الأشهر باللغة الفارسية (المثنوي)، وكانت نصوص هذا الكتاب تُقرأ وتُشرحُ ويكلّف الطلاّب في جامعة القاهرة بالعناية بها كما يروي الأستاذ محمد عبد السلام كفافي عن أستاذه عبد الوهّاب عزّام عميد الدراسات الشرقية في مصر في مقدمته لترجمة المثنوي الصادرة في ستينيات القرن المنصرم، وبدأت الصُّحفُ اليومية المطبوعة والإلكترونية تُعيدُ الحديث عن الرّومي كقيمة إسلامية عليا من قيم التسامح والانفتاح وقبول التعددية ونبذ العنف والتطرّف.
ومن الاهتمام بالتصوف الفارسي إلى التّصوف الهندي الجامع لشتّى صنوف التصوف بين طيّاته، وهنا برز الاهتمام بعنايت خان الموسيقى الصوفي الذي ارتحل من الهند إلى لندن وشاعت تعاليمه التي كتبها بالإنجليزية وانتشرت في أرجاء المعمورة.
ومن الطريف أن كتابه الذائع بين الجمهور العربي اليوم تُرجم عن الرّوسية، والمقصود هنا كتابه (تعاليم المتصوفيين) الذي سعى فيه لإظهار هذه التعاليم مستفيدًا من تجربته الصوفية والموسيقية ومطالعته للفلسفة وانخراطه في أجواء التعددية الدينية في الغرب والهند على حد سواء. كذلك وجد كتابُه الذي ترجمه عيسى علي العاكوب وحمل عنوانَ (يدَ الشّعرِ) عناية من القرّاء العربِ، ربما لاختياره الموفّق لشخصيات من التصوف الفارسي، الذي يولع القراءُ بهم اليوم.
وعلى الرغم من شهرة محمد إقبال الفيلسوف الهندي في عالمنا العربي، فإن حضوره في فضاء معرفتنا لم يكن باعتباره على خُطى ابن الرومي الذي اتخذه مرشدًا وهاديًا في طريق كتابته للشعر والتصوف وفي معراجه الروحي، بل كان حاضرًا كمجدد ديني، وشاعر ألهب حماس الجماهير وجعلهم يؤسسون وطنًا خاصًّا بهم. وتمّ الجمعُ بين محمد إقبال ومفكرين معاصرين منهم من رحل عن عالمنا ومنهم من لا يزال حيًّا يصدر الكتب والمقالات.

Sufi-dance_roumi

التّصوفُ من الهند إلى الأندلس:
وتجدد الاهتمام بالشاعر الصوفي الششتري الذي ملأ الدنيا في وقته وشغل الناس، وبدا الاهتمام الصوفي به أكثر تأصيلاً ومعرفة من الاهتمام السلبي الذي تمثّل في تحذير التيار السلفي من كتاباته اعتمادًا على ما قاله ابن تيمية في كتبه، وخصوصًا (السبعينية). وطُرح الصوفي الششتري من جديد كشاعرٍ وزجّال خاطب وجدان المسلمين في شتّى البقاع التي ارتحل إليها من الأندلس والمغرب وطرابلس ومصر، ولا يزال أكثرُ الناس ولعًا واهتمامًا به أهل المغرب، إذ يجوّدون غناء أشعاره ويعيدون تحقيق تراثه.
وفي سوريا التي يُعلن كلُّ يوم عن وفاة العديد من الأشخاص إثر قصف أو هجوم مسلّح، بُعث عبد الغني النابلسي شارح الششتري وابن عربي من جديد، فخصص أحد السوريين على الإنترنت صفحة لنشر أشعاره ونثره، وبدا في اهتمامه مطّلعًا بشكل جيّد على ما كتبه النابلسي، ولا غرابة في ذلك إذ التقليد الصوفي في سوريا يُولي النابلسي كبير عناية، وكذلك الأكاديميون المتخصصون في درس الفلسفة الإسلامية.

ظمأٌ إلى الروحانية:
ومن الخاصِّ إلى العامِ تلتفُ مجموعاتٌ من مذاهب وتيارات وديانات مختلفة حول مقولات الروحانية والتصوف التي تنشرها صفحاتٌ عدّة، لا تفرّق بين قائل حسب ديانته، المهم أن يصبَّ القول في إطار الروحانية وقبول التعددية الدينية، ونبذ العنف والتطرف، ومثل هذه الصفحات لا تهتم ولو بشكل عرضيّ بحديث السياسة وما يجري في العالم العربي، رغم أن روّادها عربٌ يعايشون الأحداث.
ويمكن رصد درجات الوعي المعرفي والديني عند الجمهور المتابع للتصوف والمتصوفين على مواقع التواصل من خلال متابعة النقاش في أي موضوع مهما كانت العبارة أو الفقرة محل النّقاش، ففي غالب الأحيان تكون العبارة واضحة منبئة عما تحمله من معنى، ويكون نشرها لمقصد ظاهر عند بعض المتابعين إلاّ أن التعاليق تأتي لتتشعب بالحديث في سياقات أخرى، وغالبًا ما تستعيد الجدل الفقهي والديني القديم.
وتعلو حدة الحوار ويزيد العنف اللفظي أكثر في منتديات الحوار إذا كان النقاش بين منتمٍ إلى التيار السلفي والصوفية الطُّرقية، وتُقتبسُ النصوصُ، وتضربُ بعضُها، ويتبادلُ طرفا الحوار تُهم التّكفير والخروج عن جادة الصراط المستقيم، وهي هي الأفكار القديمة والقضايا التي شُغل بها الأقدمون، يُعادُ طرحُها بنفسِ الأسلوبِ، وتُناقشُ على نفس الصورة، وإن كان الأقدمون أكثر تأصيلاً كلّ لموقفه.

Sufi-Darwesh-Dancer-New-Age

بركةُ النساءِ:
ومن الرّجال إلى النساءِ، وكما غُيّبت النساء في المدونة الصوفية كما يؤكد الدّارسون للتصوف وقرّاء الكتب الصوفية التراثية (تراجم وطبقات) قلّ الاهتمامُ بهن وبسيرهن، اللهم إلا بعضِ السيداتِ كرابعة العدوية التي تنوقلت أقوالها وقصصها بشكل كبير حتى اليوم، وهناك محاولة لأحدهم أراد أن يجمع أخبار النسوة المتعبدات في صفحة واحدة وينشر سيرهن من باب إظهار هذه التجارب المطوية والمسكوت عنها في درسنا العربي، وهي محاولة جديرة بالانتباه.
إذ نلاحظ قلة الكتابات عن المرأة الصوفية في الفضاء الثقافي، وقليلة جدًّا الكتابات التراثية عنها أيضًا، فأغلب المرويات تشير إلى نساء في صحبة الرجال من الأولياء أو يمرُّ الوليّ الصوفي عليهم في الصحراء ورغم تكوينه المعرفي ومقامه الذوقي الكبير، فإنه إذا ما وقف أمام امرأة من هاتيك النسوة علّمته الكثير، نلاحظ ذلك على سبيل المثال في قصة شهيرة بطلتها سيدة مجهولة وذو النون المصري. كذلك نلاحظه في ذكر بعض النسوة كفاطمة زوجة أحمد بن أبي الحواري الذي قيل له: تعلّم الفتوة من زوجتك. ويروي ابن الجوزي في كتاباته التراجمية كثيرًا من قصص النساء، من كنّ منهن معيّنات في التاريخ أو مجاهيل لا ذِكر لأسمائهن، ويفرد السُّلميُّ كُتيّبًا صغيرًا لبعض النسوة المتعبدات، وكما هو الحال في كتب السّنةِ نجد الشيعة صنفوا في ذكر السالكات.
وفي عصر التقدّم والتكنولوجيا تحوّلت المرأة إلى موضوع حديثٍ مستمرٍ من كافة التّيارات والمدارسِ، ويسبق الغربُ كعادته في درس المرأة الصوفية، وتخصص دراسات في المرأة الصوفية في عصر بعينه، وتتطوّر الدراسات من بقعة جغرافية محدودة لتتوسع في الحديث عن النساء الصوفية في الهند وباكستان وغيرها من بلدان الإسلام، وإذا كانت الدراسات تفرّق بين التصوّف العربي والعرفان الفارسي فإن بركة النساء لا تختص بمذهب دون غيره، إذ تنتقل البركةُ إلى المريدين أيًّا كانت طريقتهم، وهكذا توجد البركة في مصر كما توجد في تونس، كما يلتمسها أهل المغرب.

Sufi-dance

التّصوّفُ جامعًا للفرقاء:
يشير روشندل الكاتب الإيراني في مقدمته للكتاب العرفاني “روضة الأسرار” لمحمود الشبستري إلى أن حركات المقاومة الإيرانية ضد العرب رغبة منها في بعث القومية الإيرانية اتخذت لها طابعًا مذهبيًّا فتناحرت الأحزاب وتصادمت العقائد، ووقعت الفرقة بين المسلمين المتخاصمين، فصحّ العزم لدى بعض الإيرانيين في القرن الثاني من الهجرة على الدعوة إلى الأخذ بمبادئ التصوف التي لا تُفرّق بين فرقة وأخرى، وبذلك يعتصم المختلفون بالعشق الإلهي، الذي يكفل لهم الوحدة والصفاء بين الفرقة والعداء.
ربّما يظن البعض أن هذا كلامٌ عاطفي لا يؤيده سند من تاريخ المسلمين ولا يؤكده عقل فاحص، إلاّ أنه وإن لم يصدق على الفرق الإسلامية بشكل عام فإنه يتجسد في أفراد من الصوفية بالأمس واليوم! فنسمع عن كثيرين من أئمة التصوف وأعلامه أن فلانًا يحضر مجلسه أهل الأديان طُرًّا من مسيحيين ويهود وبوذيين، وأن هؤلاء على اختلاف توجّهاتهم يحزنون عند فَقد هذا الشيخ أو ذاك. وأحب هنا أن أروي قصة لمولانا جلال الدّين الرومي جاء فيها: كان بعض المسيحيين في مجلس مولانا جلال الدين الرومي يستمعون إليه، وعلى الرغم من عدم معرفتهم باللغة التي يتحدث بها، إلاّ أنهم كانوا يحزنون ويفرحون ويبكون حسب جو المجلس. في إحدى المرات قال أحد المسلمين في المجلس باستخفاف: ما بال هؤلاء يبكون؟! مع أن المسلمين أنفسهم لا يصِلون إلى فهم مُعظم ما يُقال في هذه المجالس ويدركونه.
فسمعه مولانا، فعلّق قائلاً: ليس من المهم أن يفهموا الكلمات، هم يفهمون لُبّ الكلمات، هم يدركون أن ما يدور في هذا المجلس هو عن الله، وعن كونه رزّاقًا عفوًّا غفورًا رحيمًا جميلاً قادرًا حكيمًا مُثيبًا مُعاقبًا، وهم يشمون من هذه الكلمة رائحة أحبابهم؛ لذا يتأثرون وتثور عواطفهم. كل إنـسـان يحبُّ الله من جماع قلبه ويتضرع إليه؛ إذ ليس بوسعنا أن نضع اسمًا لهذا الإيمان القاطن في القلب، وعندما يسيل هذا الإيمانُ إلى مجرى الكلام وقالبه يتشكّل ويُكتب اسمٌ له.
ونلاحظ اليوم اهتمامَ أهل الشرق والغرب على حد سواء بشخصيات التصوف الكبرى، وإن رأى بعض الدارسين في اهتمام الغرب بالتصوف الرغبة في ملء الفراغ الروحي! فإن هناك من يرى اهتمام الشرق اليوم بالتصوف من باب أنه عاصمٌ من (الإلحاد)؛ إذ يمثّل التصوف برقّته وتسامح سُلاّكه والمؤمنين به حائط صدٍّ أمام التطرف بوجهيه! كما يمنح المكبّل المثقل بهموم الحياة بعض الحرية.

TOPSHOTS-TURKEY-DANCE-WHIRLING-DERVISH-FEATURE

أيُّ دورٍ للصوفية اليوم؟
حافظ كثيرٌ من أهل التصوف على التراث الروحي المنتمي إلى رحاب الإسلام، وقرأوا الكثير من الدفاتر والأوراق التي خطّتها قمم التصوف الكبرى، ولا يزالون يتبركون بالمشايخ والأكابر، ويتوارثون أذكارهم، ويلقنون المريدين أورادهم، وإذا كان التصوف في بلاد العرب ظلّ أمينًا على الموروث لا يغادره، ولا يبتدع في شأنه جديدًا محافظة منه على ميراث عزيز، فالحالُ أنه قد تطوّر كثيرًا في الغرب عبر الهجرات فرادى وجماعات، وعبر التجارة وغيرها من النشاطات، ويمكن رصد مظاهر هذا التطور والاستفادة منها في تطوير الخطاب الصوفي والخروج به من دائرة اعتدنا عليها إلى رحاب أوسع، والتوجّه به إلى شرائح أكبر. وأحيل هنا على دراسة عربية للباحث المغربي عزيز الكبيطي بعنوان : “التصوف الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية”، عايش الباحث فيها البيئة التي كتب عنها بشكل جيد، وساعده ميراثه الصوفي في فهم ما لاحق هذا العالم من تطورات، كما أسهم بدوره في إلقاء محاضرات للتعريف بالإسلام يمكن من خلال مشاهدتها التعرّف على عطاء الباحثين الجدد وإسهامهم في الدرس الصوفي.

_______________

*خالد محمد عبده مدير أبحاث في مركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي، صدر له كتاب عن (أمّية النبي) في التراث الإسلامي بالاشتراك مع سبيستيان غونتر، وحقق ثلاثة كتب في أدب الجدل والدفاع بين الإسلام والمسيحية ثلاثتها لمحمد توفيق صدقي المعاصر للأستاذ الإمام محمد عبده. كما صدر له عن مؤسسة بيت الغشّام دراسة وتحقيق لكتاب الدّين الدولة في إثبات نبوة النبي لعلي بن ربّن الطبري. ونشرت له في الدوريات العربية عدد من البحوث مثل: التصوف عند البقاعي، من رُمُوزِ العلمِ المُقدّس René Guénon، التقريب بين المذاهب في مصر وغيرها..
سيصدر له عن دار بريل brill في هولندا قريباً كتاب موسّع عن الجدل بين الإسلام والمسيحية في القرن الثاني الهجري باللغة الإنجليزية بالاشتراك مع أستاذ كرسى الإسلاميات والمسيحيات في كامبريدج ديفيد توماس. وله تحت الطبع كتاب عن (جلال الدّين الرومي حياته وتصوفه).