الإسلام والآخر

بقلم: د. رضوان السيد* — لاحظتُ في كتابي: مفاهيم الجماعات في الإسلام (1984) أنّ هناك تجاذُباً في القرآن بين اعتبار الفرد بحسب عمله: { فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره}- { وأنْ ليس للإنسان إلاّ ما سعى، وأنّ سعيه سوف يُرى، ثم يُجزاهُ الجزاءَ الأَوفى}، وبين اعتباره جزءًا من مجموعةٍ لها سمةٌ أو سِماتٌ عامةٌ، فهناك النصارى ويهود وأهل الكتاب والمؤمنون والكفار. وفي هذه الحالة: كيف يتحدد الفرد، هل يتحدد بعمله أم يتحدد بانتمائه الديني . ثم إنّ التعبير ذاتَه عن مجموعةٍ مثل يهود أو بني إسرائيل، هل هو تعبيرٌ مُحايدٌ أم أنه يملك ظلالاً سلبيةً أو إيجابية؟ ثم هل يمكنُ ثالثاً القول إنّ الفرد يتحدد بعمله، أما المجموعة فتتحدد باعتقادها أو دينها؟ وإذا كان الأمر كذلك فماذا عن مقولة الشعوب والقبائل التي يقسم القرآن البشر إليها: { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتَعارفوا. إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم}. إنّ الواضح هناك أن مفرد شعب أو قبيلة هو مفردٌ مُحايدٌ بالفعل، وهو يشير إلى التنظيم الاجتماعي. ولذلك يختلف المفسِّرون للقرآن في تحديد المعنى والفروق بين الشعوب والقبائل. فيقولون حيناً إنّ الشعوب هم المقيمون أما القبائل فهم البدو الرحَّل، أو أنّ الشعوب هم الفلاّحون، بينما القبائل هم رُعاة الإبل والماشية. لكنْ هناك أخيراً من يقول إنّ الشعوب هم الأعاجم أما القبائل فهم العرب أو الأعراب.
على أنّ هذه الحيادية الظاهرة التي تحدّد الانتماء إلى هذه الفئة او تلك، تعود فتكتسب في القرآن وخارجه صفات وخصائص أخلاقية ودينية. ففي القرآن: { قالت الأعراب آمنّا، قل لم تؤمنوا ولكنْ قولوا أسلمْنا}. أو { الأعرابُ أشدُّ كفراً ونفاقاً}. وفي الحديث النبوي وَصْفُ الأعراب بأنهم جُفاةٌ، ووصف الفلاّحين أو المُزارعين بأنهم راكدون أو أذلاّء وراء أذناب البقر. ثم إنّ هذه السِمات أو الخصائص تتخذ عند ابن خلدون في المقدمة كما نعرف أوصافاً حضارية فيقال إنّ الأعراب أو العرب ما استولَوا على ديارٍ إلاّ أسرع إليها الخراب!
هناك مستوياتٌ متعددةٌ إذن لتحديد الآخر أو الآخَرين إذا صحَّ التعبير. هناك المستوى اللغوي، أو المعروف عند العرب قبل القرآن، والذي تفاعَلَ معه القرآن. وهناك المستوى الاجتماعي، والذي ينفتح ويجري عليه الخلاف في التفصيل بين الحواضر والبوادي أو العجم والعرب. وهناك في كل الحالات المستوى الديني، والذي يتعامل معه القرآن بكثرةٍ، وهو ينقسم إلى قسمين: القسم الفردي، والذي يجري الاحتكام فيه إلى الاعتقاد والعمل، والقسم الفئوي أو الجمعي والذي يقال فيه إنّ هناك ديانات معترفاً بها مثل اليهود والنصارى وأهل الكتاب، وأُخرى غير معترفٍ بها أو أنه تجري إدانتها وهم المشركون أو الكفار.
وإلى هذه المستويات الثلاثة، تبقى هناك تصورات عميقة وموروثة.B. Lewis على سبيل المثال يرى أنّ هناك تصوراً قديماً يشترك فيه اليهود والمسلمون في التفرقة بين الأحرار والعبيد أو أبناء الأحرار وأبناء العبيد: أبناء سارة، وأبناء هاجر، ويتفرع عليه التفرقة بين البياض والسواد. في حين يرى G. Rotter أنّ القرآن والإسلام ضدّ هذا التمييز. فالعرب المؤمنون هم أبناء إسماعيل وأمهم هاجر، ومنهم آخِر الأنبياء محمد وأمته. أما البياض والسواد بحسب Rotter فإنهما لا يلعبان دوراً ملحوظاً، لأنّ عرب الجزيرة شديدو السُمرة، والسُمرة الشديدة دليلٌ على الأصالة والعراقة، يقول الشاعر العربي: أخضر الجلدة من جنس العرب!
II
كيف كان يتمُّ تصنيفُ الناس إذن في العصور الوسطى الإسلامية؟ هنا أيضاً ينبغي التفرقةُ بين زمانين إذا صحَّ التعبير: زمان البدايات وقيام الدولة، وزمان استتباب الثقافة الإسلامية، والنُظُم الإسلامية. من الزمن الأول نجد صحيفة المدينة التي تعتبر المهاجرين من مكة مع النبي إلى يثرب أو المدينة، وأهل المدينة الذين أسلموا على مختلف قبائلهم، واليهود- تعتبر صحيفة المدينة أو دستور المدينة ( بحسب M. Watt) أنهم “أمةٌ واحدةٌ من دون الناس”. والأمة الواحدة هنا ليست موحَّدةً في الدين، ولذا يكون المقصود من الأمة الواحدة، الانتماء إلى كيانٍ سياسيٍّ واحد هو الذي قام في المدينة في زمن النبي بين 623م و632م.
على أنّ تصنيف البدايات هذا يتغير بعد قيام الدولة الإمبراطورية، وظهور نُظُمها القانونية. في هذه الأزمنة الكلاسيكية يظهر تصنيفٌ واضحٌ بالنسبة للدولة، وتصنيفاتٌ أُخرى في المجتمعات والفكر والثقافة. ففي الدولة ظهر نظام أهل الذمة، والذي يشمل بالدرحة الأولى اليهود والمسيحيين. وهؤلاء هناك اعترافٌ بأديانهم من جانب الدولة والمجتمع استناداً إلى القرآن. لكنّ عليهم أيضاً أن يدفعوا الجزية، أو ضريبة الرأس، وهي ضريبةٌ سنوية. ولهم حرياتهم في العبادة والتعليم والحياة الاجتماعية بل والقانونية. فهم لا يتقاضَون إلى القضاء الإسلامي، بل لهم قضاؤهم الخاصّ. وقد سمّي هذا النظام أيام العثمانيين: نظام المِلَل. والنظام هذا في الأصل خليط من تقريرات القرآن، وأحاديث النبي، وتعاملات الدولة معهم في زمنها الأول، ثم ما طوَّره الفقهاء من أحكام عبر القرون من أجل الضبط والتنظيم.
بيد أنّ شعوب الدولة الإسلامية الإمبراطورية ما كانوا يهوداً ونصارى فقط، بل كان منهم الزرادشتيون الذين تسميهم المصادر: المجوس، من أتباع الديانة الفارسية القديمة. وكان منهم البوذيون، والذين تسميهم المصادر السُمَنية أو الشامانيين. وكان منهم الهندوس. والقرآن لا يذكر هذه الديانات. لكنّ الدولة الإسلامية الأُولى (660-750م) روى فقهاؤها قولاً عن النبي بشأن المجوس مفادُهُ: سُنُّوا بهم سُنّة أهل الكتاب، أي أنه تُركت لهم حرياتهم الدينية والاجتماعية، ودفعوا الجزية أو ضريبة الرؤوس، لكنّ المسلمين لا يأكلون من ذبائحهم ولا يتزوجون نساءَهم. والكُتّاب والجغرافيون يميزون المجوس عن البوذيين، لكنهم يخلطون أحياناً بين البوذيين والهندوس باستثناء البيروني. بيد أنّ الأحكام المتبعة بشأنهم من جانب الدولة، تشبه أحكام المجوس.
الثقافة الإسلامية تجاه الآخر، مختلفة كثيراً عن ثقافة الفقهاء، وقليلاً عن سياسات الدولة. فقد كان لدى الثقافة العالِمة فضولٌ شديدٌ في معرفة اليهود والمسيحيين وفِرَقهم وكتبهم المعاصرة وخلافاتهم ونشأ أدبٌ للجدل سُمّي الرد على النصارى، لا يستند إلى القرآن فقط؛ بل وإلى المنطق والإلزامات بحسب ما هو معروف في جدليات العصور الوسطى. وفيما عدا الجدال وبعض الخصومات مثلما حدث بالأندلس، كان هناك إعجابٌ خفيٌّ لدى الصوفية المسلمين بحياة الرهبان وسلوكهم. بل إنّ ابن تيمية المتشدد يصف نساء المسيحيين بأنهن: “متعفِّفات”. وتظهر هذه النظرات الإيجابية في كتب التاريخ والجغرفيا والأدب. وهناك احترامٌ لدى المتفلسفين المسلمين بالثقافة الكلاسيكية للمسيحيين، والتي قام رجال الدين السريان بترجمتها إلى العربية. و ترقّت التجربة إلى حدود “العيش المشترك” لعدة قرونٍ في الأندلس.
لكنْ، هل زال التمييز أو تضاءل؟ لقد تضاءل في فترات الطمأنينة والازدهار، لكنه لم يَزُلْ بل كان يتصاعد في فترات الحروب مثل الحروب الصليبية. ويذكر الأب Fiey أربع موجاتٍ للاضطهاد ضد المسيحيين في المشرق قبل العصر العثماني. والطريف أنه في ثلاثٍ من تلك الحالات، كانت الهجمات من جانب العامة والغوغاء، وليس من أجهزة الدولة الرسمية. وحوادث الاضطهاد لليهود أقلّ لأنهم بسبب قلة أعدادهم ما كانوا ظاهرين كثيراً في الحياة العامة، ولا يشكِّلون تحدياً. والمعروف أنه في زمن حروب الاسترداد؛ فإنّ المهجَّرين من اليهود آثروا الذهاب مع المسلمين إلى المغرب أوإلى أقطار الدولة العثمانية.
إنّ علينا أن نتصور الأمر بالنسبة للآخر الديني في العصور الوسطى الإسلامية على النحو التالي: هناك اعترافٌ من جانب الدولة بالديانات الرسمية، وليس ديانات أهل الكتاب فقط؛ بل وبالزرادشتية (المجوس)، والبوذية والهندوسية. وكما يقول الماوردي(-1055م) هناك أمانٌ عامٌّ، يُعتبر سياسةً رسمية. وطبعاً هناك إخلالٌ أحياناً من جانب العامة أو بعض المسؤولين بأمن الآخرين الديني والاجتماعي بأعذارٍ مختلفةٍ مثلما فعل محمود الغزنوي بالهند مثلاً. وهذا الأمان أو العقد أو العهد هو الذي كان يلجأ إليه رجال الديانات الأُخرى أيام العباسيين والعثمانيين للطلب من السلطات مراعاة مقتضيات العهد، أو ضبط بعض أتباعهم الذين خرجوا عليهم لسببٍ ما . وهذا يقودنا للدخول في مسألةٍ حسّاسة، وهي الانشقاق الديني أو الهرطقة أو الزندقة، والتي لعبت دوراً في العصور الوسطى الإسلامية، ولعبت دوراً أكبر في العصور الوسطى الأوروبية. هناك اتهاماتٌ كثيرةٌ بالانشقاق والانحراف الديني والكفر بين أتباع الفِرَق الإسلامية منذ القرن الثامن الميلادي. وما كانت السلطات تتدخل لصالح فريق باستثناء مرتين أو ثلاث. في المرة الأولى أيام المأمون طلبت السلطة من علماء الدين أن يقولوا بخلْق القرآن، وتابعها على ذلك الأكثرون، بينما أصرَّت قلةٌ بزعامة أحمد بن حنبل على القول إنّ القرآن هو كلام الله القديم. فجرى اضطهاد القائلين بِقِدم القرآن على مدى أربعة عشر عاماً، بالعزل من المناصب والسجن. ثم أعرضت الدولة عن التدخل. وفي المرة الثانية تدخل وزيرٌ لدى الفقهاء للحكم بالهرطقة على متصوفٍ شارد هو الحسين بن منصور الحلاّج، وجرى صَلْبُهُ، لذلك شبّهه ماسينيون بالمسيح. وفي المرة الثالثة تدخل الخليفة العباسي القادر ببيانٍ أو إعلان يُحدّد العقيدة السنية الصحيحة، وينهى القُضاة وموظفي الدولة عن التشيُّع والاعتزال. ولا ندري إن كانت لذلك الإعلان عواقب على المخالفين.
إنّ الحالة الوحيدة التي ظهر فيها ما يشبه محاكم التفتيش القروسطية، هي حالةُ المانوية. وهؤلاء مختلفٌ فيهم هل هم ديانة مستقلة، أم أنهم انشقاقٌ عن الزرادشتية، أسسها ماني المقتول من جانب الشاهنشاه الفارسي عام 274م. وقد كانت لها جاذبيةٌ بين المثقفين في القرون المسيحية الأولى( كان القديس أوغسطين منهم)، واستمرت هذه الجاذبية في ظلّ الإسلام. فجأةً قرر الخليفة العباسي الثالث المهدي، إنشاء” ديوان الزنادقة” ضد المانوية بالذات، وظلُّوا ملاحَقين لأكثر من قرنٍ، وقُتل منهم عشرات.

III
بدأت الأزمنة الحديثة في ديار المسلمين بإشاراتٍ مختلطة. فمن جهة كثرت المحاولات والمبادرات للتجديد السياسي وتجديد مشروع الدولة، في ظل الشروط الحديثة. ففي العام 1857 أصدر السلطان العثماني مرسوماً سلطانياً (= خط همايون) يقرُّ مبدأ المواطنة بين شعوب الإمبراطورية. وإلى جانب المُضيّ في قانون الولايات للحكم الذاتي (1864)، صدر عام 1876م الدستور العثماني، وانتخُب على أساسٍ منه مجلسٌ للنواب(= مجلس المبعوثان). وكان الوزير الأول التونسي خير الدين باشا قد عمل مع زملاء له على دستور لتونس صدر عام 1864. وفي العام 1867 صدر كتاب خير الدين نفسُه: أقوم المسالك والذي يدعو فيه من أجل استيعاب السيل الأوروبي للأخذ بأنظمة الدولة الحديثة. وقد لقيت هذه المبادرات جميعاً انتكاسات، لكنها كانت قد تحولت إلى تيارٍ زاخرٍ نشأت على أساسٍ منه الحركات الوطنية والاستقلالية في إيران وتركيا ومصر، وبلاد عربية وإسلامية أُخرى.
ومن الجهة الأُخرى، جهة السلبية، كانت الهجمات الاستعمارية تتقدم لاحتلال أجزاء جديدة من العالمين العربي والإسلامي، منطلقةً من فرنسا وبريطانيا وأسبانيا وفيما بعد إيطاليا. ففي عام 1830-31 احتلت فرنسا الجزائر، وانطلقت حركةٌ جهاديةٌ بزعامة عبد القادر الجزائري ضدها. وفي العام 1857، عام صدور قانون المواطنة العثماني، استطاع البريطانيون إخماد تمرد كبير بين مسلمي الهند. إنّ الجديد في المشهدين الجزائري والهندي وفيما بعد المغربي والسوداني والليبي، أنه في كل مرةٍ كانت تحدث فيها هجماتٌ استعماريةٌ؛ تصدُرُ فتاوى تدعو للجهاد، فإن لم يمكن فالهجرة من الديار. لأنّ الدار لم تعُدْ دار إسلام! فأول مرةٍ منذ حروب صقلية والأندلس، يقال إنّ الغزو الأوروبي أحدث حالةً من انعدام الشرعية، يستحيل معها البقاءُ في الديار. وكانت تلك نكسةً كبرى في العلاقة مع الغرب والمدنية الحديثة، تركت آثاراً فاجعةً على الرؤية للآخر الاستعماري والمسيحي. وقد قال الشيخ عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية علماء الجزائر مرةً إنّ العلاقة بالغرب هي كمن يلحس المبرد. ذلك أنّ الظاهر لذيذ، لكنها كالسم في الدسَم.
لقد عرفنا ردَّةَ فعل أنصار الحداثة المتلائمة مع الغرب الأوروبي، فكيف نحدّد أو نكيّف ردَّة فعل جماعات الهجرة وانعدام الشرعية. الظاهر أنّ هذا الردَّ هو ردٌّ تقليديٌّ عرفته المذاهب الفقهية في زمن انهيار الأندلس. ومعروفةٌ رسالة الونشريسي: أسنى المتاجر فيمن غلب على وطنه النصارى ولم يُهاجِرْ. لكنها تقليديةٌ بدأت تلفظ أنفاسَها، بمعنى أنّ الهنود ما هاجر إلاّ قليلٌ منهم، وكذلك الجزائريون. وقد قال فقيه جزائري حنفي إنّ ترك الديار تكليفٌ بما لا يُطاق. إنما ماذا اختار الذين بقوا بالديار، اختاروا التلاؤم العاجز أو شبه العاجز مثلما فعل سيد أحمد خان بالهند، والأمير عبد القادرالجزائري بعد هزيمته عام 1847. وإذا كان الجهاد والهجرة كلاهما قد تُركا؛ فإنّ الذي خَلَفَهما ليس الحركة الإصلاحية التي كانت توردُ تعليلاتٍ دينيةً لتبرير الانضواء في الحداثة. بل الذي فاز في المدى المتطاول فريقان: فريق الانفصال، وفريق المفاصلة. أمّا الانفصال فتجلَّى في الباكستان، وفي مفارقة فقه العيش المشترك القديم بداخل بلدان الإسلام. وأما المفاصلة وهي القتال المستمر فقد تجلّى في السودان وليبيا ثم الجزائر. والطريف أنه في مصر في الستينات من القرن الماضي ظهرت مجموعة سمت نفسَها: جماعة الانفصال الشعوري. والانفصال في هذه المرة ما كان عن الخارج الاستعماري فقط بل وعن الداخل السياسي والاجتماعي باعتباره صار متغرباً، وسقط ضحية الغزو.
لقد اعتبر خبراء كثيرون أنّ فشل التقليد الفقهي والعقدي الإسلامي في مواجهة الاستعمار، دفع باتجاه أحد خيارين: الحركات الوطنية والإصلاحية، أو العمل عند المستعمرين. وهذا صحيحٌ، لكنْ بقيت هناك نافذة أُخرى كانت ضيقةً ثم اتسعت لتيار الإحيائيات أو الصحوات الناجمة عن الحداثة والمعادية لها كما هو معروف، وهو ما صار يُسمَّى حركات الهوية الدينية والقومية.
ولا يجوز هنا نسيان الحركات الوطنية والإصلاحية، والتي كانت ضد التقليد، وتريد انتزاع الاستقلال من المستعمرين بالوسائل السلمية أو القتالية. وقد كانت تلك الحركات أقوى ما تكون في مصر، وهي التي اشترعت دستور العام 1923، وقد ظهرت مثائل لها في سائر أنحاء العالم الإسلامي. وقد وفّقت هذه الحركات في بقاعٍ بآسيا وإفريقيا، لكنها ما كانت محظوظةً في العالم العربي، لأنها انهزمت في فلسطين، ثم انهزمت في الستينات عدة مرات. وخلال ذلك تحولت إلى أنظمةٍ أمنيةٍ وعسكرية استبدادية، وفقدت شعبيتها، كما فقدت غطاءها الشرعي لأنّ الفقهاء الإصلاحيين بالمشرق والمغرب غادروها، وحاصرها الإسلاميون بالشارع ثم بالتمردات المسلَّحة.
مرت رؤية الآخر أو رؤية العالم في القرن العشرين إذن بمرحلتين: مرحلة تراجع التقليد وتقدم الإصلاحيات والإحيائيات، ومرحلة الهبوط السريع للدولة الوطنية، وبدء التأزم في رؤية العالم. ولنأت إلى الحرب الباردة العالمية، والحرب الباردة الثقافية. في الحرب الباردة الأولى أو الكبرى اصطف العرب والمسلمون على الجانبين، فريق مع الولايات المتحدة، وفريق مع الاتحاد السوفياتي. وقد استخدم الطرفان الحرب الثقافية. استخدم الأميركيون وحلفاؤهم العربُ والمسلمون إسلاميي الصحوات ضد الشيوعية وأنصارها. واستخدم الروس وحلفاؤهم المثقفين اليساريين ضد الرأسمالية والإمبريالية والثقافة الغربية الاستعمارية. وكانت النتيجة أنّ الثقافة الغربية الليبرالية والمنفتحة تضررت من الطرفين: من الإسلاميين الحريصين على الهوية، ومن اليساريين الحريصين على التحرر من الاستعمار وثقافاته. وعندما شاهد الشيخ يوسف القرضاوي الطرفين يتنافسان في شتم الثقافة الغربية، قال مثلما قال القذافي فيما بعد: لنمض باتجاه الطريق الثالث، طريق الثورة الإسلامية فالدولة الإسلامية على النحو الذي شرحه المودودي وقطب. وهذا أصل مقولة: حتمية الحل الإسلامي! وعلى أنقاض الدولة الوطنية ذات الثقافة الغربية قامت الدولة الإسلامية الإيرانية، والتي ما يزال الإسلاميون المناضلون السنة يسعَون لمثلها. وقد انقسموا في ذلك إلى قسمين: إسلام سياسي، يريد الوصول للدولة بالسلم والانتخابات، وآخَر جهادي، وهو يريد إقامة الدولة بالجهاد والقوة. وقد بدأ بن لادن بالعدو البعيد، أما البغدادي فأقام دولته على أرض العدو القريب.
********
في التقليد الإسلامي رؤيةٌ للعيش وترتيباته، ورؤيةٌ للدين وملاءماته مع فقه العيش. وقد حطّم الاستعمار والحداثة العيش التقليدي وترتيباته. فحاول الإصلاحيون أن ينتجوا فقهاً جديداً أو فهماً جديداً للدين يتلاءم مع ترتيبات العيش الجديد. وما استطاعوا ذلك، لأنّ الحداثة ماضيةٌ كالسهم، ولأنّ الدولة الوطنية فشلت، ولأنّ الأميركيين وحلفاءهم استخدموا الإسلام السياسي والثقافي والآخر الجهادي في حربهم على الاتحاد السوفياتي؛ فجعلوا له قضيةً وهدفاً. ولقد اضطربت رؤية العالم في الإسلام المعاصر تحت وطأة هذه الصدمات. ومع اضطراب الرؤية اضطرب مشهد الآخَر ناظراً ومنظوراً إليه. فعالم المسلم اليوم مكوَّن من شظايا وبقايا التقليد القديم، مضموماً إليها فذلكات الجماعة الإسلامية المودودية والإخوان، ومضموماً إليها القراءة الخاصة للقرآن، والهُيام بإقامة دولة دينية ضد كل الآخرين- وإلى ذلك كله أشواق عارمة لدى العامة للسكينة الدينية والأخلاقية.
فهل يكون عنوان هذه المداخلة، أي الإسلام والآخر، مبالَغاً فيه أو شديد العمومية؟ قد لا يكون كذلك، إنما الأصح فيه: المسلمون والآخرون؛ باعتبار أنه ينبغي أن يحضر الجميع وإنْ بدرجاتٍ متفاوتة، وكثيرٌ من المسلمين يعتقدون أنهم بمجموعهم غير حاضرين على الإطلاق، وقد يكون ذلك بين أسباب العنف المنتشر في أوساطهم وفي العالم.
——————–
*مفكر وأستاذ جامعي لبناني مختص بالفكر العربي والإسلاميات.
(**) محاضرة أُلقيت بكلية اللغات والترجمة في جامعة إشبيلية بتاريخ 6/5/2016.




الإمام موسى الصدر ورؤيته الإنسانية والحضارية للبنان

الإمام موسى الصدر عند البطريرك الماروني انطونيوس خريش
الإمام موسى الصدر عند البطريرك الماروني انطونيوس خريش

بقلم: د. هيثم مزاحم* — لم يكن الإمام السيد موسى الصدر زعيماً سياسياً ودينياً تقليدياً للطائفة الشيعية في لبنان، بل كان مفكراً إسلامياً ومجتهداً مجدداً ومجاهداً ضد نظام الشاه في إيران وضد الكيان الإسرائيلي في فلسطين. فقد لعب الصدر دوراً كبيراً في نصرة الثورة الإسلامية في إيران، والدفاع عن الإمام الخميني حين اعتقله الشاه وقرّر اعدامه، برغم محاولات إعلامية غربية وعربية أخيرة لتصوير الصدر أنه كان مختلفاً مع الإمام الخميني وعلى علاقة جيدة بالشاه.
الصدر، وأصوله من عائلة لبنانية جنوبية هاجرت لطلب العلم الديني في العراق وإيران، عاد الى لبنان في أواخر العام 1959، قد فهم مبكراً فرادة التركيبة اللبنانية، من النظام السياسي والاجتماعي الى تنوّع لبنان الطائفي وأبعاده الحضارية والدينية.
وبرغم مطالبات الصدر بتغيير النظام الطائفي وقيام دولة الإنسان والمؤسسات في لبنان، وبرغم حركته الاحتجاجية على الحرمان والفقر والظلم الاجتماعي في الجنوب والشمال والبقاع، الا أنه لم يدعُ يوماً الى قيام دولة إسلامية في لبنان، كما ذهب لاحقاً بعض الأحزاب والحركات الإسلامية، حيث أدرك البعض منهم قصور هذه الدعوة وعدم واقعيتها.
هذه المسألة كانت تؤخذ على الصدر من قبل بعض الإسلاميين في لبنان الى أن توصل بعض هؤلاء الى قناعة الإمام بخصوصية النظام اللبناني وأهمية تعدديته الدينية وتنوّعه الطائفي والمذهبي، وذلك بعدما اصطدموا بالواقع وأدركوا تعقيداته وخصوصية لبنان وموقعه كملتقى للديانات السماوية وكجسر للحوار بين الشرق والغرب.
يقول الصدر في محاضرة ألقاها في مدرسة القديس يوسف في عينطورة في 20 نيسان – أبريل 1970: “نحن في لبنان أمام واقع أرادهُ الله لنا ذلك هو وجود طوائف، ولكن الذي ما فرضه الله علينا وتركه نتصرف فيه أنه ما فرض نظامًا باسم الطائفية في لبنان. الطوائف موجودة في لبنان ولكنها هل تحتاج الى الطائفية؟”.
ويعتبر الصدر أن “الطوائف في مجتمع ما تتمكن أن تكون مصدر خير وغنى؛ بامكان الطوائف أن تكون تنوعًا هو طبيعة الخلق في العالم، ومقصود الأديان بصورة خاصة. علينا أن نستفيد من وجود الطوائف في المجتمع ونجعل الطوائف وسيلة خير لا بديل عنها…”.
فوجود التنوع – في رأيه – هو السبب الأصيل في تكوين التفاعل بين الأفراد، وبالتالي في تكوين المجتمعات. ووجود طوائف مختلفة، بما للطوائف من تجارب ومنجزات، “معنى ذلك وجود ينابيع مختلفة في مجتمع واحد. كل ينبوع له تجارب ومكاسب ودراسات وحضارات تسهّل مهمة التعاون يعني تسهّل مهمة العطاء للآخرين والأخذ من الآخرين.. ولذلك الطوائف المختلفة غنى حضاري واسع لخدمة الانسان في كل مكان”.
ويستدل الصدر بآية قرآنية تقول: ﴿لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات﴾ (سورة المائدة، آية 48).
ويؤكد الصدر أن وجود المسيحية في لبنان بما لها من العلاقات الحضارية والدينية في العالم ثروة كبرى للبنان، كما أنه يسهّل كون لبنان مفتاحًا وبابًا للتمازج بين الشرق والغرب، لأن المسيحيين هم “ثروة كبرى للبنان وثروة كبرى للعرب وثروة كبرى للشرق”.
وفي عظة ألقاها في كاتدرائية الآباء الكبوشيين في بيروت عام 1975، يقول الصدر: “اجتمعنا من أجل الإنسان الذي كانت من أجله الأديان، وكانت واحدة آنذاك، يبشّر بعضها ببعض، ويصدّق أحدها الآخر، فأخرج الله الناس بها من الظلمات إلى النور بعد أن أنقذهم بها من الخلافات الكثيرة الساحقة والمفرِّقة، وعلّمهم السلوك في سبيل السلام. كانت الأديان واحدة حيث كانت في خدمة الهدف الواحد دعوة إلى الله وخدمة للإنسان، وهما وجهان لحقيقة واحدة. ثم اختلفت عندما اتجهت إلى خدمة نفسها أيضًا، ثم تعاظم اهتمامها بنفسها حتى كادت أن تنسى الغاية، فتعاظم الخلاف واشتد فازدادت محنة الإنسان وآلامه”.
يشير كلام الصدر إلى أمرين مهمين جداً، الأول هو هو وحدة الأديان والثاني هو أن غايات الأديان كلها هي الدعوة إلى الله وخدمة الإنسان، لكنها تفرقت عندما بدأ القائمون عليها في خدمة أنفسهم ومصالحهم، فتعاظمت الخلافات بين المؤمنين بالديانات المختلفة وازدادت محنة الإنسان وآلامه. فالدين يدعو للسلام والحب والوحدة لكن من يستغل الدين من بعض السياسيين ورجال الدين يدعون إلى التفرقة والفتنة والطائفية والكراهية.
وفي هذا الصدد يقول الصدر: “كانت الأديان واحدة تهدف إلى غاية واحدة، حرب على آلهة الأرض والطغاة، ونصرة للمستضعفين والمضطهدين، وهما أيضًا وجهان لحقيقة واحدة. ولما انتصرت الأديان وانتصر معها المستضعفون وجدوا أن الطغاة غيّروا اللبوس وسبقوهم إلى المكاسب، وأنهم بدأوا يحكمون باسم الأديان ويحملون سيفها؛ فكانت المحنة المتعاظمة للمضطهدين، وكانت محنة الأديان والخلافات فيما بينها، ولا خلاف إلا في مصالح المستغلين”.
فالإمام الصدر، بفكره التقدمي والإصلاحي، يرى بعداً سياسياً واجتماعياً تغييرياً للدين، لا يقتصر على العبادة والدعوة إلى الله، بل على خدمة الإنسان ورفع الظلم عن كاهله.
يضيف الصدر مخاطباً المسيحيين في مناسبة صومهم: “والآن نعود إلى الطريق، نعود إلى الإنسان ليعود الله إلينا؛ نعود إلى الإنسان المعذَّب لكي ننجو من عذاب الله. نلتقي على الإنسان المستضعف المسحوق والممزق لكي نلتقي في كل شيء، ولكي نلتقي في الله فتكون الأديان واحدة.” ويستشهد بقول السيد المسيح (ع) عندما صرخ قائلاً: “لا! لا يجتمع حب الله مع كره الإنسان؛ وبكلام للنبي محمد (ص): “ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانًا وجاره جائع”.
إذن، فلسفة الدين – بحسب الصدر – تكون بنتائج السلوك الديني على الصعد الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، وليس فقط في الأمور العقدية والطقوسية والتعبّدية.
ويوضح الصدر ذلك: “إذا كان الإيمان، ببعده السماوي، يعطي الإنسان اللانهائية في الإحساس، واللانهائية في الطموح، وإذا كان الإيمان، ببعده السماوي، يحفظ للإنسان الأمل الدائم، عندما تسقط الأسباب، ويزيل عنه القلق، ..، فإن الإيمان ببعده الآخر يسعى لصيانة الإنسان وحفظه، ويفرض المحافظة عليه، ويؤكد عدم وجود الإيمان دون الالتزام بخدمة الإنسان”.
إذن كان هم الإمام الصدر هو الإنسان في لبنان، أي إنسان وكل إنسان، بغض النظر عن طائفته ومذهبه ومنطقته. الإنسان المحروم والمظلوم والفقير في الدرجة الأولى.
يقول في ذلك: “لبنان بلدنا، البلد الذي رصيده الأول والأخير هو إنسانه.. لذلك إذا أردنا أن نصون لبنان، إذا أردنا أن نمارس شعورنا الوطني، إذا أردنا أن نمارس إحساسنا الديني..، فعلينا أن نحفظ إنسان لبنان، كل إنسانه؛ وطاقاته، لا بعضها”.

د. هيثم مزاحم رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط
د. هيثم مزاحم رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط

د. هيثم مزاحم باحث في الشؤون العربية والإسلامية والدولية، رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط. له مقالات ومراجعات للكتب في صحف ومواقع ودوريات عربية وأجنبية، وله الكثير من الكتب والدراسات المنشورة وشارك في أكثر من عشرة كتب عن الحركات الإسلامية والجهادية.

المصدر: الميادين نت




مسألة التسامح في كتابات العرب المحدثين والمعاصرين

بقلم: د. رضوان السيد —

حوارات — تأتي اللحظة التاريخية للصحيفة أو لـ (وثيقة المدينة) في سياق متماسك، يبلغ حد النسق أو الاتساق الكامل، وهي من اللحظات المؤسسة للعلاقة مع الآخر المختلف دينا، والتي يمكن اطراد القياس عليها كلما أتيح لبني الإنسان أن يقيموا بينهم علاقات سوية، لا قسر فيها ولا اعتناف ولا استلاب ولا نهاب. ولأن هذه اللحظات المؤسسة ” قد بزغت إبان النشأة الأولى للمجتمع الإسلامي في التاريخ فهي منه بمثابة الأركان التي يرفع عليها الوجدان، وهي خير دليل – في براءتها الأولى إذا صح التعبير – على انفتاح الكينونة الإسلامية الوليدة على مطلق الإنسان دون أدنى تحفظ، وعلى التماسها عناصر وحدة البشرية التي خلقها الواحد الأحد -جل جلاله- من نفس واحدة، ثم جعلها شعوبا وقبائل لتتعارف، وتتنافس في الخير، وفي تحقيق الكمال الأخلاقي”(1).
وحتى لا نصادر على مطلوبنا من هذا البحث، فنؤكد ابتداء اشتمال هذه اللحظات المؤسسة، لأول النظر ولمستأنفه على حد سواء، على القانون الإنساني الأعلى للعلاقة مع الآخر أيا كان وأينما وجد، فإننا سنقف مع أربع منها نتخذها أنموذجات مضيئة للحظة “الصحيفة” بوجه خاص، ولموقف الإسلام البدئي من الآخر المختلف دينا، ولا سيما أهل الكتاب، بوجه عام.
وهذه اللحظات المؤسسة الأربع هي على التوالي:
أولا: لحظة الهجرة الأولى إلى الحبشة أو لحظة النجاشي.
ثانيا: لحظة وفد نجران.
ثالثا: لحظة فتح مكة وإزالة الصور والأوثان من الكعبة.
رابعا: لحظة فتح القدس والعهدة العمرية.
(1)
وأول ما نبدأ من ذلك لحظة الهجرة، أو لحظة النجاشي الذي قال فيه رسولنا الكريم مُـحَمَّد -صلوات الله عليه وسلامه عليه-: “إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم منه فرجا ومخرجا”(2). وقالت فيه أم سلمة زوج النبي “لقد جاورنا خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه”(3)، والذي استمع إلى أوَّل خطاب إعلامي شامل في الإسلام، يوم أن وقف جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول:
“أيها الملك، إنا كنا قوما أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث لنا الله رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى رحمة الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلموا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا و بين ديننا؛ خرجنا إلى بلدك واخترناك عمن سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك”(4).
ونحن نعلم من أمر النجاشي بعد هذا البيان أنه سأل عما جاء في القرآن الكريم من ذكر مريم ابنة عمران وابنها عيسى المسيح -عليهما السلام- وأنه آوى إليه المسلمين وأكرم وفادتهم بعد أن دمعت عيناه وخشع قلبه، وقال إن ما يسمعه من آيات الذكر الحكيم يصدر وما جاء به المسيح من مشكاة واحدة. كما نعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال فيه لَـمَّا توفي سنة تسع للهجرة: “إن أخا لكم قد مات بأرض الحبشة”، وأنه خرج بالمسلمين إلى الصحراء وصفهم صفوفا ثم صلى عليه”(5).
ولعلنا هنا أن ننتبه إلى أن هذا الحوار يَدُلُّنا على أن الآيات التي تتعلق بمريم العذراء والسيد المسيح –عليه السلام– نزلت قبل واقعة الهجرة إلى الحبشة، وأن تلاوتها في مجلس النجاشي كانت بطلب منه، لا بمبادرة من جعفر يتوسل بها عطفه ونصرته، فهي إذن بعض معتقد المسلم وما يتعبد به، لا كلام يقتضيه المقام، أو تتطلبه السياسة والكياسة. وإن هذا ليتأدى بنا إلى أن القرآن الكريم هو المرجع الأعلى الذي تتأسس في ضوئه العلاقات الإسلامية والمسيحية، وأنه بما يشتمل عليه من آيات بينات عن آل عمران، والمسيـح –عليه السلام– وأمه مريم المصطفاة ومعجزاته، وتعاليمه، وحوارييه، تكاد تبلغ – عدد صفحات – حجم أحد الأناجيل المسيحية المعتمدة؛ يبسط أرضا واسعة من القيم المشتركة والأخلاق المتقاربة، ويرسم أفقا متراحبا، ينظر فيه إلى الأنبياء جميعا بصفة كونهم حلقات في سلسلة واحدة متصلة: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾(6).

(2)
أما حديث وفد نجران وما كان من مصالحة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأهلها، وما كتب لها من كتاب في ذلك فهو من مرويات عروة بن الزبير بن العوام التي جمعتها سلوى مرسي الطاهر في كتاب تحت عنوان “أوَّل سيرة في الإسلام”(7). وقد جاء فيه بعد مفتتح الكتاب: “ولنجران وحاشيتها ذمة الله وذمة رسوله على دمائهم وأموالهم، وملتهم، وبيعهم، ورهبانيتهم، وأساقفتهم، وشاهدهم، وغائبهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير”(8)، وألزمهم “الجهد والنصح فيما استقبلوا غير مظلومين ولا معنوف عليهم”(10).
وقد شهد فيمن شهد هذا الكتاب عثمان بن عفان -رضي الله عنهم-، وكان أشرف نصارى نجران وفي مقدمتهم العاقب والسيد وأسقفهم أبو حارثة بن علقمة قد وفدوا على الرسول -عليه صلوات الله وسلامه- في مسجده في المدينة، فأحاطهم بالإيناس والتكريم، وجادلهم بالتي هي أحسن، بحسب الهدي القرآني الكريم، حتى إذا استيقن صدهم المؤكد لم يعنف بهم ولا فرض رأيه عليهم ﴿لا إكراه في الدين﴾؛ بل رفع الأمر إلى الله تعالى، ودعاهم إلى المباهلة: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾(11)، محتكما إلى مرجعية فوق البشر، ثم ودعهم آمنين إلى ديارهم، لم يمسسهم سوء بل كرمت إنسانيتهم خير تكريم.

(3)
ثم إننا نستذكر إلى ذلك ما كان من موقف الرسول الكريم حين دخل مكة فاتحا ورجع إليها ظافرا، وخاصة ما كان منه حين دخل الكعبة وكانوا – كما جاء في الجزء الأول من السيرة النبوية من سير أعلام النبلاء – ” قد زوقوا سقفها وحيطانها من بطنها ودعائمها وصوروا فيها الأنبياء والملائكة والشجر، وصوروا إبراهيم يستقسم بالأزلام، وصوروا عيسى وأمه، إذ أمر بثوب فبل بماء وأمر بطمس تلك الصور، ووضع كفيه على صورة عيسى وأمه، وقال: امحوا الجميع إلا ما تحت يدي”(12).
ولقد ظلت صورة سيدنا المسيح –عليه السلام– وأمه مريم البتول مرسومة على السارية الوسطى من سواري الكعبة إلى أن ذهب بها الهدم من بعد، يثبت ذلك قول عطاء بن أبي رباح حين سأله سليمان بن موسى الشامي –كما جاء في تاريخ مكة ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء– عما إذا كان أدرك في البيت تمثال مريم وعيسى (وهو يقصد صورتيهما -عليهما السلام-) إذ قال: “نعم، أدركت تمثال مريم مزوقا، في حجرها عيسى قاعد، وكان في البيت ستة أعمدة سواري، وكان تمثال عيسى ومريم في العمود الذي يلي الباب”. كما تثبته رواية عمرو بن دينار في قوله: “أدركت في الكعبة قبل أن تهدم تمثال عيسى وأمه (صورتهما)”، ورواية داود العطار إذ قال: “أخبرني بعض الحجبة عن مسافع عن شيبة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “يا شيبة، امح كل صورة إلا ما تحت يدي، قال: فرفع يده عن عيسى ابن مريم وأمه”. وثَمَّ رواية أخرى أوردها الذهبي إلى ما سبق، في السيرة النبوية عن ابن شهاب: “أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل الكعبة وفيها صور الملائكة، فرأى صورة إبراهيم فقال: “قاتلهم الله، جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام”، ثم رأى صورة مريم فوضع يده عليها وقال: “امحوا ما فيها إلا صورة مريم”(13).
هذه ثلاث لحظات تاريخية من أربع أردنا أن ننظر إلى “الصحيفة” وإياها في سياق واحد.

(4)
أما الرابعة فهي لحظة فتح بيت المقدس يوم أن كتبت ” العهدة العمرية ” فكانت أنموذجا للمعاهدات التي تراعي أحوال الناس جميعا وتتناول حضورهم الإنساني في شتى احتمالاته: من إقامة دائمة وأخرى مؤقتة، ومن مرور، ومن متاجرة، ومن زيارة، ومن حج وعبادة، تقول المعاهدة كما روى الطبري:
“بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل “إيلياء” من الأمان”.
أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها، وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من غيرها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود.
وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص.
فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية.
ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم، وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم.
ومن كان بها من أهل الأرض، من شاء منهم قعد، وعليه مثل ما على أهل ” إيلياء ” من الجزية، ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع إلى أهله، وأنه لا يـأخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم.
وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله، وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية(14).

(5)
إن مبعث حرصنا على قراءة “الصحيفة” في سياق من مواقف ومعاهدات تعكس الرؤية الشمولية للآخر الكتابي في الإسلام هو توكيد أن الإعتقاد بكرامة الإنسان بإطلاق، وبقربى النصارى من أهل الكتاب خاصة، وبأهمية الوفاء بالعهود، وكل أولئك كان أساسا ومنطلقا وغاية وهدفا في آن، أي أن “الصحيفة” لم تكن موقفا آنيا اضطر إليه الرسول الكريم محمد -صلوات الله وسلامه عليه-، أو موقفا “تكتيكيا” بلغة القوم. بل كان موقفا مبدئيا ثم اتخاذه في ضوء كتاب الله الكريم وسنة نبيه المشرفة، هذين الأصلين اللذين حكما كل معاهدة سابقة أو لاحقة في الإسلام.
وحتى يكون لنا أن ننظر في “الصحيفة” أو أن نقرأ دلالاتها، فإنا موردوها نصا بحسب ما انتهى إليه تحقيق الأستاذ صيدان بن عبد الرحمن اليامي في كتابه “بيان الحقيقة في الحكم على الوثيقة”(مكتبة المعارف- الرياض- 1987م- من ص5-10) ومثبتو بيان ما غمض من معاني ألفاظها بحسب هذا التحقيق أيضا.

نص”الصحيفة”
“بسم الله الرحمن الرحيم. هذا الكتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم(15) يتعاقلون بينهم(16) وهم يفدون عانيهم(17) بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن عوف، على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا(18) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة(19) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينصر كافرا على مؤمن. وأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم. وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وأنه من تبعنا من اليهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم. وأن سلم المؤمنين واحدة، ولا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا. وأن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماؤهم في سبيل الله. وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، أنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وأنه من اعتبط مؤمنا قتلا (20) على بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه. وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله – عز وجل- وإلى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم وإلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ(21) إلا نفسه وأهل بيته، وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف. وأن ليهود بني حارث مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف وأن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته. وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم وأن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف وأن البر دون الإثم. وأن بطانة يهود كأنفسهم، وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأنه لا ينحجز على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم، وإن الله على أبر هذا، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم. وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله – عز وجل- وإلى محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها. وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه. وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم. وأن الأوس مواليهم وأنفسهم، وعلى مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وأن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج آمن ومن تعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-(22).
لقد كتبت هذه “الصحيفة” في أعقاب مقتل الشاعر اليهودي كعب بن الأشرف الذي شبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، كما آذى النبي الكريم بالهجاء، وركب إلى قريش فاستغواهم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-حتى قال الرسول يوما: من لكعب بن الأشرف فقد آذانا بالشعر وقوى المشركين علينا. فلما قتل “فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين، فغدوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-حين أصبحوا فقالوا: أنه طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من سادتنا فقتل، فذكر لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-الذي كان يقول أشعاره، ودعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابا، فكتب بينه صحيفة، وكانت تلك الصحيفة بعده عند علي، أخرجه أبو داود”(23).
وعلى أننا لا نعدم من يرى أن هذه الرواية لا يمكن الجزم بصحتها لفقدانها عامل الصحة، وهو اتصال السند إن صح، كما ذهب إلى ذلك الأستاذ صيدان بن عبد الرحمن اليامي، فإننا لا نعدم في الوقت نفسه من يراها دستورا رفيعا “لم يستطع الفقهاء دراسته كما ينبغي، شكوا في صحة الوثيقة إذ إنها وصلتهم مكتوبة دون سند، وهم كانوا يدققون جدا في موضوع السند، ثم إنهم خافوا من الإصرار على تطبيق الصحيفة؛ لأنَّها كانت تعطي الأمة حقوقا لا تقرها النظم الحاكمة من أمويين وعباسيين وغيرهم”(24(.
وليس يخلو من الدلالة أن من يرون هذه الرواية مما ينبغي الاحتجاج به ومن يرونها موضع احتجاج؛ متفقون جميعا على أنها قد أخذت ” طابعا هاما في دراسة النظام السياسي في الإسلام”(25). كما يخلو من الدلالة أنها تصدر نصا ودلالة من المشكاة نفسها التي خرجت منها الكتب والمعاهدات التي سقناها بين يديها، سواء ما كان سابقا لها أو لاحقا. الأمر الذي يجعلنا نميل إلى قراءة الدكتور حسين مؤنس لها، من حيث هي “دستور وضعه الرسول لجماعته في المدينة ليحدد لها نظام العمل في شؤون الجماعة الداخلية والخارجية.. دستور كامل يبين الحدود الجغرافية لوطن الأمة: جوف المدينة، ومنازل القبائل، وَكُلّ من لحق بنا وجاهد معنا”، والمراد هنا منازل كل القبائل التي تنضم إلى الأمة و”تقر بما في هذه الصحيفة” أي توافق على ذلك الدستور، وقد اتسعت مساحة المدينة بذلك؛ لأنَّ القبائل حولها أخذت تنضم إلى الأمـة الإسـلامية(26(.
وتحدد الصحيفة، فيما يرى الدكتور حسين مؤنس “واجبات أعضاء هذه الجماعة وحقوق كل منهم، العدل والبر (والبر معناه الوفاء) ولهم الأمن على النفس والمال”.
والجماعة كلها هي التي تقوم بحماية الأمن في داخلها ” ويد المؤمنين جميعا على من ابتغى دسيسة فساد بينهم”. والجماعة متعاونة لمساعدة المحتاج والمدين والمريض، وهي ملزمة بمعاونته في فداء أو أسر، وكل مجموعة قبلية من أهل المدينة مسؤولة عن الأمن في مواطنها وعن حماية المدينة من ناحيتها، والأمة كتلة واحدة ” يد المسلمين واحدة ” ولا تعقد جماعة صلحا إلا باتفاق الجماعة. لكل مجموعة رياستها وهم مسؤولون عن جماعتهم من كل ناحية. والقاعدة في التعامل هي البر -أي الوفاء-، فمن نصوصها: “والبر دون الإثم”، أي: أن الوفاء دون الحنث، و” أن الله على أبر هذا ” أي: أن الله يؤيد أصفى وأصدق ما في هذه الوثيقة من وفاء.
وإذا هوجمت المدينة فلا بد أن يشترك الجميع في الدفاع. أما إذا قامت الجماعة بحرب خارج حدودها فلا إلزام، وليخرج من يريد، ولكن الرسول كان إذا ندب أحدا لمهمة سارع في التنفيذ مختارا سعيدا. وهذه القواعد واردة في القرآن الكريم بهديه وأخلاقه التي هي مكارم الأخلاق، أو المروءة الإسلامية التي حلت محل المروءة الجاهلية، والمروءة مشتقة من مرء أي إنسان فمعناها إذن الإنسانية. والمروءة الجاهلية كانت تبيح القتل وسفك الدم والقسوة، كما ترى في بعض أشعار عنترة العبسي وغيره من الجاهليين، أما المروءة فتحض على الرحمة والمغفرة والإحسان والرأفة باليتيم والضعيف والعاجز، ونصرة المظلوم. وكل هذه مبادئ واردة في القرآن الكريم وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وطبقها بنفسه وبين للناس كيف يسيرون عليها، وهذا هو ما نسميه بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-أي خلقه وتصرفه وقولـه، ولـه صلوات الله عليه حديث جامع مانع يوجه المسلمين إلى كل خير ويمنع عنهم كل أذى ويحميهم من كل شر ويدفع عنهم كل ضرر، ولو عملوا بما فيه لكانوا أعظم الأمم في كل عصر، قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي”(27).
وإذا كان الدكتور حسين مؤنس قد غلب – في تحليله للصحيفة – جانب الأمة على الدولة، ورأى في رسول الكريم محمد -صلوات الله وسلامه عليه- نبيا وسراجا منيرا، لا قائدا عسكريا أو قائد دولة دبلوماسيا، فإن الدكتور كامل الدقس يرى في الصحيفة إعلانا “عن قيام دولة قانونية في الأرض”، وقد نظم الرسول -صلى الله عليه وسلم- جميع شؤونها ورسم سياستها الداخلية والخارجية بصفته الرئيس الأعلى للدولة.
يقول الدكتور كامل الدقس في ذلك: “لقد وضع الرسول -صلى الله عليه وسلم-دستورا للدولة نظم فيه شعب دولته، وحدد العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وبين فيه الحقوق والواجبات على مواطني الدولة (اليهودية بقبائلهم – القبائل المتفرقة – الأوس والخزرج – المهاجرين)، وهذا الكتاب الذي يعرف بعقد (الصحيفة) يعد دستورا فريدا لم تحلم البشرية في عمرها الطويل منذ نشأتها وإلى يوم الناس هذا بمثله. وإن المتأمل في هذه الوثيقة يتبين في وضوح وجلاء عظمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السياسة والصياغة على السواء. فقد كتبت هذه الوثيقة على غير مثال سبقها، وشملت نصوصها كل ما تحتاج إليه الدولة في تنظيم شؤونها الداخلية والخارجية. وقد تضمن الدستور الكثير من القواعد والمبادئ الأساسية التي ما تزال البشرية تحوم حولها، أو تحلم بقليل منها”(28(.
ولعل ألصق هذه القواعد بموضوعنا تلك التي تنص “على إباحة الحريات: حرية العقيدة، والإقامة والتنقل، ومزاولة الحرف دون تقييد ما دامت هذه الحريات لا تضر مصلحة المجموع، وتراعي المبادئ الأخلاقية في السلوك الفردي وفي العلاقات الاجتماعية”(29(.
ومهما يكن الأمر في استخلاص دلالات هذه الصحيفة في جانبيها السياسي والتنظيمي، أو في التحرير الفقهي لبنودها، فإنها حافلة بدلالات أخر تتعلق بما وراء البنود من التوجه نحو وحدة الشعور بالجماعة الإنسانية، وحميمية العلاقات فيما بين أفرادها على اختلاف الانتماء الديني والقبلي.
وثَمَّ في الصحيفة إشارات لا بد أن نتدبرها إلى “المعروف والقسط” اللذين اعتبرا مدخلا عاما لها، وتكررا تسع مرات فيها، وإلى أن “ذمة الله واحدة”، و “أن سلم المؤمنين واحدة”، و “أن النصر للمظلوم”، و “أن الجار كالنفس غير مضار”، و”أن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره”، و “أن البر دون الإثم”، و “أن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة”، وأن اليهود مواليهم وأنفسهم “على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة”، و “أن الله جار لمن بر واتقى”.
إن هاهنا توكيدا لما يمكن تسميته “روح القانون” أو المرجع العقدي الأعلى له، وإن في طوق الدراسة الأسلوبية أن تظهرنا على دليل داخلي في الصحيفة يصحح روايتها ويثبتها. وخاصة فيما يتعلق باليهود، وما تناولته الصحيفة من ألوان العلاقة معهم، كما يمكن للدراسة المقارنة بين “الصحيفة” و “كتاب أهل نجران” و “العهدة العمرية” أن تجزم بالصدق الداخلي لمتنها، وبصدورها عن رؤية إيمانية شاملة ترى إلى الآخر المختلف عقديا أو دينيا على أنه توسعة للذات، وميدان لفضائلها، ولما تتمتع به من معروف وقسط وبر وتقوى وصدق، وحسبك ذلك كله التماسا لوحدة الشعور الإنساني في المجتمع الواحد أو تعزيزا لوحدة الخلق، على تنوع مللهم ونحلهم وألسنتهم، في مقابل وحدانية الخالق الذي شاء سبحانه أن يجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا، وأن يجعل لكم منهم شرعة ومنهاجا، وقضت حكمته أن لا يزالوا مختلفين حتى يبلوهم أيهم أحسن عملا، وأيهم أتقى له وأقوم سبيلا..
إن “الاختلاف” بما هو حقيقة كونية وإنسانية لا ينبغي أن يحول دون استشعار معنى الرحم الجامعة لبني الإنسان، ولعل مقاربة أخرى من الصحيفة وأخواتها أن تظهرنا على اعتراف الإسلام بالتعددية المليئة في الأرض، وعلى أن ذلك شرط موضوعي للتعارف الذي يتجاوز معرفة الآخر إلى “القسط المعروف” معه، وإلى أن يكون “كالنفس غير مضار” وأن يكون البر المحض “هو ضابط العلاقة معه وميزانها…”.
إن التسامح الذي نراه هنا فعل إيجابي ومروءة نفسية وتوجه صادق نحو الآخر، لا موقف سلبي اضطراري. والمسامحة لغة واقعة في حقل دلالي تجاورها فيه: المساهلة والمقاربة والمداناة والمواتاة والملاينة(30)، كما أن لسمح في العربية معنى جاد وكرم، والملة السمحة: التي ما فيها ضيق(31). وشتان بين هذا كله وبين دلالات Tolerantia اللاتينية، التي تعني التساهل السلبي، أو “سلوك شخص يتحمل دون اعتراض أي هجوم على حقوقه، في الوقت الذي يمكنه فيه تجنب هذه الإساءة”(32). فلكأن للغات أرواحا تسكنها، ولكأن حكمة الله قد قضت بأن يكون للعربية التي نزل بها القرآن سعة وجدانية أو رحابة روحية تتميز بها عن سائر اللغات.
على أن الأمر لا يتوقف عند النصوص دون تمثلاتها، ولا عند المفاهيم دون ما صدقاتها، أو الوقائع التاريخية التي تتجلى بها، ونحن عند هذه في غناء أي غناء من الشواهد المتتابعة، والأدلة المتظاهرة، فقد روى يحيى بن آدم في كتاب الخراج أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- لما تدانى أجله أوصى من بعده وهو على فراش الموت بقوله: “أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرا، وأن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفهم فوق طاقتهم”(33). كما جاء في كتاب: “أهل الذمة في الإسلام” للدكتور أ. س، ترتون قوله تعقيبا على وصية الفاروق: إن “في الأخبار النصرانية شهادة تؤيد هذا القول، وهي شهادة البطريرك “عيشوبايه” الذي تولى منصبه من سنة (647هـ) إلى (657هـ)، إذ كتب يقول:
– “إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون، إنهم ليسوا بأعداء للنصرانية، بل يمتدحون ملتنا، ويوقرون قديسينا وقسيسينا، ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وأديرتنا”(34).
شهادة تأتي بعد ستمئة وخمسين عاما من ظهور الإسلام، لا منفردة ولا يتيمة ولكن في سياق من البراهين على أن الإسلام قلب مشرع الجنبات للإنسانية كلها، وأنه الدين الْـحَقّ الذي جاء رحمة للعالمين.
لقد كانت هذه قراءة أولية للصحيفة أو الوثيقة المدنية في سياق ينظمها وأخواتها اللواتي يؤكدن قيام التسامح في الإسلام على أصول قرآنية ومبادئ عقدية، أو على رؤية شاملة جامعة جديرة باهتمام العالم كله وتقديره، وهي فيما آمل توطئة لما وراءها من النظر العميق في ما سميناه ابتداء “اللحظات المؤسسة” للعلاقة مع الآخر المختلف دينا…
والحمد لله أولا وأخيرا…

الهوامش:
(1) انظر: الجزء الثالث من كتابنا ” الشذرات “، ص312، عمان 2000م.
(2) سير أعلام النبلاء، ج1 ص208، حققه وضبط نصه وعلق عليه د. بشار عواد معروف.
(3) المصدر السابق، ص431.
(4) سير أعلام النبلاء، ج1 ص443.
(5) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
(6) سورة الأنبياء: آية 92.
(7) بدايات الكتابة التاريخية عند العرب: “أول سيرة في الإسلام ” د. سلوى مرسي الطاهر – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت، 1995م.
(8) المصدر السابق، ص290.
(9) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(10) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(11) سورة آل عمران: آية (61).
(12) سير أعلام النبلاء، الجزء الأول من السيرة النبوية.
(13) المصدر السابق، الجزء الأول.
(14) انظر: التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، محمد الغزالي، دار الكتب الحديثة، القاهرة، د. ت.
(15) قال ابن زنجويه في كتاب الأموال: 2/471: “الرباعة هي المعاقل، وقد يقال: فلان على رباعة قومه: إذا كان المتقلد لأمورهم، والوافد على الأمراء فيما ينوبهم”. وورد في رواية ابن زنجويه (رباعتهم) ولعل الصواب ربعتهم. كما رجح المحقق 1/ 456، وقال الزمخشري في الفائق في غريب الحديث، ص1- 25: “رباعة الرجل، شأنه وحاله الذي هو رابع عليها، أي ثابت مقيم ومنه حديثه –صلى الله عليه وسلم- حين سأله عمر عن الساعة: ذاك عند حيف الأئمة، وتصديق أمتي بالنجوم، وتكذيب بالقدر، وحين تتخذ الأمانة،مغنما والصدقة مغرما، والفاحشة رباعة. فعند ذلك هلك قومك يا عمر. قال يعقوب – ولا يمكن في خير حسن الحال، يقال: ما في بني فلان من يضبط رباعته غير فلان وقال الأخطل:
ما في معد فتى تغنى رباعته إذا يهم بأمر صالح فعلا
وفي تحقيق ديوانه 145، روايته: “بأمر صالح عملا”.
(16) أي: يعقل بعضهم عن بعض، والعقل: كما في الفائق للزمخشري، (2/ 26) هو: إعطاء الدية.
(17) هو: الأسير، كذا في الفائق 2/ 26.
(18) قال ابن زنجويه 2/471 “المفرح: المثقل بالدين فيقول: عليهم أن يعينوه إن كان أسيرا…، وإن كان جنى جناية خطأ عقلوا عنه”. انظر أيضا: الفائق 2/ 26.
(19) قال في الفائق 2/ 261: “الدسيعة من الدسع وهو الدفع يقال: فلان ضخم الدسيعة أي: عظيم الدفع للعطاء، وأراد دفعا على سبيل الظلم، فأضافه إليه وهذه إضافة بمعنى من. ويجوز أن يراد بالدسيعة العطية أي: ابتغى منهم أن يدفعوا إليه عطية على وجه ظلمهم. أي: كونهم مظلومين، أضافها إلى ظلمه لأنه سبب دفعهم لها”.
(20) الاعتباط: أن يقتله بريئا محرم الدم، وأصل الاعتباط في الإبل أن تنحر بلا داء يكون بها. كتاب الأموال لابن زنجويه 2/ 471، وقال في الفائق 2/ 261، الاعتباط: النحر بغير علة فاستعاره للقتل بغير جناية.
(21) قوله (لا يوتغ إلا نفسه) يقول: لا يهلك غيرها، يقال: قد وتغ الرجل وتغا إذا وقع في أمر يهلكه. وقد أوتغه غيره، الأموال لابن زنجويه 2/ 471.
(22) انظر: سيرة ابن هشام، 2/106. وكتاب الأموال لابن زنجويه، 2/466.
(23) سير أعلام النبلاء، السيرة النبوية، تحقيق د. بشار عواد معروف، 1/389.
(24) دراسات في السيرة النبوية، د. حسين مؤنس، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة 1985م، ص56.
(25) بيان الحقيقة في الحكم على الوثيقة، صيدان اليامي، مكتبة المعارف، الرياض 1987م، ص39.
(26) دراسات في السيرة النبوية، ص55.
(27) المصدر السابق، ص56.
(28) الدولة الإسلامية، د. كامل الدقس، دار الأرقام، عمان 1993 م، ط1، ص79.
(29) المصدر السابق، ص80.
(30) انظر: جواهر الألفاظ لأبي الفرج قدامة بن جعفر، تحقيق محمد محيي الدين بن عبد الحميد، دار الكتب العلمية، بيروت 1985م.
(31) انظر: القاموس المحيط للفيروزآبادي، مادة ” سمح”.
(32) انظر: الموسوعة الفلسفية العربية، تحرير د. معن زيادة، معهد الإنماء العربي، مادة: تسامح.
(33) انظر: التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، محمد الغزالي، دار الكتب الحديثة، القاهرة ص46.
(34) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
****
المصدر: موقع الدكتور رضوان السيد
http://www.ridwanalsayyid.com/




جزية أهل الكتاب … قراءة تاريخية للموروث الديني

بقلم: هشام منوّر صحيفة الحياة –
أثار قرار ما تسمى «الدولة الإسلامية» أو «داعش» إجبار مسيحيي الموصل على دفع الجزية، أو القتل، أو التهجير، جدلاً كبيراً. هو مفهوم إسلامي لم ينجح الموروث الفقهي التقليدي في فك طلاسمه حتى الآن، واستأنف نقاشاً وجدلاً كبيراً يتنازعان دعاة المشروع الإسلامي بأطيافه المتعددة، حول كيفية التوفيق بين قوانين الدولة الإسلامية ونظيرتها الوطنية ومعاصرة التبدلات السياسية التي طرأت منذ انهيار الخلافة العثمانية.
بصرف النظر عن خلفية التنظيم الذي تمدد في كل من العراق وسورية مستغلاً أوضاع البلدين الداخلية، وربما التسهيلات اللوجيستية والعسكرية المقدمة من نظامي العراق وسورية، وما يقال عن خلفية التنظيم المخابراتية، فإن استغلاله مفهوم الجزية يأتي ليعيد فتح النقاش حول هذا المفهوم، وتسليط الضوء على أحد المفاهيم الذي لم ينجح الفقه الإسلامي في كشف ثناياه وتطبيقاته.
بداية وقبل الخوض في نقد المفهوم الفقهي التقليدي للجزية، تسترعي المتابع والمدقق حقيقة تاريخية ناصعة لا لبس فيها، وهي أن النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، لم يفرض الجزية المأمور بها في القرآن الكريم، وفق ادعاء الفقهاء، على أي من اليهود أو النصارى الذين قاتلهم! فاليهود الذين كانوا يشاركون المسلمين المدينة المنورة، كانوا أولى الناس بتطبيق هذا «الواجب» الإسلامي، بخاصة أن آية الجزية كانت مدنية بالاتفاق، فهل يتهم الفقه التقليدي الممارسات النبوية من حيث لا يدري؟!
مفهوم الذمة ذاته الذي تنبني عليه كل التصورات الخاطئة لدى الفقه الإسلامي، نابع من موقف أولي يميز بين الناس على أساس الدين، فيما كانت الوثيقة النبوية التي صاغها الرسول الكريم لسكان المدينة تقوم على الولاء للدار «أي الوطن» والالتزام بكل الحقوق والواجبات المترتبة عليه، من دون تمييز بين الناس إلا في ما يتعلق بمجال تعبدهم ودينهم.

كنيسة المهد في القدس
كنيسة المهد في القدس

أصل شرعة الجزية في الفقه الإسلامي يستند إلى قوله تعالى: «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» (التوبة: 29)، وأول ما نلحظه أن الآية خطاب إلى المسلمين يأمرهم بأخذ الجزية من جميع أهل الكتاب، لكن الممارسة الفقهية خصت الأخذ بمن يقاتل فقط، وثبت تاريخياً وفقهياً أن الجزية لا تؤخذ من غير المقاتلين من النساء والأطفال، على رغم أن النص القرآني عام وشامل لكل المكلفين، فكيف يمكن تخصيص النص من غير دليل من كتاب أو سنّة بالنسبة إلى من يتبنى مفهوم الجزية؟! يقول الإمام مالك في موطئه: «مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم، وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زروعهم ولا مواشيهم صدقة». وقال ابن حجر: «لا تؤخذ من شيخ فانٍ ولا زمِن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا من أصحاب الصوامع والديارات في قولٍ. والأصح عند الشافعية الوجوب على من ذكر آخراً [أي أصحاب الصوامع]». وقد كتب عمر بن الخطاب بذلك إلى أمراء الأجناد: «لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي» أي ناهز الاحتلام، وهو من يقدر عادة على حمل السلاح.
التفاوت في أخذ مقدار الجزية من النصارى واحد من العوامل التي تثير التساؤل، إذ لا نص في السنّة النبوية على تحديد مقدارها، على رغم أنها مبدأ إسلامي أصيل كما يقول الفقهاء، وترك لكل حاكم مسلم أن يفرض مقدارها بمقدار الحاجة وتقديرها، فهل تترك مقل هذه الأمور على عواهنها من دون تحديد، والسنّة النبوية كانت حريصة على شرح القرآن الكريم وبيانه للناس؟
يبرر الفقه الإسلامي فرض الجزية على أهل الكتاب بأنها مقابل واجب الحماية لهم، فإن عجز المسلمون عن ذلك، وذلك حصل مراراً في التاريخ، سقطت الجزية عن أهل الكتاب، أو حتى إن التزم أهل الكتاب الدفاع عن أنفسهم، سقطت كذلك، فكيف ينسجم هذا الفهم مع إلزام «الصغار» لمن يدفعها منهم، وأن الغاية إظهار مدى قوة المسلمين أمام أهل الكتاب؟ فقد كتب خالد بن الوليد لأهل بعض النواحي في العراق: «فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم»، وقال الباجي معلقاً: «وذلك أن الجزية إنما تؤخذ منهم على وجه العوض لإقامتهم في بلاد المسلمين والذب عنهم والحماية لهم». وقال الماورديّ: «ويلتزم، أي الإمام، لهم ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين».
يبرر الفقه الإسلامي المعاصر تحت وطأة المساءلة مفهوم الجزية بأنه ما يشبه الزكاة عند المسلمين تارة، وأنها ضريبة مالية تفرض على أهل الكتاب، كما تفرض الزكاة على المسلمين، لكن حقيقة الجزية وتطبيقاتها مختلفة تماماً عن الزكاة كما هو واضح من حيث إنه واجب مالي تعبدي في الإسلام، ويلجأ البعض أحياناً أخرى إلى تشبيهها بالبدل النقدي العسكري مقام أداء المسلمين لواجب الجهاد والذود عن الأوطان، لكن تطبيقات الجزية وظروف أخذها «عن يد» و «هم صاغرون» لا تشي بأنها ضريبة مالية مقام الدفاع عن الوطن أو القيام بواجب الجهاد على المسلمين، فالسياق القرآني لنص الجزية يشير إلى أنها في حال الاشتباك والقتال مع أهل الكتاب، أي أنها تفرض في حال الحرب لا السلم، كما يحاول الفقه التقليدي تلبيس ذلك، ما دفع البعض إلى القول إنها أشبه ما تكون بالغرامات المالية التي تفرض على الدول بعد انتهاء الحروب كضريبة إعادة الإعمار والخراب الذي تسببت به هذه الدولة في حق المسلمين، ووجه الاختلاف والتناقض أن ذلك أمر جماعي أو على مستوى الدول، ولا نظير لمثله في الإسلام، ولا يمكن أن يكون إلزاماً فردياً كما تقول التطبيقات التاريخية.
جل ما يستطيع فيه الفقه الإسلامي تبرير ممارسات الجزية وتطبيقاتها العملية كونها حدثاً تاريخياً موجوداً بين الدول والأمم منذ الأكاسرة، وأن المسلمين اتبعوا ذلك بناء على مقتضيات العصر إلا أنهم حاولوا أسلمة هذه الممارسات وضبطها بمعايير العدل والتسامح ما أمكن، «فالصغار» الذي تردد الفقهاء والمفسرون في تفسيره، وحرصوا على نفيه في ممارساتهم خلافاً للنص القرآني وفهمهم له، بحسب زعمهم، يعني كما يقول الإمام الشافعي أن تجري عليهم أحكام الإسلام، أي العامة منها، فالجزية علامة على خضوع الأمة المغلوبة للخصائص العامة للأمة الغالبة، كما يرى ذلك الفقهاء، على رغم تطرف البعض واشتراط شروط غريبة تنافي العدل والبر لأهل الكتاب من حيث أسلوب أداء الجزية.
تتمثل الإشكالية التي وقع فيها الفقهاء وحركات الإسلام السياسي في عدم جرأتهم على قراءة النص القرآني، بعيداً من ضغط التراث الفقهي. لذلك، تعاطوا مع التطبيقات التاريخية باعتبارها شريعة الإسلام التي نص عليها القرآن الكريم، وجعلوا الممارسات التاريخية نصب أعينهم في التعامل مع الآخر المختلف دينياً، وهي ممارسات تنبع من واقع عصرها وذيوع الولاء إلى الملة لا إلى الوطن كما هو اليوم، وما يؤكد هذا التأويل أن الصحابة في عهد الراشدين هم من دشن العمل بالجزية، بعد إسقاطهم دولتي فارس والروم واجتهدوا في تأويل مفهوم الجزية وتطبيقه على الأفراد. يقول الشيخ محمد رشيد رضا: «ومن وقف على هذه النصوص يظهر له أن الجزية مأثورة من آل كسرى، وأن الشريعة الإسلامية ليست بأول واضع لها، وأن كسرى رفع الجزية عن الجند والمقاتلة، وأن عمر بن الخطاب اقتدى بهذه الوضائع».
فهل يسائل الفقه الإسلامي التقليدي نفسه قبل غيره من الحركات الإسلامية المتشددة، التي انبرت لتطبيق الجزية على أهل الكتاب قبل استكمال بقية الواجبات والحقوق الأخرى، كيف يمكن التهاون في فهم النصوص وتطبيقها أن يؤدي إلى الإساءة إلى الإسلام وشرائعه السمحة؟ وإلى متى سيظل هذا الفقه أسير العجز والدونية عن انتقاد تراثه الذي يساء تطبيقه في سياقات تاريخية غير مناسبة؟