كيف اختلف اسم الله بين الديانات الإبراهيمية الثلاث؟

بقلم: محمد يسري* — برغم التشابه الشديد الذي يجمع ما بين الديانات الإبراهيمية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، فيما يخص التفسير المشترك لأصل الوجود وخلق الكون والكثير من المعتقدات والأفكار المرتبطة بهما، فإن تلك الديانات توجد فيها أيضاً العديد من أوجه الاختلاف والتمايز، وفي الصدارة منها يأتي الاختلاف حول اسم الرب.

اسم الرّب في اليهودية

يهوه وإلوهيم وأدوناي في اليهودية عُرف الرب بعدد كبير من الأسماء والتوصيفات التي وردت في التناخ وهو الكتاب المقدس عند اليهود، وكذلك في التلمود والقصص الدينية. ففي بعض المواضع يأتي اسم إله اليهود بشكل مبهم أو غامض.

ومن ذلك ما يخبرنا به سفر الخروج، أن النبي موسى عندما شاهد نار العليقة فوق جبل سيناء، صعد ليستقصي الأمر، فسمع صوت الله الذي أمره بالذهاب لبني إسرائيل في مصر ليخرجهم منها إلى الأرض الموعودة، وعندما سأل موسى عما يقوله لقومه إن سألوه عن اسم الذي كلمه، أخبره الله أن يقول لهم (أهيه أشير أهيه) وهي جملة عبرية تعني “أكون الذي أكون”.

أما أشهر أسماء الرب عند اليهود، فهو يهوه، وهي كلمة عبرية مختلف على أصلها، وقد وردت في مئات المواضع في كتب اليهود المقدسة، منها ما ورد في سفر الخروج عندما قال الله لموسى (هكذا تقول لبني إسرائيل يهوه إله أباءكم إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم، هذا اسمي للأبد).

وفي نفس الوقت فإنه وفي الكثير من الأحيان، يتم تسمية الرب في اليهودية بـ(إلوهيم)، ويرى الكثير من الباحثين أنها مقتبسة من اسم الإله إيل الذي ورد اسمه في منقوشات عدة على ألواح أوغاريت التي ترجع للقرن الثالث عشر أو الرابع عشر قبل الميلاد على أرجح تقدير، وقد كان إيل معروفاً عند الكنعانيين وكان من أهم المعبودات عندهم في سوريا وفلسطين فيما قبل دخول العبرانيين إليها.

ويرى أستاذ الدراسات اليهودية في جامعة جورجيا الأمريكية، ريتشارد إليوت فريدمان في كتابه المهم بعنوان: من كتب التوراة؟ أن الاختلاف في اسم إله اليهود ما بين يهوه وإلوهيم، ليس مجرد اختلاف في المسمّى وحسب، بل أن الكلمتين لهما معنيان ودلالتان مختلفتان تماماً، فاسم إلوهيم كان يتم استخدامه في مرحلة تعدد الألهة عند العبرانيين، أما يهوه فتم استعماله للإشارة للإله الواحد الأحد.

ويستخدم اليهود أيضاً كلمة أدوناي للإشارة إلى إلههم، أدوناي والتي تعني السيد في اللغة العبرية، يتم نطقها بواسطة قارئ التناخ عندما يأتي موضع فيه ذكر ليهوه، والسبب في ذلك هو التخوف من نطق اسم الرب المقدس بشكل خاطئ، فقد ورد في سفر الخروج (لا تنطق باسم يهوه إلهك باطلاً، ‏لأن يهوه لا يترك الذي ينطق باسمه باطلاً دون عقاب).

ولما كان النطق الصحيح لاسم يهوه قد ضاع مع مرور الزمن وتعاقب القرون، فقد صار من الأسلم ألا يتم نطقه خشية الخطأ، ويستثنى من ذلك حالة وحيدة، وهي أنه من المسموح به لرئيس الكهنة في صلوات وأدعية عيد الغفران أن يذكر اسم يهوه بشكل مباشر وصريح.

اسم الربّ في المسيحية

أسماء الأقانيم الثلاثة يؤمن المسيحيون بالإله الواحد يهوه، ولكن من خلال ثلاثة أقانيم مختلفة، وهي الآب والابن والروح القدس.

بالنسبة لاسم الأقنوم الأول الآب (بمد الألف) فهو لا يعني الأب أو الوالد كما قد يتبادر إلى ذهن السامع، بل هي كلمة ذات أصل سرياني، دخلت اللغة العربية بمعنى الأصل أو الأساس، واختصت بالأقنوم الأول من الثالوث. أما الأقنوم الثالث، الروح القدس، فقد ذكر عدة مرات بصيغ مختلفة في الكتاب المقدس، منها روح القداسة، روح الله، روح الله القدس، روح الحق، روح المسيح، وروح الرب، الباراقليط.

أما أكثر الأقانيم الثلاثة إثارة للجدل فيما يخص أسمائه فهو الاقنوم الثاني، الابن، فهناك الكثير من الأسماء والألقاب التي عُرف بها السيد المسيح. وأشهر تلك الأسماء هو اسم المسيح أو الماشيح أو المسيا، وهو اسم يهودي عبراني الأصل، وكان يشير إلى ملك او كاهن أُدخل إلى هذا المركز رسمياً عن طريق مسح رأسه بالزيت المقدس، ويؤكد الحاخام اليهودي (روبن فايرستون) في كتابه (ذرية إبراهيم) أن اليهود كانوا يعتقدون أن أحد أبناء داود الملك، سوف يظهر ويحررهم من الظلم والجور الواقعين تحته، وأنه سوف يقيم ملكاً عظيماً، وأنه قد تم تخليد تلك الفكرة في كل من التلمود والمدراش.

ولما كان المسيحيون يعتقدون بأن (ابن مريم) هو نفسه ذلك الموعود الذي بشرت به كتب اليهود المقدسة، فأنهم خلعوا عليه لقب المسيح. الاسم الثاني لأقنوم الابن، هو يسوع الناصري، وهي تسمية معروفة ومستخدمة عند كل من اليهود والمسيحيين بينما لا يتقبلها المسلمين. وقد وردت تسمية المسيح بيسوع في الكثير من المقاطع في العهد الجديد، ومن ذلك ما ورد في إنجيل لوقا (وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى).

وكلمة يسوع مشتقة أصلاً من كلمة يشوع، والتي تسمى بها عدد من شخصيات العهد القديم مثل يشوع بن نون خليفة موسى في قيادة بني إسرائيل. ويشوع هي الكلمة الناتجة من إضافة مقطعين، وهما (يهوه) والتي تشير إلى اسم إله بني إسرائيل، و(شع) وهو فعل يعني يخلص، معنى ذلك أن كلمة يشوع أو يسوع هي (الله المخلص).

ومن يسوع جاءت كلمة (إيسوس) في اللغة اليونانية، والتي انتقلت بعد ذلك إلى العديد من اللغات الأوروبية الحديثة عبر اللغة اللاتينية. أما الناصري، فهي نسبة مكانية إلى مدينة الناصرة التي ولد فيها المسيح، والناصرة هي إحدى المدن التاريخية في فلسطين، تقع في منطقة الجليل وتبعد عن القدس ما يقرب من 105 كيلومتر.

أما التسمية الثالثة للابن، فهي (عمانوئيل)، وهي كلمة عبرية تعني (الله معنا)، وقد وردت في العهد القديم في سفر أشعياء في سياق جدال ما بين النبي أشعياء وأحاز ملك يهوذا، حيث بشر أشعياء بأنه سوف يأتي اليوم الذي تلد فيه العذراء طفلاً يُعرف بعمانوئيل، وبعد وقوع تلك الحادثة بما يقترب من 750 عاماً، ولد السيد المسيح، فأعتبر المسيحيون أنه هو المقصود من تلك البشارة، وأنه هو نفسه عمانوئيل المذكور في سفر أشعياء.

اسم الله في الإسلام

ما بين اسم الله الأعظم والأسماء الحسنى يُعرف المسلمون إلههم باسم الله، وهناك الكثير من الأقوال والنظريات التي تحاول أن تفسر أصل ذلك الاسم، منها ما أورده الدكتور كمال صليبا في كتابه المثير للجدل خفايا التوراة، من وجود علاقة ما بين اسم الله، والمعبود الكنعاني القديم إيل، وأن كلمة إيل قد تطورت لتتحول إلى الله.

وبالطبع يرفض بعض المسلمون ذلك الرأي، ويرون أنه وبفرض وجود أصل مشترك للكلمتين، فإن هذا لا يعني اشتراكهما في المعنى أيضاً، ذلك أن إيل كان إله وثني يُعبد في مناخ جاهلي تعددي، بينما كان الله ومنذ اللحظة الأولى في الإسلام هو إله واحد أحد لا شريك له.

وبحسب ما أورده العديد من العلماء المسلمين في كتاباتهم، ومنهم ابن القيم الجوزية وعبد الرحمن السعدي، فإن كلمة الله تعود في أصولها لكلمة إله، والتي تعني المعبود، وأنه قد تمت اضافة ألف ولام التعريف إليها، فأصبحت الإله، ثم حُذفت بعد ذلك الهمزة تخفيفاً، وحور اللفظ، حتى انتهى إلى كلمة الله.

على أن الله ليس هو الاسم الوحيد للرب عند المسلمين، فقد جاءت العديد من الآيات في القرآن الكريم، لتؤكد على أن لله مجموعة من الأسماء وصفت بالحسنى، ومن ذلك ما ورد في سورة الأعراف، آية 180، في قوله تعالى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه).

ولم يرد في القرآن تفصيل لتلك الأسماء، بل نجد أن بعض كتب الحديث المعتبرة، ومنها سنن الترمذي وسنن ابن ماجة، قد أوردت بعض الروايات التي تسرد تسعة وتسعين اسماً لله عزّ وجل، وعُرفت تلك الاسماء بأسماء الله الحسنى.

وعلى الرغم من شهرة تلك الأسماء عند المسلمين، إلا أن الكثير من العلماء المعتبرين اعتبروا الروايات والأحاديث النبوية التي وردت فيها “ضعيفة”، فعلى سبيل المثال يقول شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في مجموع فتاويه “وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين ليستا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كل منها من كلام بعض السلف”.

وفي الوقت نفسه، فقد وردت العديد من الأحاديث النبوية التي يشير فيها الرسول الكريم، إلى أن للّله اسم أعظم، وأنه إذا دعي به أجاب.

وبحسب ما يؤكد الإمام ناصر الدين الألباني، في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فإن العلماء قد اختلفوا في تحديد ذلك الاسم للكثير من الآراء المختلفة، منها الرب والحي القيوم.

ولكن يذهب أكثر علماء الإسلام، إلى أن الاسم الأعظم المقصود في الأحاديث النبوية، هو الله، وذلك لأنه اسم يدل على جميع أسمائه وصفاته تعالى، وهو اسم لم يُطلق على أحد غيره عز وجل.

المراجع: القرآن الكريم؛ الكتاب المقدس؛ من كتب التوراة؟ ريتشارد إليوت فريدمان؛ خفايا التوراة، كمال صليبا؛ الفتاوى، ابن تيمية؛ سنن ابن ماجة؛ سنن الترمذي؛ سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، الألباني؛ ذرية إبراهيم روبن فايرستون.

*باحث مصري

المصدر: رصيف22




صـورة الإســلام والمسلمين فـي المتخيّـل الأوروبـي فـي القرون الوسطى

download

 

مقدمة

اختزنت الثقافة الغربيّة منذ القديم تصوّرات عن الإسلام والمسلمين تعود إلى بداية ظهور الدعوة، وما تبعها من تمدّد الدين الجديد في الشرق البيزنطي (مصر وبلاد الشام) ومن ثمّ إلى القارة الأوروبية، بعد اكتساحه لشبه الجزيرة الأيبيريّة وتهديده ببسط النفوذ على جنوب أوروبا.

وإنّ استشعار الخطر القادم من الشرق قد دفع مؤرّخي الغرب الأوروبي إلى الترويج لفكرة تقوم على اعتبار ظهور الإسلام، غضبا إلهيّا مسلّطا على عالم مسيحي لم يعد متمسّكا بدينه، وقد نهض المؤرّخون البيزنطيّون بالخصوص، بمهمّة التسويق لهذه الفكرة، حيث قاموا بدور بارز في تدعيم الجهل بالإسلام وعقيدته، وعملوا على تغذية المخيال الأوروبي – على المستوى النفسي- بكمّ كبير من التشويه عن الإسلام ونبيّه[2]

ولعلّ تأصّل هذه الفكرة في الذهنيّة الغربيّة قد أوجد سيكولوجيّة عامّة كارهة للإسلام وأهله، تراه عدوّا لا سبيل إلى التعامل معه، باعتباره دين عنف وقسوة ودمويّة[3].

هكذا، ومنذ البدء يتضح أثر التراكمات التاريخيّة في تشكيل طبيعة العلاقة بين المسلمين والنصارى، وفق صور نمطيّة رسمها كل طرف للآخر، تعود جذورها إلى فترات زمنيّة سابقة بلغت مداها مع الصليبيّات، وعبّرت عن نفسها بوضوح أكثر من خلالها.

وإنّ استقراء هذه الصور النمطيّة وتفكيك أبعادها قد مكّن من فهم لحظة الصراع بين الطرفين، وهي لحظة فارقة في التاريخ الوسيط، بحكم ما ترتّب عليها من نتائج، لعلّ أهمّها تراجع الحضارة العربية الإسلامية وانحراف مسار التطور الحضاري منها إلى الغربي المسيحي من جهة، كما مكّنت من النبش في الذاكرة لربط هذه الصور (لدى الجانب الأوروبي تحديدا) بالمرجعيات والروافد التي منها تغذّت من جهة ثانية.

1- الصورة النمطيّة للإسلام والمسلمين في المخيال المسيحي:

لقد وجد الغربيون على مدى العصور الوسطى في الإسلام والمسلمين مادة خصبة، حبّروا في شأنها الكثير، كثرة ساهمت في إيجاد نموذج نمطيّ متخيّل، بات من ثوابت التوجّه المسيحي لا يتزحزح عنها، وقد يعود هذا إلى أنّ الأوروبي، كما صرح برنارد لويس Bernard Lewis “هو الأكثر تعصّبا تجاه المسلم”[4]. وحَسْبُنا قراءة متأنية لمدوّنات المؤرّخين والرحّالة المسيحيين ممّن عاصروا الحروب الصليبية لنقف على استنتاج مهم، وهو أنّ هذه المدونات أو أغلبها، صادرة عن شعور بالعداء للطرف المسلم، فجاءت متخمة بالنعوت المنفرة من المسلمين من قبيل وصفهم بـ”الجنس الشرير” و”أعداء الله” و”البرابرة الوثنيين” و”القتلة” و”سفاكي الدماء” و”أتباع الشيطان”[5] و”الأمم النجسة”[6] وغير ذلك من العبارات التي زخرت بها قواميس القذف والشتم في تلك المرحلة.

إن هذه اللهجة المتشنجة لا يمكن أن تكون وليدة الفترة الصليبية وحدها، بل هي رجع لصدى الماضي الذي يعود بنا إلى بداية تشكّل الظاهرة الإسلامية، وصور التعامل المسيحي معها. فعندما تحوّل العرب من الوثنية إلى الإسلام في القرن السابع الميلادي لم تكن أوروبا في بادئ الأمر، تلحظ ذلك التحول، ويبدو أنه لم تطرح إلا أسئلة قليلة عن هذا الدين الجديد وأتباعه الذين اعتبرتهم المسيحية غير مختلفين عن بقية الشعوب البربريّة الأخرى، وأن دينهم لا يتجاوز كونه تعبيرا عن “هرطقة”[7] مسيحية جديدة، ولذلك، فليس ثمة حاجة تدعو إلى المزيد من المعلومات عنهم في هذا الوقت المبكر[8].

لقد اختزلت خطبة البابا “أوربانوس الثاني”Urbanus II (1042-1099) في مدينة “كليرمونت” الفرنسية سنة 1095م[9] الصورة التي يحملها المخيال المسيحي عن الإسلام والمسلمين، وهي صورة تشكلت بالتدريج عبر الزمن حتى اكتملت أبعادها عشية الحادثة الصليبية، وقد كان من الضروري تبسيطها وإعطاؤها طابعا نمطيا عدائيا، مع تنامي الحاجة إلى إشباع نفسي لدى الشارع الغربي الذي وقعت تعبئته بشكل أصبح معها راغبا في صورة تبيّن الصفة الكريهة للإسلام، عن طريق تمثيله بشكل فجّ على أن تكون في نفس الوقت مرسومة بشكل يرضي الذوق الأدبي الميّال إلى كل ما هو غريب مستهجن.

وهكذا، حدث أن الكتّاب اللاتينيين الذين أخذوا على عاتقهم بين العام 1100 والعام 1140م إشباع هذه الحاجة لدى الإنسان الغربي، قد عمدوا إلى توجيه اهتماماتهم نحو إطلاق أوصاف عدائية على المسلمين، تنتمي كلها إلى معجم القذف والشتم والسخرية مثل “السراقنة[10] Saracens” و”الوثنيين Pagans” و”الكفار Infidelss” و”المحمديين Mouhammadanss” … إلى غير ذلك من النعوت والأوصاف التي لم يرد ضمنها على الإطلاق لفظ “المسلمين Musulmans”.

و لقد قدّر لهذه الصورة أن تتجاوز حدود التدوين التاريخي، لتصبح مادة مطلوبة لكثير من الأعمال الأدبية الفلكلورية والقصص البيزنطيّة، هدفها الوحيد إثارة اهتمام القارئ بالعرض المشوّه للعقيدة الإسلامية، بل إن الملاحم قد وصلت – في علاقة بهذا الهدف – إلى أعلى ذرى الابتكارات الخياليّة، فقد اُتُهم المسلمون بعبادة الأوثان، وكان محمد في عرف تلك الملاحم صنمهم الرئيسي، واعتبره معظم الشعراء البيزنطيين كبير آلهة المسلمين، تقام له تماثيل ضخمة تصنع من مواد غنية وذات أحجام هائلة[11] ولدينا وصف معبّر للمسلمين، رسمته كلمات المؤرخ الصليبي فوشيه دى شارتر Foucher De Charters (1055/1060-11277) الذي كان شاهد عيان لمعظم أحداث الحملة الصليبية الأولى، وهو وصف معبر عن رؤية المصادر الغربية عموما في ذلك الوقت المبكر من أدوار الصراع الصليبي الإسلامي، يقول: “كانوا (ويقصد المسلمين) يبجّلون معبد الرب تبجيلا عظيما ويفضّلون تلاوة الصلوات فيه، غير أن هذه الصلوات كانت تضيع سدى لأنها تقدّم إلى صنم أقيم هناك”[12].

والثابت أن هذا المؤرخ قد خلط بين الاحترام الذي كان المسلم يكنّه لمسجد قبة الصخرة (معبد الرب في التسمية الصليبية) وبين العبادة فيه بإقامة الصلوات، وتلك مغالطة، الغاية منها التشويه الذي جاوز حدّه، بتعمد الطرف المسيحي الترويج لفكرة أن المسلمين لم يكن لهم دين يدينون به، من ذلك إشارة فوشيه دي شارتر سالف الذكر والذي ردد في أكثر من موضع في كتابه “يا له من عار على المسيحيين أن يلومنا مَنْ لا دين لهم على ديننا”[13] كما نستحضر قوله في حيّز آخر “يا له من عار إذ قام جنس خسيس مثل هذا الجنس (يقصد المسلمين) جنس منحلّ تستعبده الشياطين بهزيمة شعب يتحلّى بإيمان عظيم”[14].

إن هذه القسوة التي تميز بها المسيحيون في الأدوار الأولى من الحروب الصليبية تعبير عن المستوى الحضاري المتعصب الذي عاشه مجتمع أوروبا في تلك المرحلة، حيث تمّ شحذ أذهان الناس بأن المسلمين ليسوا أهل دين وما محمد نبيهم إلا “ذاك الشخص المثير للجنون، وعد أصحابه بالملذات الحسية من مأكل وجنس…وحتى كلامه عن قوى روحيّة لم يستند إلى وقائع برهانية قويّة، بل هي ثرثرات يفندها العقل البشري البسيط…ما هو إلا شخص جاب بسيفه كاللصوص ربوع الصحراء، حيث خشيته الشعوب هناك، مستهزئا بقصص وثرثرات ما قبل النوم المأخوذة من حكايات العهد القديم”[15].

ولم تكتف المخيلة المسيحية بتضخيم عقيدة المسلم وتشويه سلوكه ونمط حياته، بل أضافت إلى ذلك اعتبارات سيميولوجية تتعلق بلونه وهيأته، إلى درجة كثفت فيها صورة المسلم في العصر الوسيط مخاوف اللاوعي الجمعي المسيحي لإنتاج ردود فعل رافضة للإسلام في كليته، وخلق شروط التعبئة النفسية لمحاربته.

تلك تصورات نراها مزيجا بين العنصرية والانغلاق على الذاتية تجاه الآخر، معتنقي عقيدة محمد وقد تم تصويرهم على أنهم أناس أغبياء يعيشون في الفيافي يتقاتلون فيما بينهم، جاهلين بعقيدة الرب المسيحي.

والواقع أن هذه الصورة التي تمثلتها أذهان العامة من المسيحيين رجع صدى للدعاية المحمومة التي قادتها البابوية أثناء الحروب الصليبية، على أن أخطر ما فيها إسهامها في تأبيد الموقف النافر من الإسلام والمسلمين حتى أيامنا هذه. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأن مرجعياتها اعتبارات دينية محضة، أو مدّ وجزر عسكريين فقط، لأن المدى الزمني الطويل الذي تشكلت فيه هذه الصورة لم يكن خاضعا لحسابات المؤسسة الكنسية وحدها وهو ما يفسّر عدم قدرة المخيلة الغربية، وربما عدم رغبتها في تجاوز الأحكام المسبقة عن الإسلام والمسلمين، رغم الاقتناع بحجم التشويهات التي اتصفت بها.

2- الروافد والمرجعيات:

في العصور الوسطى، استثمر الغرب المسيحي كل الوسائل الكفيلة بتكوين متخيل جمعي يعلي من شأن الذات، ويقدم الآخر في أشكال منتقصة شيطانية، محفزة على الإيمان بعدوانيته وشراسته إلى الدرجة التي يصل فيها الاعتقاد بأن مواجهة الإسلام “حرب على الظلام قصد إشاعة الأنوار”[16].

وسواء أكانت هذه العملية “إيديولوجيا” أو “دعاية” فإن ما أثار الانتباه عند الباحثين المهتمين، استعمالهم الكبير لقاموس المتخيل أو المخيلة، أو الإدراك، أو الصورة النمطية، وهو ما يضعنا مباشرة في قلب الإشكالية التي تحركنا منذ البداية باعتبار ما للمتخيل من دور حاسم في تشكيل النظرة الغربية القروسطية للإسلام والمسلمين. فإذا كانت الحضارات تنتصر – كما يزعم فرنان بروديل Fernand Braudel (1902-1985) لأنها تعرف كيف تمارس كراهيتها للآخرين، فهل يصحّ القول حينئذ، بأن التشويه الذي تعرض له الإسلام من طرف الأوروبيين عبّر عن حاجة ضروريّة “للتعويض عن شعورهم بالنقص”[17]. بمعنى هل أن التعبئة المسيحية حين قرنت الإسلام بالظلام والمسيحية بالنور، زرعت في الوجدان المسيحي الشعور بضرورة الانتصار على النقص لهزم الظلام الإسلامي؟ الجواب في هذه الحالة، أنه مهما كانت قوة الإسلام والمسلمين فإن المسيحيين من جهتهم قد ترسّخت لديهم القناعة بتفوقهم بفضل دينهم[18] ومن ثم فإن الصورة المشوهة عن الإسلام يتعين النظر إليها بأنها “إسقاط للجانب المظلم في الشخصية الأوروبية”[19].

إن التصور المسيحي للإسلام، أو ما يمكن لنا التعبير عنه بالوعي الضدّي بالآخر جاء نتاج الأدبيات التي وضعها رجال الكنيسة، وعلماء الكلام، والمؤرخون، والدعاة، لسبب بسيط وهو أن الرهبان والكهان وموظّفي الكنيسة الكبار هم الذين يدعون امتلاك مفاتيح المعرفة، وبعهدتهم وحدهم تناط تربية المؤمنين بكتاباتهم ودعواتهم[20].

في هذا السياق يشير “أليكسي جورافسكي Alex Georavsky” إلى أن تعرّف أوروبا على الكتابات الدينية والجدليّة المناهضة للإسلام قد مرّ عبر النموذج البيزنطي بالدرجة الأولى[21]، أي أنه مهما كان دور المسيحيين الشرقيين في التمهيد لعناصر الصورة المسيحية عن الإسلام فإن الوساطة البيزنطية أعطت لكثير من هذه العناصر بعدا ينشّط المخيلة ويحرّك الوهم أكثر مما يستدعي النظر العقلي الهادئ. وإن الإطار المرجعي لهذه الوساطة البيزنطية تمثله الأعمال التي تركها يوحنا الدمشقي John de Damas Jean Damascéne /(676م – 749م)[22] وكان الإسلام موضوعا لها.

● مقولات يوحنا الدمشقي رافدا من روافد المتخيّل:

لئن كانت نشأة يوحنا الدمشقي في بيئة عربية بيزنطية وإسلامية، فإنه ساهم بقدر مهم في إثراء الجدل الكلامي بين الإسلام والمسيحيّة، وإضفاء نوع من “العقلنة” على نمط المناظرة الذي دار حول قضايا لاهوتية بين علماء الكلام المسلمين وعلماء اللاهوت المسيحيين.

غير أننا نشير إلى أن يوحنا الدمشقي ساهم بشكل تأسيسي في رسم بعض ملامح المسلم، ذلك أنه حاول التشكيك بكون الإسلام دين إبراهيم من خلال وصفه المسلمين على نحو لا يخلو من مخاتلة بـ “السرااقنة”، فهو أول كاتب بيزنطي استخدم هذا التشويه الإيتمولوجي لأغراض الجدل العنيف وتحفيز الذاكرة، كما وصف المسلمين بـ “المفسدين”، وصوّر من جهة ثانية النبي محمدا على أنه واحد من “أتباع بدعة أريان” وبأنه استقى من الآريانية[23]Arianismee العقيدة التي تفيد بأن “الكلمة” و”الروح” لا يعدوان كونهما مخلوقين لله، واقتبس من النسطوريّة Nestorianisme[24] ما يتعلق بعدم تأليه الابن المتجسّد[25]، كما اعتبر يوحنا القرآن نتاجا “لأحلام اليقظة” والنبي محمدا “شخصا مضللا” وينتقد بقوة ما يعتبره “معاملة لا تليق بالنساء من قبل المسلمين”[26] ثم ينتهي معددا أهم الممارسات والمحظورات في الإسلام على الشكل التالي: الختان، عدم اتخاذ يوم السبت للراحة والعبادة، إلغاء المعمودية، إحداث تغيير في محرّمات الطعام ومنع شرب الخمر[27]. وبغض النظر عن التأثير الذي كان ليوحنا الدمشقي على المناخ الجدلي الكلامي الإسلامي، أو عن انتمائه “السامي” و”ثقافته السوريّة” أو حتى الاحترام الذي تمتع به من قبل المسلمين والمسيحيين، فإن هذا الرجل في نظر بعض الباحثين قد ناقش الإسلام “باعتباره بدعة”[28] بل إن “التصورات المتكونة عن الإسلام كبدعة مسيحيّة مرتدّة ومنشقّة، وعن محمد كنبيّ مزيّف انتقلت من سوريا إلى البيزنطيين ومنهم إلى الأوروبيين عبر شخصه”[29].

إن المتخيّل المسيحي في الزمن الوسيط قد بلور الصورة التالية عن الإسلام: “إنه عقيدة ابتدعها محمد، تتسم بالكذب والتشويه المتعمد للحقائق، إنه دين الجبر والانحلال الخلقي والتساهل مع الملذات والشهوات الحسية، إنها ديانة العنف والقسوة”[30].

يُرجع الدارسون عنف الأحكام المتخيلة على الإسلام إلى طبيعة الشغف الإسلامي وما تولد عنه من إرادة القوة المتطلعة إلى انتزاع مناطق شاسعة من السيطرة المسيحيّة. ولم يمنع احتكاك المسيحيين الشرقيين بتحولات الواقعة الإسلامية وبنصوصها التأسيسيّة حرص الوساطة البيزنطية على تنشيط متخيل عدائي للإسلام أفضى إلى تكوين الصور النمطية المؤسسة للوعي واللاوعي المسيحي طيلة الزمن الوسيط”[31]

لقد خضعت هذه الصور النمطية إلى تطور خاص، تبعا لسيرورة المد الإسلامي، ولطبيعة النزاع الذي شهدته المنطقة المتوسطية وما جاورها بين الإسلام والمسيحيّة. ويجمع الباحثون على أن الإدراكات والصور الأولى التي كونتها المخيلة المسيحية عن الإسلام كانت باهتة وغامضة ولا تستند – باشتثناء حالات قليلة محددة مثل حالة يوحنا الدمشقي – إلى اطّلاع ومعرفة كافية بأصول الإسلام ونصوصه التأسيسيّة.

وفي كل الأحوال، فإن المسلمين شكلوا – ولمدة طويلة – بالنسبة إلى الغرب المسيحيّ “خطرا قبل أن يصبحوا مشكلة”[32]. وضمن جدلية المد والجزر هذه، والاحتكاك العنيف أحيانا، بدأت الصور المسيحية عن الإسلام تتحدد أكثر، دون أن يعني ذلك اقترابها أو مطابقتها للوقائع. فكلما توغّل الإنسان عميقا للبحث عن الأصول المباشرة لهذه الصور إلا صعب عليه التمييز بين ما هو واقعي وما هو متخيّل، بل إن البعد الأسطوري لهذه الصور يغدو حاسما في إعادة إنتاجها وتكريس معانيها في أعماق اللاوعي الجمعي، خصوصا أنها تعلقت بمنظومة دينية وثقافيّة تحمل كل عناصر الضدية بالنسبة إلى المسيحيّة.

إن ارتباط نمط الإدراك بالخلفيّة الدينية ينشّط لا محالة آليات المتخيل، ويجعل البعد الأسطوري يعيش حياة خاصة يغدو فيها الواقع بعدا يصعب القبض عليه، بل تصبح للأسطورة وظيفة تفسيرية لا يهم فيها إن كانت صائبة أو خاطئة، تعكس الواقع أو تشوّهه “مادامت قدرتها على التمثل تفرض ذاتها على الذاكرة الجمعيّة، وتجثم بكل ثقلها الواقعي على المستقبل.

هكذا، تساهم الأسطورة في تأسيس سلوكات في العمق، وبهذه الصفة تغدو مشاركة في الواقع[33].

3- مضامين الرؤية المسيحيّة القروسطية للإسلام:

نشير بدءا إلى أنّ العنف المتخيل والقسوة في الحكم على الإسلام والمسلمين قد استدعته شروط تنظيم الهجوم المضاد المسيحي على المد الجارف للتوسع الإسلامي، وهو تمدد كاسح شكل أكبر تهديد للوجود المسيحي في البحر الأبيض المتوسط، بل إنه أحدث قطيعة حاسمة بين المرحلة الرومانية التي كانت ترى في المتوسط مركز العالم والفضاء الاستثنائي للمسيحيّة وبين واقع جديد أعطى للعلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي أبعادا عميقة في العقل والوجدان، مما جعل المؤسسة الكنسيّة تشعر بحسرة لا متناهية على فقدان وحدتها الجغرافيّة والروحيّة.

وضمن هذا السياق، تندرج الحرب الرمزية والنفسية من خلال الانتقاص من كل مظاهر الواقعة الإسلامية نصوصا ونبيّا وحضارة وإنسانا، لإعادة بناء الوعي المسيحي بالذات، في سياق خلق صور قدحيّة للآخر، قصد التعويض عن الفقدان الكبير الذي أحدثه الإسلام في منطقة تعتبرها المسيحية مجالا حيويا منذ القديم. ولذلك عملت الظاهرة الصليبية بمراحلها المختلفة على “تكثيف الصور الأولى التي كونتها المسيحيّة الأوروبية عن الدين المنافس”[34]، وقد نجحت في ذلك إلى أبعد مدى لصدورها عن تأويلات وأخبار مغرضة ضد الواقعة الإسلامية تعكس بشكل ما، ذلك الشعور العميق بما سماه فرنان بروديل الكراهية.

إنّ أبعاد الصورة النمطيّة المشوّهة تمتدّ لتلامس أفقا تخييليا رحبا لم يضق به الوجدان المسيحي، بل استوعبه وتَمثَّله بشكل أرضى في داخله نزعة الحقد والتشفي. ونقتصر في عرضنا لهذه الأبعاد المشكلة لتلك الصورة على المسلّمات التالية:

  • الإسلام دين الوثنية: نسج الغرب المسيحي في الزمن الوسيط خطابا حول الإسلام تداخلت فيه المعلومة المنتزعة من سياقها وواقعها بالخيال المتدفق بالميل المقصود إلى التشويه، وتقديم الإسلام بكل الأشكال المتناقضة مع ماهيته وأصوله. ففي الوقت الذي نجد فيه الإسلام يتأسس على التوحيد قاعدة دينيّة ثابتة، نجد الخطاب المسيحي مراهنا على الترويج لما هو مناقض لهذه القاعدة بالذات، من خلال الادعاء بأن الإسلام ديانة وثنية تدعو إلى التعدد، ومؤسسها دجال وساحر ومنشقّ، وفي كل الأحوال لا يمكن أن تنطبق عليه صفات النبوة المشكوك فيها أصلا، لأن القول بأن محمدا أرسل إلى الناس لتصحيح التحريف الذي طرأ على اليهوديّة والمسيحيّة، وبأن كل ما هو جيّد في الإنجيل موجود في القرآن قول باطل لأن ذلك ينمّ عن “ادّعاء وجنون أكيد”[35].
  • الإسلام دين العنف: هو دين شعاره السيف والحرب والقتال، وهي صفات تمثل النقيض المباشر للمسيحيّة، إذ المسلم يتقدم إلى مساحة الإدراك المسيحي الأوروبي باعتباره رجلا محاربا، شرسا، متوحشا، يقوم بكل أنواع النهب والتنكيل خالقا بذلك وراءه تعاسة وشقاء لا يوصفان، فيصبح المسلم ممثلا لكل التعبيرات العدوانية، يحركه ميل قويّ للقتل حتى أصبحت القوة عنده، وعلى نطاق عام تقريبا، عنصرا مؤسسا للديانة الإسلامية وعلامة بديهية على الضلال[36].
  • الإسلام دين الشبقيّة: عمل رجال الكنيسة المسيحيين على بناء سيرة ذاتية للنبي محمد خاصة بهم، لعبت فيها المخيلة دورا حاسما في إنتاج الصور واختلاق الأخبار بدمج بعض التفاصيل القريبة من الصحة في قالب متخيل يجعل من التهويل والتضخيم قاعدة له، ومن توليد النفور والرفض غايته. فالنبي محمد عندهم رجل “شبقي” ينغمس في عوالم اللذة بشكل عبثي، يقول بتعدد النساء وبالتمتع بالحياة معهن، وفي العرف المسيحي الداعي إلى الورع والتقشف والتعالي عن اللذات والامتناع عن الزواج يمثل هذا السلوك قمة التفسخ والانحلال الأخلاقي، وهو ما استغله المسيحيون في كتاباتهم للتشكيك في نبوة الرسول، من منطلق إدراكهم بأن التحامل عليه، بما لم يثبتوه فيه بالدليل، أحسن وسيلة لنسف الإسلام، وتدمير صدقية رسالته، وزرع الشك لدى معتنقيه الذين يبقى الأمل في مشروعا تبشيريا قائما.

ولاستكمال المشهد، التجأت المخيلة المسيحية الغربية إلى استثمار كل أشكال التجريح والدعاية، وفي هذه الصورة كما في الصورتين السابقتين ينشط المتخيل بشكل لا حدود له قياسا إلى واقعيّة الأمور.

لقد نُعت المسلمون بكونهم يمارسون الشذوذ الجنسي، ولا يتورعون في جعل الجنس مسألة حيوية في علاقاتهم ووجودهم، وهذا ما يعبّر عن ضعفهم وعجزهم أمام غرائزهم وأهوائهم، فكيف لنبي ولمن اتبعه أن يدّعي الإتيان بمشروع إلهي وهو غير قادر على الترفع عن غرائزه البسيطة، والتحرر من إغراءات اللذة والحياة العابرة؟

خاتمــة:

إن الخطاب المؤسس للنظرة المسيحيّة للإسلام في القرون الوسطى ارتهن بقاموس لفظي كان فيه للوهم والمتخيل دور حاسم، فالوعي الضدّي بالآخر والإدراك القويّ للمنافسة، وما يفترضه ذلك من الاحتفاظ بالوجود ولّدا لدى المؤسسة الكنسيّة الشعور بضرورة القيام بردّ الفعل، فالتجأت من أجل تحقيق ذلك إلى كل الوسائل لشحن المتخيل الجمعي بالصور المضادّة للحقيقة المسيحية، سواء أقدمت هذه الصور في أشكال متخيلة تشوّه الإسلام باعتباره عقيدة، أو صورا كاريكاتوريّة تضخّم بعض الجوانب الواقعيّة، وتصوغها في قالب لا أخلاقي منفّر أو في صور انتقائيّة تجعل من بعض المواقف الإسلاميّة، ولا سيما في موضوع الجنس فرصة للتهويل لإنتاج ردود أفعال رافضة لهذا الدين، وخلق شروط التعبئة النفسية والمعنويّة لمحاربته.

 


([1]) نشر في ملف بحثي بعنوان “الاسلام في الغرب”، إشراف بسّام الجمل، تنسيق أنس الطريقي.

[2] محمد الدعمي: “تحيّز الغرب لتصوراته في قراءة الإسلام” مجلة الكلمة، العدد23، السنة السادسة، 1999. (من الموقع الإكتروني للمجلة).

[3] أليكسي جورافسكي: “المسيحيّة والإسلام” ترجمة: خلف محمد الجواد، سلسلة عالم المعرفة، طبعة الكويت 1996، ص 87. وتعتبر الدراسة من أفضل ما كتب عن تطور الرؤية الأوروبية للإسلام في العصور الوسطى.

[4] برنارد لويس: “اكتشاف المسلمين لأوروبا” ترجمة وتقديم: ماهر عبد القادر محمد، المكتبة الأكاديمية، القاهرة 1996، ص 49

[5] منى حماد: “صورة المسلمين في المصادر اللاتينية للحملة الصليبيّة الأولى” مجلة أبحاث اليرموك، سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، مجلد13، عدد1، 1997، ص 259

[6] وردت هذه العبارة في خطبة البابا أوربانوس الثاني في مؤتمر كليرمونت المدينة الفرنسية سنة 1095، وهي خطبة اكتست بعدا حماسيا لاهبا الغاية منها تعبئة المسيحيين وتحفيزهم على محاربة المسلمين تخليصا للقبر المقدس/ للمزيد: أحمد الشامي، تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى، ط11، دار النهضة العربية، القاهرة 1985، ص 192

[7] الهرطقة: يطلق عليها أيضا لفظ الزندقة، وهي تغير في عقيدة أو منظومة معتقدات مستقرّة وخاصة الدين بإدخال معتقدات جديدة عليها أو إنكار أجزاء منها بما يجعلها بعد التغيير غير متوافقة مع المعتقد المبدئي الذي نشأت فيه هذه الهرطقة، وقد نشأت الهرطقة مفهوما في السياق المسيحي لكنها تنطبق في سياقات مختلف العقائد الدينية منها أو غيرها، وفي الإسلام تستخدم الزندقة أو البدعة للدلالة على ذات المعنى في سياق الجدل الكلامي بين مختلف الفرق.

[8] أول من بحث في هذا الموضوع هم المسيحيون الإسبان، وهي ريادة تحسب لهم لأسباب بديهية وهي أن سيطرة المسلمين على شبه الجزيرة الأيبيريّة دفعت هؤلاء الباحثين إلى إخضاع هذا الدين ومعتنقيه إلى الدراسة والتمحيص.

[9] اجتمع المجلس التاريخي بمدينة كليرمونت في مقاطعة أوفرني الفرنسية في نوفمبر من العام 1095م، وألقى البابا أوربانوس الثاني خطبة حماسية لاهبة عدّها بعض المؤرخين الأعظم في تاريخ العصور الوسطى، غايتها التعبئة والحشد لزحف صليبيّ مقدّس قصد تحرير أماكن الحج المسيحي من سيطرة المسلمين، ونقتطف من كتاب “قصة الحضارة” بعض ما جاء في هذه الخطبة: “على مَنْ إذن تقع تبعة الانتقام لهذه المظالم، واستعادة تلك الأصقاع إذا لم تقع عليكم أنتم، أنتم مَنْ حباكم الله أكثر من أي أقوام آخرين بالمجد في القتال وبالبسالة العظيمة وبالقدرة على إذلال رؤوس مَنْ يقفون في وجوهكم، ألا فليكن من أعمال أسلافكم ما يقوّي قلوبكم، أمجاد شارلمان وعظمته وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم…فليثر همتكم ضريح المسيح المقدّس، ربَّنا ومنقذنا، الضريح الذي تمتلكه الآن أمم نجسة، وغيره من الأماكن المقدّسة التي لُوّثت ودُنِّست …” لمزيد الاطلاع على ما ورد في نص الخطبة آنظر: وول ديورانت: “قصة الحضارة”، طبعة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، بيروت/ تونس 1998

[10] كثرت الآراء والاجتهادات في العصر الحديث حول تفسير معنى السراقنة والمقصد منها، فقد أرجعها البعض إلى أنها تعني “عبيد سارة” في إشارة إلى أن المسلمين هم من نسل هاجر زوجة النبي إبراهيم الثانية وكانت أَمَةً لدى السيدة سارة زوجته الأولى.

[11] محمد مؤنس عوض: “الرحالة الأوروبيون في مملكة بيت المقدس الصليبيّة”، ط1، شركة دار الإشعاع للطباعة، القاهرة 1992، ص 57

[12] المرجع السابق، ص 103

[13] محمد مؤنس عوض: مرجع سابق، 104

[14] المرجع نفسه والصفحة نفسها.

[15] أحمد الشامي: “تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في القرون الوسطى”، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة 1992

[16] W.Montgomery Watt; L’Influence de L’Islam Pour L’Europe Médiévale, Ed. Librairie Orientaliste Paul Genthmer; Paris 1974; P97.

[17] Ibid; P97.

[18] Ibid. P97.

[19] ibid. P97

[20] Simon Jargy, Islam et Chrétienté; Ed, Labor et Fides, Géneve 1981, P9.

[21] أليكس جورافسكي: “المسيحيّة والإسلام” ترجمة خلف محمد الجراد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1996، ص 71

[22] يوحنا الدمشقي الملقب بـ” دقاق الذهب” لفصاحة لسانه، ولد باسم يوحنا منصور بن سرجون عام 676م وتوفي سنة 749م، يعتبر آخر آباء الكنيسة الشرقية بإجماع الباحثين، شكلت مؤلفاته مرجعا مهما لجميع لاهوتيّ القرون الوسطى، قضى حياة رهبانية نسكيّة طويلة وشاع نبأ قداسته في المسيحيّة الشرقية مبكرا. لمزيد الاطلاع على حياته وآرائه وآثاره، اُنظر: فيليب حتّي “تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين” ترجمة كمال اليازجي، دار الثقافة بيروت 1983، ص 116

[23] الآريانية، مذهب مسيخي ظهر في القرن الرابع الميلادي على يد كاهن من الإسكندرية اسمه آريوس (256م – 336م) يرى أن يسوع كائن فانٍ، وليس إلها بأي معنى وليس شيئا آخر سوى كونه معلما يوحى إليه، ومن الطوائف المسيحيّة التي تأثرت بهذه العقيدة “الوحدويون” طائفة منشقّة عن المعتقدات التقليدية في الديانة النصرانية، حيث لا تؤمن بألوهية المسيح ولا بالثالوث. ويعدّ آريوس من وجهة نظر الكنيسة الأرثودكسية هرطقيا أو زنديقا شكّل خطرا على العقيدة المسيحيّة طوال القرون العشر الأولى من تاريخ المسيحيّة. لمزيد الاطلاع، اُنظر: نهاد خيّاطة: “الفرق والمذاهب المسيحيّة حتى ظهور الإسلام”، دار الإوائل، دمشق 2002، ص 81

[24] النسطوريّة: نسبة إلى “نسطور” بطريرك القسطنطينية، وهي العقيدة القائلة بأن يسوع المسيح مكوّن من جوهرين يعبّر عنهما بـ “الطبيعتين” وهما جوهر إلهي هو الكلمة وجوهر إنساني بشريّ هو يسوع نفسه، وحسب النسطوريّة لا يوجد اتحاد بين الطبيعتين البشريّة والإلهية في شخص يسوع المسيح، بل هناك مجرد صلة بين الإنسان والألوهيّة. لمزيد الاطلاع، اُنظر: عبد الملك خلف التميمي: التبشير في منطقة الخليج العربي، دراسة في التاريخ الاجتماعي والسياسي، 1982، ص 81

[25] دانييل ساهاس: الشخصيّة العربيّة في الجدال المسيحي مع الإسلام” مجلة الاجتهاد، العدد28، 1995، ص ص 126- 127

[26] المرجع السابق، ص 128

[27] المرجع السابق، ص 129

[28] أليكس جورافسكي، مرجع سابق، ص 71

[29] المرجع السابق، ص 73

[30] المرجع السابق، ص 75

[31] لم تكن الكنيسة المسيحية منسجمة ولا موحّدة، حيث كانت هناك فوارق عقائديّة ومؤسسية كبرى بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الأوروبية إلى درجة أن زوج “شرق/غرب” كان يعبر عن المسيحية نفسها قبل أن تنهض شروط التعارض بينها وبين الإسلام، ولأن تأويلات مختلفة كانت تعتمل داخل العقيدة المسيحيّة، فإن ما يهمنا نحن هنا هو الصور المشتركة التي أنتجتها المخيلة المسيحية حول الإسلام.

[32] Maxime Rodinson: La Fadcination De L’Islam; Ed. La decouverte, Paris 1989, P35.

[33] تييري هنتش: “الشرق المتخيل، رؤية الغرب إلى الشرق المتوسطي”، ترجمة غازي برّو وخليل أحمد خليل، الطبعة 1، دار الفارابي، بيروت 2004، ص 14

[34] تييري هنتش: مرجع سابق، ص ص 35-39

[35] Norman Daniel: Islam et Occident , traduit par Alain Spiess, Ed Du Cerf,Paris 1993, P49.

[36] Ibid. P 151.

 

المصدر: مؤمنون بلا حدود




رؤية الإمام الصدر للتنوّع الطائفي في لبنان

الإمام موسى الصدر عند البطريرك الماروني انطونيوس خريش على فنجان قهوة وسيجارة في 5-شباط 1975
الإمام موسى الصدر عند البطريرك الماروني انطونيوس خريش على فنجان قهوة وسيجارة في 5-شباط 1975

“حوارات نت” — بقلم: د. هيثم مزاحم – من المسائل التي لفتتني خلال متابعتي لسيرة الإمام المغيّب السيد موسى الصدر هي لقاءاته مع زعماء “الجبهة اللبنانية” المسيحيين خلال الحرب الأهلية، وهم الذين وصفوا في تلك الفترة باليمين الانعزالي وغيرها من التسميات التخوينية. كان مصدر تعجّبي ينبع من كيف أن الإمام الصدر يهادن هؤلاء القادة “الانعزاليين” الذين تحالف بعضهم لاحقاً مع إسرائيل. لكن بعد مرور نحو عقد من الزمن، وانتهاء الحرب الأهلية ضمن تسوية اتفاق الطائف، أدركت حكمة الإمام ورؤيته الثاقبة في إبقاء التواصل مع جميع اللبنانيين وعدم تخوين أو مقاطعة أحد منهم، وذلك لسببين، أثبت التاريخ تحقّقهما. الأول هو أن مقاطعة “الجبهة اللبنانية” آنذاك قد دفع قادتها أو برّر لهم التحالف مع العدو الإسرائيلي. أما السبب الثاني فهو أن انقطاع التواصل والحوار بين أطراف الصراع في لبنان قد ساهم في تعميق الخلافات وتسعير الحرب الطائفية، ما سمح للأطراف الخارجية في التدخل في الصراع لمصلحة هذا الطرف أو ذاك وبالتالي إطالة الحرب، ومنع اللبنانيين من التوصّل إلى تسوية داخلية. لم يكن الامام الصدر زعيماً سياسياً ودينياً تقليدياً للطائفة الشيعية، بل كان مفكراً اسلامياً ومجتهداً مجاهداً وناشطاً ضد نظام الشاه، حيث لعب دوراً كبيراً في نصرة الثورة الاسلامية في ايران، والدفاع عن الامام الخميني حين اعتقله الشاه وقرّر اعدامه.مع ذلك فان السيّد موسى الصدر الذي جاء من ايران الى لبنان في أواخر العام 1959 كعالم دين خلفاً للامام الراحل السيّد عبد الحسين شرف الدين، قد فهم مبكراً فرادة التركيبة اللبنانية، من النظام السياسي والاجتماعي الى تنوّع لبنان الطائفي وأبعاده الحضارية والدينية. ورغم مطالبات الامام بتغيير النظام الطائفي وقيام دولة الانسان والمؤسسات في لبنان، ورغم حركته الاحتجاجية على الحرمان والفقر والظلم الاجتماعي لبعض المناطق في الجنوب والشمال والبقاع، الا أنه لم يدعُ يوماً الى قيام دولة اسلامية في لبنان، كما ذهب لاحقاً بعض الأحزاب والحركات الاسلامية، ومن ثم تراجعوا عن هذه الدعوة بعد ادراكهم قصورها وعدم واقعيتها.
هذه المسألة كانت تؤخذ على الامام الصدر من قبل بعض العلماء والاسلاميين في لبنان وايران الى أن توصل هؤلاء الى قناعة الامام بخصوصية النظام اللبناني وأهمية تعدديته الدينية وتنوّعه الطائفي والمذهبي، وذلك بعدما اصطدموا بالواقع وأدركوا تعقيداته وخصوصية لبنان وموقعه كملتقى للديانات السماوية وكجسر للحوار بين الشرق والغرب.

يقول الامام الصدر في محاضرة ألقاها في مدرسة القديس يوسف في عينطورة في 20 نيسان 1970: “نحن في لبنان أمام واقع أرادهُ الله لنا ذلك هو وجود طوائف، ولكن الذي ما فرضه الله علينا وتركه نتصرف فيه أنه ما فرض نظامًا باسم الطائفية في لبنان. الطوائف موجودة في لبنان ولكنها هل تحتاج الى الطائفية؟… الطوائف في مجتمع ما تتمكن أن تكون مصدر خير وغنى؛ بامكان الطوائف أن تكون تنوعًا هو طبيعة الخلق في العالم، ومقصود الأديان بصورة خاصة. علينا أن نستفيد من وجود الطوائف في المجتمع ونجعل الطوائف وسيلة خير لا بديل عنها…”.

ويعتبر السيّد الصدر أن وجود التنوع بين الأفراد هو السبب الأصيل في تكوين التفاعل بين الأفراد، وبالتالي في تكوين المجتمعات، ويخلص الى أن وجود طوائف مختلفة، بما للطوائف من تجارب ومنجزات، “معنى ذلك وجود ينابيع مختلفة في مجتمع واحد. كل ينبوع له تجارب ومكاسب ودراسات وحضارات تسهّل مهمة التعاون يعني تسهّل مهمة العطاء للآخرين والأخذ من الآخرين، وبالتالي تتمكن الطوائف المختلفة أن تقوي علاقات مجتمع واحد من دون خطر.. ولذلك الطوائف المختلفة غنى حضاري واسع لخدمة الانسان في كل مكان…”.

ويستدل الامام الصدر بآية خاطب الله بها جميع الأنبياء تقول: ﴿لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات﴾ [المائدة، 48].

وفي رد على سؤال يقول الامام ان “وجود المسيحية في لبنان بما لها من العلاقات الحضارية والدينية في العالم ثروة كبرى للبنان لا يمكن أن نتنكر لها اطلاقًا، ثم وجود المسيحية في لبنان يسهّل كون لبنان مفتاحًا وبابًا للتمازج بين الشرق والغرب”. ويخلص الى أن المسيحيين هم “ثروة كبرى للبنان وثروة كبرى للعرب وثروة كبرى للشرق“.

*د. هيثم مزاحم رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط

المصدر: مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط




عقبات الحوار الإسلامي – المسيحي

Interfaith-dialog

خاص “حوارات نت” — بقلم: د. هيثم مزاحم* — شهد الحوار الإسلامي – المسيحي مئات المؤتمرات واللقاءات خلال العقود الستة الأخيرة، لكن النتائج التي تمخض عنها لا تزال تعتبر قليلة وغير فاعلة. فما يصدر من قرارات وتوصيات عن هذه المؤتمرات واللقاءات غير ملزمة للحكومات في العالمين الإسلامي والمسيحي الغربي. مع ذلك ساهمت هذه الحوارات في كسر جليد العداء بين المسلمين والمسيحيين، الذي كرّسته الفتوحات الإسلامية والحروب الصليبية ومن ثم الغزوات الاستعمارية الغربية للدول الإسلامية.
ولا شك أن قرار المجمع الفاتيكاني الثاني الذي أقرّ “عقيدة خلاص غير المؤمنين” في تشربن الأول – أكتوبر 1965م، قد أكد على “أن جميع الشعوب يؤلفون جماعة واحدة، حيث تمت مناقشة النظرة إلى الأديان الأخرى، وأشار إلى الإسلام معتبراً أن أتباعه يعبدون الإله الواحد ويسعون بكل قواهم للخضوع لقراراته، أما الذين لم تبلغهم رسالة الإنجيل فهم مُوجَّهون نحو الله. لقد أقرت وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني عقيدة خلاص غير المؤمنين، فاعتبر أن غير “المؤمنين” المسيحيين يدخلون في تعداد شعب الله سواء اليهود أو المسلمين أو الوثنيين وإن الخلاص في متناول أيدي الجميع.
وتعتبر هذه الخطوة تطوراً مهماً رؤية الكاثوليكية المسيحية لعقيدة الخلاص التي كانت سابقاً لا تجد أي خلاص للإنسان إلا في الإيمان بالمسيح كمخلص، حيث رأى الفاتيكان أن الخلاص هو في متناول جميع من هم من ذوي الإرادة الحسنة، وأن أولئك الذين ينتمون إلى الديانات غير المسيحية، “هم أيضًا يملكون حقائق وعندهم كنوز.. وهناك أناس يتجهون صوب الله من نواحي شتى..، وأيضاً أولئك (المسلمون) الذين يعترفون بالخالق ويؤمنون إيمان إبراهيم، ويعبدون الإله الواحد الذي سيدين البشر في اليوم الأخير”.
ولا شك أن المسيحية لم تكن تعترف بالإسلام كديانة سماوية قبل العام 1965، بينما إعترف الإسلام باليهودية والمسيحية كديانتين سماويتين، من أهل الكتاب، منذ بداية نزول الوحي على الرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن صحح القرآن بعض عقائدهم في ألوهية المسيح وصلبه ووحدانية الله.
لكن ثمة اتجاهاً لدى بعض الكنائس البروتستانتية الأنغليكانية للإعتراف بوجود الوحي الإلهي عند غير أنبياء العهد القديم، مثل الوحي الذي نزل على النبي محمد(ص).
لا شك أن لا تأثير للجدل اللاهوتي الإسلامي – المسيحي في الحوار بين ممثلي الديانتين، فهو لن يقدم ولن يؤخر حيث أن كل طرف مؤمن بعقائده ومتمسك بها ولن يقنع الطرف الآخر بتغييرها. وليس هذا هو الهدف من الحوارات، إنما الهدف هو خلق مساحات التفاهم والتعاون والتعايش بين المسلمين والمسيحيين حيث اجتمعوا سواء في الشرق أو الغرب.
وأساس هذا العيش المشترك والتعاون لمصلحة المواطنين جميعاً والبشرية جمعاء، أساسه الاعتراف بالآخر وعدم شيطنته والقبول به شريكاً في المواطنة وأخاً في البشرية، وعدم اللجوء إلى العنف والاضطهاد والقمع والتمييز العنصري والديني ضد أي من أتباع الديانتين في أي بلد مسلم كان أم مسيحياً.
ولعل تطور الحوار الإسلامي – المسيحي في الشرق بين المسيحيين العرب والمسلمين العرب أهم وأولى من الحوار مع مسيحيي الغرب، برغم ضرورة الحوار الأخير. فالعالم العربي هو مهد الأديان السماوية والحفاظ على المسيحيين فيه ضرورة وواجب، انطلاقاً من التعاليم القرآنية والنبوية التي منحت الآمان لأهل الكتاب في العيش في كنف الخلافة الإسلامية، يقومون بممارسة عباداتهم في كنائسهم وأديرتهم ويعيشون مع المسلمين في القرية الواحدة والزقاق الواحد.
وإذ ينبغي منع استهداف المسيحيين العرب والمشرقيين من قبل التنظيمات الإرهابية المتطرفة كتنظيم داعش والقاعدة وغيرهما وحماية كنائسهم وأديرتهم ورهبانهم في العراق وسوريا ولبنان ومصر وفلسطين، يجب على المسيحيين وخصوصاً في الغرب المسيحي، رفض أي شكل من أشكال اضطهاد المسلمين وقتلهم وغزوهم من قبل الدول الغربية، كما حصل في أفغانستان والعراق، لعدم خلق مادة للتحريض الطائفي.
كما ينبغي على المسيحيين العرب والمشرقيين رفض أي محاولة غربية أو إسرائيلية لتحريضهم على الانفصال عن المسلمين في كيان خاص سواء في مصر أو العراق أو سوريا أو لبنان. فهذه الدعوات تؤجج العداء لهم وتبرر للمتطرفين المسلمين استهدافهم بذريعة تقسيم البلدان الإسلامية والتعاون مع المؤامرات الغربية.
ولا شك أن مسيحيي الشرق وخصوصاً العرب منهم يعتبرون أنفسهم السكان الأصليين لهذه البلاد قبل الفتح الإسلامي، ويذهب بعض المتطرفين منهم إلى اعتبار المسلمين غزاة ومحتلين، برغم أن معظم المسلمين في الدول التي دخلها الإسلام قد دخلوه طوعاً وإيماناً، إذ لم يفرض المسلمون الإسلام على أهل الكتاب، بل اكتفوا منهم بدفع الجزية. بل ذهب بعض الولاة إلى تفضيل بقاء أهل الكتاب على دينهم وعدم إسلامهم حتى يدفعوا الجزية وذلك لدوافع مالية واقتصادية نفعية وليست دينية.

*باحث في الفكر العربي والإسلامي، رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، له الكثير من المؤلفات والدراسات.




نقد الفهم الرسمي للدين – قراءة نقدية لأفكار محمد مجتهد شبستري

نقد القراءة الرسمية للدين
نقد القراءة الرسمية للدين

 

حوارات.نت ـ إعداد: د. عبدالله نصري

يقع كتاب نقد الفهم الرسمي للدين، من تأليف الشيخ محمد مجتهد شبستري، في أربعة أبواب، وهي: 1. أزمة الفهم الرسمي للدين؛ 2. المفاهيم السياسية الحديثة والتراث الإسلامي؛ 3. حقوق الإنسان؛ 4. الفهم الإنساني للدين.

يتألّف كلّ من الأبواب المذكورة من عدّة فصول، عبّر المؤلف خلالها عن آرائه، ولديّ ملاحظات على كثير ممّا ورد في الكتاب، أتطرّق لبعضٍ منها في مراجعة أفكار المؤلّف حول: إمكانية تعدّد القراءات الدينية، لا جدوائية الفقه وعدم فاعليّته (الفصل الأول من الباب الأول)، وحقوق الإنسان (الفصل الثالث).

تعدّد القراءات الدينيّة، الإمكانية والمنطقيّة ـــــــ

أمّا فيما يخصّ بحث القراءات، وإمكانية تعدّدها، فيعتقد شبستري بتنوّعها؛ لكنّه يشرع في نقد مخالفيه، قبل تنقيح أسسه الفكرية؛ كما يتبنّى تفسيراً خاصّاً لنظرية وحدة القراءة؛ إذ يرى عدم تمسّك مؤيديها بقراءة النصوص الدينية، بل يرون ضرورة ترك قراءة النصوص (ص367).

لا علاقة لأسسهم الفكرية والفلسفية، بقراءة النصوص الدينية، إذ يشكّل التحليل المعرفي، الذي يقوم على ميتافيزيقيا أفلاطون وأرسطو ــ وهي معرفة أنطولوجية ــ أساسهم الفكري، ويقولون: إنّ النبي كان يؤكّد على تلك المعرفة العلم وجودية في رسالته. وهذا هو التفكير السائد في الفلسفة الإسلامية، فمثلاً، من المفاهيم المطروحة، أنّ الله علّة العلل، أو واجب الوجود من جميع الجهات والحيثيات، والدين مظهر لله، ويعتبرون الوحي، اتصال النبي بالعقل الفعّال، ولا علاقة لأيّ من هذه المفاهيم بفكرة القراءة المطروحة اليوم (ص367).

وهنا ملاحظات عديدة على هذا الكلام:

أولاً: مصطلح علم وجودية، مصطلح خاطئ، فلم يأت به أيّ مفكّر؛ إذ يحمل معنى المعرفة في طيّاته، ولا تتصف المعرفة بأنّها علم وجودية.

ثانياً: لا علاقة بين بناء الأسس الفلسفية لمفكّرٍ ما على آراء أفلاطون أو أرسطو، وبين تأييده لوحدة القراءة أو تعدّدها.

ثالثاً: لو كان المراد من القراءة، فهم النصوص الدينية، فوصف الله بعلّة العلل، أو واجب الوجود، أو اعتبار الوحي اتصالَ نفس النبي بالعقل الفعّال، هو نوع من قراءة الدين، وليس الأمر كما يقول الكاتب: لا علاقة لأيّ من هذه المفاهيم بفكرة القراءة المطروحة اليومn، وكلّ تفسير يأتي به المفكّرون ــ في الماضي أو الحاضر ــ للمفاهيم الدينية، هو نوع من القراءة، حسب اعتقاد الشيخ شبستري نفسه.

تعارض الميتافيزيقيا وقراءة النصوص ـــــــ

يعتقد الشيخ شبستري بوجود تعارض بين الميتافيزيقيا ــ سواء انتسبت إلى أفلاطون، أو أرسطو، أو الملاصدرا ــ وقراءة النصوص؛ فحتى لو اعتبرنا قراءة النصوص أمراً عرفيّاً سائداً، لكنّها اليوم توجّه فلسفي جديد، غير التوجّه الفلسفي الأنطولوجي، كما كان في متافيزيقيا أفلاطون وأرسطو، وقد اتّبع بعد إدخال تعديلات عليه، حيث ظهر في آراء صدر المتألهين باسم الحكمة المتعالية، أي الميتافيزيقيا، بحلّة جديدة (ص367).

وخلافاً لما يراه الشيخ شبستري، لم تتعارض قراءة النصوص والميتافيزيقيا؛ فلو واجه أحد أتباع أفلاطون، أو أرسطو، أو ابن سينا، أو الملا صدرا، نصّاً ما ــ دينياً كان أو غير ديني ــ لحاول فهمه، وقد تؤثر آراؤه الفلسفية في فهمه هذا، ولم يقصد أيّ من المفكّرين الإسلاميين لزوم ترك قراءة النصوصn، حتى من قال منهم بعدم إمكان تعدّد القراءات الدينية، أفهل يمكن ذلك؟! كما لا يمكن تجاوز الأصول الميتافيزيقية في فهم أيّ نص وقراءته، وكما يقول مؤيدو الهرمنوطيقا: ينبغي القبول بمجموعة من المقدّمات الميتافيزيقية؛ لفهم نصٍّ ما.

يعتبر الشيخ شبستري فهم الفلاسفة المسلمين بأنه فهمٌ علم وجودي، ويستعمل تعبير الإسلام العلم وجودي، في الإشارة إليهم: في الحقيقة، الإيمان في الإسلام العلم وجودي، هو المعرفة الفلسفية الأنطولوجية للكون (ص367)، وقد كان استعمال الشيخ شبستري للمصطلحات الفلسفية خاطئاً؛ فمثلاً، من معاني الأنطولوجية، العلم وجودية؛ وعلى هذا، تصبح عبارة الشيخ شبستري على النحو التالي: المعرفة الفلسفية الأنطولوجية العلم وجودية للكون؛ وهو ما يكشف ــ بقليل من التأمل ــ وقوع خطأ في هذا التعبير، ويقول بعد عدّة أسطر: لكنّ الإسلام ــ بوصفه قراءة ــ ليس أنطولوجيا فلسفية(ص368).

بما أنّكم تعتقدون بتعدّد القراءات، وتعتبرون آراء أشخاص كالملا صدرا أنطولوجيةً، فلم تقولون بأنّ الإسلام ــ بصفته قراءة ــ ليس أنطولوجيا فلسفية؟! لو أمكن تعدّد القراءات الدينية، لم لا يكون للبعض قراءة أنطولوجية وفلسفية؟ نعم يمكن لمن شرح منهج فهم النص وقواعده، ادعاء ذلك، لكن لم يقم الشيخ شبستري بذلك إطلاقاً.

لم يدّع صدر المتألهين، وكثير من فلاسفتنا، تقديم تفسير فلسفي لكلّ أركان الدين، كلّ ما هنالك، أنّهم ادّعوا ــ محقّين ــ أنّ القضايا الدينية التي تمتلك صبغةً فلسفية، يمكن فهمها من خلال الفلسفة؛ فهل يمكننا الوصول إلى فهم عميق من الآية التالية، دون القبول بالأسس الفلسفية؟! قال تعالى: >وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزّله إلا بقدر معلوم< (الحجر: 21).

لم يعارض أمثال الملا صدرا المعاني الظاهرية للآيات، لكنهم اعتبروا تفاسيرهم الفلسفية معاني باطنية لها، كذلك، لم يعارض بعض العرفاء الذين قدّموا تفاسير عرفانية للقرآن الكريم، الفهمَ الظاهري للآيات، فتفاسيرهم ترجع إلى باطن القرآن ليس إلا، ويتطلّب الخوض في هذا الموضوع بحثاً واسعاً؛ لذا نتركه إلى حينه.

لا أدّعي إمكانية تقديم تفسير فلسفي أو عرفاني لجميع الآيات، دون الأخذ بنظر الاعتبار المعنى الظاهري لها، وإن تمتّع بعضها بصبغة فلسفية أو عرفانية، إذ لا يتيسر فهمها العميق إلا من خلال الفلسفة أو العرفان.

علم الهرمنوطيقا وإسقاطات الأحكام المسبقة ـــــــ

كثيراً ما يشير الشيخ شبستري إلى الهرمنوطيقا، ويستعين بها لشرح آرائه، إذ تقول مسلّمات الهرمنوطيقا وعلم التاريخ ــ استحسن السادة ذلك أم استقبحوه ــ أنّ من غير الممكن فهم نصّ ديني وتفسيره، أو إعادة صياغة حدث تأريخي، دون تأثير الأحكام المسبقة، والرغبات، والنوازع (ص247).

ويشكّك شبستري في مسلّمات الإسلام وضروريّاته بحجّة تعدّد القراءات، فيما يعتقد بوجود مسلّمات هرمنوطيقية؛ فكيف يعتقد بوجود مسلّمات للهرمنوطيقا والتاريخ، من يقول: هل يوجد دليل عقلي أو فقهي غير قابل للنقض أو الإبرام، تحت هذه السماء؟n (ص243)، وهل يتعدّى الأمر وجود مناهج مختلفة في الهرمنوطيقا، وعدم وجود وجهة نظر واحدة تحظى بتأييد جميع الفلاسفة في ما يخصّ تفسير النصوص؟

يتحدّث الشيخ شبستري عن الأحكام المسبقة، والرغبات، والنوازع، دون الإجابة عن الأسئلة الأساسية التالية: هل لدينا أحكام مسبقة ثابتة أم لا؟ هل يجيب النص إيجاباً على كافّة رغبات القارئ أو المفسّر ونوازعه أم لا؟ هل لدينا معيار نحتكم إليه في تقييم فهمنا المختلف أم لا؟ ألا يشمل التعدّد نظريّةَ تعدّد القراءات نفسها؟ أيّ قراءة تعدّ منهجية؟ كيف لنا معرفة تمتّع قراءةٍ ما بسمة المنهجية؟ ألا توجد أيّ قراءة ثابتة ونهائية لأيّ من القضايا الدينية؟

يجيب الشيخ شبستري على هذا السؤال بالإيجاب؛ فحيث لا وجود في عالم الإنسان لقراءة قطعية الانطباق، وكل القراءات ظنية و اجتهادية، فعلينا دائماً توقّع ظهور قراءات جديدة، ولا مانع منطقي من ذلك (ص247).

ألا يؤدّي رأي كهذا إلى فوضى في المعرفة، وفي المعرفة الدينية؟ وبناءً عليه، هل نحظى بفرصة للردّ على من يقول: يجب كمّ أفواه من يتكلّمون عن تعدّد القراءاتn؟ فإذا لم يكن لدينا فهم يتصف بالقطعية، فبإمكان هذا الفريق أيضاً أن يدّعي أنّ هذا هو فهمي للدين.

لغة الدين عند شبستري ـــــــ

يعتقد الشيخ شبستري بوجوب الاهتمام بلغة الدين في فهمه، ويرى أنّ لغة الدين رمزية، كما يقول: علم الأديان الحديث، هو معرفة رموز الدين؛ إذ لغة الدين في المعرفة الدينية الحديثة لغةٌ رمزية، وتتمّ معرفة كلّ دين عبر معرفة رموزه اللغوية.

يستخدم الإسلام ــ بصفته قراءة ــ الهرمنوطيقا بالدرجة الأولى، والتي تعنى بفهم النصّ وتفسيره؛ وعلى هذا الأساس، تفسّر النصوص الدينية بوصفها وحدات رمزية، كسائر النصوص، سواء كان ذلك النصّ كتاباً، أو فناً إسلامياً، أو أموراً أخرى (ص368).

لغة الدين من المسائل المهمّة المطروحة في فلسفة الدين، وقد تعدّدت النظريات حولها: أحدها رمزية هذه اللغة؛ إلا أنّ هذا التعدّد لا يتيح لنا ادعاء أنّ لغة الدين في المعرفة الدينية الحديثة لغةٌ رمزيةn، للتوصّل إلى أنّ لغة الإسلام رمزية أيضاً، ومن هذه النظريات: 1 ــ شرح القضايا الدينية للحقائق الوجودية الواقعية. 2 ــ لا تعكس القضايا الدينية إلا الأحاسيس. 3 ــ القضايا الدينية رمزية ومثالية. 4 ــ القضايا الدينية طقوس وتقاليد. 5 ــ القضايا الدينية أسطورية.

لكن، كيف لنا القول بأنّ لغة النصوص الدينية في الإسلام لغةٌ رمزية؟ كيف يمكننا اعتبار لغة القرآن كذلك؟ لقد قصد بعض من تحدّث عن رمزية لغة القرآن، أنّ في بعض آياته رموزاً، لا صيرورته نصاً رمزياً علينا تحليله. يمكن لأثر فنّي أن يكون رمزياً، لكن لا يمكن لنصّ ديني ــ كالقرآن، بأركانه الثلاثة: العقائد، والأخلاق، والأحكام، وبما جاء به من هداية البشر ــ أن يكون رمزياً؛ فلا ينبغي اعتباره لوحةً، أو مقطوعةً شعرية، أو قصّة، تتألّف من مجموعة رموز.

ولا يقدّم لنا الشيخ شبستري أيّ دليل على قوله: يعطينا الإسلام ــ بوصفه قراءة ــ بياناً رمزياً للنصوص الدينيةn (ص368)، إضافةً إلى أنّ قراءة النص وفهمه يعودان إلى القارئ والمفسّر، لا إلى الإسلام نفسه؛ فالإسلام هو النصّ، ولا يمكن اعتباره قراءة، وحتى في الهرمنوطيقا أيضاً، القارئ أو المفسّر هو ــ فقط ــ الذي يقدّم قراءته لنصّ ما، سواء طابقت الواقع، أو لم تطابقه.

رسالة الدين والبُعد المعنوي ـــــــ

يرى الشيخ شبستري أنّ المفسّر الديني يدرك بقراءة النص الديني ــ وهو الكتاب والسنّة ــ أنّ رسالة الدين الأساسية، هي الدعوة إلى الله، وخلق البُعد المعنوي، والأمل، وهدفية الحياة. وقد ظهرت هذه القراءة منذ صدر الإسلام، وبمجيء الإسلام الفلسفي، طرحت قراءة موحّدة وميتافيزيقية للدين.

يعطينا الإسلام ــ بوصفه قراءة ــ بياناً رمزياً للنصوص الدينية؛ وفي هذه القراءة الإيمانية، يجد المفسّر المؤمن رسالةً في عمق هذا النص (الكتاب والسنّة)، تدعوه إلى الروحانية والأمل والهدفية في الحياة.. (ص368).

لمَ تتمحور رسالة القرآن حول الروحانية والأمل وهدفية الحياة؟ هل يمكننا أخذ هذه الرسالة من خارج الدين، أو علينا الرجوع إلى الدين نفسه؟! في الهرمنوطيقا، تستبان رسالة كلّ نص بالرجوع إليه، وتفسيره، لكن لم يأت الشيخ شبستري بمصادر من النص، إنّ الدعوة إلى الروحانية والمعنويات تقع ضمن نطاق التوحيد، لكن التوحيد الذي يدعو إليه القرآن أوسع بكثير من الدعوة إلى الروحانية، كما أنّ تحقيق العدالة الاجتماعية من أهمّ محاور دعوة هذا النصّ؛ ولهذا النص دعوات أخرى، يجدر تناولها في محلّها، إنّ الشيخ شبستري يذعن في مقالات أخرى ــ على الرغم من قوله هذا ــ أنّ الدعوة الأولى للدين لم تكن عرفانيّةً بحتة.

لم تكن الدعوة الأولى في الكتاب والسنّة دعوةً عرفانية بحتة؛ إذ احتملت الجوانب العرفانية، والسياسية، والاجتماعية معاً، كما تطرّقت إلى العدالة الاجتماعية حين الحديث عن التوحيد، وبالطبع بوصفها نتيجةً له (ص378).

ومع دخول الفلسفة العالمَ الإسلامي، لم يسعَ الفلاسفة المسلمون لتقديم تفسير فلسفي لكلّ ما جاء في الكتاب والسنّة، والخروج بإسلام فلسفي، بل دأبوا على القيام بدفاع عقلاني عن الدين، وذلك حين دخلوا دائرة علم الكلام، وكان رأيهم الصائب، أنّنا لن نحظى بإدراك عميق لبعض مفاهيم الدين دون الاستعانة بالبحوث الفلسفية.

القراءة الإيمانية للدين ـــــــ

يقدم الشيخ شبستري قراءةً إيمانية للدين؛ فيعتبر الإيمان تحوّلاً في أعماق الإنسان، وولادةً جديدة له، وأرضيّةً لظهور علاقات جديدة لديه، وقد خلط شبستري هنا بين آثار الإيمان وتعريفه؛ إذ ما يظهر من أمارات على الإنسان، كأن تدمع عينه حين سماع آيات القرآن، أو الخشوع والتأمل حين النظر إلى السماء، إنّما هو من آثار الإيمان، وليس تعريفاً له، كما أنّها تعود إلى الحالات الروحية للإنسان، وشدّة اعتقاده، لا إلى قبول الفلسفة أو عدم قبولها، وليس من الصحيح القول بأنّ الفلاسفة والمتكلّمين لم يولوا هذه الأمور اهتماماً، فقد تمتّع بعضهم بنصيبٍ كبير منها، كالغزالي، والسهروردي، وصدر المتألهين، لكنّهم لم يدخلوها في تعريف الإيمان؛ إذ كانوا يعتقدون أنّ تعريف الإيمان شيء، والحالات الناتجة عنه شيء آخر، ويشاطر عددٌ من المتكلّمين المسيحيين الشيخَ شبستري رأيه، وهم ممّن تأثروا بالجوهرية، وخاصة بأفكار كيركجارد.

لكن، أليست القراءة الإيمانية إحدى القراءات الممكنة؟ ألا ينبغي قبول القراءات الأخرى، كالفلسفية، والكلامية، والعرفانية؟ وهو ــ أي شبستري ــ ممّن يرى أنّ المتمسّكين بالقراءة الواحدة لا اعتقاد لهم بقراءة النصوص، فكيف يجادلون في وحدة القراءة أو تعدّدها؛ إنّه يقول: لدينا تياران مختلفان تماماً؛ إذ ليس الأمر كما لو اعتقدت جماعة بقراءة واحدة للإسلام، واعتقدت الأخرى بتعدّدها؛ فلو صدق من تمسّك بقراءة واحدة في اعتقاده بأصل القراءة، لما استطاع ادعاء وجود قراءة واحدة فقط.. لأنّ قبول القراءة دخولٌ في مفاهيم خاصة، والالتزام بقواعد الهرمنوطيقا، ومن قبل بهذه الأسس، لا يمكنه ادعاء وجود قراءة واحدة فقط، فتعدّد القراءات أمرٌ واضح في علم الهرمنوطيقا (ص369).

يطرح الشيخ شبستري سلسلة أسس للهرمنوطيقا وهي: 1 ــ الصورة الأولية والفهم المسبق للمفسر؛ 2 ــ توقّعات المفسر ورغباته؛ 3 ــ أسئلة المفسّر للتأريخ؛ 4 ــ استبيان المعنى المحوري للنص؛ 5 ــ ترجمة النصّ في الأفق التأريخي للمفسّر([1]).

هل يعتقد المتمسّكون بالقراءة الواحدة، بعدم وجود أيّ حكم مسبق لفهم الكتاب والسنّة؟ أضف إلى ذلك، أنّ الهرمنوطيقا ــ بوصفها منهجاً للتفسير والتأويل ــ ليست وليدة العصر الحديث؛ فكلّ تفاسيرنا العرفانية هرمنوطيقيةٌ، بشكل أو آخر؛ والجديد اليوم، هو ظهور الهرمنوطيقا بوصفها نظاماً معرفيّاً مستقلاً، له اتجاهاته المختلفة.

ينبغي القبول بالأسس الثابتة التالية؛ لفهم القرآن، وهي: 1 ــ القرآن مصان من التحريف؛ 2 ــ القرآن بيّن ومبيّن؛ 3 ــ القرآن كتاب خالد لهداية البشر؛ 4 ــ القرآن مستقلّ في دلالاته، أي أنّه ليس صامتاً عن بيان مراده؛ 5 ــ يجب ــ لفهم القرآن ــ القبول بحجيّة العقل وحجية الظهور([2]).

التباس الظاهر والباطن ـــــــ

وقع الشيخ شبستري وبعض الباحثين المعاصرين في خطأ كبير؛ إذ سقط أنصار وحدة وتعدّد القراءات على السواء في التباس بين الظاهر والباطن؛ أي أنّهم غفلوا عن أنّ للدين ثلاثة أركان: العقائد، والأخلاق، والأحكام. ويتشعّب كلّ منها إلى قضايا متعدّدة. بعبارة أخرى: الدين مجموعة من آلاف القضايا، ولا يمكن لأحد ادّعاء تعدّد القراءات في جميعها، وعدم تمتّع أي منها بقراءة واحدة فقط؛ فلا تعدّد فيما يخصّ: إنّ الله واحد، وصلاة الصبح ركعتان نعم، هناك اختلاف في بعض القضايا الدينية، خاصّة ما يتعلّق ببعض الأحكام الفقهية، ولنقل: تتعدّد القراءات في شأنها.

من ناحية أخرى، لم يميّز بعض الباحثين في مجال الدين، بين الفهم الطولي والعرضي؛ إذ يختصّ تعدّد القراءات أحياناً بالفهم الطولي، أي هناك فهم طولي لقضية: إنّ الله واحدn؛ فمثلاً، يتصوّرها شخصٌ عادي وحدةً عددية، فيما يفهمها فيلسوفٌ صدرائي بوصفها أصدق الحقائق، ويعود هذان الفهمان ــ أو القراءتان ــ لهذه القضية، إلى مديات قدرة الإدراك.

وتعود المغالطة التي تثار حول الباطن والظاهر إلى هذا الأمر، وهو أن نعمم مواصفات صورة خاصة على الجميع، فإذا تعرّض الدين كلّه إلى تعدّد في القراءات، فلم لا نتوقّع ظهور أديان متعددة؟ لقد أدّت الغفلة عن هذا الأمر إلى خطأ آخر من قبل الشيخ شبستري. فحين يُسأل: كيف يمكن ضمان وحدة المتدينين، إذا ما أذعنّا بالقراءات المختلفة للدين؟ يقول: من المعقول أن يعتبر الجميع أنفسهم منتمين إلى دين واحد، على الرغم من تعدّد قراءاتهم له ما دامت محصورةً في إطار دين واحد، وضمن وحدة النص، فحين يجتمع أصحاب القراءات المتعدّدة في إيران حول الكتاب والسنّة، ويعتقدون بوجوب اتباعهما، فإن ذلك يوحّدهم تحت اسم الإسلام (ص371).

لكن هل يعني رجوع أصحاب القراءات المختلفة إلى الكتاب والسنّة، انتماءهم إلى الإسلام؟ هل التمسّك بمصدر مشترك، هو معيار انتماء الأفراد إلى دين واحد، أو فهمهم المشترك لذلك المصدر؟ إنّنا نرى أنّه لا تقبل جميع أمور الدين تعدّد القراءات، أي لا تتعدّد القراءات في جميع أجزائه.

شرط القراءة المنهجية في تعدّد القراءات الدينية ـــــــ

يفصح الشيخ شبستري عن عدم صحّة بعض القراءات، على الرغم من تماديه في بعض الادعاءات، أي أنّه يعتبر بعض القراءات غير صائب، يقول: لم تدّع نظرية تعدّد القراءة صحّة جميع القراءات، بل ترى قيام كلّ قراءة على أحكام مسبقة وتصوّرات أولية، فعلينا ــ أولاً ــ إمعان النظر فيها، ووضعها على محكّ النقد، ومن ثمّ النظر في الشرح الذي يقدّمه صاحب القراءة؛ أي لا تكفي معرفة التصوّرات الأولية لتقييم صحّة القراءة، بل يجب الاستماع إلى الأدلّة الداخل ــ دينية، والخارج ــ دينية، التي أدّت إلى حصول تلك القراءة، كما يجدر بصاحب القراءة مناقشة النقد المقدّم على قراءته من قبل الباحثين، وإثبات صحّة موقفه؛ حينذاك يمكننا القول: إنّ لديه قراءة، وهي من القراءات الممكنة، لأنّها تتسم بالمنهجية (ص373).

إنّ وجوب تمتّع القراءة بالمنهجية أمر صائب لا اختلاف فيه، لكنّ المشكلة تكمن في تحديد معايير القراءة المنهجية، ومع الأسف، لم يقم الشيخ شبستري بذلك،بل كلّ ما يشير إليه، هو لزوم التوجّه إلى أرضية (Context) النصّ (Text)، كما أنّ التأكيد على نقد افتراضات القارئ وتصوّراته الأولية أمرٌ صائب أيضاً، لكن ذلك لا يحلّ عقدة القراءات؛ إذ لا يعتبر الشيخ شبستري المنهجية معياراً لصحّة القراءة أو سقمها، وكل ما نستفيده من هذه المنهجية، أنّها تجعلها إحدى القراءات ممكنة، لكن هل من الممكن أن تتعدّد القراءات الصحيحة؟ يمكن ذلك في حالة واحدة، وهي أن تكون القراءات طوليةً لا عرضية؛ فمن غير الممكن أن تتمتّع القراءات العرضية المختلفة بالصحّة.

حديث الشيخ شبستري عن منهجية القراءة، والقراءات الصحيحة، واعتباره القراءة المنهجية إحدى القراءات الممكنة، وعدم تمكّنه من الدفاع عن قراءة منهجية صحيحة واحدة، يدلّ على عدم اعتقاده بافتراضات ثابتة، يقول: تتحوّل الأحكام المسبقة، والتصوّرات الأولية مع الأحداث التأريخية، والتحولات التي تشهدها المعرفة الإنسانية والتأريخ الاجتماعي للإنسان، الأمر الذي يستدعي تبنّي نظرية تعدّد القراءات والدفاع عنها (ص373)، ويقول: إذا تعرّضت الأحكام المسبقة والتصوّرات الأولية للتغيير، لم تبق أحكام مسبقة ثابتة لفهم نصّ ما، أي لو تغيّرت الأحكام المسبقة والتصوّرات الأولية مع تحوّلات التأريخ، فلا تبقى قراءة صحيحة وثابتة، وقيمة الهرمنوطيقا منوطة بعدم وجود أيّ معيار مطلق مقبول لدى الجميع (ص432).

ويشير الشيخ شبستري في حديثه عن القراءات إلى أنّ قراءة النصوص الدينية، ليست من شأن الجميع، أي لا يتمكّن الجميع من تفسير النصوص الدينية، ويستوجب ذلك تمتّع المفسّر بصلاحيات علمية وفكرية، ولتفسير النصوص الدينية أهميّة بالغة، ويستلزم شأناً عالياًn(ص375)، وبالطبع، نتجه بالسؤال إليه: ما هي السمات العلمية التي يجب أن يتمتّع بها المفسّر؟

مساءلة النصّ ـــــــ

يرى الشيخ شبستري أنّ فهم النص متوقّف على الأسئلة التي تُطرح عليه في كلّ زمان؛ فتمام الآراء التي أبداها الفقهاء القدامى تقوم على تصورات أولية، وتوقّعات وأسئلة كانت مطروحةً آنذاك، وقد راجع الفقهاء الكتاب والسنّة على ضوء الأسئلة التي كانت مطروحةً في عصرهم، وقدّموا أجوبةً تلبّي متطلّبات زمانهم؛ فمثلاً، طرح في الماضي هذا السؤال: لمن الحكم؟ وقد جاء الفقهاء بالجواب من الكتاب والسنّة: أن الحكم لله، فقد طرح هذا السؤال في سياق تحديد الحاكم، وكان الفقيه يسأل الكتاب والسنّة: من الذي يجب أن يحكم؟ فيأتيه الجواب: الله هو الذي يجب أن يحكم، فلو اختلف السؤال في زمن آخر حول قضايا الحكم وتدبير أمور المجتمع، وصار: كيف ينبغي أن يكون الحكم؟ في مثل هذه الحالة، سيختلف الجواب دون شك (ص101 ــ 102).

ويمكننا تسجيل الملاحظات التالية على إفادات الشيخ شبستري:

أولاً: لم تقم جميع الآراء الفقهية في الماضي على أحكام مسبقة وافتراضات وأسئلة قائمة في عصرها، فكثيرٌ منها دائمي، لا يختصّ بزمن معيّن.

ثانياً: لا ضير في طرح أسئلة جديدة على النص ــ الكتاب والسنّة ــ في كلّ حقبة زمنية، وبالطبع لا يعني مساءلة النص، إجابته عليه؛ فإن كان للنص ما يقوله، أخذنا الإجابة منه، وإلا سيكون تفسيراً بالرأي، وتطويعاً للنصّ نفسه.

ثالثاً:لمن الحكم؟ وكيف يجب أن يكون؟ سؤالان مستقلان، يتطلّبان إجابتين مستقلّتين، والشيخ شبستري نفسه يقول حول السؤال الثاني: بعد أن جرّب الإنسان أصناف الحكومات، واجتاز أنواع الأسئلة المرتبطة بها، جاء الدور لهذا السؤال؛ أي بعد حدوث تغييرات اجتماعية، ودخول التقنية مجال الحياة، وتقسيم العمل، وتعقيد الحياة، وتحولات أخرى، فتحوّل السؤال من صفات الحاكم، إلى نظام الحكم.. والآن، بعد ما طرح السؤال عن كيفية الحكم، يجب أن نرى أولاً، هل يمكن عرضه على الكتاب والسنّة؟ وإذا كان الجواب إيجابياً، كيف لنا ذلك؟ (ص102).

لا علاقة لظروف طرح السؤال وأسبابه بالنصّ، فمن الطبيعي أن ترد أسئلة جديدة في كلّ عصر، ويمكن الإجابة عنها بالرجوع إلى النصّ، ولا يخلق أيّ سؤال أية مشكلة، فليس صحيحاً أن نسأل: هل يجوز عرض الأسئلة على النصّ؟ بل ما يجدر بنا معرفته، هو إجابة النصّ على السؤال أو عدم إجابته، كما ينبغي لنا الاحتراس عن فرض رأي خاطئ على النصّ، نتيجة افتراضات خاطئة؛ ولعلّنا نستوضح الأمر بمثال؛ فلم يطرح سؤال عن ماهية فلسفة التأريخ على مفكّرينا في الماضي، لكنّه اليوم مطروح، ويحاول المفكّرون تحديد موقف القرآن منه، فمن كانت لديه خلفيات ماركسية، جاء إلى القرآن، بناء على افتراضات المادية التأريخية، وبحث فيه عمّا يدعم آراءه، ولمّا كانت افتراضاته خاطئة، فمن الطبيعي أن تكون استنتاجاته مخالفة للنصّ أيضاً، وبعبارة أخرى: أدّت افتراضاته الخاطئة إلى فرض رأيه على القرآن، وتكشف مراجعة استدلالاته عن ضعف استنتاجاته هذه، وهكذا فهناك أمور كثيرة في الكتاب والسنّة تبيّن الموقف من كيفية الحكم.

يقول الشيخ شبستري حول طرح السؤال على النصّ: يجدر بالسائل أن يكون على وضوح في رؤيته للكتاب والسنّة، وإمكان طرح السؤال عليهما؛ فهل من الممكن طرح أيّ سؤال على أيّ شخص؟ هل يمكننا توجيه أسئلة طبّية إلى مهندس في المكانيك؟ أو أن نسأل طبيباً عن الحاسوب؟ يسأل الإنسان من يظنّ أنّ لديه إجابة، فمن يوجّه أسئلةً كهذه إلى الكتاب والسنّة، يكون قد افترض مسبقاً أنّ لديهما إجابةً عنها (ص103).

كيف يمكن لنا مسبقاً التحقّق من إجابة النصّ على جميع الأسئلة؟ هل لنا تحديد ذلك من خارج الدين، أو من داخله؟ تعود هذه المسألة إلى توقّعات الإنسان من الدين، وتتطلّب بحثاً مبسوطاً تناولناه في مكان آخر([3])، وأساساً لماذا نتصوّر أنّ على النصّ الإجابة فقط؟ فالنصّ بنفسه يثير أسئلةً، ويجيب عنها، كما ينبّهنا إلى أمور لم نلتفت إليها لولاه؛ إذ لا يمكن للنصّ أن يتبع أسئلتنا على الدوام.

ينبغي هنا الالتفات إلى أنّ بوسعنا تحديد أهداف الدين من خارجه، وبما أنّ هدف الدين ونزول القرآن الكريم، هو هداية البشر، إذاً يجب أن تكون توقعاتنا من الدين في هذا الإطار، لكنّ الأمر لم ينته هنا، بل يبقى الحديث عن الأمور التي ترتبط بهداية البشر، وآليات الدين لتحقيقها، وما يتكفّله الوحي، وحدود تدخل العقل البشري.. قائماً، وكلّها أمور لا يمكن الإجابة عنها مسبقاً.

من المهم أن يطرح السائل على النصّ أسئلةً ترتبط بهداية البشر، لكنّه قد لا يعلم بوجود صلة بين الأمور الصحّية والدين مثلاً، يسبب تعقيد مسألة هداية البشر، والعجز عن معرفة جميع العوامل المؤثرة فيها، وعدم معرفة الأسئلة الخاطئة! فالنصّ والأمور المرتبطة به، ليست من قبيل الطب والهندسة، لنقول: كما لا يجوز لنا سؤال مهندس عن الأمور الطبية، كذلك لا يجوز لنا طرح أيّ سؤال على النص! لا أقصد هنا أنّ علينا مراجعة النص للإجابة على أيّ سؤال، بل ما أريد قوله، هو أنّ النص بنفسه يحدّد الأسئلة التي يجيب عنها، لا أنّنا نحن من يحدّدها مسبقاً.

الافتراضات المسبقة وتوقعات البشر من الدين ـــــــ

لا شكّ أنّ للإنسان أحكاماً مسبقة وتصورات أولية، لكنّ المهم، هو الإجابة على الأسئلة التالية: 1 ــ ما هو مصدر الأحكام المسبقة لدى المفسّر؟ 2 ــ هل جميع الأحكام المسبقة مقبولة؟ 3 ــ هل يمكن نقد الأحكام المسبقة أو لا يمكننا ذلك؟ 4 ــ هل لدينا أحكام مسبقة ثابتة أم لا؟ 5 ــ هل جميع الأحكام المسبقة خارج ــ دينية، أم هناك أحكام مسبقة داخل ــ دينية؟

في مجال توقّعات الإنسان من الدين، يرى الشيخ شبستري أنّ لدينا نوعين من الأحكام المسبقة:

النوع الأوّل: بناء الحضارات، والمجتمعات، وحلّ مشاكل الحياة، وتفسير معنى العدالة والأخلاق، وتأسيس المؤسّسات الراعية لهما، والتي ترتبط بمشاكل حياة الإنسان في هذه الدنيا، فهذه جميعها من واجب الإنسان، وليس على الربّ أن يحدّد له كيف يبني حضارته، أو كيف يبني مؤسّساته الاجتماعية، أو أيّ الآليات يتّبعها لحلّ مشاكل حياته؛ فمن لديه أحكام مسبقة كهذه، لا محالة، يرى الكتاب والسنّة مصدرين لإضفاء المعنى على حياة الإنسان، الذي يبني مدنيته بنفسه؛ إذ يمنحان الحياة معناها، دون أن يحلا محلّها، فدور الكتاب والسنّة والمصادر الدينية الأخرى، صون الإنسان من الضياع في المتاهات، والعبثية (ص103 ــ 104).

وبناءً على هذا الافتراض، على الإنسان أن يسلك طرقاً وعرة للوصول إلى الهدف، وإن رافقه الخطأ خلال الطريق، لكن لا مفرّ له من استخدام العلم والفلسفة؛ لاستيعاب أخطائه، وتقويم مسيرته. وعلى الكتاب والسنّة، دفع العبثية عن الحياة، وإضفاء المعنى عليها!

النوع الثاني: يجب أن يحظى الإنسان بإرشادات من عالم الغيب لحلّ مشاكله في هذا العالم وبناء حضارته، فيجب أن يؤسّس الله ــ عبر أنبيائه ــ سنناً دينية، تشمل الأطر العامة للحياة الإنسانية وآليّاتها في هذا العالم؛ أي أنّ ما نعتبره اليوم من مسؤولية الفلسفة، والعلوم السياسية، وعلم الاجتماع، وأمثالها، صار مطلوباً من الكتاب والسنّة (ص105).

ويختار شبستري النوع الأول، ويذكر ثلاث أدلّة على رفض الثاني، هي:

1 ــ لا علاقة لكثير من أمور الحياة الدنيوية، كالصناعة، والعلم، والفنّ، والفلسفة، والأدب، بالإرشادات الغيبية، وقد أنشأها الإنسان وطوّرها على مدى التأريخ.

2 ــ المجتمعات الإنسانية بطبيعتها متغيّرة ومتقلبة، ولا يمكن صياغة شكل محدّد للمجتمع، وتبليغه بواسطة النبي.

3 ــ تكشف الفينومينولوجيا عن أنّ ذاتيات الدين غير عرضيّاته، والأمور التي ترتبط بالتطوّر الاجتماعي له خارجة عن ذاتيات الدين.

ويواجه موقف الشيخ شبستري في تبنّيه للنوع الأول ورفضه الثاني عدّة إشكالات، من أهمّها:

1 ــ بناء الحضارات والمجتمعات، وتأسيس المؤسّسات الاجتماعية، وحلّ مشاكل الحياة، من مسؤولية الإنسان، قولٌ لا غبار عليه، لكن، لم لا يجوز للدين تقديم إرشادات حول منهج الحياة ومعايير المجتمع السالم، ومعنى العدالة والأخلاق؟!

2 ــ ما هو الدليل على أنّ دور الكتاب والسنّة هو إعطاء معنى للحياة؟ هل الدين نفسه حدّد هذا الدور أم نحن الذين حدّدناه له؟ فلا يؤيّد مضمون الكتاب والسنّة، تحديده بهذا الدور، بل يرى الدين لنفسه دوراً اجتماعياً أيضاً، أي أنّ الدين جاء بمخطّطات للقضايا الاجتماعية، ولم يترك الناس على حالهم.

يقول شبستري: لا ترشد يد الغيب الإنسان إلى بناء هذه الحياة، لا نظرياً ولا عملياً، ولا تتعلّق الهداية بالطرق العلمية، والفلسفية، والصناعية، لبناء هذه الدنيا، بل تعني الهداية الغيبية بالشجاعة وإضفاء المعنى على حياة الناس الذين يسعون ــ بحكم إنسانيّتهم ــ لبناء حياتهم (ص483).

لو قلنا بأنّ لدى الدين تشريعات لإدارة المجتمع، هل يدلّ ذلك على حضور الغيب في هداية البشر؟ وما المانع من أن يقدّم لنا الغيب توجيهات نظرية، وإن كان لا يتدخل عملياً؟

3 ــ كون الصناعة، والعلم، والفنّ، والفلسفة، والأدب من مسؤوليات الإنسان، ولا تتنزّل عليه بالوحي، أمرٌ مقبول، لكن لا يمكن اعتباره دليلاً لقبول النوع الأول.

4 ــ مسألة الشجاعة من تعاليم اللاهوتي المسيحي ، ولا معنى لها إلا في إطار التعاليم المسيحية، ذلك أنّها تفتقد التعاليم المرتبطة بالحياة الاجتماعية للإنسان، فيما يتمتّع الإسلام بمضمون اجتماعي غني، ولا تقتصر رسالته على إعطاء الشجاعة والمعنى للحياة.

5 ــ ما الدليل على أنّ جميع مقتضيات الحياة الاجتماعية متغيّرة، وليس فيها عنصر ثابت؟ فقطعاً لا تتغيّر بعض مقتضيات حياة البشر، ولا نذعن لكلّ تغيير يحدث عبر الزمن؛ إذ تنجم بعض التغييرات عن تطوّر البشر، وأخرى عن سقوطه.

6 ــ لو لم تشتمل الحياة الاجتماعية على بعض العناصر الثابتة، لما طرح الدين تشريعات للحياة الفردية والاجتماعية؛ ولكي ينفي أبدية الأحكام الإسلامية، تحدّث شبستري عن الأمور الذاتية والعرضية للدين، دون أن يقدّم معياراً دقيقاً للتمييز بينهما، معتبراً الأحكام الدينية الأبدية من الأمور العرضية (ص106).

الفهم التأريخي للدين ـــــــ

يرى الشيخ شبستري أنّ المنهج الصحيح في تفسير الكتاب والسنّة، هو أن نفهمهما فهماً تأريخياً؛ لكنّ الفقهاء لم يلتفتوا إلى هذه المسألة، فكان فهمهم للنصوص الدينية غير تأريخي، والمراد بالفهم غير التأريخي، أن لا ندخل الظروف التأريخية ــ الاجتماعية لنزول الوحي وصدور الروايات في فهمهما والاعتبار الشرعي لهما، ونتصوّر أنّ الآيات والروايات تبيّن أحكاماً مطلقة، دون أن تكون ناظرةً إلى ظروف تأريخية واجتماعية خاصّة؛ لهذا ينبغي العمل بها في أيّ ظرف كان؛ فهي ما فوق التأريخ.

وخلافاً لما يدّعيه الشيخ شبستري، التفت أغلب المفسّرين والفقهاء إلى الظروف التأريخية والاجتماعية لنزول الوحي، فهدف مباحث شأن النزول في علوم القرآن هو فهمه بشكل دقيق، وقد عُقدت أبواب حول آيات كثيرة، وبُحثت عموميّتها أو اختصاصها بمورد معين؛ إذ لا يدلّ نزول الآيات في ظرف معيّن على عدم وجود أحكام خارج حدود التأريخ، وقد استنبط فقهاؤنا ومفسّرونا الأحكام التأريخية والخارجة عن حدود التأريخ، على ضوء نظريّاتهم اللسانيّة، واللاهوتية، والفلسفية؛ فما يُبحث في مباحث الألفاظ من علم أصول الفقه من مسائل علم اللسانيات، لا نتوصّل إلى فهم صحيح للكتاب والسنّة دون اعتمادها، وقد جاء الفقهاء والمفسّرون بأحكام كلية وخارجة عن حدود التأريخ، على أساس الإطلاق والعموم.

أضف إلى ذلك، القاعدة الكلامية القائلة بأنّ الإسلام دين خالد، والدين الخالد يجب أن يتضمّن أحكاماً خالدة، هي التي ساقت الفقهاء والمفسّرين للأخذ بالأحكام التي تتعدّى حدود التأريخ.

إنّ علم المعرفة، وفلسفة اللغة، والأسس الكلامية، والأنثروبولوجيا كلّها من خلفيات فهم أيّ نص ديني. وينشأ اختلافنا مع الشيخ شبستري من هذه الافتراضات، لكنّه مع الأسف، لا يعطي صورةً دقيقة عنها، ناهيك عن الدفاع العقلاني.

يدلّ ما يدور اليوم من حديث عن تأثير بُعدي الزمان والمكان في عملية الاستنباط، على الالتفات إلى الظروف وتأثيرها على عملية استنباط الأحكام الإلهية، كما أنّ النظرة التأريخية للنصوص لا تستلزم نفي الأحكام الأبدية، أمّا الذين أرادوا نفي الأحكام الأبدية، كالشيخ شبستري، فقد كانت لديهم افتراضات أخرى، غير المنهج التأريخي، منها:

القيم الذاتية والعرضية في الدين ـــــــ

طرح الشيخ شبستري افتراضاً يقضي بالتمييز بين القيم الذاتية والقيم العرضية؛ بهدف إثبات تاريخانية الأحكام الإلهية، أو بعبارة أخرى: لا أبدية الأحكام الإسلامية، ويرى شبستري أنّ في الدين أموراً ذاتية وأخرى عرضية، وما يشكّل القيم النهائية هو ذاتيات الرسالة الإسلامية، أمّا القيم الفرعية فهي تمثل الأمور العرضية فيها، والعرضيات وسائل تحقّق الذاتيات والقيم النهائية للدين، فيما تعدّ بنفسها هامشيةً، وتكسب قيمتها من كونها وسيلةً للذاتيات، وقد تطلّبت الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في عصر الرسالة قيماً فرعية خاصّة بها.

الهدف الأساس للرسول هو التوحيد وإصلاح علاقة الإنسان بربه؛ لهذا كان الرسول مضطراً لاتباع الواقع الاجتماعي في عصره، وصياغة أحكام تنسجم والسلوك التوحيدي، وأن يقصي بعض القيم التي تتعارض مع هدفه الأساس، كالرهبانية.

ويعود كثير من الأحكام في العهد النبوي، سواءً ما ورد في القرآن أو في الأحاديث، إلى الأهداف والقيم الثانوية، والعرضية، والمقطعية. هذه الثنائية في الأهداف والقيم، والأحكام التي تتمخض عنها، لم تكن واضحةً لدى مخاطبي الرسول آنذاك، ولم يلاحظوا هذا التمايز بينهما (ص268).

لو سألنا الشيخ شبستري: ما هو معيار التمييز بين الذاتي والعرضي؟ أو بعبارة أخرى: كيف لنا معرفة أنّ كثيراً من الأحكام كانت مقطعية، وتختصّ بالعهد النبوي فقط؟ ستكون إجابته: لا يمكننا تحديد هذا الأمر بمراجعة الكتاب والسنّة؛ إذ لا يمكن تمييز المقاصد والقيم الأولية عن الثانوية من خلال دراسات داخل ــ دينية، بل ينبغي التفكيك بين الذاتيات والعرضيات بدراسة ظاهراتية تأريخية، مع ملاحظة أنّ القيم الأولية من مقوّمات التوحيد، وأينما ظهر اصطحبها معه، في حين لم تكن القيم الثانوية إلا وسائل لتحقيق القيم الأولية، والمعيار الذي يحدد كيفية تحقق السلوك التوحيدي في كل عصر، هو نفسه معيار اعتبار الحكم الشرعي في ذلك العصر (ص271).

وعلى الرغم من كلّ الجهود التي بذلها الشيخ شبستري لإثبات رأيه، ما استطاع أن يقدّم معياراً محدّداً للتمييز بين الأمور الذاتية والعرضية؛ حتى أنّه ادّعى أنّ الوحي تجربةٌ باطنية للنبي، أخذت طابع واقعيات مجتمعه في الحجاز، كما لا يخفف من حجم المشكلة أخذُ مقوّمات التوحيد، على أنّها القيم الأولية وذاتيات الدين؛ إذ سيعترضنا السؤال التالي: ما هي مقوّمات التوحيد؟ وكيف يمكن تمييزها؟ ثمّ إذا أقررنا بوجود ذاتيات وعرضيات للدين، لم لا يحدّد الدين هذه الذاتيات، أو على الأقل، لو وضع معياراً لتحديدها وتمييزها عن غيرها؟

يقول شبستري: لعلّ الحوادث التأريخية كانت تسير بشكل آخر، وتنزل أحكام أخرى، ويصبح تأريخ الإسلام والإيمان غير ما هو عليه، لو لم يعارض المشركون دعوة الرسول، ولم يضطرّ إلى الهجرة، ولم يتصدّ للشأن السياسي، وهذا ما أقصده بقولي: إنّ كثيراً من الأحكام جاء من باب الصدفة؛ لأنّ الأحكام ناظرة إلى حوادث تأريخية، وجدت نتيجة صدفة (ص278).

هل تختصّ جميع الأحكام بحوادث تأريخية خاصّة؟ وهل جاءت آيات في ما يخصّ جميع الحوادث في عهد الرسول؟ يوصلنا الإذعان بعدم نزول آيات في كثير من الحوادث، إلى عدم اتباع الأحكام النازلة بالضرورة لمسار الأحداث؛ ألم يكن الله ليشير إلى اختصاص الأحكام بظروف معينة، لو كان جميعها مرحلي، ومتوقّف على الظروف، وأنّ على الناس الإتيان بأحكام جديدة، إذا ما تغيّرت الظروف، على أساس سلوكهم التوحيدي؟!

الخطأ الأساس الذي وقع فيه الشيخ شبستري، هو تصوّره عدم جواز صدور أحكام أبدية، ليتسنّى تطبيق السلوك التوحيدي والحفاظ على الأرضية الإيمانية، التي تشكّل المحتوى الرئيس لرسالة الرسول.

شبستري وعقم الفقه الإسلامي ـــــــ

بحث الشيخ شبستري بعض القضايا الفقهية في فصول من الكتاب، لا سيما في الباب الأول، تحت عنوان: أزمة الفهم الرسمي للدينn، وقد تحدّث في الفصل الأول منه عن التغيّرات الأساسية في المجتمعات الإسلامية إثر التنميةn، إذ يقول حول أسباب أزمة الفهم الرسمي للدين في إيران المعاصرة: السبب الأول: الإصرار على المدّعى الخاطئ والفاقد للدليل، وهو أنّ الإسلام بصفته ديناً، يضمّ أنظمة سياسية، واقتصادية، وحقوقية نابعة من علم الفقه، وعلى الناس الخضوع لها في كلّ زمان، وذلك بأمر من الله، والسبب الآخر: الإصرار على التصوّر الخاطئ حول مسؤولية الحكومة عن تنفيذ الأحكام الإسلامية بين المسلمين (ص11).

تحدّث الشيخ شبستري عن مسألتين أساسيتين، هما: دائرة الدين ومسؤولية الحكومة الإسلامية، إنّه يرى أنّه من غير الممكن بناء أنظمة سياسية، واقتصادية، وحقوقية، بعلم الفقه، وللأسف لم يذكر أدلّته على مدّعاه، وكالمعتاد يكتفي بطرح العموميات، بينما هناك مسائل كثيرة، لا يمكن مناقشة ما ادعاه، دون تبيينها، ومن أهمّ هذه المسائل: 1 ــ ما المراد بالنظام؟ 2 ــ هل يتكوّن النظام الاجتماعي ــ الحقوقي، والسياسي، والاقتصادي، والثقافي ــ من عناصر ثابتة فقط، أم يحتوي عناصر متغيّرة أيضاً؟ 3 ــ هل النظام الاجتماعي الإسلامي مغلق أم منفتح ومرن؟ 4 ــ ما هي مقتضيات العصر؟ وهل جميعها متغيّر أم بعضها ثابت؟ 5 ــ هل مقتضيات العصر إلزاميّة أم تتدخل إرادة الإنسان فيها أيضاً؟ 6 ــ أمِنَ المفروض أن يكون الدين على شاكلة العصر أم على الناس تطبيق حياتهم مع الدين؟ 7 ــ هل يتكفّل الفقه حلّ جميع عقد الحياة البشرية أم لديه حلّ لبعضها؟

لا يسع المقام تناول هذه الأسئلة المهمّة هنا، وقد أشبعناها بحثاً في كتاب توقعات البشر من الدين، ونكتفي هنا بالقول: إنّ النصوص الإسلامية بيّنت الأصول العامّة، وثوابت الأنظمة الحقوقية، والسياسية، والاقتصادية، وتركت بيان المتغيّرات للعقل البشري ــ وهو من مصادر الشريعة ــ وقد طرحت آليات لضمان حضور الدين في شتّى مجالات الحياة الاجتماعية، والتي تضمن انسجامه مع العصر، كما لا يضع الإسلام حلّ جميع عقد الحياة على عاتق الفقه، بل اهتمّ بالنتاجات العلمية والفنية أيضاً؛ لحلّ المسائل الاجتماعية.

مسؤوليات الحكومة الإسلامية ـــــــ

الموضوع الثاني الذي طرحه الشيخ شبستري، هو أنّ تطبيق الأحكام الإسلامية مسؤوليةُ الحكومة الإسلامية، وواضح أنّ تنفيذ الأحكام ليس هدف الحكومة الوحيد، لكن من البديهي أن يكون من أهدافها، أي هناك مسؤوليات عديدة على عاتق الحكومة، أحدها تطبيق الأحكام، وتنفيذ الحدود الإلهية، كما ذكرت الأمور التالية أهدافاً للحكومة في القرآن الكريم ونهج البلاغة: 1 ــ إقامة الفرائض الإلهية، كالصلاة، والزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. 2 ــ إعمار البلاد، وتحقيق الأمن. 3 ــ تنفيذ الحدود الإلهية. 4 ــ إحياء السنن الإلهية، والقضاء على البدع. 5 ــ الاهتمام بالتعليم والتربية. 6 ــ ضمان حقوق الناس. 7 ــ تحقيق العدل الاجتماعي([4]).

من الواضح أنّ هذه الأهداف جميعها مرحليّة وتمهيدية، والهدف النهائي هو إحقاق التوحيد؛ أي على الحكومة الإسلامية اتّباع هذه الأهداف؛ لتحقّق المجتمع التوحيدي والإنسان الكامل.

الدليل الوحيد الذي يقدّمه شبستري، هو أنّ الادّعائين المطروحين لا يتلائمان مع واقع الإسلام، وواقع حياة المسلمين في العصر الحاضرn، لكن، لا تنفي الأدلة الدينية ــ أو على حدّ تعبيره: الواقع الإسلامي ــ مقدرة الدين على بناء أنظمة اجتماعية، ومسؤولية الحكومة في تنفيذ الأحكام، ويستدلّ بأنّ الحضارة الجديدة والتنمية، كانتا السبب في تغيير نمط حياة المسلمين، فحين كانت الحياة زراعيةً، ورعوية، وتجارية شبه إقطاعية، كان علم الفقه يحدّد أحكام معاملات الناس، ويؤمّن الحاكم النظام الاجتماعي على أساس العمل بهذه الأحكام، فكلّما أراد إدخال عرف، أو منهج جديد على حياة المسلمين الاجتماعية، قيّمه بمعايير الحرمة والحلية الفقهية، كي لا يكون معارضاً لحكم الله، وقد ألّفت كتب من قبيل الأحكام السلطانيةn، المختصّة بالفقه السياسي، على هذا النهج (ص12).

ليته ذكر لنا أنموذجاً من الحكّام العادلين، الذين تصرّفوا وفق الأحكام الإسلامية، فلا يدلّ تأليف كتب تحت عنوان الأحكام السلطانيةn على تدوين أنظمة اجتماعية من قبل علماء المسلمين، فلم يتطوّر فقهنا السياسي، لعدم قيام حكومة عادلة في العالم الإسلامي؛ إذ لا تنشأ ولا تتطوّر بعض مسائل الفقه السياسي، إلا من خلال تأسيس مجتمع إسلامي، ولم تتولّ يوماً حكومة إسلامية عادلة مقاليد الحكم في العالم الإسلامي، لا سيما الشيعي؛ لذلك، لم يطبّق الفقه يوماً في حياة الأمة؛ فإذا حكم بنو أمية، أو العباسيون، أو الصفويون باسم الإسلام، فلا يدلّ ذلك على وجود حكم ديني أو إدارة اجتماعية على ضوء الدين.

الفقه وتعقيدات الحياة ـــــــ

يرى الشيخ شبستري أنّ فاعلية الفقه تقتصر على فترة ما قبل العصر الصناعي، ولا دور له في الحياة الجديدة؛ إذ يبحث الإنسان المعاصر عن آفاق جديدة في الحياة، فعلى المسلمين اليوم، تدبير أمورهم على أساس المقتضيات الجديدة، كي لا يتخلّفوا عن ركب الحضارة، وهم مجبرون على قبول ما يحدث في النصف الآخر من الكرة الأرضية، والظروف الجديدة، والواقع القائم المسمى بالتنميةn.

وأهمّ ما يميز هذا النمط الجديد من الحياة، هو: 1 ــ الحياة الجديدة تنبثق عن إرادة التطوّر والحياة الأفضل لدى الإنسانn. 2 ــ الحياة الجديدة متوقفة على تطوّر العلوم التجريبية والاجتماعية الجديدةn. 3 ــ حياة الإنسان المعاصر صناعية مائة بالمائةn. 4 ــ الحياة الحديثة لا تتحقّق إلا بخطط طويلة الأمدn. 5 ــ المشاركة السياسية والحكومة الديمقراطية من مستلزمات الحياة الحديثة. 6 ــ تهيئ الحقوق والقوانين الحديثة، الأرضيةَ المطلوبة للتطوّر والتنمية، ولا يقتصر دورها على حلّ الخلافات بين الأفراد، وإحلال النظم في المجتمع. 7 ــ أهمّ واجب يقع على عاتق الحكومة اليوم هو إعمار البلاد وتطويرها. 8 ــ لا علاقة للنمط الجديد من الحياة بالتنمية والتطوّر الدينيّينn، وإن لم يستلزم هذا النمط نفي التدين. 9 ــ لا يمكن التنبؤ بمستقبل الحياة الحديثة؛ إذ تستبطن التنمية تغييرات ثقافية كثيرة، لا يمكن التنبؤ بها. 10 ــ مفهوم العدالة في هذه الحياة الاجتماعية، مفهومٌ فلسفي في غاية التعقيدn.

لا تواجه الحكومات ومراكز القرار في إدارة المجتمعات الحديثة، تعقيدات التنمية المادية والمعنوية وتبعاتها فحسب، بل لقد استعصى عليها تحديد مفهوم العدالة نفسه، وهي القيمة الأساسية في جميع المخطّطات والخطوات. هذه حقيقة تواجههم في السلوك السياسي، وقد أدّت إلى إبعاد عالم السياسة عن الجزميات ومقولات الدوغمة (ص17).

يسعى الشيخ شبستري إلى إثبات عدم فاعلية الفقه في حلّ عقد الحياة الجديدة، من خلال بيان ميزات العصر الحديث، وبالطبع لا مفرّ من قبول الحياة الجديدة؛ فالحياة الاجتماعية الحديثة، التي تشكّل التنمية الإنسانية الشاملةn محورها الأساس، واتّبعها المسلمون مضطرّين منذ بداية القرن العشرين، لا يمكن إدارتها بالحلال والحرام الفقهيين؛ إذ لا تسير أمورها إلا بإدارة علمية، وخطط طويلة الأمد، كما اتّضح من بيان ميزاتها، كما أنّ الديمقراطية من مستلزمات هذه الحياة، ومن نتاجاتها أيضاً، ولا يسع الحلال والحرام الفقهيين سوى موافاة حيّز ضئيل من هذه الحياة (ص18).

ويمكننا عدّ أمور أدقّ وأعمق، من خصائص الحياة الحديثة، لكن نكتفي بذكر بعض ما يرد على رأي الشيخ شبستري:

أولاً: لم الاضطرار لقبول جميع ما يرشح عن الحياة الجديدة؟ وهل علينا اتّباع كل ما في الجانب الآخر من الكرة الأرضية، ممّا يسمّى تنميةً وتطوّراًn؟ لو كان بعض من ذلك مرفوضاً، فلم لا يشير الشيخ إليه؟ كيف يمكننا تمييز الأبعاد الإيجابية عن السلبية في حياة الإنسان الغربي؟ ألا يستطيع المسلمون تأسيس منهج جديد للحياة على ضوء قيمهم الدينية، وحلّ مشاكلهم من خلاله؟

ثانياً: ما هو تعريف الشيخ للتنمية؟ ولم اعتبر التنمية الغربية أنموذجاً للمسلمين؟ بما أنّ كلّ نمط من التنمية يبتني على قيم محددة، لم لا يسعى لتقديم نمط يعتمد على القيم الدينية؟

ثالثاً: لا تختصّ أصول مهمة: كالمشاركة السياسية، والمنافسة السياسية السليمة، ونفي العنف في المجتمع، بالديمقراطية الغربية، ولا تتعارض مع الفقه السياسي.

رابعاً: أيّ من الخصائص العشر التي ذكرها الشيخ تتعارض مع الفقه الإسلامي؟ ومن قال بأنّ جميعها مرتبط بالفقه، ويجب حلّها من خلاله؟ هل يتعارض قبول الأحكام الفقهية مع تحسّن حياة الناس، أو صياغة مخطّطات طويلة الأمد، أو استخدام نتائج العلوم التجريبية والاجتماعية، أو حركة المجتمع نحو التقنية والصناعة؟

خامساً: متى عارض الفقه الإسلامي القوانين التي تنظّم التطوّر الوطنيn؟ فكثير من قوانين التنمية قوانين مرحلية ومتغيرة، ولا يعارضها الإسلام، ما دامت لا تتعارض مع ثوابت الدين، وقد سنّ الإسلام قوانين تخصّ العلاقة بين أفراد المجتمع، وتنتج نظاماً اجتماعياً، فهل يتعارض ذلك مع التنمية؟ ألا يخلق ذلك مناخاً مناسباً للتنمية والتطوّر؟

لقد طرحت تعقيدات مسألة العدالة منذ القدم، فهي لا تعود إلى الحياة الحديثة، وقد كان شبستري محقّاً في قوله: إنّ كلاً من المدارس الليبرالية والاشتراكية، طرح رؤيته الخاصة. وقد دعى إعلان حقوق الإنسان العالمي إلى احترام العدالة الاجتماعية أيضاً، كما اقترحت الديمقراطية ــ التي ادّعى شبستري أنّها أقرب للعدالة من أيّ نهج حكومي آخر ــ بعض السبل لنيل العدالة، لكنّ اختلاف الآراء بين العلماء حول هذا الموضوع مازال قائماً، وبغضّ النظر عن ذلك كلّه، كيف يعرّف الشيخ العدالة؟ ما هي خطّته لتحقيقها؟

للأسف، هنا أيضاً يتجاوز شبستري الموضوع دون تحديد موقفه، والأنكى من ذلك، أنّه يقرّر الموضوع بصورة، وكأنّ الفقه الإسلامي لا صلة له بالعدالة، ويتناسى الأفكار الإسلامية حول العدالة، بذريعة أنّ كلّ ما في الإسلام والفقه الإسلامي لا يصلح لما بعد الحداثة.

الفقه الإسلامي والتنمية ـــــــ

يقول الشيخ شبستري دفاعاً عن الحياة الحديثة ــ التي تعرّضت للانتقادات من قبل أكبر مفكّري الغرب ــ : في ظروف كهذه، على مؤيدي أيّ نظام للحكم وأيّ برنامج سياسي وأي قانون، أن يبرهنوا على عدالته (ص17 ــ 18).

ألم يؤكّد الإسلام على نقد المتصدّين للشأن السياسي؟ أليس من واجب المتصدين للحكم الإسلامي، تبيين طابع العدل في برامجهم؟ لمَ يتمكّن المتدينون من نقد التنمية على أساس المفاهيم الدينية، لكن لا يمكنهم تقديم خطّة للتنمية والتطوّر الديني، إن اشتمال عملية التنمية على بعض البرامج الدينية، لا يجعلها دينية برمّتها، أو منقادةً للأغراض الدينية، فليس في مقدور التديّن هضم التنمية وإعطائها صبغةً دينيةn (ص18).

لم يحدّد شبستري مرادَه من التنمية، ولم يبيّن المواصفات التي تجعل ظاهرةً ما دينية، فلو استخرجنا جميع قضايا التنمية من الفقه الإسلامي، هل تكون التنمية دينية؟ وهل ادّعى الدين هذا الأمر؟ أليس بإمكان الدين تقديم أسس ثابتة وأهداف مثالية للتنمية؟ ألا ينبغي استخدام نتاجات العلوم فيها؟ وإذا ما أقررنا بوجوب ذلك، هل يمكننا اعتبارها غير دينية، بمجرّد استخدام العلوم التجريبية والإنسانية فيها؟ لم لا نستخدم التنمية لتلبية أغراض الدين؟ وبعبارة أدق: لمَ لا يكون أحد أهداف التنمية بناء مجتمع ديني؟ أين تتعارض الإدارة العلمية مع الحلال والحرام الفقهيين؟ ومن قال بأنّ من الممكن حلّ جميع العقد بالفقه وحلاله وحرامه؟ أيّ حكم ديني يتعارض مع الإدارة العلمية والخطط بعيدة الأمد؟

يرى الشيخ شبستري أن ليس في استطاعة علم الفقه تحليل واقع المجتمع، ولا يمكنه التخطيط لتفسير ذلك الواقع لنيل أهداف معيّنة، ولا يمتلك القيم السياسية والإنسانية الحديثة. إذ لم يؤسس لهذه الأهداف أصلاً، بل يتكفّل بإدارة الحياة الاجتماعية الحديثة، في الدرجة الأولى، علم الفلسفة، والسياسة، والإدارة، والاقتصاد، والقانون. من ناحية أخرى يلعب الاعتراف بالقيم السياسية والإنسانية الحديثة، كالحرية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية ــ بمعناها الحديث، أي حقوق الإنسان ــ دوراً مهمّاً في ذلك (ص18 ــ 19).

من حصر تحليل الواقع الاجتماعي بالفقه؟ لا نتطرّق هنا إلى إمكان الاستفادة من الفقه في تحليل الواقع الاجتماعي أو عدمه، لكن نريد التأكيد على أنّ لا وجود لمفكر يدّعي إمكان تحليل الواقع الاجتماعي بالفقه وحده، فإنّ هذه العملية من قبيل تشخيص الموضوعات الخارجية، فلا علاقة للفقه بهذا الأمر، كما لم يدّع أيّ فقيه ممارسة التخطيط الاجتماعي بالفقه وحده، ولا يتنافى اعتماد الفقه مع الاستعانة بالفلسفة والسياسة وعلوم الإدارة، والاقتصاد، والقانون. كما تقوم هذه العلوم بمعرفة الموضوعات، وبإمكانها خدمة الفقه لتبيين حكم تلك الأمور في الظروف المختلفة، شريطة أن لا نلغي ثوابت الدين تحت ذريعة الاستفادة من هذه العلوم.

أمّا فيما يخصّ قبول قيم، كالحرية، والمساواة، والعدالة، فلا داعي لتبنّي المعنى الحديث لها؛ إذ تقدّم كلّ مدرسة تفسيراً لهذه المفاهيم على أساس مبانيها الكلامية والفلسفية، وقد يختلف معناها من مدرسة إلى أخرى، وللإسلام أيضاً، موقفه الخاص من هذه القضية، على ضوء أسسه المعرفية، ونظرته للإنسان، وعلى المفكّرين المسلمين التزام هذا الموقف.

لا يعني هذا الكلام أنّ نظرة الإسلام لهذه الأمور تختلف تماماً عن نظرة المدارس الأخرى، فللإسلام مشتركات مع المدارس الحديثة، كما أنّ هناك نقاط افتراق، تُباعد ما بينهما، ولا يمكن الغضّ عنها بحجّة حقوق الإنسان.

المشكلة الأساسية التي يعاني منها الشيخ شبستري، هي توقّعاته من الدين؛ إذ يتصوّر أنّ من غير الممكن إدارة المجتمع على أساس القيم والأحكام الدينية، وهذا ادّعاء لا دليل عليه، وهو يتوقع أن يضفي الدين روحانيةً على الحياة فقط؛ لهذا نراه يقول: بثّ الروحانية في الحياة الاجتماعية الحديثة، مهمّة لا يقوم بها سوى الدين، وعليه القيام بهذا الدور (ص19).

حقوق الإنسان الإسلامية والغربية ـــــــ

سعى المؤلف المحترم للدفاع عن حقوق الإنسان الغربية، والردّ على آراء المفكّرين المسلمين في نقد الموقف الغربي، من خلال الفصول السبعة للباب الثالث. وقد سمّى أفكار عظماء، كالعلامة الجعفري، وآية الله جوادي الآملي بـحقوق الإنسان الميتافيزيقيةn، منتقداً آراءهم بقوله: بنى عبد الله جوادي الآملي جميع أبحاثه حول حقوق الإنسان في كتاب فلسفة حقوق الإنسان، على أسس ميتافيزيقية، وقد كتب هذا الكتاب لرفض الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتأسيس حقوق ميتافيزيقية له، وانتهج الشيخ محمد تقي الجعفري الراحل المنهج عينه في كتاب حقوق الإنسان العالميةn.. وأقدّم هنا نقداً لآراءهم ومن يؤيّدهم فيها (ص230).

ينعت الشيخ شبستري رأي آية الله جوادي الآملي، بالحقوق الميتافيزيقية للإنسان؛ لأنّ الأخير يرى أنّ حقوق الإنسان يجب أن تصدر عن ماهيّته المشتركة، وهي فطرته، وبما أنّ الله هو الذي يعرف هذه الماهية المشتركة بين البشر، فهو الوحيد الذي يمكنه تحديد حقوق الإنسان، وقد ذكرها في الكتاب والسنّة.

وخلافاً لما يدّعيه الشيخ شبستري، لم يؤلّف الشيخ الجعفري كتابه للردّ على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بل لكي يؤيّد طرح الحقوق الإسلامية للإنسان، وقد قام بمقارنتهما في كتابه، وحدّد نقاط الاشتراك والافتراق بينهما؛ ولمزيد من الإيضاح، نستعرض أفكار الشيخ الجعفري بإيجاز.

يفكك الشيخ الجعفري في بادئ الأمر بين مسألتين، هما: 1 ــ ضرورة تدوين حقوق الإنسان، والهدف منها. 2 ــ تطبيق حقوق الإنسان.

ويرى في مجال تدوين حقوق الإنسان، وجوب مراجعة افتراضات الموضوع، وبعبارة أدق: الأسس الأنثروبولوجية التي ابتنت عليها، أمّا في مجال التطبيق، فعلينا تناول جميع الآليات الفكرية والعملية التي تساعد على تطبيقها، ويعتقد جعفري أنّ من الضروري في تدوين حقوق الإنسان، ملاحظة الأمور التالية:

1 ــ يتحدّث إعلان حقوق الإنسان العالمي عن الإنسان وقيمه؛ فأيّ تفسير للإنسان نتبنّى حتى نعدّ له حقوقاً ثابتة؟ هل نعتبر الإنسان وجوداً ذا كرامة ذاتية أو نعتبره ذئباً؟ هل يمكننا الحديث عن حقوق الإنسان في ظلّ أفكار بعض الفلاسفة الغربيين الذين يدافعون عن أصالة القدرة، ويعتبرون التنازع من أجل البقاء محور الحياة؟

2 ــ المعاشرة السليمة، في جوّ مفعم بالصفاء، والحرية، والعدالة، أساس حقوق الإنسان، وهو في غاية الأهمية، لكن ما زال السؤال قائماً: كيف تكون نظرة الإنسان لحياته، ليرى الناس أعضاء أسرةٍ واحدة؟

3 ــ من وجهة نظر الإسلام، تعادل حياة إنسان واحد حياةَ جميع الناس، أي يطرح الإسلام الإنسان على مستوى الكيفية، لا الكمية.

4 ــ أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للآخرين؛ إذاً، تقوم علاقة الإنسان مع الله على ضوء علاقته بسائر الناس.

5 ــ يحدّد الإسلام هدفاً سامياً لحياة الإنسان، وهو القرب الإلهي، وهو ما يوفّر مناخاً للوحدة بين الناس، الخلق كلّهم عيال الله.

أسس تطبيق حقوق الإنسان ـــــــ

لا يستلزم تدوين حقوق الإنسان بالضرورة تطبيقها، فليست مشكلة الإنسان اليوم في عدم وجود قوانين جيّدة، بل مشكلته في عدم تطبيق هذه القوانين، وهنا يعتقد الشيخ جعفري بوجود نوعين من الآليات لتطبيق النظام القانوني: 1 ــ الآليات الخارجية التي تتكفّلها المؤسّسات الاجتماعية. 2 ــ الآليات الداخلية التي يتكفّلها عقل الإنسان ونوازعه.

يجب توفّر أرضية ثقافية مناسبة لتطبيق حقوق الإنسان، إضافة إلى المؤسّسات المدنية والتنفيذية اللازمة، كما على الناس تأمين هذه الحقوق بالضرورة، وينبغي أن يتمتعوا بتربية، تنمّي فيهم الحالة النفسية والأخلاقية اللازمة لتطبيق هذه الحقوق.

وقد قارن الشيخ جعفري بين نظامي حقوق الإنسان الغربي والإسلامي في أسسهما، وسبل تنفيذهما، وذكر الميزات التالية للنظام الإسلامي على الغربي:

1 ــ تعتمد حقوق الإنسان في الإسلام على الإرادة الإلهية، وقد اعتبر الله سبحانه وتعالى، الالتزام بهذه الحقوق من تكاليف عباده؛ فيكون التزام الناس بها لوجه الله، لا على أساس مصالح ذاتية.

2 ــ حوافز الإنسان في طلب الكمال هي الضمان الأكيد في تطبيق هذه الحقوق، حيث يرى تكامله وسموّه في ذلك.

3 ــ الإسلام دين إبراهيمي، تمتدّ جذوره في فطرة الإنسان، وكذلك هي جميع الأديان الإلهية، وهذا ما يسهّل إثبات عالمية حقوق الإنسان، أو على الأقل، هذا ما يدفع لتمسّك متديّني العالم جميعهم بها.

4 ــ يهتمّ الدين بكمال البشر، ولا تقتصر تعاليمه على الحياة الطبيعية للناس، بل تشمل حقوق أرواحهم أيضاً، وهذا ما يضمن حياةً طبيعية رغيدة لهم.

5 ــ استخدم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مصطلح أعضاء الأسرة البشرية، وهو مصطلح في غاية الأهمية، وقد وثق الإسلام من قَبل العلاقة بين الناس بتأكيده على أنّ الجميع عيال اللهn، معطياً بذلك أكبر ضمان لتطبيق حقوق الإنسان.

6 ــ من أهمّ سبل تطبيق حقوق الإنسان العالمية، ضبط أنانية الإنسان نفسه، وقد صرّح الفكر الإسلامي بذلك، فما دامت أنانية البشر مطلقة العنان، لا يمكن الحدّ من احتقار حقوق الناس، الذي يؤدّي إلى الأعمال العدائية والوحشية.

7 ــ عُدّت حرية العقيدة، والخلاص من الفقر والخوف، من أهمّ أمنيات البشر في تحليل دوافع حقوقهم، بينما هي ــ في الحقيقة ــ وسائل وآليات، لا أهدافاً وغايات، وقد اعتبرها الإسلام أهدافاً مرحلية وجزئية، لا أهدافاً نهائية، وبصياغته أهدافاً عليا للحياة، سبق غيره في تمهيد الأرضية المعرفية لتطبيق حقوق الإنسان.

دراسة المبادئ الفلسفية لحقوق الإنسان ـــــــ

درس الشيخ جعفري مفاد إعلان حقوق الإنسان بشكل مفصّل، وقارنها بالنظام الفكري والحقوقي الإسلامي، محدّداً نقاط الاشتراك والافتراق بينهما، وقد تطرّق للأسس المعرفية والانثروبولوجية في كلا النظامين، وبيّن نقاط الضعف الأساسية في حقوق الإنسان الغربية، ونأتي هنا بأهمّ ما ذكره فيما يخصّ الاختلاف بين هذين النظامين؛ لتتضح نقاط الضعف في أفكار الشيخ شبستري في دفاعه عن إعلان حقوق الإنسان الغربي:

1 ــ لا نقرّ بكرامة الإنسان دون معيار أفضلية التقوى، وتشجيع الناس على اكتسابها، وللأسف لم يلتفت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لهذا الأمر.

2 ــ أكّد الإعلان على الحريات الطبيعية، لكنّه لم يول حرية الإنسان الروحية اهتماماً.

3 ــ لم يتطرّق الإعلان لبعض الحقوق الجماعية للإنسان، كحقّ دفع الاستضعاف.

4 ــ لا يشير الإعلان إلى منطلق العدالة، كما أغفل استحالة تحقّقها دون التخلّق بالأخلاق الإنسانية المتعالية.

5 ــ عدّت حرية العقيدة، ودفع الخوف والفقر، أسمى أهداف الإنسان، لكنّها لا تصلح أن تكون الهدف النهائي له، وإن حازت قدراً كبيراً من الأهمية.

6 ــ يعتبر الإسلام الحياةَ منحةً إلهية، فيما لم يذكر الإعلان ذلك.

7 ــ صرّحت حقوق الإنسان الإسلامية بعدم جواز استخدام أي وسيلة تؤدي إلى القضاء على حياة الناس، وهو ما لم يصرّح به الإعلان الغربي([5]).

8 ــ لم يميّز نظام حقوق الإنسان الغربي بين الكرامة الذاتية والكرامة القيمية للإنسان، فيما صرّح الإسلام بذلك.

9 ــ تعتبر الكرامة الذاتية في الفكر الإسلامي من ألطاف الله على العباد، فيما لا يوجد في الفكر الغربي تفسير منطقي لذلك.

10 ــ حقّ الحياة في بيئة سليمة، وبعيدة عن المفاسد الأخلاقية، من الأصول المؤكّدة في حقوق الإنسان الإسلامية، لكنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يتطرّق له.

11 ــ لم يهتمّ الإعلان العالمي بالجوانب الروحية للإنسان، خلافاً لحقوق الإنسان الإسلامية.

12 ــ يعدّ الإسلام الدعوة إلى الكمال والخير من حقوق الإنسان المهمّة، لكننا لا نرى أيّ التفات لذلك في الإعلان العالمي.

13 ــ يرى الإسلام وجوب تحديد الإعلام وأجهزته، في إطار ما يخدم تطوّر البشرية، فيما لا يشير الإعلان العالمي إلى ذلك، بل لا يرى إشاعة الانحراف الأخلاقي منافياً لحقوق الإنسان.

14 ــ تقول الحقوق الإسلامية: لا سلطة لأحد على الآخر، وقد غفلت الحقوق الغربية عن هذا الأصل.

15 ــ لا يرى الإسلام حدود الحرية في عدم الإضرار بالآخرين، بل لا يريد للإنسان أن يضرّ نفسه بالابتعاد عن سبل الكمال والهداية.

حقوق الإنسان الميتافيزيقية ـــــــ

ما ذكرناه من الأسس الكلامية والفلسفية، أو على حدّ تعبير الشيخ شبستري: الميتافيزيقية، لحقوق الإنسان، هو ما أدّت الغفلة عنه إلى مشاكل نظرية عديدة في القبول المنطقي لحقوق الإنسان، فيجدر بكلّ من يريد خوض النقاش النظري في هذا المجال، تحديد موقفه من هذه الأسس أولاً، ومناقشتها إذا ما كانت لديه ملاحظات على حقوق الإنسان الإسلامية ثانياً، وليس له إنكار آراء بعض علماء الدين في حقوق الإنسان، لمجرّد أنّها تبتني على أصول ميتافيزيقيّة.

ومع شديد الأسف، لم يبحث الشيخ شبستري أيّاً من هذه الأصول، وكلّ ما قام به هو إنكار المدّعيات الثلاثة التي طرحها آية الله جوادي الآملي، بذريعة أنّها ميتافيزيقية (ص237)، وفي الوقت عينه طرح آراءه في الدفاع عن حقوق الإنسان الغربية، ونقد حقوق الإنسان الإسلامية.

نتناول هنا بعضاً من هذه الآراء بالدراسة والتمحيص، حيث يقول الشيخ شبستري: لا يمكن اليوم لكثير من الناس، وحتى الفلاسفة ــ اتفقنا معهم، أو اختلفنا ــ التفكير بطريقة ميتافيزيقيّة.. بمقدورنا أن نجزم بعدم خوض نصف العالم في مجال الأخلاق والحقوق والسياسة، على أساس الميتافيزيقيا، وإنّما تبتني آراؤهم على قيم المذهب الإنساني (ص241).

من لوازم البحث العلمي، تحديد المراد من المصطلحات أولاً؛ فلمَ يعتبر الذين خاضوا في حقوق الإنسان الإسلامية أبداً الإسلامَ معادلاً للميتافيزيقيا، وإذا كان شبستري يقصد أنّ الميتافيزيقيا هي الاعتقاد بماوراء الطبيعة، فهذا خطأ تماماً؛ لأنّ معناها ما بعد الطبيعة، وهي نهج فكري خاص، بينما ماوراء الطبيعة، عالم أسمى من المادة، أماّ استخدامه مصطلح المذهب الإنساني، فهو قرينة على أنّه يقصد بالميتافيزيقي، الإلهي، أو محورية الله في الأمر، أي لم يعد الناس اليوم يفهمون الأخلاق والحقوق والسياسة على أساس نظام محوره الله، بل يريدون ما محوره الإنسان نفسه.

هذا تمايز مقبول، لكن لا يعني مصطلح الميتافيزيقيا أبداً، محوريةَ الله، ولم تكن الميتافيزيقيا يوماً نقيضاً للمذهب الإنساني؛ إذ للمذهب الإنساني أسس ميتافيزيقيّة أيضاً، ولهذا لا يرفض الميتافيزيقيا من الأساس.

يتساءل الشيخ شبستري عن السبيل الذي يريد أنصار حقوق الإنسان الإسلامية اتّباعه، لدعوة الفلاسفة والمثقفين والسياسيين في العالم، للالتزام بحقوق الإنسان الميتافيزيقية، ثمّ يجيب نيابةً عنهم: إنّنا ندعو الناس إلى هذه الحقوق وإن رفضوها، لو كانت لنا القدرة، لأرغمناهم على قبولها، ولجعلناها أساساً في المعاملات والعلاقات، في جميع أرجاء العالم، لا شكّ في أنّ معنى هذا الكلام في العالم المعاصر، هو أنّ جماعة تريد إشعال حروب جديدة، وإراقة دماء، بذريعة حقوق الإنسانn (ص242).

لا أعرف مفكّراً قال ذلك، ثمّ أين أشار العلامة جعفري، والأستاذ جوادي الآملي إليه، حتى ينتقدهم الشيخ شبستري، وينسبه إليهم؟ متى قال هذان الحكيمان بوجوب إجبار الناس على قبول حقوق الإنسان الإسلامية؟ لمَ يتكلّم الشيخ شبستري دون سند، وينسب تصوّراته وافتراضاته إلى الآخرين؟ أليس منع الحروب، وإراقة الدماء، أحد أهداف دعاة حقوق الإنسان الإسلامية؟! فكيف لهم إشاعة الفساد في الأرض تحت غطاء تطبيق حقوق الإنسان؟ يستخدم دعاة حقوق الإنسان الغربية شتى الطرق والوسائل لفرض آرائهم على الناس، واللطيف في الأمر، أنّ الشيخ شبستري لا ينتقد سوء تصرّف الغربيين في هذا المجال.

يقول بعض العلماء، منهم الشيخ جوادي الآملي: إنّ تحديد حقوق الإنسان لله وحدهn، وذلك استناداً إلى أسسهم المعرفية، وتعريفهم للإنسان.

وأسس هذه النظرية ــ بإيجاز ــ هي: 1 ــ تبتني حقوق الإنسان على فطرته. 2 ــ لا يمكن تدوين حقوق الإنسان على أساس التوافق فقط. 3 ــ لا يمكن للإنسان تحديد حقوقه. 4 ــ التقنين حقّ لله وحده([6]).

يقول الشيخ شبستري في ردّ هذه النظرية: أكرّر سؤالي الدائم حول هذا الادعاء: إذا كنتم تستنبطون حقوق الإنسان من الكتاب والسنّة، فأيّ قراءة للنصوص الدينية كانت مرجعكم في ذلك؟

في الواقع، هناك آراء متعدّدة حول حقوق الإنسان لدى العلماء والمفكّرين الإسلاميين؛ فبعضهم يعتبرها خارج ــ دينيّة، على المسلمين الالتزام بها، فيما يسعى آخرون لاستخراج منظومة يسمّيها: حقوق الإنسان الإسلامية، يختلفون في ما بينهم في تحديد أركانها ومواصفاتها.

ما طرح في القاهرة وأماكن أخرى تحت عنوان حقوق الإنسان الإسلامية، لا يمثّل سوى رأي جماعة خاصة، والمسلمون غير ملزمين باتّباعه؛ فليس هناك رأي محدّد، يكون الفصل والحكم؛ إذ لا دليل فلسفي أو ديني يقضي بأنّ قراءة من تقمّصوا السلطة معتبرة، وواجبة الاتّباع (ص242 ــ 243).

كان لزاماً على الشيخ شبستري أن يردّ ــ أولاً ــ الأسس المعرفية للأستاذ جوادي الآملي وتصوّراته عن الإنسان، ومن ثم يتناول القراءات المختلفة للأسس والقواعد المذكورة، ليتّضح الاختلاف بينها، وكان حرياً به أن يشير إلى القراءات المختلفة لحقوق الإنسان الإسلامية؛ فلا ينكر أحد اختلاف الرأي بين الفقهاء والعلماء في المسائل الجزئية، لكن حين نريد تدوين نظام حقوقي، من الضروري أن يجتمع العلماء، ويصادقوا على النظام الحقوقي الذي يجمعون عليه، ويلتزموا به، وحتى لو اختلفوا في بعض أصوله، لكنهم ملتزمون به قهراً ــ عمليّاً ــ انطلاقاً من مصادقتهم عليه، كما حدث في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو إعلان القاهرة لحقوق الإنسان.

ولا يقتصر الأمر على حقوق الإنسان؛ فأغلب أصوله ثابتة ومحلّ اتفاق علماء الإسلام، بل في تدوين أيّ نظام حقوقي، لا يمكن تلبية جميع وجهات النظر، ولأن يصبح نظام ما مؤهلاً لإدارة المجتمع والعلاقات بين الأفراد والشعوب، يجب أن يحظى بتأييد الأغلبية من أهل الخبرة، وحتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمد عام 1948م، صادقت عليه ثمان وأربعون دولة من مجموع دول العالم آنذاك؛ فهل اختلاف القراءات والأفهام يخصّ النصوص الدينية فقط؟ ألا يوجد اختلاف في الأحكام العقلية أيضاً؟ لو رضينا باتفاق المختصّين ملاكاً لقبول حقوق الإنسان الغربية، فما المانع من أن يكون اتفاق آراء علماء المسلمين ملاكاً لقبول حقوق الإنسان الإسلامية؟

لقد أكّد مفكّرون كالعلامة جعفري، الذي قام بدراسة مقارنة بين حقوق الإنسان الإسلامية والغربية، على أنّ أغلب مفاد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، محلّ قبول الإسلام، وقلّما تناقش نقاط الاختلاف من قبل علماء الإسلام؛ وحتى لو حصل خلاف بينهم، فإنّ ما يحصل على إجماع نسبي سيكون نافذاً ولازم الاتّباع.

شبستري ونقد حقوق الإنسان الإسلامية ـــــــ

يعتقد الشيخ شبستري بعدم إمكان دعوة العالم للالتزام بحقوق الإنسان الإسلامية، حتى لو كانت مستنبطةً من الكتاب والسنّة، وبما أنّ غير المسلمين لا يعتقدون بالمصادر الإسلامية، فلا يمكن صياغة نظام حقوقي مشترك للجميع!

إذا أقررنا بتفوّق حقوق الإنسان الإسلامية على حقوق الإنسان القائمة، ولا ريب في ذلك، فمن واجبنا الدفاع عنها بشتّى السبل العلمية، وتبيين نقاط ضعف النظام القائم، كما بإمكان الدول الإسلامية إنهاء بعض ملفات العداء، على أساس حقوق الإنسان الإسلامية. فعدم إيمان أغلب الناس في العالم بالمصادر الإسلامية، لا يمنع من طرح حقوق الإنسان الإسلامية، والدفاع عنها.

يقول شبستري: لا ريب أنّ حقوق الإنسان الميتافيزيقية المطروحة في كتب مثل فلسفة حقوق الإنسان، أو الحقوق العالمية للإنسانn، لا يمكن تنفيذها في العالم المعاصر، ولا يمكننا أبداً طرحها على المفكّرين والسياسيين وشعوب العالم، بديلاً عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (ص257).

وللأسف لم يلتفت الشيخ شبستري إلى أنّ هذين الكتابين قد تناولا فلسفة حقوق الإنسان والأسس المعرفية والأنثروبولوجية لها، ولم يتطرّقا لسبل تنفيذها وتطبيقها، ثمّ هل جميع من وقّعوا على الإعلان ملزمون بتطبيق تمام بنوده؟ يدلّ عدم التزام أعضاء الأمم المتحدة ببعض البنود، على جواز مخالفة ما يتعارض مع معتقدات دولةٍ ما وثقافتها؛ فلابد من مخرج لحلّ التعارض بين الإعلان وثقافة الشعوب المختلفة، فمن نقاط ضعف الإعلان وجود تعارض بين بنوده، حيث لا يمكن الالتزام بجميعها، وينبغي إصلاح ذلك.

من الإشكالات التي يوردها الشيخ شبستري على حقوق الإنسان الميتافيزيقيّة، أنّها تجرّنا إلى الحروب وإراقة الدماء؛ لأنّها لا تبالي بواقع المجتمع؛ فعملياً، سوف تؤدي هذه الحقوق الميتافيزيقية إلى آلاف الحروب، لأنّها بعيدة كلّ البعد عن واقع الحياة الاجتماعية والتأريخية؛ فلا علاقة لها بالمجتمعات والناس الذين يعيشون على هذه الكرة الأرضية، متأثرين بالعناصر الاجتماعية والتأريخية، وتتعامل هذه الحقوق مع الروح المجرّدة للبشر، فكما أنّ العلوم الطبيعية الميتافيزيقيّة عجزت عن حلّ مشاكل الأرض، كالصحّة، والسكن، والطعام، كذلك حقوق الإنسان الميتافيزيقيّة عاجزة عن حلّ مشاكل الإنسان السياسية على هذه الكرة الأرضية؛ بسبب النزعة التجريدية الانتزاعية فيها (ص245).

من قال بأنّ حقوق الإنسان الإسلامية لا علاقة لها بالناس والمجتمعات التي يعيشون فيها؟ هل يمكن صياغة نظام حقوقي لا علاقة له بالناس؟ ما المقصود من أنّ حقوق الإنسان الميتافيزيقيّة تتفاعل مع الروح المجرّدة؟ أي خطأ فكري اقترفه آية الله جوادي الآملي بتناوله الروح المجرّدة، في حديثه عن الانثروبولوجية؟ تبحث الحقوق عن العلاقة المقنّنة بين الناس، فما الضرر الذي تلحقه الروح المجرّدة بهذه العلاقة؟ لا يدلّ قيام حقوق الإنسان الإسلامية على فطرة الإنسان، وانطلاقها من حاجاته الروحية الواقعية، وأبعادها المختلفة، على انقطاعها عن واقع المجتمع والتأريخ، أو على تجريديّتها وانتزاعيّتها.

ليته طرح حقوق الإنسان الإسلامية، التي صودق عليها في القاهرة، وحدّد موادها الانتزاعية؛ فهل نتوصّل من الرأي القاضي بوجوب خضوع علاقات الناس والمجتمعات لقوانين نابعة من الفطرة الإنسانية، إلى النتيجة التالية: يجب الإقدام بحزم لصياغة نظام اجتماعي وسياسي ودولي على أساس هذه الحقوق، ورفع أيّ مانع في طريق هذا العمل، ولو بالعنف، وبما أنّ الحقوق الميتافيزيقيّة النابعة من نظام الكون، والمنسوبة للكتاب والسنّة، لا تتفق مع القراءات المختلفة للنصوص الدينية، يجب كمّ أفواه الذين يتكلّمون عن القراءات المختلفة! (ص246).

ومع شديد الأسف، يصل الشيخ شبستري أحياناً إلى أمثال هذه النتائج غير المنطقية، ويسوم جميع معارضيه بحكم واحد، ويعتبرهم عنيفين.

حقّ الحرية المطلقة ـــــــ

ينقل الشيخ شبستري رأياً عن العلامة الطباطبائي حول الحرية، وينتقده؛ إذ يرى العلامة الطباطبائي أنّ الإسلام قائم على التوحيد من ناحية تشريعية، فلم يسمح الله بالشرك؛ فالتوحيد هو أساس جميع القوانين والأحكام الإسلامية؛ فكيف يمكن أن يشرّع الإسلام حريّة العقيدة؟([7])، كيف يمكن للإسلام أن يسمح للناس بمخالفة أصل التوحيد، فيما كلّ بنائه قائمٌ على أساس التوحيد ونفي الشرك؟ إنّ هذا تناقض صريح، كذلك القول بحريّة الناس في مخالفة القوانين، فهو مناف لعملية التقنين نفسها (ص254).

يقول شبستري في ردّه على ذلك: إنّ الله يبلّغ الناس قوانينه بواسطة الأنبياء، وفي الوقت نفسه لا يسمح لأحد أن يُرغم الناس على إطاعة قوانينه؛ فالإنسان مخير بين اختيار التوحيد وعدم اختياره، لِمَ لا يمكن لله أن يهب الإنسان حقاً كهذا حتى مع سنّه قوانين معينة، لأنّه حقّ أخلاقي، ويختلف عن الحرية التكوينية للإنسان في اختيار الخير أو الشر، أين التناقض في الأمر؟ أي خلل يسبب ذلك لربوبية الربّ، أو عبودية العبد؟ ونستنتج من ذلك أنّ فرض التوحيد، بصفته فرضاً أساسياً على الإنسان، وسنّ التشريعات من قبل الله، لا ينافي ــ منطقياً ــ حقّ حرية الإنسانn، في اختيار أو عدم اختيار التوحيد، والالتزام أو عدم الالتزام بتلك التشريعات، ولا تناقض في الأمر؛ فلا يمكن اعتبار أصل التوحيدn منافياً للحرية الدينية، التي تشكّل حقاً سياسياً ــ اجتماعياً (ص255).

للأسف، لم يفهم شبستري رأي العلامة الطباطبائي بشكل صحيح؛ حيث يعتقد العلامة أنّ الإنسان ــ من ناحية تكوينية ــ حرّ في اختيار التوحيد أو عدم اختياره، وليس لأحد إرغام الناس على قبوله، لكن من ناحية تشريعية، بما أنّ الله قرّر التوحيد، فلا يمكن أن يقرّر نقيضه، وهو عدم التوحيد؛ اختيار الخير أو الشر يعود إلى الإنسان، وهو عمل تكويني، وليس بتشريعي.

إذا كان التوحيد حقّاً، والشرك باطلاً، فعلى الله إثبات التوحيد، ونفي الشرك، ولو لم يميّز الله بين هذين الاثنين، لانتفت الحكمة منه؛ فكيف يشرّع الربّ الحكيم أمراً باطلاً؟ تتحقق إنسانية الإنسان وعبوديته بالتزامه بالتوحيد، لا بعدم التوحيد، إنّ الإنسان من ناحية تكوينية حرّ في اختيار التوحيد، أو عدم اختياره، لكن بما أنّهما متناقضان، فلا يمكن أن يشرّع الله كليهما.

كذلك يعتقد العلامة الطباطبائي ــ طبقاً لأسسه المعرفية والانثروبولوجية ــ أنّ الله لم يعط حقّ حرية الشرك للناس، وإن كان باستطاعتهم ــ من الناحية التكوينية ــ اختياره، وهذه الأسس هي: 1 ــ إنّ الله حكيم، ولا يقوم الحكيم بعمل عبثي، ولا يأمر به. 2 ــ خلق الله الإنسان لنيل الكمال. 3 ــ جعل الله للإنسان حقوقاً تنتهي به إلى الكمال، ولا تسلبه الكمال إطلاقاً. 4 ــ خلق الله الإنسان حراً، وله اختيار ما يشاء في مقام العمل. 5 ــ لكلّ عمل تبعاته التكوينية، فكلّ ما أمر به الله ينتهي إلى الكمال، وكل ما نهى عنه ينتهي بالإنسان إلى السقوط. 6 ــ مَنحُ الله الإنسان حقاً ينتهي به إلى السقوط، في مقام التشريع، أمرٌ ينافي حكمته.

ويمكننا إثارة الموضوع بشكل آخر: هل من اللائق أن يعطي الله الإنسان حقّين متناقضين: حق بلوغ الكمال، وحق الحرية المطلقةn؟

إذا كان نفي الحرية المطلقة من مستلزمات الكمال، فينبغي أن يكون أحد الحقّين تابعاً للآخر، ومن غير المنطقي أن يجعل الله للإنسان حقّ بلوغ الكمال من جهة، فيما يجعل له ــ من جهة أخرى ــ حقوقاً مناقضة له، فذلك هو التناقض بعينه.

بما أنّ التوحيد من لوازم بلوغ الكمال، والشرك نقيض له، فمن غير المنطقي أن يشرّع الله كلا الحقين، لكن في مقام التشريع والعمل ــ كما أشرت ــ الإنسان حرّ في اختيار طريق الكمال، أو طريق السقوط، ويتحمّل العواقب الخارجية والتكوينية لاختياره، هذا هو أحد الفوارق المهمّة بين حقوق الإنسان الإسلامية، وحقوق الإنسان الغربية، وهو ناشئ عن أسسهما المعرفية والانثروبولوجية.

يطرح الشيخ شبستري احتمالاً آخر لتفسير عدم حرية الإنسان من الناحية التشريعية، وهو أيضاً موضع تأمّل، وهو <أنّ المراد من عدم حرية الإنسان من الناحية التشريعية، أن يكون لشخص، أو جماعة، أو دولة، الحقّ في فرض دين معيّن على الناس، أو منعهم من تغيير دينهم، فإذا كان الأمر كذلك ــ كما يظهر من مفهوم الجهاد الابتدائي ــ فهو مناف لحقوق الإنسان، لا محالة. وهنا تتقابل النظريتان المتناقضتانn (ص455).

يتطلّب المنهج العلمي نقل الكلام نصّاً، إذا ما أردنا تفسيره، ومن ثمّ تناوله بالنقد والتحليل، فلم تتّضح لنا القرينة التي أدّت بالشيخ شبستري إلى تصوّر أنّ أمثال آية الله جوادي الآملي يعتقدون بصلاحية شخص، أو جماعة، أو دولة، في فرض دين ما على الناس، ومن أيّة مادة من مواد حقوق الإنسان الإسلامية، استنتج أنّ رسالة هذه الدعوة، هي وجود دين حقّ واحد في العالم، وعلى الجميع اتّباعه، وإذا لم يؤمنوا به، فإنّ لأتباع ذلك الدين إرغامهم على ذلك بالقوّةn (ص255 ــ 256).

منطلق حقوق الإنسان ـــــــ

يعتقد المفكّرون الإسلاميون أنّ من الممكن تبيين حقوق الإنسان على أساس الفطرة الإنسانية، وهم لا يتجاهلون دور العقائد والأفكار والأحاسيس وتأريخ البشر، لكن للأسف، في هذا المجال أيضاً، نسب الشيخ شبستري أموراً غير لائقة لأشخاص، كالأستاذ جعفري وآية الله جوادي الآملي، حيث قال: يدور الحديث في كتب السادة عن أناس لا يعيشون على هذه الكرة الأرضية، وليس لهم أيّ تأريخ أو تجربة، وكأنّهم الملائكة، لا ينظرون إلا لفطرتهم وطبيعتهم، ويمكنهم الغضّ عن جميع عقائدهم وأفكارهم وأحاسيسهم وعواطفهم وتأريخهم، وأخذ قاسم مشترك بينهم، هو الفطرة والطبيعة الإنسانية، ثمّ تقديم حقوق لهذه الفطرة أو الطبيعة المشتركة، وبطبيعة الحال، على الجميع الرضا بهذه النتيجة! (ص257).

كلّ من يتحدّث عن الإنسان وحقوقه، يواجه هذا السؤال الأساس: هل يعتقد بالفطرة أو لا يعتقد بها؟ فالذين تحدّثوا عن الفطرة أيضاً، لا يتصوّرون الناس كالملائكة، أو يحسبون أن لا تأريخ لهم، بل يقولون: يمكن تأويل حقوق الإنسان بشكل منطقي، على أساس الاعتراف بالفطرة، ولو لم نعترف بوجود طبيعة وفطرة مشتركة بين الناس، لأصبح الحديث عن حقوقهم فاقداً لأيّ أساس عقلاني، بل تصبح حقوق الإنسان مجموعة من المواضعات، يقبلها بعض، ويرفضها آخرون، ولا داعي لقبول الجميع لها، أو بقائها معتبرةً إلى الأبد.

ويشير الشيخ شبستري في دفاعه عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلى أنّ هذه الحقوق تنظر للإنسان بما هو إنسان.

يقول: بما أنّ هذه الفلسفة وهذه الحقوق أرضية، وتنظر إلى الإنسان بما هو إنسان، إذاً يمكنها أن تصبح ــ عملاً ــ موضع إجماع جميع الناس على الكرة الأرضية، لبناء حياة سلميّة.. (ص259).

هل يسعنا الحديث عن الإنسان بما هو إنسان، دون أخذ فطرته بنظر الاعتبار؟ ألا تنظر حقوق الإنسان الإسلامية للإنسان بما هو إنسان؟ وأساساً، على ضوء أيّة أسس أنثروبولوجية يمكن الحديث عن الإنسان بما هو إنسان؟ أليست حقوق البشر الإسلامية أرضية مناسبة؟ ما الدليل على ذلك؟

*   *     *

الهوامش

(*) عضو الهيئة العلمية لجامعة العلامة الطباطبائي، قسم الفلسفة، له مؤلفات عدّة حول نقد رجال الإصلاح في إيران.

[1] ــــ مجتهد شبستري، محمد، هرمنوتيك، كتاب وسنت (هرمنوطيقا الكتاب والسنّة): 15.

[2] ــــ للتوسع في الموضوع، راجع: نصري، عبدالله، mانتظار بشر از دينn (توقعات البشر من الدين): 198 ـ 202، [الكتاب نشرته دار الغدير ـ مترجماً إلى العربية من جانب أحمد العبيدي ــ تحت عنوان: <الدِّين بين الحدود والتوقّع>؛ وذلك في طبعته الأولى الصادرة في بيروت عام 2004م. <التحرير>].

[3] ــــ انتظار بشر از دين: 27 ـ 36.

[4] ــــ لملاحظة المصادر القرآنية والروائية لأهداف الحكومة، راجع: انتظار بشر از دين: 312 ـ 314.

[5] ــــ جعفري، محمد تقي، تحقيق در دو نظام جهانى حقوق بشر (دراسة في نظامي حقوق الإنسان العالميين): 97 ـ 163.

[6] ــــ جوادي آملي، عبدالله، فلسفه حقوق بشر (فلسفة حقوق الإنسان): 89 ـ 93.

[7] ــــ الطباطبائي، محمد حسين، الميزان 4: 184.

 

المصدر: نصوص معاصرة




رهبان لبنان.. أخطر جيوش العالم

الجيش الأسود أخطر جيوش العالم ويعمل على الأرض في لبنان

بقلم: الان سركيس صحيفة الجمهورية –
في إطلالته الإعلامية الأولى منذ انتخابه رئيساً عاماً للرهبنة اللبنانية المارونية عام 2010، اختارَ إبن لحفد الجبيليّة، الأباتي طنوس نعمة صحيفة «الجمهورية» ليؤكّد أنّ الجيش الأسود، أيْ الرهبان، هو أخطر جيوش العالم ويعمل على الأرض في لبنان، وسيُحدث التغيير، وأنّ لبنان باقٍ، والموارنة لن يرحلوا عن هذا البلد المميّز، لأنّ له رمزية خاصة عندهم، وأرضه غالية عليهم، داعياً الى الايمان بالمسيح والتجذّر في لبنان، فلو لم يكن للأرض أهميّة، لما كان اختار الرب فلسطين برمزيتها التاريخيّة، ليُرسل إبنه الوحيد إليها.

يتمَّسك الرئيس العام للرهبنة اللبنانية المارونية الأباتي طنّوس نعمة بالإيمان الماروني، ويفتَخر بانتمائه الى لبنان الرسالة، وهو الذي يَضع الأرزة التي تتوسّطها صورة العذراء والصليب على عنقه، والعلم اللبناني في مكتبه، ويُقبّله بعفوية.

لا تعني له الاماكن شيئاً، ومستعدّ للعودة الى وادي قنوبين للصلاة لخلاص لبنان. وبعفويّته، يُجيب عندما تسأله هل سيزول لبنان وسط إعادة رسم خريطة المنطقة: «فَشَروا» لبنان أكبر من أن يبتلعه أحد، وهل تصدّق يا «خرفان» أنّ البلد الذي خرج منه القديس شربل، سينتهي؟

الرهبنة والرئاسة

يظهر جلياً تأثير الرهبنة المارونية في الحياة الإجتماعية والدستورية والسياسية اللبنانيّة، إذ إنّ تاريخ لبنان الحديث والقديم إرتبط باسمها، فبعض الأعراف الرهبانية طبع المؤسسات، وعلى رأسها المؤسسة الأولى، إذ تبلغ أيّ ولاية رئيس للجمهورية ستّ سنوات، وهذه الفكرة أخذها الموارنة عن مدّة ولاية الرئيس العام للرهبنة المارونية، الذي يجلس على كرسي الرهبنة 6 سنوات.

لبس المقرّ العام للرهبنة المارونية في دير مار مطانيوس- غزير ثوب العيد. هناك يجلس الأباتي نعمة، وهو الذي لا يحبّ الإعلام، ويعتبر أنّ الرجال يصنعون الكراسي وليس العكس.

ويروي قصّة إبتعاد الرهبان عن السياسة بعدما كانوا لاعبين أساسيين في الحياة الوطنيّة إبّان الحرب الأهلية، في فترة رئاسة الأباتي شربل قسّيس، والأباتي بطرس قزي والأباتي بولس نعمان، ويقول لـ»الجمهورية»: «البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، يتكلّم باسمنا جميعاً في الشأن السياسي، ونحن اختَرنا الصلاة والصمت السياسي لأنّ كثرة الكلام والمتكلّمين في هذه المرحلة يضرّ».

ويؤكّد «أننا نحن الجيش الأسود، أخطر وأقوى جيش، وموجودون على الأرض، ونعمل تحت راية البطريرك، وقادرون على تغيير كلّ شيء وسنُغيّر في لبنان، مستخدمين سلاحَ الصلاة والإيمان، وقريباً جداً سيرى الجميع ماذا سنفعل».

ويضيف: «نحن نصلّي للبطريرك لينجح في مهماته، ومن ضمنها إنتخاب رئيس للجمهورية، وبالتأكيد سينجح لأننا ندعمه، وقوّة الجيش الأسود مستمَدّة حالياً من الصلاة والعمل بصمت، لأنّ الصراخ لا ينفع، فالبطريرك يحمل الصليب، وعلى رغم حملات التخوين والهجوم اللاأخلاقي عليه، فهو سيخلّص لبنان، بمساعدة يسوع ومار شربل».

Maronite_Patriarche

مركزية الكنيسة

يؤمن الأباتي طنوس بالمركزية في المؤسسة الكَنَسية، فيُشير الى أنّ «كلّ المؤسسات المارونية يتكلّم باسمها الراعي، ولا مجال الآن لكثرة المرجعيات».

ويسأل: «تاريخياً، يُطبع إسم الموارنة بالانقسامات، فهل نريد أن نُحدِث إنقساماً داخل الجسم الكَنَسي؟ نحن نتبع إدارياً الفاتيكان، وليس بكركي، لكنّ الكنيسة معروفة بانضباطها، من هنا قلت منذ إنتخابي عام 2010، إنني لن أتعاطى في الشأن السياسي، وعمّمتُ هذا الأمر على كلّ الرهبان، وإلتزموه».

«بكركي هي كلّ الجيش الأسود»، بهذه العبارة يختزل نعمة التركيبة الكَنَسية الحالية، ويقول: «بكركي أمّ الدنيا، وستُحدث التغيير»، موضحاً أنّ «الجيش الأسود هو أكبر فاعل على الأرض وليس في الهواء»، نافياً مقولة إنه «جيش «مضبوب» في الثكنات، فظروف عمل الرهبان خلال هذه المرحلة تختلف عن أيام الحرب».

وسط ما يعانيه المسيحيون من تهجير في الشرق، يعتبر نعمة أنّ «قدرنا في هذا الشرق هو حمل الصليب والشهادة بالمسيح، ونحن نُضطهد لأننا مسيحيون مؤمنون، وهذا شرف لنا، وسنواجه المضطهدين في الشرق بالتمسّك بالمسبحة والعذراء، وسننتصر».

ويصرّ عندما تسأله عن إنقاذ المسيحيين على العودة الى الصورة المثبتة على حائط مكتبه، والتي يغرق فيها تلاميذ يسوع في البحر، والمسيح نائم. ليؤكد أنّ «المسيح سيخلّصنا في الوقت المناسب مثلما إستفاق وخلّص تلاميذه».

يسخر الأباتي نعمة من مقولة إنّ الموارنة والمسيحيين على شفير الإنتهاء في لبنان والشرق، ويعود الى الحقبة التركية حيث تراجع «عددنا الى مئة ألف نسمة، لكننا نهضنا وتكاثرنا، والله ينتظر اللحظة المناسبة لإنبعاثنا مجدّداً».

العمل الإجتماعي

«أديارنا في تصرّف الناس، وهي بيوتهم»، من هنا ينطلق نعمة لتأكيد أنّ الرهبنة هي في خدمة الناس، «فإذا كانت غائبة عن السياسة فهذا لا يعني أنّها لا تتعاطى الشأن العام المتشعّب، وتساعد الفقير والمحتاج، أما عدم الإضاءة على هذا الموضوع، فهو لأنّ عمل الخير يكون بصمت، وأكثر من يُحاضرون عن العفّة هم مَن يقومون بأعمال الرذالة».

الجذور اللبنانية والسريانية

ويعبّر نعمة عن «تمسك الرهبنة المارونية والموارنة بلبنان»، مؤكداً أنّ «الموارنة هم الأرزة، ولن ينتهوا، وكلّها مقولات خرافية، فمن أنجَب مار شربل الذي يتفوّق على كل أطباء العالم، لا يزول، ونحن عندنا قديسون ومتمسكون بالجذور السريانية، وأكبر دليل على إستمراريتنا هو وجود 35 راهباً مبتدئاً و48 يدرسون اللاهوت في الدير».

الأباتي طنوس نعمة
الأباتي طنوس نعمة

أما بالنسبة الى الحقد الموجود بين الموارنة، فيؤكّد أنه سيزول بالصلاة، «والموارنة معروفون بانقساماتهم الدائمة، وهم روّاد تطوّر وحضارة وسيستمرّون»، لكنّه ينتقد «بعض المظاهر غير الحضارية التي لا تعبّر عن ثقافتنا الحقيقية، وتتمثّل في الإنحلال الأخلاقي».

لا تعطي الرهبنة المارونية إهتمامها لمنطقة على حساب أخرى، لأنّ الموارنة هم سكّان جرود، ويوضح نعمة أنّ «تمركز المؤسسات المارونية في كسروان لا يعني أننا نهمل بقية المناطق، فالرؤساء العامون من كلّ المناطق، ومؤسساتنا منتشرة في كلّ لبنان».

أما في الموضوع التعليمي، فيقول: «إذا ألغت الرهبنة الأقساط المدرسية لسنة، فستنهار مؤسساتنا التعليمية؟ من هنا فإنّ بقاء الأقساط على حالها، يساعد على استمرارية المؤسسات المارونية، لكننا في المقابل نساعد أيّ تلميذ يطلب المساعدة».

وبالنسبة الى مشكلة السكن في المناطق المسيحية، يوضح نعمة أنّ «هذا الملف في عهدة الراعي، وهو شكّل لجاناً من اجل حلّه، وستظهر النتائج قريباً».

نخرج من دير مار مطانيوس وكلنا أمل في أن يستجيب الربّ لصلاة الرهبان لإنقاذ لبنان من التخبّط الذي يعانيه، ويعود الجميع الى إنتمائهم الوطني اللبناني، لأنّ كلّ التسويات لن تنفع إذا لمّ تتكلّل بحب لبنان والدفاع عن القوميّة اللبنانية، كما أرادها الجيل الأول من الرهبان المؤسسين.




صدام القيم … هل يقود تحولات الزمن المقبل؟

بقلم: مسفر بن علي القحطاني – صحيفة الحياة –
تناولت في مقالات سابقة سيناريوات التحولات الحضارية التي يشهدها العالم المعاصر، ويعيشها في حاضره، ولكن الأثر التغيري سيبلغ مداه في المستقبل القريب من خلال التحوّل نحو الجزئي (الفردانية) أو التحوّل نحو الكلي (الشبكية). ويمكن الرجوع إلى تفاصيل هذه السيناريوات في مقالاتي السابقة، وفي هذا المقال أرصد حالة فريدة من التحول الحضاري وهو في حقيقته سير نحو النهاية الوجودية، وهذا الأمر يعتبر تغيراً هائلاً في حالة المجتمع، حيث يذهب المجتمع ويعقبه غيره، بسبب الكوارث أو النهايات السُننية المدمرة، وهذا التبدل نحو الفناء هو أسوأ التغيرات التي تصيب المجتمعات، والتأريخ قد حصل فيه الكثير من تلك المآلات الزائلة، ولا يزال التاريخ أيضاً يسجل أمماً ومجتمعات فنيت وقام على انقاضها آخرون، لكن هذا قليل الوقوع في عصرنا الحاضر، إلا في حالة الحروب الحضارية التي لم تحصل لأكثر من مئة عام، ولكن قد تحدث ارهاصات ذلك الوقوع والاصطدام الذي يورث فناء الآخر في شكل قطعي في حال عاد حلم الإمبراطوريات خصوصاً الدينية منها، وهنا يمكن أن تظهر للباحث صورتان للفناء الحضاري، صورة الصدام مع حضارات أخرى، وصورة التحلل والزوال الذاتي للحضارة. وسأعلق على الصورة الأولى في النقاط التالية:
أولاً: صورة الفناء من خلال الصدام الحضاري بين المجتمعات، ويمكن التمثيل عليه بما توقعه صموئيل هنتغتون في كتابه المثير الذائع الصيت «صدام الحضارات»، حيث طغت حال الخوف من الصدام على حال الحوار القائم بين المجتمعات والأديان، وعلى غرار ذلك خرجت أصوات ودراسات كثيرة تنادي الغرب بالاستعداد للمواجهة الحضارية المقبلة وعلى وجه الخصوص مع العالم الإسلامي، للأسباب التي ذكرها هنتغتون عندما حرر كتابه «صدام الحضارات»، وذلك لأنه يرى أن السياسة الكونية المعاصرة تتمثل الآن في عصر حروب المسلمين، فالمسلمون يحاربون بعضهم بعضاً كما أنهم يحاربون غير المسلمين وذلك بمعدل أكثر بكثير مما تقوم به شعوب الحضارات الأخرى، وأن حروب المسلمين احتلت مكانة الحرب الباردة كشكل أساسي للصراع الدولي، وهذه الحروب تتضمن حروب الإرهاب، وحروب العصابات والقرصنة، والحروب الأهلية، والصراعات بين الدول. وقد يتخذ هذا العنف وهذه الحروب ابعاداً تصل بها إلى صراع رئيسي وحيد بين الإسلام والغرب أو بين الإسلام وبقية العالم.
وقد شرح هنتنغتون نظريته بذكر عدد من الحقائق يراها كافية لبلوغ العالم هذا الصدام، مثل تقريره أن المسيحية تنتشر أساساً من طريق التحول، والإسلام ينتشر من طريق التحوّل والتناسل، وعلى المدى الطويل يرى أن محمداً سينتصر ديموغرافياً، من خلال كثرة تناسل المسلمين، ويرى أيضاً أن في الإسلام الله هو القيصر، وفي الصين واليابان القيصر هو الله، وفي الأرثوذكسية الله هو الشريك الأصغر للقيصر، في الغرب ما لقيصر لقيصر وما لله لله.
كما يعتبر الدين عند المسلمين هو من يتولى زمام الإيديولوجية والقومية الدينية ولا يقبل بالقومية العلمانية، لذلك العلاقات دائماً عدائية بين المسلمين وشعوب الحضارات الأخرى.
ويستشهد هنتغتون باستطلاع رأي أجري في أميركا تناول 35000 مثقف أميركي لديهم إلمام بالشؤون الخارجية، وكان السؤال: هل الصحوة الإسلامية خطر على الغرب؟ وجاءت الإجابة بنعم من 61 في المئة ممن شاركوا في هذا الاستطلاع.( انظر: كتاب صدام الحضارات، ترجمة طلعت الشايب وصلاح قنصوه، دار سطور، الطبعة الثانية 1999م)، والحقيقة أن المهدي المنجرة هو أسبق في الحديث عن نظرية «صدام الحضارات» في كتابه: «الحرب الحضارية الأولى»، (طبعة المركز الثقافي العربي 2005م).

Mosque_traditional

وهذا المعطى التوقعي للصدام الحضاري بقي أحتمالاً لمدة عقدين من الزمن، ثم توارى هذا الاحتمال عن الوقوع، من خلال هيمنة غربية ناعمة وخانقة، وخضوع إسلامي لا سابق له في التاريخ، ومع ذلك سيبقى احتمالاً من ضمن الاحتمالات المتوقعة منطقياً وتاريخياً، ومؤشرات تنامي التطرف الديني الإسلامي والعلماني قد تنذر بإمكان هذا الصدام خصوصاً مع سهولة نشر العداء والإثارة الدينية للمواجهة عبر الوسائل المعاصرة للاتصال والتواصل.
ومن وجهة نظر أخرى تختلف عما قاله صموئيل هنتغتون وغيره من احتمالية وقوع صدام الحضارات ببعده الأيديولوجي والديني، هناك احتمال أكبر – من وجهة نظري – وهو وقوع صدام قيمي يقسم المجتمعات إلى فسطاطين ويلهب الصراع بينهما، وهو ما سأبينه في النقطة التالية.
ثانياً: إن نظرية صدام القيم، كمجال للتداول الحضاري، أصبحت معطى واقعياً اليوم، ولكن قبل البدء ببيان احتمال وقوع الصدام القيمي بين المجتمعات، أود أن أبيّن أن الساحة الثقافية العالمية في مجال نظريات التداول الحضاري قامت على ثلاثة أشكال، أولها: المجال الحواري والتفاهمي، وهو يثري جانب التعارف والتعاون، وعليه غالب عمل المؤسسات الأهلية والرسمية والدولية، وثانيها: شكل نهاية التاريخ (فوكوياما) وصدام الحضارات (هنتغتون وبرنارد لويس) وقد سبقت الإشارة إليه، لكن هناك بوادر لشكل ثالث من التداول، وهو صراع وصدام القيم ويختلف عن سابقيه بما يلي:
1- صدام القيم لا يُعنى بالخلفيات الدينية والحضارية، ويهتم بالقيم العالمية التي تشترك فيها أكثر شعوب العالم، كالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة وغيرها، فعندما تُهمّش تلك القيم وتُحارب بالطرق الخبيثة الملتوية، تتصاعد أصوات الفئة القيمية والتي تدافع عن تلك القيم، في مقابل الفريق الآخر الذي يدّعي زوراً وبهتاناً أنه يعمل لأجل تلك القيم ولكن بتأويله المدني الخاص ووفق منهجيته المصلحية، مخفياً صوراً من الاستبداد ومزيّفاً في إعلامه حالة من الغواية العقلية يتهم فيها الفريق القيمي المناضل بالضلال والسعي للفتنة وغير ذلك من التهم المعلبة، ما جعل هناك حالة من التصادم تظهر في الشارع وفي المواقع العنكبوتية، يتّخذها القيميون وسيلةً للكشف عن هذا النفاق والزيف الذي يُغرّر به البسطاء من الناس، ويقومون أيضاً بتحذير المجتمع من فقد قيمه بسبب هذا الاحتيال المسيّس.
2- الحالة الصدامية في صراع القيم، وهي ليست حالة بين فريقين متضادين بلونين نافرين كما في صدام الحضارات؛ بل هي مواجهة بين من لبس قناعاً وتخفّى من ورائه، وبين من يريد كشف القناع لفضح المؤامرة، أو لنقل بين من يريد تمرير أجندته الشخصية والمصلحية والاستبدادية، وبين فريق يرى نفسه المعني بالحفاظ على المجتمع والضامن لحقوقه والواقف ضد خصومه المستبدين. ومع نمو الوعي الفردي وانتشار المعلومة والصورة والخبر الواقعي البعيد من تزييف المؤسسات الرسمية أو التابعة لها، أصبح للفريق القيمي قدرته على المواجهة والتصدي لتلك المحاولات التي تضرب المجتمع في قيمه، وقد ظهرت مواجهات صدامية بين أنصار العولمة من أصحاب الشركات العابرة للقارات، ومن أعداء العولمة المنتصرين لحقوق الفقراء والعالم الثالث، وكذلك برزت في المواجهات مع مستبدي الديموقراطيات المزيفة والانتخابات الاستعراضية المسرحية، وبين انصار العدالة والحق والمطالبين بالشفافية والنزاهة السياسية، كما هي الحال في بعض المجتمعات العربية وروسيا وفي بعض دول أميركا اللاتينية، ويمكن وصف مطالبات وتظاهرات الحقوقيين وأنصار البيئة في العالم ضد بعض الأنظمة الحكومية والشركات الكبرى بمثال آخر على هذا النوع من الصدام القيمي.
3- إن أدوات الصدام القيمي ليست تقليدية بين الفريقين؛ بل يستعين أنصار الدفاع عن القيم بالمعطيات التقنية الحديثة في النقل للأخبار والنقد للمواقف والأحداث، بالإبداع في تطوير المواقع الإلكترونية الجاذبة، وبرامج التواصل الاجتماعي المؤثرة في شكل كبير جداً على فئة الشباب، أكثر من أدوات الخصوم المعتمدة على هيمنتهم على الإعلام والصحافة الرسمية التقليدية التي يغلب عليها تغيير الوقائع وتزييف الحقائق بما يتناسب مع الموقف الرسمي، ناهيكم عن امتلاكهم للقوة الأمنية الضاربة لأي حراك مجتمعي ولو كان قيمياً في مبادئه.
4- أن صدام القيم، بدأ ينتشر ويفتح مساحات جديدة ودوائر أوسع للمواجهة، تتجاوز محيط دول العالم الثالث أو الدول ذات الاستبداد المقنّع، من خلال نقد السياسات والتوجهات حيال أي قضية إنسانية كبرى، كما حصل في مجاعة الصومال في عام 2012، وما حصل في العدوان الإسرائيلي على غزة في عام 2008، وعام 2012 وفي هذا العام 2014، حيث خرجت غالبية عواصم العالم كلندن ونيويورك وواشنطن وباريس وبرلين وغيرها من العواصم الكبرى في تظاهرات مليونية حاشدة ضد هذا القمع اللاقيمي واللاإنساني، حتى أصبح يظهر للعيان أن هناك مواقف متباينة بين أنصار الحق والحرية والكرامة، وبين من يقف مع مصالحه ولو في صف الباطل رغم قتامته وعدائيته.
هذه الحال من صدام القيم، هي التحوّل الحضاري المتوقع نحو مواجهة قيمية واسعة الجغرافيا تتنامى مع الأحداث وتتواصل في ما بينها بطرق سريعة، تجعل مواقفها شبه متضامنة ومتّحدة إزاء العمل المطلوب مواجهته، وهذا التنسيق العالي ما كان ليحدث في كل حقب التاريخ لولا هذه التقنية المتطوّرة والسهلة والمتوافرة لدى كل شخص، والربيع العربي في2011، هو أنموذج عملي لسيناريو هذا الصدام التحوّلي والجديد.