الدونمة بين اليهودية والإسلام والعلمانية: الأسطورة والتاريخ

بقلم: محمد م. الأرناؤوط — يرتبط اسم الدونمة بسالونيك، التي كانت حتى نهاية الحكم العثماني (1912) تمثل أكبر تجمع لليهود. حتى أن عددهم فيها كان يوازي تقريباً عدد اليهود في فلسطين آنذاك، ولذلك اشتهرت باسم «أورشليم البلقان»، وغدت معروفة بمدارسها وصحافتها ومفكريها الذين لعبوا دوراً مهماً في الأحداث المصيرية التي ميزت العقود الأخيرة للدولة العثمانية (المطالبة بحكم دستوري وبروز جمعية الاتحاد والترقي وصولاً إلى عزل السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) ونفيه إلى سالونيك بالذات. ومن هؤلاء اليهود الذين كانوا يمثلون غالبية السكان في المدينة برزت طائفة «الدونمة» في العقد السابع من القرن الثامن عشر التي اتبعت الحاخام شبتاي زفي (1626-1675) بعد أن أعلن نفسه المسيح المنتظر في 1648 ثم تبعته مع اعتناقه الإسلام واتخاذه اسم محمد افندي حتى ينجو من حكم الإعدام بعدما مثل أمام السلطان مراد الرابع في حضور شيخ الإسلام والعلماء.
ومع أن هذه الطائفة الجديدة (التي كانت تجمع بين الانتماء الظاهري الى الإسلام واتخاذ أسماء مسلمة وممارسة الشعائر وبين الإيمان الداخلي الذي ترتبط به شعائر وسلوكيات أخرى) كانت تمثل أقلية بين يهود سالونيك، إلا أن دورها تعاظم مع بروز قوتها الاقتصادية ومكانتها الثقافية ثم الدور السياسي لها خلال الأحداث المفصلية في السنوات الأخيرة للدولة العثمانية وتأسيس الجمهورية الكمالية في 1923 على أنقاض الدولة العثمانية.
ولهذا، «تضخم» دور الدونمة في المخيّلة الشعبية سواء في أواخر الدولة العثمانية أم في السنوات الأولى للجمهورية الكمالية وتحول ذلك إلى تركيب أسطورة ارتبطت بها وتجلّت في الدراسات أو الكتب التي صدرت في التركية وترجمت إلى العربية أو تلك الدراسات والكتب العربية التي أُلفت تحت تأثيرها. ومن هنا يأتي كتاب أستاذ التاريخ الأميركي في جامعة كاليفورنيا مارك د. باير M.D.Baer «الدونمة: مرتدون يهود وثوريون مسلمون وأتراك علمانيون»، الذي صدر في طبعته الأولى عام 2010 وصدرت طبعته الثانية في 2016.
كتاب مهم لأنه يعكس العمل الدؤوب على مدى سنوات طويلة وبمنهجية مميزة للوصول إلى كنه هذه الطائفة التي برزت فجأة من قوقعتها واختفت خلال خمسين سنة تقريباً (1890-1940) واختلطت حولها الأسطورة بالتاريخ. ومن هنا يمكن القول إن كتاب باير نجح إلى حد كبير في تفكيك الأسطورة وإبراز التاريخ الأقرب إلى الواقع لهذه الطائفة.
وينطلق باير في مقدمته من أن الأسطورة حول هذه الطائفة ما زالت متوهجة حتى الآن في تركيا، ويضرب المثل في ذلك بكتابي المؤلف التركي سونر يالتشين S.Yalçin «الأفندي: السر الكبير للتركي الأبيض» و «الأفندي 2: السر الكبير للمسلم الأبيض» اللذين بيع منهما مئات آلاف النسخ في السنوات الأخيرة . وتتغذى الأسطورة على نظرية المؤامرة التي تلقى قبولاً شعبياً إلى حد أن كل شخص مهم في تركيا أصبح يعتبر أنه من أصول يهودية وأنه يقوم بتنفيذ دوره في المؤامرة المتواصلة. ومن ذلك مثلاً كتاب ارغون بويراز E.Poyraz « أولاد موسى: طيّب وأمينه» الذي كانت على غلافه صورة طيب اردوغان وزوجته مع النجمة اليهودية، وأصبح على رأس الكتب الأكثر مبيعاً في 2007. فهذا الكتاب يعتمد على أسطورة أخرى تقول أن اردوغان ليس سوى يهودي متخف يقوم بدوره لنسف الجمهورية العلمانية في تركيا.
في هذا الوضع لا يعد عمل المؤرخ سهلاً في تفكيك الأسطورة، بخاصة أن الدونمة مثل بعض الطوائف في بلاد الشام تعتمد السرية في عقيدتها وطقوسها وهو ما يغذي أكثر المخيلة الشعبية المعادية لها. فقد شكا المؤلف من أن بعض أحفاد الأفراد المعروفين في هذه الطائفة الذين بقوا متفرقين في العالم (اليونان وتركيا والولايات المتحدة…) كانوا إما يرفضون الحديث أو يشترطون عدم ذكر أسمائهم الحقيقية. ولذلك عاد المؤلف إلى مصادر التاريخ العثماني والتاريخ الشفوي والمراسلات الصادرة عن القنصليات والسفارات الأوروبية في سالونيك واسطنبول وغيرها، كما اعتمد على شجرة الأسر المعروفة في الدونمة ليتقصى ماضيها ويتابع مصيرها لاحقاً.
الأطروحة الرئيسية لدى المؤلف تقف على عكس ما هو موجود في الأسطورة أو المخيلة الشعبية التي لا تزال حية في تركيا: الدونمة ليسوا يهوداً متخفين، ربما هم بدأوا كذلك ولكن انتهوا إلى طائفة متميزة تحت تأثير القبالا اليهودية والصوفية الإسلامية، أي أنهم لم يعودوا يهوداً مثل بقية اليهود ولم يصبحوا مسلمين مثل بقية المسلمين.
في هذه الحالة حدث مع هؤلاء الدونمة، التي تعني المتحولين أو المرتدين عن دينهم في التركية بينما هم يطلقون على أنفسهم «المؤمنون»، ما حدث مع المسيحيين البروتستانت في ألمانيا وهولندا وغيرها الذين أصبحوا يهتمون بالتعليم والاقتصاد وأصبحوا يمثلون القوة الاقتصادية الصاعدة المنفتحة على العالم الجديد في أوروبا. ومن هنا رأوا أن مصلحتهم تكمن في خروجهم من القوقعة التي انغلقوا فيها نحو قرنين والمشاركة في تحديث النظام العثماني ليصبح قائماً على الدستور والمساواة وحكم القانون، كما كانت تطالب المعارضة الصاعدة. ومن هنا فقد تولى بعض أفراد هذه الطائفة المناصب الجديدة (رئيس بلدية سالونيك التي كانت غالبية سكانها من اليهود) وشارك بعض الأفراد في المعارضة الجديدة التي تمثلت في جمعية الاتحاد والترقي.
وهنا يبين المؤلف، في سعيه لتفكيك الأسطورة، العلاقة بين الدونمة والماسونية والمعارضة الجديدة (الاتحاد والترقي). فنظراً إلى انفتاح سالونيك التي كانت تجمع بين الشرق والغرب فقد افتتحت فيها أوائل المحافل الماسونية التي انتمى إليها بعض أفراد الدونمة كما هو الأمر مع الأتراك المسلمين واليهود الخلّص. وبعد أن كانت جمعية الاتحاد والترقي تتمركز في باريس رأت أن تؤسس فرعاً لها في الداخل فاختارت سالونيك في 1902، واستفادت هناك من تجربة الماسونية في العمل السري وأصبحت تعقد اجتماعاتها في المحافل الماسونية بعد أن انضم بعض أعضائها إلى الماسونية. وهنا يؤكد المؤلف أن نظرة الأتراك المحافظين إلى جمعية الاتحاد والترقي كانت ترقى إلى وصفها بالإلحاد ومحاربة الإسلام مع اعتناق مؤسسيها (أحمد رضا وغيره) للوضعية Positivism التي تحلّ العلم محل الدين، على حين أن الأمر لم يكن كذلك مع الدونمة التي كانت محافظة دينياً ومنفتحة اجتماعياً، وهو لم يحل دون انضمام بعض الشباب من الدونمة الى جمعية الاتحاد والترقي وبروزهم فيها (محمد جاويد الذي أصبح لاحقاً وزيراً للمالية وغيره). وبعبارة أخرى يرى المؤلف أن هناك مصلحة مشتركة ربطت بين كل الجهات المعارضة (بعض الطرق الصوفية وعلى رأسها البكتاشية وجمعية الاتحاد والترقي والدونمة والماسون) لمطالبة السلطان عبد الحميد بإعادة العمل بالدستور المعلق من 1878 والدعوة إلى انتخابات للبرلمان لوضع حد لسلطته المطلقة.
ولكن ما إن تم عزل السلطان عبد الحميد في 1909، بعد المحاولة الفاشلة لأنصاره التخلص من وجود الاتحاد والترقي في اسطنبول، وانتخاب أحد أفراد طائفة الدونمة رئيساً لبلدية سالونيك، تعرضت هذه الطائفة إلى ضربة كبيرة نتيجة لحرب البلقان في 1912-1913، التي أنهت الحكم العثماني في البلقان، بخاصة مع الحرب التركية- اليونانية 1920-1923. فقد كان أفراد طائفة الدونمة مع الهوية العثمانية الجامعة القائمة على التعددية والمساواة التي تناسب هويتهم ومصالحهم الاقتصادية الكبيرة، بينما أصبح عليهم بعد أن غدت سالونيك جزءاً من اليونان أن يتكيفوا مع الواقع الجديد: دولة قومية لشعب واحد – اليونان. وما أن صحوا من هذه الصدمة حتى تعرضوا إلى ما هو أسوأ في 1923. فقد نصّت معاهدة لوزان التي أنهت الحرب التركية- اليونانية على تبادل السكان، وهو ما كان يعزز الأيديولوجية القومية هنا وهناك (مصطفى كمال في تركيا الجديدة وفنزيلوس في اليونان الجديدة). وبناء على ذلك، اقتُلع مئات ألوف اليونانيين من الأناضول وأرسلوا إلى اليونان، مع أن بعضهم لم يكن يعرف اللغة اليونانية ولا تربطه علاقة باليونان، كما اقتلع مئات ألوف المسلمين من المناطق التي توسعت فيها اليونان وأرسلوا إلى تركيا. وقد شمل هذا المصير أفراد طائفة الدونمة في سالونيك باعتبارهم من المسلمين، ولم يشمل اليهود الذين بقوا يمثلون غالبية السكان في المدينة.
وعلى رغم هذه الضربة القاصمة التي أنهت وجود الدونمة في سالونيك، إلا أن أفراد هذه الطائفة الذين رُحّلوا إلى تركيا شاركوا في المسار الجديد: تأسيس دولة علمانية في تركيا. ويتشابه هنا موقف الدونمة مع الطائفة العلوية في تركيا، التي ترى ولا تزال في العلمانية ضمانة لاستمراها كطائفة لها خصوصيتها في المجتمع.
كتاب باير عن طائفة الدونمة يقدم جديداً بالاستناد إلى المنهج الذي اتبعه، أي أنه لا يبدأ من الأسطورة بل من المصادر العثمانية ومراكز الوثائق الأوروبية والتاريخ الذاتي للطائفة، ليصل أخيراً إلى مقاربة مختلفة تقدم صورة مختلفة عما هو سائد وشائع عن هذه الطائفة. ومن هنا أهمية ترجمة هذا الكتاب إلى العربية لمقاربته مع ما هو موجود، والاستفادة من منهجيته في دراسة بعض الطوائف التي تلفها الأسطورة أيضاً.

المصدر: الحياة




العلمانية بين طلال أسد والإسلاميين

بقلم: خالد الدخيل — إذا كان السجال حول الدولة، مفهوماً وتجربة، وتحديداً حول العلمانية، لم يتوقف في الغرب منذ عقود طويلة، فمن الطبيعي أن يستمر هذا السجال في العالم العربي. وذلك لأن الدولة (أيضا تجربة ومفهوما كموضوع للعلمانية) كانت ولا تزال الأس الأول للمأزق الذي يمر به هذا العالم منذ ما قبل العصر الحديث إلى يومنا هذا. هناك فرق واضح بين الجدل هناك، والجدل هنا. في الغرب الحديث يتمحور الجدل في شأن العلمانية حول مسائل مثل الحقوق، والمواطنة، والعدل، ودرجة التمثيل، والقانون، والتعددية… الخ. في العالم العربي يتمحور الجدل في جله في شأن الموضوع نفسه أيضاً حول الحقوق والعدل والقانون، لكن من خلال علاقة كل ذلك بالشريعة الإسلامية ومقتضياتها. بعبارة أخرى، ينصب جل اهتمام هذا الجدل على إطار العلاقة بين حقوق الله وحقوق الإنسان (الطبيعية والسياسية وغيرها). وعلى أساس من هذه العلاقة نشأ وتشكل الخلاف حول العلمانية بين الإسلاميين بمختلف تياراتهم، وبين من يختلف معهم من غير الإسلاميين، أيضاً بمختلف تياراتهم وانتماءاتهم.
أستاذ الأنثروبولجيا طلال أسد من بين أهم الأصوات التي أخضعت النموذج العلماني الغربي لنقد أكاديمي دقيق في كتابه (تشكلات العلماني، أوFormations of the Secular). في نقده القوي لهذا النموذج يركز أسد على أعمال تشارلز تايلور، وهوزيه كازانوفا، باعتبارهما من بين أبرز من تناول العلمانية في الغرب. حيث يأخذ على نموذج العلمانية الذي يقدمانه في كتاباتهما أنه نموذج نظري لا يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمعات الغربية، وبخاصة ما يتعلق منه بالعملية السياسية في هذه المجتمعات (من انتخابات وتشريع وصناعة قرارات داخل الحكومة، وتوزيع سلطات)، ودور التمايزات الدينية والإثنية والطبقية في تشكيل طبيعة وحقيقة هذه العملية. من ناحية ثانية يشير أسد إلى أن عودة تسييس الدين بقوة في المجتمعات الحديثة ينسف فرضية العلمانية كما يقدمها كازانوفا. وترتكز هذه الفرضية على ثلاثة عناصر: تطور الاختلافات البنيوية في المجتمعات الحديثة بما يؤدي إلى فصل الدين عن السياسة، وعن الاقتصاد والعلم… الخ. العنصر الثاني تعاظم خصوصية (فردية) الدين بحيث يبقى محصوراً في المجال الديني الخاص بالفرد، معزولاً عن المجال العام. وبالتالي، الثالث، تراجع الأهمية الاجتماعية للمعتقد الديني وما يفرضه من التزامات، ويتطلبه من مؤسسات. انفجار تسييس الدين في المجتمعات المعاصرة، كما يرى أسد لم يترك مكاناً لهذه العناصر في هذه المجتمعات.
هل معنى هذا أن العلمانية في العصر الحديث مجرد تصور لا وجود له على أرض الواقع؟ يسارع أسد إلى نفي ذلك. العلمانية موجودة وفاعلة، لكن وجودها (كمفهوم وكتجربة) لا يمكن أن يكون فاعلاً بمعزل عن الدين، كما يوحي بذلك نموذجها لدى تايلور وكازانوفا. بعبارة أخرى، التمايز البنيوي للمجتمعات الحديثة الذي فرض تمايز الاقتصاد عن السياسة، والتعليم عن الاجتماع، والسلطات التشريعية عن التنفيذية، إلى غير ذلك، ثم تمايز كل ذلك عن الدين، لا يعني أن الأخير لم يعد موجوداً في معادلة السلطة والسياسة، أو خارج التأثير في مجريات الأمور في كل تلك المجالات. هنا تبدو إضافة طلال أسد في الجدل حول هذه المسألة. فإذا تبين أن فرضية العلمنة لم تعد مقنعة تماماً كما كانت عليه من قبل، فإن هذا لا يعني أنها ليست صحيحة، بل يعود إلى تداخل مجالي الدين والسياسة أكثر مما كان يبدو في الظاهر.
ما يقوله أسد في هذه المسألة لا يتصادم تماماً مع فكرة العلمانية، وإنما هو محاولة لتصويب المفهوم، وجعله أكثر اتساعاً ورحابة مما هو عليه الآن. وما لم يشر إليه في نقده هنا هو التغير، إذا كان هناك من تغير، لمفهوم وفاعلية الدين في العصر الحديث اللتين تختلفان عما كان عليه هذا المفهوم وتلك الفاعلية في العصور قبل الحديثة. وإلا كيف استطاع الدين أن يفرض نفسه على العملية السياسية في المجتمعات الحديثة، رغم الثورة العلمية والتكنولوجية الهائلة، والتي لا يبدو أن لها سقفاً واضحاً حتى الآن. لا بد أنه فعل ذلك بالتأقلم، في شكل ما، مع متطلبات وحدود وقيم هذه المجتمعات وما جربته من ثورات فكرية وسياسية وعلمية.
مهما يكن، فإن الشاهد في أطروحة طلال أسد أنها لا تستند في نقدها لنموذج العلمانية إلى منطق ديني. على العكس من ذلك تماماً. فهي في العمق أطروحة علمانية بامتياز، تناقش المسألة من زاوية الحقوق والدستور والتمثيل السياسي وتأثرها بتباين الانتماءات الاجتماعية والدينية، وتوازنات القوة والمصلحة في إطارها الاجتماعي الأشمل. وهي أطروحة قد يبدو فيها شيء من مثالية واضحة. والرجل كعالم أنثروبولوجيا معروف بتعاطفه مع الأقليات، بخاصة العرب والمسلمين منهم في المجتمعات الغربية. وقد تناول موضوع هذه الأقليات في أحد فصول كتابه المذكور. ومن حيث أنه تعلم وعمل في الغرب، ووالده نمسوي، وأمه سعودية من مدينة حائل، يمكن القول أنه بتاريخه وتجربته يقف على حافة أكثر من ثقافة واحدة، وأكثر من من حضارة واحدة. الأمر الذي منحه ميزة النظر للموضوع من زاوية أقل ضيقاً، وأكثر موضوعية ورحابة من غيره. في الجانب الآخر، نجد أن موقف الإسلاميين، والعرب منهم بخاصة، من العلمانية يستند إلى منطق ديني تصادمي يرفض في شكل مسبق المتغيرات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها المجتمعات الحديثة، بما في ذلك المجتمعات العربية، وما تسبب به ذلك من تغيرات على مفهوم الدين ودوره في هذه المجتمعات. فالغالبية على الأقل من هؤلاء تحرم العلمانية ابتداء من منطلق أنها تتعارض مع الدين الإسلامي، ومع ما هو معلوم من هذا الدين بالضرورة. هناك أمثلة كثيرة على هذا الموقف لا يتسع المقام لاستعراضها هنا. وسنتطرق إليها في مقالة أو مقالات قادمة. لكن، دونك ما قاله الدكتور محمد عمارة في كتابه «بين العلمانية والسلطة الدينية»، وهو أنه «لا مكان للعلمانية مع الإسلام، ولا حاجة للمسلمين إليها، إذا كانوا حقاً مسلمين يسترشدون بالإسلام» (ص 172).
كما ذكرت، موقف الإسلاميين يرد في حجم ضخم من الأدبيات حول الموضوع، وليس من العدل اختزاله في هذه المقالة. لكن أختم بسؤالين مهمين أمام هذا الموقف الذي لا بد من تفهمه بغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق معه. السؤال الأول أن تحريم العلمانية يفترض بالضرورة أنها أيديولوجيا أو عقيدة تتناقض رأساً مع العقيدة الإسلامية. فهل العلمانية حقاً أيديولوجيا تبرر اتخاذ هذا الموقف منها؟ أم أنها شيء آخر؟ مبرر السؤال أن العلمانية مثلاً لا تتناقض مع الليبرالية ولا الماركسية أو الاشتراكية، ولا مع القومية. كل هذه التيارات بحمولاتها الأيديولوجية اتسعت للعلمانية. ما دلالة ذلك؟ السؤال الثاني الذي يتعلق بالتاريخ الإسلامي نفسه: هل كان في هذا التاريخ شكل من أشكال الفصل بين الدين والدولة، باعتبار أن هذا الفصل أحد أهم معالم العلمانية؟ هذان سؤالان مهمان يقتضي الأمر الفصل فيهما قبل الجزم بأن العلمانية تتعارض أو تتفق مع الإسلام. للحديث بقية.

* كاتب سعودي

المصدر: الحياة




عبد الوهاب المسيري: فكّك الصهيونية والعلمانية ومهّد لثورة 2011

بقلم: محمد يسري * — أحاط الجدل كتاباته ومسيرته، فكّك الصهيونية والعلمانية، انضمّ إلى حركة الإخوان المسلمين، ثمّ الشيوعية، وبعدها حركة كفاية، وأسس مبادئ ثورة يناير 2011، ولكن رحل قبل أن يرى ولادتها.

بالأمس، في الثالث من شهر يوليو الحالي، حلّت الذكرى التاسعة لوفاة المفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع المصري عبد الوهاب المسيري (2008_1939).

المسيري الذي ولد في مدينة دمنهور، ودرس اللغة الإنجليزية في جامعة الإسكندرية، ثم حصل بعدها على درجة الدكتوراه، كان واحداً من أهم المفكرين الذين أسهمت كتاباتهم في تشكيل الوعي العربي.

المسيري مفكراً: تفكيك الصهيونية والعلمانية

في رحلة عبد الوهاب المسيري الفكرية الطويلة الممتدة على ما يزيد عن الثلاثين عاماً، تبقى مساهمته في حقلي تفكيك موضوعي الصهيونية والعلمانية خاصة، هي الأكثر بروزاً وأهمية.

فقد كانت أبحاث المسيري وكتبه عن الصهيونية واليهودية، معلماً فارقاً ومميزاً في تاريخ الاهتمام البحثي بذلك الحقل المعرفي المهم، حيث ألف المسيري العشرات من الكتب حول الصهيونية، منها على سبيل المثال:

نهاية-التاريخ

نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفـكر الصهيوني في عام 1972م، والأقليات اليهودية بين التجارة والادعاء القومي في 1975م، وأرض الميعاد: دراسةٌ نقديةٌ للصهيونية السياسية في 1980م، والأيديولوجية الصهيونية: دراسةُ حالةٍ في علم اجتماع المعرفة في 1981م.
بالإضافة إلى موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية الذائعة الصيت، والتي صدرت في ثمانية مجلدات ضخمة في عام 1999م.

ورغم أن كل تلك المؤلفات جعلت المسيري واحداً من أبرز المؤرخين العالميين المتخصصين في الحركة الصهيونية، إلا أنها قد لاقت ردود أفعال متباينة من شتى الاتجاهات الفكرية.

حيث نظر البعض لأفكار المسيري على كونها تصب أساساً في اتجاه الدفاع عن اليهود والصهاينة، وأنها تبرر لهم الكثير من أفعالهم الوحشية تجاه الفلسطينيين.

طرح المسيري في موسوعته رؤيته الجديدة، والتي تعلن أنّ اليهود هم جماعات لا تنطبق عليهم الصورة الأخلاقية النمطية السيئة المعروفة عنهم.

وفسّر ذلك بأنه لا توجد برأيه علاقة مباشرة ما بين سلوك أفراد الطائفة اليهودية من جهة وبين عقيدتهم أو التلمود والنصوص الدينية التي يؤمنون بها من جهة أخرى.

ويُرجع المسيري ما تواتر عن سوء أخلاق اليهود وتآمرهم، لأسباب حضارية ودينية وتاريخية متباينة وقعت في فترة ما بعد منتصف القرن التاسع عشر بين يهود روسيا وبولندا، بالإضافة إلى بعض الظواهر الاجتماعية المرتبطة بكونهم قد اعتادوا على العيش كأقليات في المجتمعات التي احتضنتهم.

ويرى المسيري أيضاً أنّ طبيعة اليهود وهويتهم الدينية قد تغيرت جذرياً بعد عصر الاستنارة أو في العصر الحديث، حيث لم يعد بإمكانهم بحسب رأيه الحفاظ على عقيدتهم والبقاء في عزلتهم داخل الأحياء الضيقة التي كانوا يسكنون بها في المدن الأوروبية الكبرى، وإنما فرض عليهم الواقع الجديد الاندماج والانصهار في مجتمعاتهم والإصطباغ بصبغتها.

ومن ثم فقد تمّت علمنتهم بصورة كبيرة، وبحسب ما يرى المسيري، فإن اليهود قد فقدوا جوهر عقيدتهم الدينية ولم يعودوا كعادة أسلافهم يتصرفون كأقليّة، خاصة أنهم في النهاية تبنوا صيغ جديدة لليهودية وهي اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة، التي يعتبرها المسيري صيغ مخففة للغاية من اليهودية التقليدية، كما أصبح كثير منهم ملحدين، ولذا لم يعد لهم علاقة بأي طائفة يهودية قديمة.

ومن هنا فإن المسيري قد حرص على التأكيد بأن ظاهرة الصهيونية ظاهرة غربية بشكل رئيس، وناتجة عن عوامل غربية أكثر من العقيدة اليهودية الداعية لعودة اليهود إلى فلسطين، وأن اليهودية برأيه بريئة بشكل كامل من الصهيونية، وأن الأخيرة إنما تستمد جذورها ومبادئها من الفكر الغربي الأوروبي والأميركي.

أفكار المسيري عن اليهودية والصهيونية، نالت الكثير من الإشادات من جانب المثقفين العرب والغربيين على السواء، ولكنها تعرضت في الوقت نفسه، للكثير من المعارضة من جانب البعض الأخر.

فعلى سبيل المثال، كان اتجاه المسيري لرفض نسبة كتاب بروتوكولات حكماء صهيون لليهود، قد أثار زوبعة من النقد ضده، حيث اهتم الإعلام العربي بتلك القضية، وتم عقد عدد من الجلسات الفكرية والمناظرات بين المسيري ومنتقديه للبت في تلك المسألة تحديداً.

المحطة الثانية الأكثر أهمية في مسيرة المسيري الفكرية، كانت أبحاثه التفكيكية لمصطلح العلمانية، ودراساته النقدية لمفاهيم عصر ما بعد الحداثة.

فالمسيري يوضح أنّ هناك فرق بين مصطلحي العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، فالعلمانية الجزئية بحسب المسيري هي فصل الدين عن الدولة في المجال السياسي، وفي جانبها العلمي هي الاحتكام إلى قواعد العلم الحديث ووفق ما هو مرئي لنا في هذا العالم الذي نعيشه.
أما العلمانية الشاملة فيفسرها بكونها إنكار المعاني والقيم الإنسانية بشكل كامل، بحيث يتم تحويل الإنسان إلى مجرد شيء ليس أكثر.

وقد عمل المسيري على عرض وجهة نظره فيما يخص العلمانية في عدد من الكتب والمؤلفات، لعل أشهرها كان كتاب العلمانية تحت المجهر الذي ألفه مع بالاشتراك مع المفكر السوري عزيز العظمة في 2000، وكتاب العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة في 2002.

وكذلك دخل في بعض المناظرات والمناقشات مع بعض المثقفين العرب لتبيان وجهة نظره، ولعل من أشهر هذه المناظرات، تلك التي عقدها مع المفكر المصري سيد القمني حول مفهوم العلمانية وهل هي صالحة للتطبيق في الوطن العربي أم لا.
المسيري سياسياً: من الإخوان المسلمين لحركة كفاية

رحلة عبد الوهاب المسيري الفكرية والعلمية، تماشت جنباً بجنب مع رحلته السياسية، فالمفكر الذي انصب اهتمامه على دراسة الصهيونية ومفردات عصر ما بعد الحداثة، مر بالعديد من المحطات السياسية المهمة خلال سنوات حياته.

المحطة الأولى في مشوار المسيري السياسي، تمثلت في انضمامه لجماعة الإخوان المسلمين.

يحكي المسيري عن تلك المرحلة في كتابه رحلتي الفكرية، فيقول إنّه كان وقتها في الرابعة عشر من عمره، وإن نشاطه اقتصر على قراءة القرآن وبعض العبادات فحسب، ولم يصاحب ذلك أي ممارسات سياسية حقيقية.

المحطة الثانية، بدأت بعد سنتين فحسب، وتجلت في اعتناق المسيري للفكر الشيوعي.

يفسر المسيري ذلك التحول بقوله “في هذه الفترة اعتراني الشك، وهذا الشك خلق في نفسي فراغاً، فلم يعد من الممكن قبول الأطر القديمة، وكان لابد أنْ يُملأ هذا الفراغ العقدي أو الأيديولوجي، وبما إني كنت ثائراً ضد الظلم الاجتماعي، كان من الحتمي تقريباً أن أتوجه للماركسية”.

ومع انتقاله لمدينة الإسكندرية للدراسة في جامعتها، وجد المسيري الفرصة مُهيئة لممارسة العمل السياسي، فانضم للحركة الوطنية للتحرر الوطني (حدتو)، والتي كانت من أهم المنظمات الشيوعية في مصر في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.

مؤهلات وقدرات المسيري العلمية مكنته من ارتقاء المناصب داخل الحركة بشكل سريع، فنجده أضحى مسؤولاً عن خلية كما أنه ساهم في تنظيم عدداً من المظاهرات العمالية في بعض مصانع الإسكندرية.
ورغم الترقي الذي حظي به المسيري في الحزب الشيوعي، إلا أنه لم يستمر طويلاً على النهج الماركسي، وقد فسر ذلك بغضبه من النزعة الداروينية النتشوية والنرجسية التي كانت تميز معظم رفاقه الشيوعيين في هذا الوقت.
وعلى الرغم من اعتزاله للماركسية، فقد استمر المسيري طوال حياته ميّالاً للخط اليساري، وإن اصطبغ ذلك الخط، فيما بعد، بنزعة إسلامية عقائدية واضحة.
وفي عام 2004، عاد عبد الوهاب المسيري إلى ساحة العمل السياسي مرة أخرى، عندما انضم لعدد من الناشطين السياسيين والمفكرين المعروفين، لتقديم طلب لتأسيس حزب الوسط الجديد، والذي كان من جملة الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، فإن مؤسسيه قد أعلنوا مراراً من قبل عن رفعهم راية العدالة الاجتماعية والدولة المدنية.
مشاركة المسيري السياسية لم تقتصر على حزب الوسط، بل إنه لعب دوراً كبيراً كذلك، في تدشين تجمع الحركة المصرية من أجل التغيير، والذي عُرف إعلامياً بحركة كفاية.
بعد تغيير وزاري قامت به الحكومة المصرية في يوليو 2004، اجتمع ما يقرب من 300 مثقف ومفكر وسياسي مصري من مختلف الأطياف والمرجعيات، وصاغوا وثيقة تأسيسية تطالب بتغيير سياسي حقيقي في مصر، وبإنهاء الظلم الاقتصادي والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية.
واختار الموقعون على تلك الوثيقة تحويل مشروعهم لمشروع حركي، وتوافقوا على أن يكون رفضهم للرئيس المصري آنذاك حسني مبارك ولتوريث السلطة لابنه هو أساس حركتهم، ومن هنا جاء اسم الحركة “كفاية”.
وتم اختيار عبد الوهاب المسيري ليكون المنسق العام لتلك الحركة، وقبل ذلك المنصب رغم الآلام التي تداهمه وقتها بحكم إصابته بمرض السرطان. وقد ظل المسيري على رأس تلك الحركة، وقام بتنظيم العديد من الفعاليات الاحتجاجية والمعارضة للنظام السياسي المصري حتى وفاته في الثالث من يوليو 2008.
رحل المسيري قبل ما يقرب من عامين فحسب من اندلاع ثورة يناير 2011، تلك التي كان قد ساهم فعلياً في تهيئة المناخ لها والإعداد لظهورها.

*محمد يسري باحث مصري في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية.

المصدر: موقع رصيف 22.




أوجه التعصّب في المجتمع العربي: العلماني والمذهبي أنموذجاً

بقلم: الشيخ حيدر حب الله* —

مقدّمة —
التطرّف في حدّ نفسه ظاهرة أو حالة غير صحيّة، إنّها حالة تعيق تواصل أبناء المجتمع الواحد، وتحدث التفكّك فيه، وتهدّد السلم الأهلي. وقد ابتُليت الأمّة العربيّة والإسلاميّة عموماً بهذه الظاهرة التي نشهد لها تنامياً مطّرداً بوتائر سريعة خلال العقود الأخيرة، تنذر بالكثير من العواقب الوخيمة التي تنتظرنا في المستقبل القريب إن لم يتمّ تدارك هذا الوضع المُقلق.
وقد اتخذ التطرّف والتعصّب أوجهاً متعدّدة في عصرنا الحاضر، فمن التطرّف الديني وحالة الأصوليّة المتنامية بين الأديان، إلى التطرّف المذهبي الذي يشعل المنطقة برمّتها، إلى التطرّف السياسي الذي يعيق تواصل الجماعات السياسية ويعزّز من حالة الاستبداد والقمع، إلى التطرّف الفكري الذي يُلغي الآخر ويتعامل معه من موقع النفي والإبعاد.
وتعدّ العلاقة بين ما يسمّى بـ (التيار الديني) و (التيار العلمانيّ)، إذا صحّ التعبيران، أحد أوجه تأزّم العلاقات بين الجماعات في العالم العربي والإسلامي، تماماً كما هي العلاقة المأزومة بين العديد من المذاهب والطوائف الإسلاميّة أيضاً، فقد ظهر التطرّف على هذا الصعيد أيضاً، وشهد تنامياً كبيراً في فترةٍ قياسيّة، إلى أن بلغ في العقدين الأخيرين حدّ التصادم في أكثر من موقع وعلى أكثر من صعيد.
لا نعاني في المنطقة من أزمة علاقات بين الديانات فحسب، ولا بين المذاهب فحسب، ولا بين التيارات والقوى السياسية فحسب، بل نحن نعاني أيضاً من أزمة علاقة بين الأفكار أيضاً.
بدرونا، سوف نحاول استجلاء معالم هذه الأزمة في العلاقة بين الديني والعلماني في عالمنا العربي والإسلامي، ثم نمارس نقداً على هذه الصورة القائمة، لنخرج بمجموعة من التوصيات التي نقترحها لفضّ هذا اللون من الاشتباك في بلداننا، بغية تحقيق السلم الأهلي الراسخ، والتواصل الدائم بين شرائح المجتمع ومكوّناته الدينية والثقافية والسياسية أيضاً.
ويهمّني جداً أن أوضح منذ البداية أنّني لا أتكلّم هنا عن الدين والعلمانيّة أو عن هذا المذهب في الدين أو ذاك، من الشيعة أو السنّة أو الصوفية أو الإباضيّة أو.. بل مركز اشتغالي هنا إنّما هو العقل أو التيارات أو الجماعات المتطرّفة في الحياة الدينيّة، وفي الحياة العلمانيّة، وفي الحياة السنيّة، وفي الحياة الشيعيّة وهكذا، فاقتضى التوضيح.

مفاتيح ضروريّة
عندما نفكّر في معالم الأزمة القائمة بين الديني والعلماني، وفقاً للثنائية المطروحة اليوم، فقد لا نجد فروقاً كبيرة في الجوهر بين هذه الأزمة وسائر الأزمات التي تتجلّى فيها ظاهرة التطرّف والتعصّب في المنطقة، بمعنى أنّ جوهر المشكلة القائمة في التطرّف الديني وفي التطرّف المذهبي وفي التطرّف السياسي، هو بعينه يظهر مرّةً أخرى في التطرّف القائم في العلاقة بين الديني والعلماني، ولسنا أمام ظاهرة مختلفة في جوهرها وروحها، بل نحن أمام تجلٍّ آخر للظاهرة نفسها، وهو ما سأحاول أن أكتشف بعض معالمه في هذه الوريقات المتواضعة.
ولا أريد هنا أن أغرق في نحت أو اختيار المصطلحات، من حيث إنّ التطرّف لا يعبّر ـ في وجهة نظر ـ عن حالة سلبيّة، إنّما الحالة السلبيّة تكمن عندما يتحوّل التطرّف أو غيره إلى نوعٍ من التعصّب؛ لأنّ التطرّف هو أخذ طرف واختيار جانب من الجوانب، بينما التعصّب يأتي من العصابة التي قد توضع على العينين، فإذا اخترنا هذا التحليل اللغوي فنحن أمام مفهوم سلبي يقوم عليه أو يتخذه التعصّب، بينما لا نجد بالضرورة هذا المفهوم في التطرّف؛ لأنّ اختيار طرف من الأطراف ليس عنصراً سلبيّاً، ففي الفكر والعلوم لا يعني الاعتدال ولا الوسطية أن تختار وسطاً بين الاتجاهات وتتخلّى عمّا تراه حقّاً وصواباً، بل من حقّك ـ حيث يقودك العقل والتفكير ـ أن تختار أيَّ اتجاه، ولو كان لو قارنّاه بسائر الاتجاهات القائمة في الساحة يمثل أقصى اليمين أو أقصى اليسار، ففي قضايا العقل النظري والبحث عن الحقيقة لا توجد عمليات تفاوض بهذا المعنى، لكي يتمّ التنازل عن شيء هنا مقابل شيء هناك، بغية الوصول إلى حلول، إنّما جوهر الاعتدال والتعدّدية هو أن يسمح لكلّ طرف باختيار أفكاره مهما كانت بعيدةً عن الطرف الآخر، شرط أن تخضع العلاقة مع الآخر على أسس وسطيّة معتدلة، تؤمّن سلاماً وطنيّاً واستقراراً اجتماعيّاً وإنصافاً أخلاقيّاً وحفظاً للحقوق.
إنّما يصبح التطرّف عنصراً سلبيّاً حينما يساوي الانفصال عن المجتمع، فعندما يقوم الفكر المتطرّف بفصل ذاته عن المجتمع، محدثاً قطيعة وعزلة، فهو يبدأ بالانغلاق على ذاته، وتضعف عنده مهارة الحوار وفنّ التواصل، ليصاب في النهاية بأمراض ذهنيّة مزمنة.

التطرّف والدوغمة
ينمو التطرّف الانغلاقي في بيئة حاضنة تمثل الدوغمائية أبرز مظاهرها. تقوم الدوغمائية على مفهوم ينتج بدوره مفهوماً آخر، فالإطلاق الذي يتسم به العقل الدوغمائي لا يسمح بوجود طرف آخر في الميدان، ومن ثم فإنّ الإطلاق يساوي الوحدة. وتتجه العقلية الدوغمائيّة إلى اعتبار منظومتها الفكرية منظومة مطلقة ليست فيها نسبيّات، فالحقيقة التي تصل إليها تتسم بالإطلاق.
هذا الإطلاق يبدو واضحاً جداً في الفكر الديني؛ لأنّ حجر الزاوية في هذا الفكر يقوم على مفهوم (الله) بوصفه المطلق المتعالي، ويقوم الفكر الديني أحياناً بتنزيل سمة الإطلاق المخلوعة على الله تعالى، إلى البنى التحتية التي تشكّل أجزاء منظومته المتبقيّة، وبهذا يتمّ تأليه كلّ شيء، ويتجلّى الله في صورة البشر، حيث يصبحون آلهةً صغاراً يملكون بعض صفات الإله الكبير، وقد يقع الغلوّ في هذا الأمر عندما يعبد البشر من دون الله عبادة حقيقيّة، بينما تظهر عمليات تأليه أخرى بشكل أخفّ لتصل إلى الزعماء الدينيّين والسياسيين وغيرهم، بوصفهم أنموذج الله في الأرض. وبالتالي فإنّ العقل الديني المتطرّف يصنع مجموعة من الآلهة التي يقوم بعبادتها من دون الله بمعنى من المعاني؛ لأنّه يخلع صفة الإطلاق عليها، وهي الصفة التي لا تحمل مصداقاً حقيقيّاً شمولياً سوى في الله وحده فقط؛ لأنّه المطلق الحقيقي من جميع الجهات.
المفاهيم في العقل المتطرّف الديني أو المذهبي مطلقة، والحلول مطلقة، والأفكار دوماً مطلقة، وهذا الإطلاق قد يكون عرضيّاً يستوعب مختلف وقائع الحياة والفكر والإنسان، وقد يكون اشتداديّاً، بمعنى أنّ الفكرة نفسها تغدو مطلقة، أيّ تصل في قدرة الحقّانية التي تملكها إلى حدّ الإطلاق، فتسلب أيّ فكرةٍ مختلفة معها أدنى مراتب الصحّة والمقبوليّة والشرعيّة، وهذا هو ما ينتج مفهوم الوحدة؛ إذ ليس في البين سوى شيء واحد، هو الأنا الكبيرة المتطرّفة الحاملة لمفاهيمها ومقولاتها المطلقة.
وإذا كانت الحقيقة المطلقة موجودة في الفكر الديني والمذهبي بوصفها الأساس الذي يقوم عليه، وأنّ خطأ التطرّف الديني ـ وكذا المذهبي ـ هو في تسرية سمة الإطلاق من الله إلى ما سواه، فإنّ الفكر البشري العلماني المتطرّف يبدو لي أنّه لم يتخلّص أيضاً من هذا النهج في التفكير، رغم أنّه من الناحية النظريّة ينادي دوماً بالمرونة والنسبية والحركيّة والمتغيّر والمؤقّت وغير ذلك.
فعندما نذهب في رحلة سريعة في كتابات العديد من العلمانيين العرب المتشدّدين نجد لغةً واضحة في احتكار الحقيقة، وفي إطلاق العقل الإنساني بدل ممارسة عقلانيّةٍ نقديّة معه، والتعاطي بنَفَسٍ استعلائي مع الأفكار الأخرى. إنّ اللغة الاستعلائية ليست إلا تعبيراً عن ظاهرة الطبقيّة في الفكر، فهناك الفكر السيّد، وهناك الفكر العبد، واللغة الاستعلائية تقدّم لي صاحبها على أنّه يعتقد بأنّه يحمل فكر سادةٍ وسيادة وليس فكر عبيد، فمن النزعة الإطلاقيّة الماركسيّة إلى نهاية التاريخ، إلى كلمات المثقّف العربي عن القدر والحتميات، ذلك كلّه يشي بما نحن بصدده.

التطرّف وأزمة الحماية والهويّة
يبدو لأيّ متابع للوضع في العالم العربي والإسلامي أنّ هذا العالم يبحث عن هويّة في عصر العولمة وما بعد الحداثة. يبدو لي واضحاً جداً أنّ الشباب العربي أشبه بمن فقد ذاكرته ويسير في الطرقات تائهاً يبحث عن هويّة ليعرف نفسه من خلالها.. كذاك الذي فقد ذاكرته بحادث سَير وأضاع في الوقت عينه بطاقته الشخصيّة، فهو يجول الطرقات يبحث عنها ليعرف ذاته، وإذا لم يحصل على هويّته الأصليّة أو الحقيقيّة فإنّه سيكون مضطرّاً ـ للخلاص من العذاب ـ أن يتقمّص أيّ هوية أخرى حدّ التفاني بها والفناء، كي تلبّي حاجته للإحساس بالذات والوجود.
عندما يكون الإنسان خائفاً من المصير القادم المجهول، ويجد أنّ سفينته تسير دون إرادته، ولا يعرف أين تحطّ رحاله، فهو محتاجٌ للأمن والحماية؛ ليبثّ في نفسه الطمأنينة والراحة والسكينة، وهذا التوصيف يمكن أن ينطبق على قطاع واسع من الشباب العربي والمسلم اليوم، من أنا؟ وما هي الحلقات الاجتماعية الأقرب لي؟ ولمن أنتمي؟
في عالم لا يمكن للفرد فيه أن يحمي نفسه لوحده، لابدّ لك أن تنضوي تحت جماعة تنتمي إليها؛ فتجد الأمن والأمان معها، وتسكن نفسك وتهدأ روحك، في وضع من هذا النوع تجد نفسك مضطرّاً لأن تنتمي بطريقة حادّة وشرسة؛ إذ كلّما تعمّق الانتماء ازداد إحساس الفرد بأنّه أصبح قويّاً بالجماعة؛ لأنّ الأنا الفردية تذوب في الأنا الجماعيّة القويّة.
فعندما ينتمي المتديّن فهو ينتمي بقوّة، ويبالغ في الانتماء، ويشعر بجروح عميقة عندما تتعرّض البيئة التي انتمى إليها للنقد أو الخسارة؛ لأنّ ذلك يوهن من قوّته ويفقده الأمن والسكينة، ومعنى الانتماء بقوّة هو المبالغة في هذا الانتماء، والتشويه فيه، ووقوف النقد والمراجعة دون تقدّم، وعدم السماح بالآخر؛ لأنّه سوف يتمّ الشعور بأنّ الآخر يريد القضاء عليّ، فعندما تتشابك هذه الأمور مع بعضها يظهر التطرّف الحادّ، ويكون الهروب إلى الأمام أيضاً. ويتمّ تصوير كلّ الخلافات على أنّها معارك وجود، ومن ثم فمن الطبيعي أنّ الأنا المدافعة عن نفسها سوف تفني الآخرين لتبقى في عالم يقوم على صراع البقاء. وإفناء الآخرين يكون في هذه الحالة مادياً أو معنويّاً، ومن أكبر وسائل التصفية المعنوية في الثقافة الدينية والمذهبيّة هو سياسة التكفير والإخراج من الدين؛ لأنّ التكفير والتبديع و.. يدمّران الحماية الاجتماعيّة للطرف الآخر ويفتتان كلّ عناصر حصانته، ويقومان بتعريته تماماً؛ ليفرّ إلى مكان آخر يركن إليه، وبالتالي تخلو الساحة للفكر المتطرّف بهذه الطريقة.
الأمر عينه نجده في الوسط العلماني في العالم العربي؛ فكلّما تعمّق الانتماء ازداد الهروب إلى الأمام، وبالتالي يصبح العلماني مضطرّاً لتصفية حسابه مع كلّ القيم القائمة في المجتمع، بما فيها القيم الدينية المجمع عليها أو تلك التي لا ضرر فيها حتى من وجهة نظره؛ لأنّ الطرف الآخر يعتاش ويعيش على هذه القيم؛ فلكي أتمكّن من إلغائه يلزمني أن أصفّي حسابي مع القيم نفسها التي بنى عرشه عليها، وبذلك يورّط العلماني المتطرّف نفسه في صراع مع الدين يتسم بالعنف والحدّة والتعالي؛ وربما يكون في حقيقة أمره إنّما يصارع التطرّف الديني القائم الذي يتخذ من الموروث الديني مصدره الأساس للتغذية المتواصلة.
إنّ انتماء المتطرّف العلماني لعلمانيّته يُشعره بالنزعة الإطلاقيّة التي تفقده قدرة التنسيق والتواصل مع الآخرين، ولهذا قد يصل به الحال أن يحمي نفسه بالارتماء في أحضان الأمم الأخرى التي تمثل ملاذ العلمانيّة في العالم.

التطرّف والتغذية المتبادلة
قد لا يشعر بعضنا بأنّ التطرّف الديني يعتاش وينتشي بالتطرّف العلماني في العالم العربي، كما أنّ التطرّف العلماني يزداد إحساسه بالنشوة كلّما تنامى التطرّف الديني وازداد إفراطاً، وأعني بذلك أنّ المتطرّفين عادةً يهمّهم دوماً تظهير المتطرّفين في الطرف الآخر، ولا يشعرون بأيّ ارتياح لتعويم معتدلي الفريق الآخر، فرغم عداوة متطرّفي الطرفين لبعضهما، إلا أنّهم يجدون وجود الآخر المتطرّف ذريعة قويّة لتبرير وجودهم في مجتمعاتهم ومحيطهم.
هذا الأمر نفسه وجدناه في صراع المذاهب مع بعضها في العالم الإسلامي، ونجده أيضاً في صراع العلمانيّة والدين في العالم العربي على بعض الصعد، فكلّما ازداد العلماني المتطرّف نقداً للدين وسخريةً به واستهزاء وتعالياً ليمسّ المقدّسات الدينية الأشدّ حرمةً، عزّز المتطرّف الديني موقعه في الوسط الديني عموماً، متخذاً التطرّف العلماني ذريعة، والعكس هو الصحيح؛ فكلّما ازداد التطرف الديني والإرهاب المنتسب للدين، عزّز العلماني المتطرّف موقعه، وبرّر مواقفه المتشدّدة من الدين كلّه.
وما يلفت النظر في هذا السياق أنّ كلّ فريق من الطرفين المتعصّبين يسعى دوماً لإقناع جمهوره بأنّه لا يوجد في الفريق الآخر تيار معتدل أساساً، فحقيقة التديّن هي ما نراه من تديّن إرهابي عنفي هنا أو هناك، وأمّا التديّن الإنساني المعتدل فلا وجود له، وإنّما هو صورة قناع مزيّف لذاك التديّن العنفي عينه، هذا شيء رأيناه مراراً في الخطاب العلماني المتطرّف اليوم. والأمر عينه نجده في صراع المذاهب مع بعضها، فالشيعي المتطرّف قد يشعر بحرج كلّما رأى حبّ أهل البيت النبوي شائعاً في أهل السنّة؛ فيما يشعر بارتياح عندما يجد العكس في بعضهم، وهكذا لا يُبدي السنّي المتطرّف ارتياحاً أحياناً لوجود تشيّع معتدل يتخذ موقفاً مقبولاً من الصحابة؛ لأنّه يرغب في تقديم التشيّع لوحةً واحدة متطرّفة من وجهة نظره.. هذه الظاهرة خطيرة جدّاً، وتبدّد أيّ إمكانية في التواصل، وفي الوصول إلى تفاهم مشترك بين التيارات أو المذاهب القائمة.

صراع السلطة ودوره في تغذية التطرّف
لا يغيب عنّا أنّ أحد الأسباب الرئيسة لانتشار التعصّب بشكلَيه: الديني والعلماني، هو الصراع على السلطة بينهما في العالم العربي والإسلامي، وهو ما رأيناه بشكل واضح بعد عام 2010م، إنّ الصراع على السلطة يغذّي ـ عندما لا يكون ضمن حالة صحيّة وديمقراطية سليمة ـ ثقافة التعصّب والتشدّد والعنف، لاسيما عندما يؤمن الفريقان بأنّ مفتاح الخلاص هو في وصول كلّ واحد منهما إلى السلطة وتمكّنه من نشر قناعاته وإنفاذها في المجتمع.
وفي مجتمعاتٍ لا تعرف النسبيّة في التمثيل، يغدو من البديهي أن يتمّ احتكار السلطة؛ فالديني المتعصّب يسعى بكل ما اُوتي من قوّة لحذف الطرف الآخر من الوجود بأيّ طريقةٍ كان، فيما يسعى العلماني المتطرّف لفعل ذلك أيضاً. ويقدّم كلّ فريق من الطرفين الفريق الآخر على أنّه السبب الحصري والوحيد لتراجع أحوال الأمّة العربيّة والإسلامية، الأمر الذي يبرّر له إلغاءه من الوجود، وتحويله من صديق إلى عدوّ، أو إلى ما يشبه الغدّة السرطانية التي يجب استئصالها تماماً. فهذا النوع من التفكير ـ في ظلّ صراع على السلطة ـ لا يُنتج سوى غياب الروح الديمقراطيّة في مختلف مرافق الحياة، ومنها المجال السياسي.
إنّ السلطة هنا لا تقف عند السلطة السياسيّة، بل تمتدّ للسلطة الثقافية والإعلاميّة والاجتماعية، بل حتى لمفهوم السلطة على العالم الإسلامي وتزعّمه أيضاً؛ فكلّ متطرّف ديني أو علماني أو مذهبي يسعى للإمساك بقلوب الجماهير وعقولها بأيّ طريقة حصل له ذلك، ويعتبر أنّ الصراع مع الطرف الآخر غير شريف ولا تحكمه قواعد الأخلاق الديمقراطيّة في الخلاف؛ لأنّ الآخر قد تمّ سلب الصفات الاعتباريّة عنه، بمعنى أنّه لم يعد يحظى ـ من وجهة نظر المتعصّب المتطرّف ـ بأيّ شرعيّة، فالعلماني هو ملحد فاسق مبتدع مارق عند المتطرّف الديني، وهذا لوحده كافٍ في سلبه حقّ الوجود في الحياة تماماً على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي، والمتديّن إرهابي متخلّف رجعي نكوصي ماضويّ تعطيلي عند المتعصّب العلماني، وهذه التوصيفات كفيلة لوحدها في سلبه حقّ الإمساك بالسلطة السياسيّة أو الاجتماعيّة أو الثقافية أو غير ذلك، وهكذا الحال في التعصّب المذهبي حيث يصبح الآخر المذهبي مبتدعاً مخالفاً للسنّة الشريفة منكراً لصريح الكتاب متعسّفاً في فهم الدين.. فما دامت هذه الرؤية موجودة، في ظلّ صراع سلطوي، فإنّها سوف تشتدّ لتبلغ أعنف مراحلها في لحظةٍ ما، وستنتج العنف بأشكاله المتعدّدة.
قد لا نجد فرقاً في هذه الحال بين التعصّب العلماني والتعصّب الديني والتعصّب المذهبي سوى في أنّ هذا التعصّب له لحية أو يرتدي حجاباً أو عباءة، فيما الآخر تعصّب يكشف الجسد أو يكون من دون لحية، وتغيّر مفردات النبذ والإقصاء وغياب الديمقراطيّة لا يضرّ في أصل وجود حالة التعصّب، بمعنى أنّ غياب مفردة التكفير لا يعني أنّ العلماني المتطرّف لم يعد ظاهرة سلبيّة في المجتمع العربي وحالة مضرّة بتنمية هذا المجتمع ورقيّه؛ لأنّ المفردة البديلة جاهزة ما دام المفهوم واحداً وما دامت الروح واحدةً وما دام نهج التفكير واحداً. فليس للتعصب مفردات خاصّة، وإنّما يبتكر مفرداته ومفاهيمه تبعاً للفضاء الذي يحيا فيه، فيستغلّ الفضاء المعرفي والثقافي الذي يحيا فيه ليُنتج منه مفرداته تبعاً له، مثل التكفير في مقابل الرجعيّة والظلامية، وغير ذلك.
المطلوب منّا ليس توحيد مفردات التعصّب وحصرها، بل اكتشاف الحالة القائمة في التعصّب، للبحث عنها في هذه المفردات هنا أو هناك.
وما يلفت النظر أنّ الصراع المذهبي، والصراع العلماني الديني، ثمّة ما يثير فيهما ليطرح علينا هذا التساؤل: من هو المستفيد من حالة الصراع المذهبي أو الفكري في العالم العربي والإسلامي اليوم؟ هل يمكن أن يكون قد اُريد لنا جميعاً أن نشتغل ببعضنا، فيشتغل العلماني بالديني، والسنّي بالشيعي، والعكس، كي تتحقّق مصالح فريق ثالث مختلف عن الجميع، فيما يحسِب المتصارعون ويظنّون أنّهم يمارسون نضالاً مقدّساً من أجل الحقيقة، ومن أجل الإنسان، وفي سبيل الله؟! ماذا جنت هذه الصراعات (وليس الحوارات والاختلافات الفكريّة) اليوم سوى تمزيق اللحمة الوطنية في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة، وتفتيت الدول القطريّة، وانكشاف مجتمعاتنا وأوطاننا للخارج انكشافاً جليّاً حتى بلغ في بعض المواقع حدّ الانكشاف الأمني الفاحش؟! أظنّ أنّ الأمر يستحقّ أن نفكّر في المستفيد الأكبر قبل أن نغرق في وهم المستفيد الأصغر.

هل يمكن الإيمان بوجود الله والإنسان معاً؟ (حقّ الله وحقّ الناس)
تعاني حياتنا المعرفيّة من ثنائيّة تفرض علينا قهراً اختيار أحد السبيلين، رغم أنّه بالإمكان اختيارهما معاً، ففي العلمانيّة المتطرّفة يتراجع حضور الله بوصفه مرجعاً روحيّاً أو عقديّاً أو تشريعيّاً، فيما في التعصّب الديني يتراجع حضور الإنسان! لماذا يجب تغييب أحد الطرفين كي ننتمي إلى الآخر؟ الأمر عينه نجده في الانتماءات المذهبيّة، فإذا انتميت لمذهبٍ ما فأنت لا تستطيع أن توافق المذهب الآخر في مبدأ فكري معيّن؛ لأنّ هذا الأمر يصيّرك التقاطيّاً أو فاقداً للهويّة!
دعوني أتوقّف قليلاً عند الشقّ المتصل بالقضيّة الدينية والعلمانيّة، فهنا يكمن سؤال ضروري: هل أنا مضطرّ لتغييب الإنسان كي اُحضر الله سبحانه في الحياة؟ وهل حقّاً أنا مضطرّ لتغييب الله كي اُعيد للإنسان اعتباره؟
إنّ الثقافة المتعصّبة للحالة الدينية والحالة العلمانيّة تضعنا أمام مفترق طرق، وكأنّها تُلزمنا بتغييب أحد الطرفين، وهنا تكمن المشكلة، فيما المطلوب هو الجمع بينهما، أو الإقرار بإمكان الجمع على الأقلّ، فالله حقّ والإنسان حقّ أيضاً، والله قيمة مقدّسة والإنسان كذلك، هل حقّاً لا يمكن إنتاج فهم ديني يحترم الطرفين معاً؟ وهل حقّاً لا تستطيع العلمانيّة أن تعيش إلا بغياب الله تماماً؟ وهل من الصواب أن نفهم الانتماء لله تنكّراً للإنسان وكفراً به وجحوداً؟!
تكمن مشكلة العقليّة المتعصّبة في أنّها تحدّد بصرامة هويّة الإنسان المتعصّب، لتجعلها ذات لون واحد تماماً، وهذا ما يعني أنّك مضطرّ دوماً للتمايز، وبهذه الطريقة تهدر القيم المشتركة مع الآخرين أو تضمر أو تتراجع لصالح القيم المميِّزة، ولهذا تفضّل التيارات المتعصّبة في المذاهب الدينيّة هويّتها المذهبية أحياناً على هويّتها الإسلاميّة؛ لأنّ الهويّة المذهبيّة تبدي الخصوصيّة فيما الهويّة الإسلاميّة تبدي المشتركات، ولعلّ في ذلك نوعاً من الأنانيّة بحسب المنظور الأخلاقي.
إنّنا نعتقد بأنّه من الممكن جداً أن يعيش الإنسان مع الله، دون افتعال مشكلة بينهما، تضطرّنا لتغييب أحدهما لصالح الآخر؛ والتراث الديني مع التراث العلماني غنيّان بالتجارب التي تحمل ثقافة الجمع والتوفيق، فالإنسان يحيا بالله، بعد أن يذوب فيه، ويصحو به بعد أن يفنى فيه، ويصبح إنساناً كاملاً بعد أن يعبده، إنّه المخلوق المكرّم.. هذه أصول النزعة الروحيّة في التراث الديني للديانات عامّة، وعلينا الاشتغال على إحلال هذه القيم الروحيّة بدل تحويل الدين إلى مجموعة طقوس جافّة مكرورة تضحّي بمضمونها الأخلاقي والبنائي، لتتخذ مضموناً أقرب إلى العادة منه إلى العبادة. إنّ هذه القيم الدينية الروحية العالية تسمح لنا حتى بولادة الدين العالمي ـ على حدّ تعبير كانط ـ القادر على تخطّي الهويات المختلفة في بعض امتداداته.
وأيضاً الله قيمة مقدّسة يمكنها أن تساعد على إحلال وترسيخ القيم الأخلاقيّة في المجتمع، لاسيما تلك المجتمعات التي تمثل قضيّة الله جوهر هويّتها الوطنية والثقافية والاجتماعيّة، فلسنا بحاجة لافتعال مشكلة، وإن كانت تنحية الصورة الإشكاليّة المفتعلة بين الله والإنسان في العقل الديني والعلماني المتعصّبَين، أمرٌ يحتاج لجهد تنظيري كبير وقراءات اجتهاديّة جريئة وعميقة، يمكنها أن تحرّرنا من رواسب العلاقة المأزومة المفتعلة بين الله والإنسان في بعض الفهوم الدينية والعلمانيّة.
عندما تنتهي الأهداف عند هدف واحد!
يدعو التعصّب عامّة إلى التعامي عن أيّ مشكلة أخرى في الحياة، ومحاولة حصر المشاكل في الطرف المنافس المختلف معه، لاسيما المنافس السلطوي بالمعنى العام للكلمة، وهذا ما يعزّز بالتدريج في عقل المتعصّبين ثقافة تحميل كلّ سلبيات الواقع القائم في المجتمع العربي والإسلامي لفريقٍ بعينه، ومحاولة التطهّر من أيّ من هذه السلبيات؛ فعند المتعصّب العلماني تتحمّل الحالة الدينية مسؤوليّة الفشل الاقتصادي والتردّي الاجتماعي والهزائم العسكريّة والتراجع الحضاري وانتشار الأميّة والجهل، ومن ثمّ فوظيفة العلمانية اليوم هي ـ فقط وفقط ـ معاداة الدين وتصفية الحالة الدينيّة المسؤولة عن كلّ الفشل القائم، فيما يعتبر المتعصّب الديني أنّ هذا كلّه إنما جاء نتيجة التوجّه نحو العلمانيّة واتّباع الغرب واللهث خلف المصالح الدنيويّة وغير ذلك.
يميل التفكير المتعصّب عامّةً لتطهير نفسه من أيّ مسؤوليّة أو إدانة، وتحميل الطرف الآخر كلّ الإدانات، وهذه الآليّة وجدناها واضحة في الخلاف العلماني الديني بمظاهره المتعصّبة في العالم العربي والإسلامي، فلأنّ المتعصّب لا يقبل النقد، ولأنّ ثقافة التعصّب ترى في فكر الذات عصمةً وتعالياً وتسامياً ونوراً وهدى وبصيرة، لهذا من الصعب أن يُعيد المتعصّب نظره نحو ذاته لتحميلها ولو بعض المسؤوليّات أو توجيه العتاب أو اللوم لها، فضلاً عن إدانتها، فيضع كلّ الأزمات في الفريق الآخر، ولهذا عندما ينجح أحد الفريقين في تصفية حسابه مع الآخر أو يقوم بإلغائه تماماً من الساحة الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، يفترض تلقائيّاً أنّ الامور سوف تتحسّن، وأنّ الأمّة ستأكل من فوقها ومن تحت أرجلها، وإذ به يتفاجأ أنّ شيئاً أساسيّاً لم يتغيّر؛ ليس ذلك لأنّ الآخر لم يكن شريكاً في تخلّف الأمور والأوضاع، بل لأنّ الذات كانت شريكةً أيضاً، وثقافة التعصّب تلغي دائماً ـ بحصرها مشاكل العصر بالآخر ـ إمكانية تحمّل الذات أيّ مسؤوليّة، وعندما لا يتمّ اكتشاف تمام منابع المشكلة فإنّ سدّ منبع واحد مفترض لن يؤدّي إلى تلاشيها بالضرورة.

خطوات أوّليّة في طريق الحلّ
توجد سبل كثيرة لفضّ الاشتباك القائم بين العلمانية والدينية في العالم العربي والإسلامي، وربما يمكنني الحديث عن بعضها بنحو الإشارة فقط:
1 ـ البدء بحوار منتج وبنّاء وشفاف وواضح، يقوم على مبادرة الوسطيّين من الطرفين للتلاقي، بُغية تبادل الأفكار، والتفاوض على قواسم مشتركة، وعلى مساحات حريّة محدّدة، ويكون هذا الحوار مستعدّاً للخضوع لقوانين التفاوض، من التنازل عن بعض الأمور هنا وهناك؛ لفضّ الاشتباك القائم المعيق لنهوض الأمّة العربيّة والإسلاميّة.
وأصل أصول هذا الحوار هو تعرّف الأطراف المذهبيّة، وكذا الطرف العلماني والديني، على بعضها بعضاً، بشكل واضح وصحيح؛ فالجهل بالآخر أحد أركان التعصّب تجاهه في بعض الأحيان، تماماً كما هو الجهل عامّة سببٌ رئيس لظهور التعصّب في المجتمع، وكلّما تمكّنّا من فهم الآخر ووعيه عن قرب وضمن حالة تماس إيجابي مباشر كان ذلك أفعل في خلق حياة حواريّة صحيّة معه.
2 ـ يسبق هذا الحوار اعترافٌ حقيقي بالطرف الآخر، بوصفه حالة قائمة فعليّة وحقيقيّة في الوطن العربي والإسلامي، ذات تجربة يمكن الاستفادة من بعض جوانبها وأفكارها، ومن ثمّ فالحوار ليس وسيلة لتضييع الوقت أو كسبه، ولا هو بالتكتيك المرحلي الذي يُراد الحصول من ورائه على شيء آخر غيره، وإنّما هو مشروع استراتيجي حقيقي جادّ للإمساك بكلّ التيارات القادرة على التأثير بغية خلق مرحلة جديدة.
3 ـ إنّ اعتراف كلّ فريق بالآخر وخوضه حواراً معه، يستدعي قيام المعتدلين من الطرفين بممارسة نقد ذاتي، بل وتعميم ثقافة النقد الذاتي، فكلّما سعينا لممارسة نقد ذاتي ونشرنا ثقافة النقد الذاتي بين الدينيّين والعلمانيّين أنفسهم، تراجعت حالة التعصّب تجاه الآخر؛ لأنّ رواج روح النقد الذاتي سيفضي إلى اقتلاع روح التعصّب التي تبدو في الأحادية والإطلاق، ورفضّ الشك، والاستعلاء، وبناء الحواجز، والشعور بالنرجسيّة وغير ذلك. بل قد تفضي حالات النقد الذاتي إلى مشاريع مراجعة أو إعادة نظر، بل إلى مؤتمرات مراجعة حقيقيّة، تضيّق الفرصة أمام المتعصّبين داخل الفريقين.
ومن رحم النقد الذاتي، تأتي دعوتنا لتجديد الخطاب الديني، والخطاب المذهبي، وهي دعوة قديمة معروفة، لكنّ دعوتنا الأخرى التي نرفقها بهذه الدعوة هي لتجديد الخطاب العلماني في العالم العربي والإسلامي، فهذا الخطاب مطالبٌ أيضاً بنقد ذاته وتجديدها ومراجعتها، وبتجديد الخطابات وبُنياتها التحتيّة يمكن أن ننفتح على مستوى آخر، ونتطلّع نحو اُفقٍ جديد إن شاء الله.
4 ـ يعني هذا الأمر ـ ببنوده الثلاثة المتقدّمة ـ أنّ على كلّ فريق أن يروّج داخل جماعته لثقافة تفهّم هواجس الآخرين تجاهنا، وليس فقط ثقافة تعميق هواجسنا تجاه الآخرين، ففي هذه الحال تعمّ روح حُسن الظنّ بدل روح سوء الظنّ بالآخرين.
5 ـ القيام بمؤتمرات وملتقيات (وألوان تواصل أخرى) تتناول أهمّ قضايا العصر في العالم العربي والإسلامي، وتعمل على مشاركة الفريقين معاً فيها، ففي قضايا التنمية والاقتصاد والتربية والتعليم والطبقية والفساد والاستبداد وقضايا الأمّة الكبرى وغير ذلك يلزم أن يشارك العلمانيون والمتدينون معاً ـ وكذا أبناء المذاهب الدينيّة المختلفة في أوطانهم ـ في التفكير لمعالجة هذه القضايا في ملتقيات أو مؤتمرات مشتركة أو.. وتأثير هذه القضيّة مهم جداً؛ لأنّه يخلق شعوراً عميقاً بأنّ الآخر شريك في الإصلاح، ويحمل همّ الأمّة، بدل الشعور بأنّه أحد أركان الفساد نفسه فيها.
6 ـ إطلاق مشاريع المصالحة في أكثر من بلد عربي ومسلم بين العلمانية والدينيّة، كما بين المذاهب، ولا نقصد من المصالحة اعتراف الديني بالفكر العلماني قهراً، ولا العكس، بل بمعنى اعترافه بالعلمانيّين ضرورةً، بوصفهم بشرٌ لهم الحقّ في الحياة والتفكير والمشاركة والقرار، ويحملون في تجربتهم عناصر نافعة ومنتجة وصالحة، والعكس صحيح تماماً.
ومن بنود أو الفضاءات الحاضنة لمشاريع المصالحة، السعيُ لوقف الحملات الإعلامية المتبادلة ـ وليس الحوارات الفكريّة في القضايا الخلافيّة ـ وتخفيف حدّة الاحتقان بين الطرفين، وتجفيف منابع التطرّف داخل كلّ فريق.
إنّنا نتطلّع لليوم الذي ندير فيه اختلافاتنا بجدارة، ولا نلغيها؛ لأنّ مشكلتنا ـ كما قلنا مراراً ـ ليست في أنّنا نختلف، بل هذه قوّتنا، إنّما مشكلتنا في أنّنا لا نعرف أو لا نجيد إدارة اختلافنا في الحياة.

*عالم وباحث لبناني.




هل العلمانية خروج على الدين؟ … وأسئلة أخرى

New_Beirut 084

موقع حوارات — بقلم: مسفر بن علي القحطاني — في أدبياتنا الإسلامية مُرِّر عدد من الحوادث التاريخية من دون تأمل في ظروفه واستقلالية رواته وتحول مع مرور الزمن إلى قضايا استدلالية نبني عليها تصوراتنا المعاصرة ومواقفنا الحالية، الأمر نفسه يتكرر مع عدد من المفاهيم التي تم صوغها وفق ظروف تاريخية وإملاءات سياسية أو اجتماعية، ومع تقادم الزمن عليها وتتابع الأجيال في تداولها تحولت إلى مسلّمات قطعية، بل كتل صلدة من المعاني المجتمعة لا تقبل التفكيك أو المراجعة، وحينما نتأمل واقعنا نجد أن تلك المفاهيم هي التي تشكّل لنا تحدياً، وأحياناً تصادماً يقتضي انهزام أحد الطرفين ، إما طرف صلاحية الشريعة ومواكبتها الحاضرَ وإما القبول بتلك المفاهيم والعودة معها إلى الماضي، وفي عصور الضعف والتقليد غالباً ما تنتصر تلك القوالب الفكرية العتيقة، ونصبح كمن يجلب له حصاناً يتنقل به في المدن العصرية لقضاء حاجاته اليومية، وحتى لا أطيل في سرد حيثيات فكرة المقال أضرب على ذلك أمثلة، على رغم أن المثال غالباً ما يختزل الفكرة وتنغمر فيه، ولكن الحاجة ماسة هنا إلى التمثيل ببعض تلك المفاهيم التي لم تأخذ حظها من التفكيك والمراجعة، بعضها قديم الوضع مضت عليه قرون وبعضها قريب، ومنها: مفهوم الأمة والخلافة والحاكمية والجهاد والولاء والبراء والإرهاب والديموقراطية والحداثة والعلمانية وغيرها، ولعلي أتناول مفهوم العلمانية بشيء من البيان، كونه وُلِد في رحم بيئة مختلفة وظروف متباينة وفق أدبيات متعددة ونُقل إلينا بصورة مستعجلة وتمكّن بقوة السلاح وإرهاب المستعمر، وأصبح هذا المفهوم بعد ذلك حجراً صلداً يُرمى به على أقوامٍ وقطعة من الذهب يكتنزه أقوام، وبناءً على ذلك السياق جاء الموقف الديني من العلمانية في غالبه موقف مُجرَّم والعلمانيون أعداءٌ للدين والملّة، ويمكن من خلال المسائل الآتية أن أعرض بعض المراجعات حول هذا المفهوم، كما يأتي:
أولاً: خرج عدد من الفتاوى والقرارات الفقهية التي حكمت على العلمانية بالكفر الصريح والخروج التام عن الدين وأنها وصيف الإلحاد، ومن ذلك ما جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بجده في دورته الحادية عشرة ما نصه: «إن العلمانية نظام وضعيّ يقومُ على أساسٍ من الإلحادِ يُناقض الإسلامَ في جملته وتفصيله، وتلتقي مع الصهيونية العالمية والدّعوات الإباحيّة والهدّامة، لهذا فهِي مذهب إلحاديّ يأباه الله ورسوله والمؤمنون». (قرار رقم: 99 (2/ 11) مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، العدد الحادي عشر، 3/ 259).
وجاء في قرار هيئة كبار العلماء بالسعودية ما نصه: «ما يسمَّى العلمانية التي هي دعوةٌ إلى فَصل الدينِ عن الدَّولَة، والاكتفاءِ مِن الدين بأمور العِبادات، وتركِ ما سوى ذلك من المعاملات وغيرها، والاعترافِ بما يُسمى الحرية الدينية، فمن أرادَ أن يدين بالإسلام فَعَل، ومن أراد أن يرتدّ فيسلك غيره من المذاهب والنّحَل الباطلة فعَل، فهذهِ وغيرُها من معتقداتِها الفاسدةِ دعوة فاجرة كافرة يجب التحذير مِنها وكشف زيفِها، وبيان خطرها والحذر مما يُلبِسُها به مَن فتنوا بها» (انظر: فتاوى اللجنة الدائمة، المجموعة الثانية، جمع وترتيب: أحمد بن عبدالرزاق الدويش، الرياض، 1426هـ، الطبعة الأولى 2/ 143 – 144).
ولكثير من علماء العقيدة فتاوى متداولة، فيها شبه اتفاق على أن العلمانية كفر، باعتبار أنها في وجهة نظرهم «فصل الدّين عن الدّولة، وأن الدين في المساجِد فقط، وأمّا في المعامَلات وفي الحكم فليس للدِّين دخل، وأن الذي يعتقد هذا الاعتقاد كافر وملحد» (انظر: عقيدة التوحيد للشيخ صالح الفوزان، طبعة المكتبة العصرية، ص 82، كتاب العلمانية نشأتها وتطورها، للشيخ سفر الحوالي، مكتبة مكة، الطبعة الأولى 1402هـ).
يظهر من تلك الأحكام القاطعة أن الرأي الشرعي يكاد يجزم بكفر العلمانية، وإن كانت هناك آراء فقهية تفصّل في الحكم عليها، كما أن هناك من يرى خطأ تكفيرها، لكن الصوت السلفي هو الأعلى في بيان حكم كفرها، وغالب من يكفر العلمانية يعتمد على أصلين كونها تمنع الشريعة من التطبيق وتنازع الله تعالى في حاكميته، وقد قال الشيخ سفر الحوالي في توصيفه للعلمانية: «وانطلاقاً من هذا المفهوم نستطيع أن نرى حكم الله في العلمانية بسهولة ووضوح وأنها باختصار: نظام طاغوتي جاهلي يتنافى مع لا إله إلا الله من ناحيتين أساسيتين متلازمتين: أولاً: من ناحية كونها حكماً بغير ما أنزل الله. ثانياً: من ناحية كونها شركاً في عبادة الله» (العلمانية 2/ 80).
وهنا مكمن السؤال في مدى انطباق العلمانية على ما سبق ذكره من توصيف، ثم مدى انطباق الحكم بالكفر على هذا التوصيف، وهذا يقتضي الرجوع إلى حقيقة العلمانية التي تعتبر من أكثر المصطلحات المثيرة للجدل في الوقت الراهن حيث اختلط التعريف النظري مع التحقق الفعلي للمصطلح، ما أدى إلى ظهور إشكالية العلمانية، بشقيها النظري والعملي، سواء في العالم العربي أو العالم الغربي. ويرى الدكتور عبدالوهاب المسيري في كتابه (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق، القاهرة 1/ 220) أن مصطلح العلمانية قد شابه الغموض والإبهام من كثرة تضارب التعريفات التي تعرّض لهذا المفهوم. فعلى الصعيد الغربي، يعرّف قاموس أكسفورد مصطلح (علماني) أو secular على مستويات عدة، أولاً، على المستوى الجزئي: بمعنى ينتمي للحياة الدنيا وأمورها أي غير كهنوتي، أو غير مرتبط برجال الدين، وكانت الكلمة تشير أيضاً إلى الأدب والفنون غير المنتمية إلى خدمة الدين، كما أن كلمة secular building تستخدم للإشارة إلى «المباني غير المكرسة للأغراض الدينية»، وثانياً، على المستوى الكلي: بمعنى ما ينتمي إلى هذا العالم «الآني الزمني» كمضاد «للروحي» تُعرَّف العلمانية «بأنها العقيدة التي تذهب إلى أن الأخلاق لا بد أن تكون لمصلحة البشر في هذه الحياة واستبعاد كل الاعتبارات الأخرى المستمدة من الإيمان بالإله أو الآخرة»، أما التعريف الشائع للعلمانية بأنها فصل الدين عن الدولة أوSeparation of church and state فيرى المسيري أنه يقع ضمن التعريفات الوردية للعلمانية التي حددت مفهوماً للعلمانية ينحصر تطبيقه في الدائرة السياسية وفصل المؤسسات الكهنوتية عن مؤسسات صنع القرار، ويعتقد المسيري بأن هذا التعريف للعلمانية هو تعريف قاصر عن الإحاطة بمدلوله.
ومع أن المسيري اختار الفصل بين نوعين من العلمانية، وافق على الجانب الجزئي منها، وخالف في الجانب الشمولي الذي يغوّل المادة ويزيد من سيطرتها على الإنسان، على اعتبار حالة توصيفية للمجتمعات الغربية يعتقدها، تحولت هذه النظرة التشاؤمية الخاصة للواقع الغربي بما فيه من وحشية الرأسمالية إلى حالة تنظيرية سماها بالعلمانية الشاملة، وهناك مناقشات طويلة أنتجها هذا التقسيم المسيري لا داعي للإطالة في عرضها.
ثانياً: لا بد من معرفة مناط الحكم الذي جعل العلماء يكفّرون العلماني ويجعلونه ملحداً، والحكم هنا هو الكفر، وليس الفسق أو الابتداع، بمعنى أنه أعظم الأحكام الدينية خطورة، لأنه يخرج المؤمن من دائرة الإسلام، وتلحقه تبعات حكمية من فراق زوجته وحرمة إرثه وعدم الصلاة عليه وغيرها، ولذلك لا بد من أن يكون المناط واضحاً وجلياً، ولا يقبل التأويل في معناه، ومناط الحكم وعلته مستند إلى توصيف العلمانية بأنها فصل الدين عن الدولة، وهذا المعنى – كما مرّ – مضطرب وغير واضح في دلالته على مقصود العلمانية عند واضعيه، وغير متداول في تطبيقه عند مشرّعيه، فالمفكرون الغرب يتباينون ولا يزالون يتناولون هذا المصطلح بالفحص والنقد وأبرزهم في الآونة الأخيرة أطروحات هابرماس وتشارلز تايلور حول العلمانية والمجال الديني، والدول العلمانية اليوم ليست سواء، فالسوفيات كانت لهم علمانيتهم والنازيون كذلك، كما أن علمانية الفرنسيين بعد الثورة تختلف عن علمانيتهم الكولونيالية، وتركيا العلمانية في عهد أتاتورك ليست كما هي في عهد علمانية العدالة والتنمية، فاختزال الحكم القطعي بالكفر وفق معنى مضطرب وواقع متعدد، يقتضي أن يتورع علماء الشريعة من إطلاقه إلا وفق شروط عتيدة لا بد من توافرها وموانع غليظة لا بد من انتفائها.
ثالثاً: من الضروري في الاستدلال اعتبار العوارض المؤثرة في الحكم سواء كانت في الدليل ذاته، أو مؤثرة في تنزيل الدليل على الواقعة، وفي هذه المسألة الكثير من العوارض التي يجب التنبه لها عند الحكم المطلق على العلمانية بالكفر من دون تفريق بين كون المسألة دائرة بين العَقَدي الغيبي الحتمي (وغالباً ما يكون في دائرة الأفراد) وبين الفقهي الاجتهادي العملي (وغالباً ما يكون ظاهراً في الحياة المدنية) ومجاله السعة وتعدد الآراء، ومحاولة جعل العلمانية حكماً بغير ما أنزل الله تعالى أو شركاً في عبادته، يحتاج إلى تفصيل دقيق، يفرّق بين القادر وغير القادر، والعالم وغير العالم، والمكره وغير المكره، والغالبية المسلمة والأقلية، ثم هل كل القوانين المدنية التي تضعها المجالس التشريعية العلمانية كفر وصدام للدين أم إن أكثرها من القضايا الحياتية التي تمليها مصالح الناس «وهم الأعلم بأمور دنياهم»، وغالب الأمم العلمانية مع دعوتها إلى الحرية إلا أنها لا تصادر اختيار الأمة لتشريعاتها والإطار الأخلاقي لها، وقد كان الدين حاضراً في أشكال مختلفة في أعرق العلمانيات المعاصرة من دون محاربته، وهذا ينفي فكرة التلازم بين الإلحاد والعلمانية التي روجها الكثير من المفتين، وأشير هنا إلى دراسة الدكتور أحمد كورو (العلمانية. وسياسات الدولة تجاه الدين، ترجمة ندى السيد، الطبعة الأولى 2012، الشبكة العربية للأبحاث والنشر) وهي دراسة مهمة تبين أن البعد الديني حاضر في سياسات الكثير من الدول العلمانية، بنسب وتعاطي مختلف، وعنيت الدراسة بثلاث دول هي: الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وتركيا، أما الشعوب الإسلامية التي حُكمت بالعلمانية فليس من الصحيح الحكم عليها بالكفر ولو من حيث الأوصاف، فالمستعمر الغربي فرضه عليها وجعل بعض اللادينيين سدنة لهذه النظم، والرضا بها لأجل التغيير لا يعني الرضا بالكفر الذي يطلقه البعض على هذه الأنظمة، حتى لو اختلفنا في أيهما نبدأ بإصلاح الأمة أولاً أو إصلاح الدولة، فالأمور على القدرة حتى لو كان هناك علم بعدم جواز الفعل مثل بيع الخمور والربا، وقديماً التمس ابن تيمية العذر للنجاشي فقال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فصفهم صفوفاً وصلى بهم صلاة الجنازة مع أن النجاشي لم يكن دخل في أكثر شرائع الإسلام، فلم يهاجر، ولم يجاهد، ولم يحج، بل قد روي أنه لم يكن يصلى، ولا صام، ولا زكّى، لأن ذلك كله كان يظهر عند قومه فينكرونه، ولا تمكنه مخالفتهم، ومعلوم قطعاً أنه لم يكن يحكم بين قومه بما أنزل الله خوفاً منهم لأنهم لا يقرونه على ذلك» (منهاج السنة، تحقيق محمد رشاد، طبعة جامعة الإمام، 5/ 112).
رابعاً: هل العلمانية الكافرة – كما يسميها بعض العلماء – سبب للخراب والانحلال والفجور؟ أم إن أذرعتها الليبرالية الفكرية والديموقراطية السياسية قد تكون في بعض الدول ذات الشعوب الإسلامية، سبباً لمدافعة الأحزاب الناقمة على الإسلام، ومقاومة لها من خلال حرية المشاركة السياسية والتعبير عن الرأي؟ وفصل الدين عن الدولة في مثل هذه الحالات هو لمصلحة الدين بامتياز، وإلا كانت هيمنة تلك الدول على المجال العام تقييداً للحريات وتدخلاً في الأخلاق الشخصية وتحكّماً في الضمير الفردي، كما أن العلمانية التي لا تتدخل في المجال الديني وتهتم بالسياسة وفق تشريعات عرفية وأخلاقية قد تكون المخرج الصحي لأزمات الدول ذات الطابع التعددي كلبنان والهند وعدد من الدول الأفريقية.
وقبل الختام… ينبغي التذكير بأن إثارة هذا الموضوع ليس دفاعاً عن العلمانية أو تمريراً لأفكارها، خصوصاً بعدما أصبحت في بعض المجتمعات أداةً انتهازية ومعقلاً لعبيد الرأسمالية، بل الغرض من ذلك محاولة إعادة النظر في مفهوم العلمانية وتفكيك الأغلوطات المنهجية التي اكتنفت معناه وإسقاطاته خلال العقود الماضية، مع الحاجة إلى إعادة النظر في الفتاوى والخطاب الديني الذي جعل هذه المسألة مصيرية وقضية مفاصلة لا تقبل المهادنة، كما أن من الضروري حماية المجتمع المسلم في تلك الدول العلمانية من هجمات المكفّرين أو استغلال المحرضين بسبب انتمائهم إلى دولة علمانية، وتجفيف منابع الاستغلال العاطفي الذي يقع ضحيته الشباب عندما يكفرون مجتمعاتهم ويرفعون السيف على أوطانهم بسبب خطاب المغالاة في خطر العلمانية وكفرها (كما يفعل «داعش» على سبيل المثل)، وسيبقى هناك من يحاول توظيف هذا النقد في شكل سلبي ويصنفه في خانة أعداء الأمة، وهذا إن حصل فإنه لا يبرر توقف النقد ومعاودة التفكير لتلك المفاهيم، على رغم كمية الألغام التي تكتنف هذا النوع من المراجعات.
المصدر: صحيفة الحياة

المقالة تعبّر عن رأي كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع




العلويون في تركيا.. الإسلام التركي والعلمانية النابذة

حوارات – بقلم: د. عقيل محفوض –

العلوية، وهذا تعريف مؤقت، هي أحد المذاهب أو المدارس الدينية في الإسلام، وتمثّل تسمية <علويين> غطاء لعدد كبير من الجماعات الدينية الشيعية، ويشكلون (5203) من السكان. معظم العلويين هم إثنياً ولغوياً أتراك انحدروا من وسط وشرق الأناضول وأطلقت عليهم عدة تسميات من قبيل القزلباش (Kizilbash) والبكتاشية (Bektashi) والتهتاجية (Tahtaci) فضلاً عن تسميات أخرى لها طابع إثني مثل الزاز (Zaza) إلخ، ويشمل مسمّى العلوية جماعات عدة متباينة مثل: الأتراك والعرب والأكراد والتركمان (Turkomans) واليورك (Yoruk) والتهتاجي (Tahtaci) وتختلف نسب توزعهم الإحصائي بين الانتماءات المذكورة، غير أن المتفق عليه أن أكثرهم من الأتراك ويليهم الأكراد. ويواجه العلويون مشكلات عديدة، ذلك أن مفهوم الهوية لديهم غير محدّد أو متفق عليه بينهم، كما أن التوزع أو التنوع الإثني العرقي واللغوي يُوَسِّع دائرة الجدال الداخلي بينهم (وفي تركيا عموماً) حول أولوية الانتماء هل هي للأساس الديني أم للأساس الإثني؟

وقد واجه العلويون إقصاءً جغرافياً وسياسياً وبيولوجياً في فترة الدولة العثمانية التي لم تعترف بهم، بل قامت بحملات منظمة ضدّهم خلال عدة قرون، وقد دفعهم ذلك إلى تبني وتطوير نظام عقيدي وسلوكي بهدف الحفاظ على وجودهم الأمر الذي وصل بهم تاريخياً إلى طقوس دينية وتجليات ثقافية تختلف قليلاً أو كثيراً عن الطقوس الدينية والثقافية المعروفة تقليدياً في المجال الإسلامي.

مثلت الحركة الكمالية نقطة تحوّل هامة بالنسبة لهم، إذ أيدوا النظام العلماني للدولة الذي منحهم لأول مرة فرصة معاودة الاتصال بالبيئة الاجتماعية والسياسية المحيطة بهم، وأمسوا مواطنين كغيرهم، ولكنهم بحسب تقييمهم مازالوا مواطنين من الدرجة الثانية، لأن السياسة العامة تُمارس تمييزاً ضدهم في قضايا كثيرة على صعيد فرص العمل والإنفاق العام والخدمات ومواقع الإدارة، الأمر الذي دفعهم نحو اليسار السياسي. كما اتجه كثير من العلويين لبناء أو إعادة بناء هويتهم الخاصة في ضوء المفاهيم اليسارية والماركسية، أو لإحياء هوية دينية، وليس بالضرورة هوية إثنية بذاتها، يدفعهم إلى ذلك تنامي تهديد الأصولية الدينية السنية وضعف العلمانية ومحاباة النظام السياسي والدولة لقوى الإسلام السياسي على حسابهم، ولكن ثمة عامل أكثر حيوية أو جدية في الاتجاه نحو إحياء الهوية وهو ثورة المعلومات وانخراطهم المستمرّ والمكثف بالعالم.

العلويون في تركيا
العلويون في تركيا

لا تعترف الدولة بالعلويين كجماعة دينية، وبالتالي فليس لديهم، كعلويين، صلات جوهرية مع المؤسسات الرسمية، ولكن ثمة استثناءات إذ تذكر الباحثة إيما سنكلير ويب (Emma Sinclair Webb) أن المسؤولين الأتراك يشاركون منذ فترة قصيرة في الاحتفالات الدينية للعلويين، خصوصاً في إحياء ذكرى <حاجي بكتاش> وهي <أكبر حدث منفرد عند الأقلية العلوية في تركيا>، تقول سنكلير ويب:
<في السنوات الأخيرة ولا سيما بعد الأحداث المأساوية التي شهدتها سيفاس في تموز/يوليو (1993) دأب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وممثلو الأحزاب السياسية الرئيسة على حضور هذا النشاط الذي يستمر ثلاثة أيام بانتظام. ومن خلال التغطية الواسعة التي يحظى بها من وسائل الإعلام الكبيرة... ارتقى النشاط بمعنى ما إلى مصاف <الوطني>، وهي عملية تمثل جانباً واحداً من تنامي حضور العلويين والعلوية في الحياة العامة في تركيا الحديثة>.

ولكن مع ذلك تُعتَبَر المساجد وأماكن النشاط الديني الأخرى الخاصة بهم ك<بيت الجمع> غير قانونية من وجهة النظر الرسمية، وفي ضوء ذلك حاول عمدة اسطنبول عن حزب الرفاه (السابق)، بصورة غير مباشرة، إغلاقها! وعلاوة على ذلك، فإن الحكومة لا تقدم أي معونات أو مرتبات لرجال الدين والمؤسسات الخيرية الدينية للعلويين، وليس لديهم أي ممثل في إدارة الشؤون الدينية التي تمولها وتشرف عليها الحكومة. وهكذا فإن العلويين يفتقدون للحماية القانونية لحقوقهم أكثر من الجماعات الدينية الأخرى غير المسلمة، ومصدر القلق الأساسي لديهم هو عدم توافر الإرادة السياسية والقدرة لدى السلطات للاعتراف بهم كجماعة دينية وحمايتهم من المضايقات وأشكال الإساءة التي يتعرّضون لها من قبل جماعات التطرف الديني والمذهبي.

العلويون في تركيا
العلويون في تركيا

الهوية

تطرح الهوية العلوية نفسها جزءاً من الهوية الكلية للمجتمع والدولة في تركيا، ولذا فهي لا تعتبر نفسها هويةً كلية أو بديلة للهوية العامة أو الهويات الفرعية، وهي لا تُعارض المشروع العلماني من حيث المبدأ. وقد كانت المسألة العلوية من المسائل <المسكوت عنها> في السياسة التركية لفترة طويلة، ولم يتكرر ذكرها إلا في سياق توتر العلاقة بين الإسلام والدولة كون ذلك يحيل، حسبما درجت وسائل الإعلام والكتابات السياسية، إلى المسألة المذهبية في تركيا، خصوصاً أن النسيج الإسلامي مكوّن من جماعتين دينيتين رئيستين هما السنة والعلويون. وحتى فترة قريبة، لم يُنظَر إلى الهوية العلوية في تركيا كحالة مذهبية، وإنما كحالة سياسية علمانية، لأن العلويين نشطوا مع الحركة الكمالية في لحظتيها الرئيستين لحظة حرب الاستقلال ولحظة بناء <الدولة الأمة>، وقد أصبح العلويون منذ ذلك الحين مؤيدين شديدي الحماس للعلمانية السياسية. وسبق أن ذكرنا أن الهوية العلوية هي هوية دينية في سياق الإسلام الشيعي، وهذا يُحيل بصورة مباشرة إلى فرضية أو واقع التنافس العلوي السني في تركيا بدلاً من صيغة التنافس أو الصراع العلماني الإسلامي، وهي الصيغة الأكثر شيوعاً، على الرغم من أن الصيغة الثانية تحيل إلى الصيغة الأولى، لدى المتشددين على الأقل. وسيكون من المهم القيام بمراجعة أولية للكلام السابق، ذلك أن الحال تتطلب توسيع قاعدة الهوية ومصادرها فلا تقتصر على الشيعة أو على كون العلوية طريقة صوفية بالأساس تجلت بصور شتى في تركيا وغيرها. إذ تتحدث بعض الدراسات عن أن العلوية تعود إلى أصول ثقافية شامانية (Shamanism) في البعد أو المعنى الاجتماعي على الأقل، وهو ما هيأ لها الارتباط بأصول مشتركة أو <واحدة> مع الأتراك، وقد ذكرنا سابقاً أن أكثر الجماعة العلوية في تركيا هي من الأتراك. وذهب المنظر القومي التركي ضياء كوك آلب (Zia Gokalp) (6781 4291) إلى اعتبارها <الدين القومي للأتراك>. وقد برزت المسألة العلوية في إطار سياسي وأصبح من الصعب تغيير الصورة، وتتجلى الرؤية الإيديولوجية من خلال الدراسات التركية التي تحدّدها وفق الخطوط العامة التالية:

– تأكيد فرادتها في إطار الإسلام أو اعتبارها مدرسة تأويلية وغير معترف بها من قبل المذاهب التقليدية في الإسلام.
– تعريفها وتأكيد مطابقتها للعلمانية التركية.
– تعريفها كنظام قيم فلسفي إنسي، وإيديولوجيا لا دينية (Nonreligious)، ببعدها الفلسفي الصوفي، حسبما يفعل الدارسون الإنسيون (Humanists).
– قراءتها قراءة ماركسية وتعريفها بالأبعاد الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية حسبما يفعل الدارسون اليساريون الماركسيون.

الإسلام التركي

ومن الملاحظ الحضور المبالغ فيه للبعد (أو المعنى) السياسي في تحديد هوية من المفترض أن تكون دينية وصوفية بالأساس، ويبدو أن لذلك مبررات تاريخية، لا تخصّ الجذر الثوري للإسلام الشيعي فقط، وإنما أيضاً مبررات تخصّ الأتراك أنفسهم ذلك أن حاجي بكتاش ولي (Haci Bektaci Vale) الذي تُنسب إلية شريحة كبيرة من العلويين وتُعرف باسم البكتاشية (Bektasi)، كان قائداً ثورياً، وهو الذي حمى الأتراك من أن يتعربوا (Arabization) أو أن يصبحوا إيرانيين (Iranization) وثمة من يعتبره قديساً ومبشراً بالإنسية الدهرية أو العلمانية، وهو ما أعطى طريقته انتشاراً واسعاً من البلقان إلى آسيا الوسطى. وتتعدد الآراء بشأن الهوية العلوية التي تعتبر هوية مركبة متعددة، سواء في بعدها الديني الإسلامي والثقافي الآسيوي الشاماني والدهري أو في بعدها التركي، حسب ما تؤكد الخطابات القومية التركية.

إن الهوية العلوية على الرغم من أبعادها التركية التاريخية، إلا أنها سابقة على التشكل القومي التركي، إذ كان ثمة دين ومجتمع علوي قبل ذلك، كما أن ثمة خصوصية ثقافية للهوية العلوية تميّزها عن الإسلام التقليدي. وقد طوّرت الجماعة العلوية في الأناضول، في بعض الحالات، طقوساً وشعائر وأنماطَ سلوك محلية واعتقادات تتمثل عناصر من أديان وثقافات وحضارات عديدة، وهذا أمر يمكن تفهمه على اعتبار أن الأناضول كانت تتقاطع فيها أديان وثقافات كثيرة.

Alevis4

إتجه العلويون إلى إعادة تعريف وتحديد هويتهم، تجلياتها على الأقل، حسب تغير الظروف التاريخية للإمبراطورية العثمانية وتركيا الجمهورية. وهذا يعني أن تشكلهم كان يستجيب لتغيرات سياسية بصورة واضحة، ولذا فقد تناول الدارسون الهوية العلوية، كما ذكرنا، كمصطلح سياسي يرتبط بمشروع تركيا كدولة أمة وليس كدولة <ملل>، لأن نظام <الملل> لم يكن يعترف بها. وإذن، فقد تطورت الهوية العلوية مع ظهور القومية في الإمبراطورية العثمانية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث حاول المثقفون تمييز الأتراك عن العثمانيين من خلال كشف <الإسلام التركي>، وبعد إعلان الجمهورية التركية اعتبرت التنظيرات القومية والدولتية العلمانية أن العلوية (Alevilik) هي نموذج للإسلام القومي المعلمن (Secularized)، ولكن تزايد الاستقطاب السياسي في مرحلة الستينيات والسبعينيات فأصبحت الهوية العلوية يسارية الطابع، وتبنى كثير من العلويين الإيديولوجيا الماركسيةَ في مواجهة إيديولوجيا اليمين القومي المتطرف والإسلام السياسي الصاعد، وشهدت الصراعات درجات عالية من العنف والدموية توّجها الجيش بانقلاب عسكري وبسياسات إثنية متسلطة. وقد شكلت الانقلابات العسكرية المعادية لليسار، خصوصاً انقلاب (1980) ذا الطبيعة الدينية الواضحة صدمة للعلويين العلمانيين الذين شعروا أن الدولة تتأسلم بصورة متسارعة، وبالتالي فهي تضطهد اليسار لأسباب تحال إلى الأصول الاجتماعية والمذهبية لأتباعه، وليس فقط لأسباب سياسية وإيديولوجية! وقد لاحظت كاثرينا رودفيري (Catherina Raudvere) طبيعة التجاذبات السياسية في تركيا وتداعياتها على مسألة الهوية في دراسة لها عن مدينة اسطنبول، وتعتبر رودوفيري أن الهوية العلوية تتطور في اسطنبول بسبب ظروف سوسيوسياسية، إذ تتنافس المنظمات العلوية والسنية في الأحياء الفقيرة والمَهَاجِر المحيطة بالمدن لملء الفراغ الإيديولوجي من خلال شبكات دعم وعلاقات مادية وخدمية وإيديولوجية. وهذا يعني أن الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية والضغوط السياسية من قبل اليمين والمؤسسات الأمنية والإسلام السياسي تدفع الهوية العلوية للتشكل بصورة أكثر حذراً وتوتراً، ويبدو أن ثمة اتجاه لإعطاء الهوية بُعداً دينياً وثقافياً أكثر، بعدما شعر العلويون بتغيير طبيعة الدولة وتراجع اليسار وهزال العلمانية وتصاعد الأسلمة، الأمر الذي يفسر اهتمامهم بإنشاء مراكز بحثية دينية وثقافية ومؤسسات في الشتات (في أوربا) تقوم بدراسة العلوية، فضلاً عن اهتمامهم بتكثيف جهودهم وحركاتهم المطلبية بشأن الهوية وتغيير السياسة العامة تجاههم وإعطائهم وضع الجماعة الدينية المعترف بها، والإنفاق على مؤسساتهم الدينية وتشكيل هيئة شؤون دينية على غرار هيئة الشؤون الدينية الإسلامية السنية أو المشاركة بها.

جدلية التوحّد الانقسام المذهبي

يبرز الجدل والصراع المذهبي في تركيا بين الجماعتين الكبريين وهما السنة والعلويون، ولكن ذلك يتخذ أحياناً مسمّى الصراع بين العلمانيين والإسلاميين وحتى بين اليسار واليمين، خصوصاً أن الجماعة العلوية تتبنّى بصورة واسعة الآراء العلمانية واليسارية في حين أن الجماعة السنية تتبنّى بصورة متزايدة الآراء الدينية والمحافظة، وقد تجلى ذلك الصراع بصورة واضحة في فترة حكومة <الجبهة الوطنية> (13 آذار/ مارس 1975) بزعامة سليمان ديميريل وبمشاركة ألب أرسلان توركيش (Alparsalan Turkes) حيث مارست الحكومة والقوى الدينية السنية المتطرفة أعمال عنف ضد العلويين بمحاكاتهم بالشيوعيين. ويذكر فيروز أحمد أن الحكومة تواطأت مع اليمين المتطرف والإسلاميين في الصراع الأهلي مع اليسار والذي اتخذ كما ذكرنا شكل صراع مذهبي بغطاء سياسي، وإن المذابح التي قامت بها <الذئاب الرمادية> هي الذراع العسكري ل حزب العمل القومي (NAP) المشارك في الحكومة المذكورة كانت تتم تحت مقولات وشعارات يمينية دينية معادية لليسار ومركزة على العلويين، وهو ما اعتبره المناضل اليساري تسليم توره جزءاً من سياسة النظام السياسي والدولة التركية من أجل تحريك النزعات المذهبية الطائفية واستخدامها بصورة قصدية لإشغال الناس بنزاعات تفتيتية، بمواجهة مطالب الشعب في التحرر من التسلط والدكتاتورية وبناء دولة وطنية تعدّدية.

ولكن التوتر في العلاقات المذهبية لا يتعلّق بأعمال العنف فقط ولا بكون الجماعة العلوية يسارية النشاط والفعالية فحسب، وإنما أيضاً بالذهنية السياسية للنظام والدولة في تركيا، إذ يعتبر العلويون أن الجمهورية التركية ورثت بعضاً من عُقَد الدولة العثمانية، وخاصةً تجاه الجماعات الدينية المسلمة غير السنية والجماعات غير المسلمة.

وثمة آراء متشدّدة بشأن الجماعة العلوية لدى الأحزاب الدينية مثل حزب الرفاه (السابق ووريثه حزب العدالة والتنمية) والمؤسسات الدينية الأخرى كرئاسة الشؤون الدينية (وهي بمثابة وزارة للأوقاف الإسلامية) ومجلس الإفتاء، وهذا أمر يمكن تفهمه باعتباره امتداداً لصراعات تاريخية ودينية، وأما موقف مؤسسات الدولة الأخرى فإن ثمة <تجاهل> قصدي للمطالب العلوية في التمثيل في رئاسة الشؤون الدينية أو بتشكيل هيئة تمثيلية لهم تضمن حقوقهم الثقافية والدينية. وتتخذ المسألة أبعاداً سياسية واجتماعية متزايدة ليس فقط بسبب التشكل اليساري اليميني أو العلماني الإسلامي للصراع العلوي السني، وإنما أيضاً لأسباب أخرى مثل التغيرات الديمغرافية والاحتكاك الاجتماعي والمنافسات المحلية، يقول الباحث الإسلامي التركي علي بولاتش:

<إن الإثنيات والمذاهب المختلفة التي كانت تعيش سابقاً في الأرياف، فيما يشبه الغيتوات، بدأت نتيجة الهجرة تعيش في المدينة والأحياء الجديدة، بصورة مختلطة... وبدأت في المدن حياة ذات ثقافات متعددة. وتداخل العربي والكردي والعلوي والسني وظهرت مشكلة العيش معاً>.

غير أن التغيرات الديمغرافية أتت سريعة بفعل عوامل عديدة أبرزها سياسة الحكومة بشأن تهجير الأكراد والجماعات النشطة من الأرياف إلى المراكز المدينية، بحيث تسهل مراقبتها وضبط حركيتها السياسية والمطلبية، إلا أن ضعف السياسة الحكومية واهتزاز مفهوم الدولة والسياسة العامة والتنافس داخل الطبقة السياسية الحزبية وتنامي الولاء الديني السياسي أبرَزَ مشكلات جديدة أمام التجمعات المدينية المتضخمة وأمام التعايش المتعدد والمشترك والسلم الاجتماعي. لقد أصبحت المدن والمناطق الحضرية تعددية أكثر فأكثر واعتبر المدينيون الأتراك السنة أن الريفيين الأكراد (والعرب وغيرهم إلخ) من العلويين (والسنة وغيرهم إلخ) يزاحمونهم على السلطة والنفوذ والموارد، كما أنهم يطرحون أنماط عيش لم تتخذ شكل صراع تركي كردي أو سني علوي دوماً، وإنما كانت تتخذ شكل صراع اجتماعي وثقافي وطبقي بسبب الفروق في الأصول الاجتماعية ومستوى المعيشة بين المراكز الغنية والمنفتحة على الحداثة والرفاهية وبين الأطراف الفقيرة والمنغلقة ومتدنية مستوى المعيشة والمتخوّفة من الحداثة. وقد حرك ذلك مخاوف المكانة لدى المركز التركي (والديني) الذي رأى أنه، وباعتباره المركز، فإن على الآخر الطرفي والهامشي، حتى لو كان كبيراً وكثيراً، أن يتكيف معه لا أن يقترب منه أو يساويه، وهكذا زادت التوترات الاجتماعية ذات الإطار الاجتماعي والعرقي والمذهبي في السنوات الأخيرة، خصوصاً مدينة اسطنبول، حيث تتنافس المرجعيتان المذهبيتان (السنية والعلوية) على فرز واستقطاب الناس في أطر اجتماعية وسياسية انتخابية، الأمر الذي أثار موجات عنف في منتصف تسعينيات القرن العشرين، خصوصاً في آذار/ مارس 5991، وينطوي ذلك على تحول جوهري في السلوك السياسي إلى السلوك المدني والحقوقي.

Alevis_prayer

وينبغي أن ينعكس ذلك على طبيعة المنافسة السياسية الدينية أو ما يُسمَّى الصراع المذهبي وهو ليس صراعاً بقدر ما هو تجاذبات تعبر عن حالة طبيعية أو تاريخية بين جماعتين ثمة فروق عديدة بينهما. وأما التركيز على الصراع المذهبي فهو من باب التضخيم القصدي سواء الإعلامي أو السياسي تقوم به شريحة واسعة (من الطرفين وإن لم يكن بصورة متساوية) لا يفيدها السلم الأهلي والتعايش الديني.

*النص جزء من كتاب للمؤلف بعنوان “جدليات المجتمع والدولة في تركيا” الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.




العلمانية وكونية التاريخ؛ دراسة حول كتاب: “العلمانية من منظور مختلف” لعزيز العظمة

الملخص:
حاول عزيز العظمة دراسة العلمانية من منظور تاريخي واجتماعي وفكري، ضمنإطار تحليل عام لمسار التاريخ العربي في سياق التاريخ الكوني. وهنا لا يفصل التاريخ العربي وأحداثه عن أحداث التاريخ العالمي، وبالتالي لا يمكن عزل أحداث فكرية واجتماعية أو سياسية تخص تاريخ منطقة العالم العربي عن مميزات التاريخ الكوني. ومن هذه النظرة للتاريخ، ينطلق المؤلف في دراسة مسألة العلمانية داخل العالم العربي كحدث مرتبط بمسار التاريخ الكوني. ففي مقدمة كتابه، يؤكد ذلك بقوله: “جعلنا هذا الكتاب دراسة تاريخية واجتماعية وفكرية للعلمانية في الوطن العربي، مشرقاً ومغرباً، في إطار تحليل عام لمسار التاريخ العربي في سياق التاريخ العالمي الحديث، بعد مناقشة ومساءلة معطيات التاريخ الأوروبي لإبراز تنوع العلمانية، وأنماط ارتباطها الفعلية بالدولة وبالدين، ودراسة لحظات من تراثنا نبرز فيها حقيقة علاقة الدنيا بالدين في مجالات السياسة والتشريع وبناء المؤسسة الدينية ودورها”.
من خلال هذه النظرة التي حكمت المؤلف في دراسته لمسألة العلمانية في الوطن العربي، يمكننا التساؤل حول دلالة مفهوم العلمانية لديه؛ فهي بالنسبة له شأن بالغ التعقيد والتنوع، ومن المستحيل الكلام حوله دون الرجوع إلى التاريخ ووجهته الكونية العامة، وبالتالي فهي غير متعلقة بأسس مزعومة للمسيحية أو بالسلطة الدينية.

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا