الإصلاح الديني وعقلانية التصوف

بقلم: حسن محمد شافعي — تبدو حاجة الإنسان إلى الدين فطرية باعتبار أن حاجاته لا تتوقف عند حد إشباع الغرائز الطبيعة؛ بل تتجاوزها إلى البحث الدؤوب عن الأمن النفسي المستلهم من الاتصال بالذات العليا المقدسة التي يلجأ إليها في مواجهة تحديات قسوة الطبيعة المادية ونزعات الشر داخل النفس البشرية.
إن تكوين الإنسان العقلي يفرض عليه الإجابة عن بعض التساؤلات الوجودية حول العالم ومصير الإنسان؛ وهي تساؤلات ميتافيزيقية تسعى الأديان إلى الإجابة عنها. فالدين مجال الحياة الروحية التي تمثل قدراً مشتركاً بين البشر. إلا أن نمط التعبير عنها يختلف باختلاف الحضارات عبر العصور، فالدين هو القيمة المضافة إلى حياة البشر من أجل التسامي عن الطبيعة المادية للإنسان لتكريس منظومة من القيم تضفي على حياته بعداً حضارياً.
لذلك؛ يقول مالك بن نبي: «ولدت الحضارات في ظل المعابد». والحضارة الإسلامية حظيت بنصيب وافر من الاعتناء بالحياة الروحية نظراً إلى طبيعة الدين الإسلامي، إلا أنها في باكورة البعثة النبوية لم تكن في حاجة إلى تصنيف العلوم الإسلامية لوجود الرسول (صلى الله عليه وسلم) في مرحلة تأسيسها. بيد أنه مع اتساع رقعتها وتطور الزمن وما حمل من تحديات جديدة؛ تولَّدت الحاجة إلى علوم جديدة تنظم للناس أمور دينهم ودنياهم. ومن بين تلك العلوم؛ نشأ التصوف كعلم يعتني بالحياة الروحية لدى المسلمين. فالتصوف في تاريخ الفكر الإسلامي هو العلم الذي جل اهتمامه البحث عن وسائل تزكية النفس وصفاء الداخل من أجل الوصول إلى مقام الرضا الإلهي الذي يجلب السِلم الروحي والعقلي.
وفي سبيل تحقيق هذا الأمر يمر المتصوف بمراحل من المجاهدة النفسية لترتقي روحه ويصفي قلبه. وهكذا عرَّف بِشر الحافي الصوفيَ بأنه هو من صفى قلبه لله. فالوجدان أو بمعنى أدق القلب هو محل اعتناء التصوف ومعيار التقدم والتراجع. ويمثل الزهد أبرز مفاهيم التجربة الصوفية؛ إلا أنه محل اختلاف من حيث مفهومه وغايته في النماذج الحضارية. فهو عند ماكس فيبر؛ الأخلاق الكالفينية البروتستانتية التي أسست للرأسمالية الغربية. فالزهد بمعناه الإجرائي وظَّفه ماكس فيبر كوسيلة للتنظيم العقلاني للمجتمع هدف تحقيق غاية مادية، هو سلوك جيّد يدفع إلى العمل وتقديسه. والانضباط فيه هو شرط ضروري للرأسمالية العقلانية، وهذا يتسق مع رؤية ماكس فيبر للدين باعتبار أن غايته هي في الأغلب اقتصادية. الزهد بالمعني التجريبي، هو افتقاد. أما بالمعنى الديني المقاصدي، فهو امتلاك الإنسان قوة الإرادة التي تحرره من أن تمتلكه نوازع النفس أو أن يستعبده الغير.
فإلى أي مدى ينعكس هذا المنحى الصوفي على النظر العقلي في الفكر الإسلامي؟ وهل للعقل دور في التجربة الصوفية باعتبار أن الوجدان يشكل مرتكزاً مهماً لها؟ في هذا السياق طرحت مدرسة الإصلاح والتجديد رؤية نقدية لإصلاح الفكر الديني كان لروادها نزعات صوفية تتفاوت درجة تأثيرها من واحد إلى آخر؛ أمثال جمال الدين الأفغاني والسيد محمد رشيد رضا والإمام محمد عبده الذي عبر عن هذه الرؤية بأنه «يجب تحرير العقل من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف هذه الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعه الأولى، والنظر إلى العقل باعتباره قوة من أفضل القوى الإنسانية، بل هي أفضلها على الحقيقة». إلا أن سبيل تحرير العقل عند الإمام محمد عبده يستند بالأساس إلى التكوين القلبي السليم: «إن أول مبدأ يجب أن يكون أساساً لتحلية العقول بالمعلومات اللطيفة والنفوس بالصفات الكريمة هو التعاليم الدينية الصحيحة؛ أعني ترغيب القلوب في ما يرضي الخالق وإذهابها مما يغضبه».
وتعرض الإمام أبو حامد الغزالي إلى إشكالية العلاقة بين العقل والوجدان في التجربة الصوفية فرأى أن ثمة ثلاث مراحل لاستيفاء شروط المعرفة الصوفية أولاها تحصيل العلوم وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها من طريق العقل. والثانية الرياضة الصادقة. والثالثة هي التفكر، وهي ذروة التجربة الصوفية التي يجمع الصوفي فيها بين عقلانية الفكر وصوفية السلوك ويصير عالماً عاقلاً ملهَماً.
بيد أن الغزالي لا يقصر مهمة العقل في تحصيل العلوم وملكة التفكر، إذ يرى له مهمة بالغة الأهمية في التجربة الصوفية وهي الحكم النقدي على التجارب التي انحرفت عن الطريق السليم؛ وتقويمها. فالتجربة الوصفية عندما تستوفي مسارها الصحيح تولّد لدى الفرد عقلانية نقدية تعمق رؤيته الفلسفية؛ إلا أنها تتقاطع مع التفكير النقدي عندما يتم التعاطي مع القضايا العقلية بالحدس القلبي فقط. وهو ما يؤدي إلى أن تتحول الرؤية العقلية إلى انطباعات وجدانية ذاتية تفقد الجهد في التحليل المنهجي المؤسس على مقولات المنطق من أجل بلوغ رؤية موضوعية. فمثلاً؛ عندما يختزل توصيف حدث ما بمقولة الفتنة فقط هو تفسير وجداني يبحث عن حكم نهائي قيمي يفتقد التحليل الاجتماعي والسياسي وينمي نزعة العزلة التي تكرس ذلك الواقع. ومن ثم لا تبدو العزلة وسيلة للارتقاء النفسي من أجل إصلاح الواقع ومحاولة تغييره؛ بل هي ملاذ بديل لتجاوز معاناة المجاهدة الفكرية والاجتماعية التي يتطلبها الإصلاح.

المصدر: صحيفة الحياة




العلويون بين التقية والعرفان الفلسفي

بقلم: د. هيثم مزاحم – قليلة هي المصادر الموثوقة التي تتحدّث عن المذهب العلويّ، وذلك لأنّ المعادين لهم يتّهمونهم بالباطنيّة والغلوّ، ويعدّونهم فرقة كافرة تدّعي الإسلام تقيّة لكنّها تبطّن الكفر، وهو ما يعتبره العلويّون افتراءات، بينما يحاول العلويّون والشيعة المؤيّدون لهم تصويرهم كشيعة إثني عشريّة يؤمنون بمذهب أهل بيت النبيّ، وهو أمر لا يعبّر في شكل كامل عن حقيقة العلويّين كفرقة مستقلّة تنتهج الطريق العرفانيّ والفلسفيّ والتأويل الباطنيّ للقرآن، ولا تكتفي بالتفسير الظاهريّ له.

قبل شهرين، نشرت وثيقة نسبت إلى مجموعة علويّة تميّزت بجرأة في الموضوع الدينيّ أكثر من جرأتها السياسيّة، إذ دعت إلى إنهاء التقيّة وشدّدت على استقلال العلويّة كإسلام ثالث، هو الإسلام العرفانيّ، واعتبرت أنّهم ليسوا من الإسلام السنّي النقليّ، الذي يعتمد على أحاديث النبي، ولا من الإسلام الشيعيّ الذي يعتمد على العقل في تفسير النصوص الدينية، مؤكّدة على التمايز عن الشيعة في المعتقدات والطقوس.

يقول الباحث الدينيّ العلويّ السوريّ أحمد أديب أحمد، في حديث خاصّ إلى “المونيتور”: “نهجنا العلويّ يتميّز عن المذاهب الأخرى بمفهوم العبادة التي تركّز على المعرفة والدراية، لا على التشريع والرواية، فنحن ندرك أنّ العبادة لا تتحقّق إلّا باقترانها بمعرفة الله”.

كما رفضت الوثيقة حديث الفرقة الناجية الذي يقول “تفترق أمّتي على ثلاثٍ وسبعين ملّة، كلّهم في النّار إلا ملّةٌ واحدة”، إذ تدعي كل فرقة أنها الناجية، فتحتكر النجاة وتكفّر الفرق الأخرى. بينما تؤكد الوثيقة أن إيمان العلويّين بفكرة وجود الأخيار في كلّ الأديان والمذاهب. لكنّ أحمد يقول إنّ “لا أحداً يمكنه رفض فكرة الفرقة الناجية في حديث رسول الله، لكنّ الإيمان والنجاة وفق نهجنا لا يرتبطان بالانتماء الطائفيّ في شكل ضيّق، بل بالولاء الخالص، لذلك نقرّ بوجود رجال اختصّهم الله لإعلاء كلمته في أيّ مكان”.

ينتسب العلويّون إلى الإمام علي بن أبي طالب (599-661م)، ابن عم النبيّ محمّد وصهره، والخليفة الراشديّ الرابع. وقد عرفوا سابقاً بالنصيريّة نسبة إلى محمّد بن نصير (توفّي في عام 873م)، ويقولون إنّه أحد أصحاب الإمامين الهادي والعسكريّ، وإنّه “باب” الإمام المهديّ، بينما ينفي الشيعة ادّعاءهم.

نشأ المذهب العلويّ في العراق، ثمّ انتقل إلى حلب في سوريا في ظلّ حكم سيف الدولة الحمدانيّ الذي كان علويّاً ساعد على انتشار دعوة العلويّين، حيث كان يتبع أحد كبار علمائهم الحسين بن حمدان الخصيبي (874-961م)، مؤسّس طريقة ممارسة الإيمان العلويّ.

تعرّض العلويّون للاضطهاد على أيدي الدول الأمويّة والعبّاسيّة والمملوكيّة والعثمانيّة، التي نفّذت مجازر ضدّهم بعد احتلالها بلاد الشام في عام 1516م، ممّا جعلهم يفرّون إلى جبال اللاذقيّة بعد مجزرة حلب الكبرى حيث قتل الآلاف منهم.

وأعطت فتاوى الشيخ تقي الدين ابن تيمية (1263 –1328) التي كفّرت الشيعة والعلويّين والدروز والاسماعيليّين، المبرّر الدينيّ للسلطات المملوكيّة والعثمانيّة لتكفير العلويّين وقتلهم.

ترك هذا الاضطهاد بصماته على المجتمع العلويّ، فلجأ العلويّون إلى التقيّة في الممارسة الدينيّة وإلى الأفكار القوميّة واليساريّة والعلمانيّة في العمل السياسيّ والحزبيّ.

تقول الوثيقة المذكورة إنّ “الباطنيّة العلويّة ليست منهاج إيمان سريّ”، بل هي إيمان بالسرّ الإلهيّ، هي طريقة لإدراك حقيقة الأسرار المعجزيّة للخلق، وليس لإخفاء الاعتقاد الدينيّ. يرفض أحمد الدعوة لإنهاء التقيّة لأنّ الإمام علي قال: “صن دينك وعلمك الذي أودعناك، ولا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، واستعمل التقيّة في دينك، وإيّاك أن تترك التقيّة التي أمرتك”. ويوضح أنّ السريّة “لا تعني إخفاء تعاليمنا عن الآخرين، بل تخصّ علوماً لاهوتيّة وأسراراً معرفيّة يبلغها خصوصاً الذين نذروا نفوسهم لله، ففتح عليهم وأمدّهم بمعارف باطنيّة فحفظوها من الوقوع في أيدي المارقين فيحرّفوها”.

يأخذ المسلمون على العلويّين أنّهم يؤلّهون الإمام عليّ، وهو اتّهام ينفيه العلويّون.

يقول أحمد إنّ الإمام عليّ هو الوصيّ وإنّ محمّداً هو النبيّ، والوصل بينهما لا يمكن لأحد أن يحدّده لقول رسول الله: “أنا من علي وعليّ منّي”، لكن الفصل يتمثّل في قوله: “ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي”.

يقول باحث علويّ مقيم في اللاذقية، طلب عدم الكشف عن اسمه لحساسية الموضوع لـ”المونيتور”، إنّه ليس هناك تأليه للإمام عليّ، وإنّ بعض العامّة العلويّين قد غالى في عليّ نتيجة الفهم الخطأ. ويضيف أنّ النظرة إلى محمّد وعليّ أبعد من النظرة التقليديّة، فهما تجلٍّ للخالق وجميع الرسل هم شخص واحد يظهر في أوقات مختلفة. فالرسالات ينابيع عدّة من مصدر واحد هو الله. ويكشف عن حصول بعض الخلافات بين العلويّين حول أمور فلسفيّة، ثمّ صار تقارب أكثر مع الشيعة الإثني عشريّة مع الشيخ سليمان الأحمد، مشيراً إلى بعض المشتركات مع الشيعة في العقائد الأساسيّة) التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، ويوم الحساب)، وبعض الاختلافات نتيجة البعد الفلسفيّ والصوفيّ لدى العلويّين.

يرفض أحمد فكرة أنّ الأنبياء هم شخص واحد ويقول: “الأنبياء في نهجنا ليسوا أشخاصاً بشريّين، بل هم أنوار الله”.

يؤمن العلويّون بتنزيه الله بكلّيته وتجلّياته، ويقول أحمد إنّ رؤية العلويّين لله تعبّر عنها آية النور القرآنية ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ..﴾، ورؤيتهم للتوحيد تعبّر عنها سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).

قالت الوثيقة إنّ العلويّين يؤمنون بتفسير باطنيّ لنصوص القرآن وليس بنصوص موازية له، مقرّة بأنّ العلويّين استقوا من باقي الأديان التوحيديّة (اليهوديّة والمسيحيّة)، وأنّ ذلك مصدر اكتمال وغنى لها. ويوضح أحمد ذلك بأنّ “للقرآن وجوهاً ظاهرة وباطنة نأخذ بها جميعاً”.

وعن الاستقاء من الديانات الأخرى، يقول أحمد إنّها “محاولة لتشويه نهجنا العلويّ واتّهامنا بإدخال الإسرائيليّات إلى معتقدنا وهذا محض افتراء، لكنّنا نؤمن بكلام موسى وعيسى وسليمان وداوود وكلّ الأنبياء، ونستشهد بأقوالهم ونلتزم بتعاليمهم، كالتزامنا بكلام الرسول وأهل بيته”.

يأخذ المسلمون على العلويّين إيمانهم بالتقمّص الذي يعتبرونه مخالفاً للإسلام. لكنّ أحمد يوضح أنّ “التقمّص لا يعني انتقالاً عشوائيّاً للنفس بين جسد وآخر من دون ترتيب، بل هو حقيقة دينيّة وعلميّة لدينا الكثير من الأدلّة عليها، وهذا لا يتنافى مع مبدأ الجزاء يوم القيامة ولا ينفي وجود الجنّة والنار، لأنّ العدل الإلهيّ يقتضي أنّ لا أحد منّا يستطيع أن يحقّق ذاته الكاملة، وأن يصفّي نفسه من شوائبها، في حياة واحدة، فبعد الوفاة تجزّى كلّ نفس بما قدّمت، وعند قيام الساعة، تكون الجنّة مأوى للمؤمنين، والنار مثوى للكافرين”.

خلاصة القول، مهما كانت عقيدة العلويين ومهما كانت خلافاتهم العقائدية مع السنة والشيعة، ينبغي احترام هذه الاختلافات وقبول العلويين كمسلمين كما يعتبرون أنفسهم، حتى لو كانت لهم رؤيتهم الخاصة للإسلام وتأويلهم الخاص للقرآن.

المصدر: موقع المونيتور




مقدمة إشراقيّة نحو أنسنة وجودية – الثقافة والحوار

Orient-magic

بقلم: الشيخ ابراهيم رمضان* — مقدمة إشراقيّة نحو أنسنة وجودية:

مسكين أنت أيّها الإنسان، فأنت الحاضر الغائب، حولك يدور كلُّ البحث وفيك تختبئ كلُّ الحقائق؛ وكلُّ من لا ينظر في داخل نفسه، فعبثًا يحاول الحصول على أجوبة؛ مصداقًا لشهادة جدّنا أمير المؤمنين عليه السلام:

دواؤك فيـك و مـا تبصرُ وداؤك منـك و مـا تشعرُ

وتـزعم أنـك جرم صغيرٌ وفيك انطوى العـالم الأكبرُ

فلو استنطق كلٌّ منَّا ذاته وألقى سمع قلبه إلى كينونته؛ لتكشّفت له المعرفة الحقّة، لا أقول بأبهى حُلة بل أقول كلّيَّة العُرْي.
لكن هذا الظهور غير المحتجب للمعرفة له مهر، وهو التجرّد والموضوعيّة، وما دام فيك شعرة من حبّ النفس الأَنَوية، فلن يُبْديَ لك الحق وجهه، ولن تبلغ حقيقة الحقيقة التي تجعل منك مرآة الإنسان كلّ الإنسان، فاهمًا للكل، ومُتَّحدًا في الكلّ، ومعبِّرًا عن الكلّ، ولا يبقى للاختلاف بين الكلّ معنًى إلاّ في حدود أطياف الألوان المتقابلة في جوهر مرآة ملونة.
أمّا مكْنَةُ هذا المقام فكونه ينطلق من بحث الأنسان إلى أنسنة البحث، فيعي الآخر بأن يكونه، مُشاهدًا معانته، ومُراقبًا آماله، وعائشًا آلامه، يُعاين تطلعاتِه، ويُعاني خيباتِه. إنّ إنسان الكلّ هو كلّ إنسان من أولئك الأفراد الذين لم تحجبهم انتماءاتهم عن إنسانيتهم، ولا نِسَبُهم عن حقيقتهم، ولا شخصانيتهم عن موضوعيّتهم، هؤلاء هم من نحتاجهم لتصحيح مسار الإنسانيّة وإنسانيّة المسار.

الإنسانية والقيم:
اتفقت الثقافات الإنسانيّة على أهميّة القيم، وكان أجلَّ الأشخاص في المجتمعات أولئك الساعون لترسيخ القيم والحضّ عليها، من الحكماء والأنبياء والعارفين والمصلحين إلى المُقتفين بآثارهم المتنوِّرين بأنوارهم، الذين بذلوا جهدهم ووقفوا عمرهم على ترسيخ القيم التي تسمو بالفرد، وتخدم استقرار المجتمع وتطوره. وكانت هذه القيم هي المكوِّنَ والمُلوِّنَ الأهمَّ للهويّة الإنسانيّة، وإذا كانت النظرة إلى الآخر على أنه المختلف في الإرث الثقافي؛ فلا مهرب من الإقرار بأن الآخر ما هو إلا الأنا متلبِّسًا بمفاهيم ثقافوية أُخَرَ لا تختلف عن مفاهيم الأنا، من حيثُ كونُها مفاهيمَ، بقليل أو كثير، لا سيما في منظومة القيم التي تحكم سلوك الأفراد والمجتمعات. إلاّ أنّها قد تتباين في ترتيب سلّم القيم وفق تصنيف الأهميّة.

الصدق، العدل، الحق، الخير، الجمال، النجدة، التسامح، الإخلاص، المحبّة، الرحمة، العطاء، الإنصاف، الحريّة، الاحترام، الوفاء، الأمانة .. عناوين تتفق عليها الثقافات، وما الاختلاف في ترتيبها إلاَّ لاختلاف ظروف تطوّر الثقافات، فكان التركيز على المهدَّد أو المفقود لحمايته أو استعادته.

وفق منظومة القيم يمكن تفسير سلوك الإنسان، فالإنسان هو الإنسان سواءٌ في الشرق أو في الغرب، وما يُحرِّكه هنا هو ما يُحرِّكه هناك، وما يُفرحه وما يؤلمه وما يؤذيه واحد. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس: “لمَ يتصرّف الشرقي بهذه الطريقة، ويتصرف الغربي بتلك الطريقة؟” بل هو: “لمَ يتصرف الإنسان في الشرق بهذه الطريقة، ويتصرف الإنسان في الغرب بتلك الطريقة؟”.[1]

الشرق والغرب:
إن لقاء بوذا الشرقيّ وزوربا الغربيّ، الذي لامس الواقع دون أن يمسسه، إن كاد ليكشف عن اتّفاق شبه تامّ في معالجة قضايا الإنسان فردًا ومجتمعًا. أمّا النسخ المشوَّهة عن بوذا وزوربا فهي التي تتخاصم وتتصارع، وتعيش وهم صراع الحضارات القاتل والمدمّر. هذا الوهم الذي إذا استمرّ النفخ فيه على الوتيرة المشهودة اليوم سوف يتعاظم، وقد ينالنا من تشظيات انفجاراته إحَنٌ ومِحَن. وعلينا جميعًا أن نستفيد من سير التاريخ وعبره، متى أردنا تقليل الخسائر أو سترجة المواجهة. ولعلّ أبرز الرموز الحاضرة في أذهان من يروِّجون لفكرة الانتخاب بين الثقافات، الإسكندر الكبير الذي حاول فرض ثقافته وتعميمها، ورغم كلّ ما أُوتيه من قوّة وجيوش، وحضارة وغلبة، لا أحسب أن تكرارها في يد غيره سهل، فقد أخفق دون ضرب المحال هذا، وإذا كان هذا المثال لا يكفي دعاة صراع الحضارات فلا أحسبهم سيتوقفون عما يضرمون ويضمرون قبل أن تذوق البشرية الكأس المُرَّةَ مرَّةً بعد مرَّة.

وعندي أنّ الكلام عن صراع الحضارات هو ضرب من الهَوَس في الحديث عن النهايات التي يلهج بإشاعتها أولئك المهندسون لنهاية الكون وفق معطيات سيّالة لا ترتكز إلاّ على ضرب خيال، سيُبدي ما تعيشه منطقتنا الشرقيّة أنه سراب بقيعة.

وليت أولئك المفتونين بالحديث عن النهايات، من أمثال صموئيل هنغنتون وفوكوياما، فرّغوا مجهودهم لبحث أسطورة البدايات. فإنها أكثر تشويقًا وجمعًا للتراث الإنسانيّ المشترك. ثمّ أيّ نهايات مع القول بأُسطورة العود الأبديّ في الهندوسية وما انفرع عنها.

ولهؤلاء يوجَّه السؤال: ما الضير في أن تتكافل هذه الحضارات ويسعى كل فريق للكمال الذي يرتئيه بطريقته الخاصة، دونما عداء واحتراب؟.

إن التعاون لتحقيق أمن وأمان المجتمع البشري أجدى وأنفع من التصارع على حكمه والتسلط عليه. وإن حاجة الإنسان لأخيه واستفادته من وجوده أكبر بكثير ممّا يغتصبه منه، أو يرثه إن تمكّن من إلغائه.

قيمة الإنسان أهم وأسمى وأثمن من كل قيمة أخرى عرف ذلك من عرف، وانحرف عن ذلك من انحرف[2].

الحريّة والدين:
الحريّة قيمة إنسانيّة نادت بها جميع التعاليم في عموم الثقافات. والقرآن الكريم أثبت حريّة الإنسان وأكّدها في سائر اختياراته، حتّى القضيّة المحوريّة في الدين التي هي الإيمان والكفر، تُركت لاختيار الإنسان، قال الله تعالى: “وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”. كما أكّد القرآن الكريم أن الجبر لا يمكن أن يكون أسلوبًا مقبولاً لدفع الناس نحو الدين؛ فقال سبحانه: “لا إكراه في الدين”. وبيّن القرآن أنّ التنوّع الإنسانيّ، وتباين المعتقدات والأفكار أمر مقصود من الخالق جلّ جلاله: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم”. أي: خلقهم ليكونوا مختلفين؛ فالاختلاف سُنَّة الطبيعة ولوحة الوجود، وهو اختلاف تنوّع يتوحّد عند العارف الربَّانيّ الذي يُحقِّق في وعيه الكونيِّ المطلقِ وحدةَ الكثرة، ويُترجم عن هذه الحالة بقوله على لسان الشيخ ابن عربي:

عقد الخلائق في الإله عقائدًا وأنا عقدت جميع ما عقدوه

والإسلام لم يُقيِّد حريّة الإنسان بشئ من القيود، إلاّ أنّه جعله مسؤولاً عن تبعات قراراته، وبذلك أعطاه الحافز للتفكير فيما يفعله، والتنبّه للعواقب، الأمر الذي قد يُربك الفرد ويضيِّق أمامه مساحة الاختيار، ولكنّه في الوقت عينه يعود على المجتمع بالمنفعة العميمة، ويتلاقى تمامًا مع القاعدة الاجتماعية: “تتقاطع حرية المرء حيث تبدأ حرية الآخرين” ولولا هذا الحد لاستحالت نعمة الحرية إلى نقمة فوضوية، ولصارت حرية الفرد تنغيصًا على الباقين، وتعديًا على مصالحهم واختياراتهم.

ولا بدّ أن ننبِّه إلى الفرق بين حريّة الرأي وحريّة التعبير، فالأولى: من أعمال القلوب، وهذا حقّ محفوظ لكلّ واحدٍ واحدٍ بالكامل ولا يمكن لأحد أن يمنعه أو يحدّه.

أما حريّة التعبير فتجاوز تموضعات الشخص الذاتيّة إلى الإذاعة والإشاعة، وبذلك يخرج الرأي من دائرة المعقول إلى دائرة المحسوس، وبالتالي يتعدّى أثرها إلى الغير. لكن يبقى ثمّة حدٌّ لا ينبغي أن يتجاوزه الفرد أو المجتمع وهو الإهانة والتجريح.

وبين النقد الموضوعي (الإيجابي) أي: المشاهدة ومحاولة الدرس، والنقد الذاتي (السلبي) أي: التجريح والإهانة والدسّ؛ ينشأ النقاش وتتباين الآراء. إذ ليس من السهل وضع حدٍّ فاصل بينهما لا سيما أن الأمر نسبيٌّ، ويختلف من ثقافة لأخرى، ومن بيئة لأخرى، ومن ظرف لآخر. ومع هذا التباين والنسبيّة لا يمكن لقاعدة :”أحبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك[3]” أن تفي بالحال وتحلَّ الإشكال، فما هو مقبول في ثقافة قد يكون مرفوضًا تمامًا في ثقافة أخرى.

وإذا كنا متفقين على أن القيمة الإنسانيّة واحدة من أهمّ القيم، فمن المُجدي والمهم أن يتعرَّف الإنسان على ثقافة أخيه قبل أن يُخاطبه بما قد يسوؤه ويؤذيه، ليتمكّن من إيصال أفكاره دون أذيّة أو إهانة.

وإذا عرفنا أن الدين شكّل ويشكّل قيمة أساسيّة في منظومة القيم المتحكّمة في سلوك الأفراد والمجتمعات وبالتالي مكوِّنًا أساسيًّا للهويّة، فسنعرف ضرورةً أن التعرّض له أو لرموزه وطقوسه بالإهانة والتجريح لن يكون مقبولاً عند أتباعه بشكل من الأشكال.

لقد أثار التعرّض لرموز الدين والثقافة الحفيظة في أكثر من مناسبة؛ فقد رفض الهندوس عن قريبٍ، تجسيد الأفتار (الأوتار) في الفيلم الذي شاهدناه بإعجابٍ، ولا سيّما مشهدُه الأخير حيث تنتصر الآلة البدائية، على ثقافة التكنولوجيا الجديدة. ولعلّ موقفهم نابع من كون الأفتار معنًى يُشخِّص المطلق إلى حدود الخلاص النهائيّ؛ بحيث يتلاقى فيه قوسا الصعود والهبوط[4] في نسقيّة الفكرة الخلاصيّة. فاستنكروا أن يتحوَّل إلى فكرة هوليوديّة، خاضعة لمزاجيّة الإخراج السنمائيّ ومتطلّباته.

كما رفضت الكنيسة في أكثر من مناسبة التعرّض لرموز الدين المسيحيّ بدءًا من مسرحيّات فولتير ومولير إلى شيكسبير وملتون حتى كولن ولسون ونيكولاس كازنتساكس لا سيّما في كتابيه: “المسيح يُصلب من جديد” و”الإغواء الأخير للمسيح” الذَيْنِ حرّمتهما الكنيسة وحرمت كاتبهما، ولعلّها كانت الضاغطة وراء حجب جائزة نوبل عنه. هذا فضلاً عن روايات دان براون المثيرة للجدل اللهوتيّ بكلّ عمق وعنف.

كما يرفض رجال الدين المسلمون في الشرق التعرّض لرموز دينهم وطقوسه، انسجامًا مع ما سبق. فلماذا النظر إلى الظواهر بعين مفتوحة وعين مغمضة؟ ولماذا لا نكون في هذا ظاهراتيّين (فينومينولوجيّين) على حدّ ما يُعلِّمه أدموند هوسْرل ومارتن هايدغر. وهو يتقاطع مع تعاليم الفيدا والأوبانيشاد والكيتَّا تحت شعار: راقب .. شاهد .. اصمت .. تأمّل. ويتقاطع مع تعاليم الصوفيّة العرفانيّة تحت شعار “من صمت نجا” وشعار “التصوّف هو أن تجلس لحظة متبطِّلاً”، أي من دون ذكر ولا فكر، على حدّ تعليم حضرت أميرنا داراشـگـوه.

قد يُطرح سؤال في هذا المقام وهو: “لم تكون ردود الفعل تجاه النقد، سلبيًّا كان أم إيجابيًّا، في الشرق المسلم أقسى وأعنف بكثير مما تكون في الغرب المسيحي؟. وقد يصل السائل إلى ما يشبه الاستنتاج: ألا يدّل ذلك على أن الغرب أكثر تسامحًا من الشرق؟ وبالتالي أن المسيحيّة أكثر تسامحًا من الإسلام؟.

وقبل الإجابة عن ذلك؛ أقول: حذار من هفوة منهجيّة، تؤدّينا إلى الوقوع في هوّة مفارقة تاريخيّة، لجهة إسقاط الحدث التاريخيّ على الواقع مع إغفال الزمن الفاصل، وهو المحدّد للتغيُّرات، والشاهد على التحوّلات. ولذا يجب أن نُقارن بين ردّات الفعل بوضع الفعل ونتيجته في نفس السياق الزمني. لا أن نتغاضى عن هذا لنحكم أو نحاكم ردّات الفعل بمعزل عن سياقاتها، وبالتالي فإن الإنصاف مقارنة ردّات الفعل الآن بردّات فعل القرون الوسطى في أوروبا، وحينها سنخرج بنتيجة مُفادها أنّ تلك القروسطيّة الغربيّة، كانت أقسى وأمرّ ممّا نشهده في الشرق.

وبعد هذا التحذير والنذير، أعطف لبيان المفارقات التالية:

أولاً: لعلّ الشرق لم يعتد طريقة الغرب في التخاطب، فهو قد أبقى على الكثير من مظاهر الاحترام والتوقير والمجاملات حتى في محادثاته اليوميّة ما لو تركه الشرقيّ لعدّ عند أهله مارقًا عن حدِّ الأدب ومجاوزًا لقواعد التخاطب الأساسية؛ فالشرقيّون على سبيل المثال لا الحصر، متمسّكون بمنادة الأبّ والأمّ بصفتيهما، ويعتبرون أنّ الولد الذي ينادي أباه باسمه أو أمه باسمها مجانبًا للأدب والذوق، ومرتكبًا لفظيعة. أمّا الغرب ومقلدوه فلا يرون في ذلك بأسًا والأمر عندهم لا يستحقّ أن يُتوقّف عنده. ولا يمكن لأحدى الثقافتين أن تفرض على الأخرى مجاراتها.

من هذا المثال يتبيّن لنا أنّ الغربيّين ألذع في نقدهم من الشرقيّين وأبعد عن مراعاة خاطر المخاطب، ولذا نجد معظم الانتقادات التي أثارت الحفائظ أتت من الغربيّين أو ممن تأثّر بالثقافة الغربيّة. الأمر الذي زاد من انزعاج المجتمع الشرقيّ؛ لأنّ تقبّل النقد من القريب أسهل من تلقيه من الغريب.

ثانيًّا: عرف الغرب بعد الثورة الصناعية، انحسارًا لدور الكنيسة ورجال الدين، وتعاظمًا في دور العلمانيّين واليبراليّين، وما تُبديه الكنيسة اليوم من ليونة ليس ناتجًا عن سعة صدر وتقبّل للنقد، بقدر ما هو تسليم بالأمر الواقع وابتعاد عن معارك قد تكون خاسرة. وفق مشهور المثل: “مكرهٌ أخاك لا بطل”.

أما المجتمع الشرقيّ فلا يزال يعيش المرحلة القروسطيّة، وإن بدا أن هناك صراعًا متناغمًا بين رجال السلطة وسلطة الدين.

ثالثًا: لا يزال المجتمع الشرقيّ يعاني عقدة الانهزام والتخلّف إزاء المدّ الغربيّ في أبعاده: الاستعماريّة،والتكنولوجيّة، والتسويقيّة المتوحّشة. ولذلك فهو يرى في الانتقادات استعداءً واستعادةً لتظهير صور الهزيمة، وخطرًا أكيدًا على هويّته ووجوده، ومع هذا الشعور تزداد الحاجة لتفهّم المجتمع الشرقيّ والأخذ بيده، بدل توسيع الهوّة، واصطناع المعارك معه، إلى حدّ استحضار دون كيشوت.

رابعًا: الإحباط والفراغ بحيث يسعى المحبط والفارغ إلى ديناميّة تملأ عليه فراغه الموهوم، وبالتالي فإنه سيبادر ألى ردّة فعل تجاه ما يعانيه بقوة وعنف. ومن الأدلّة على ذلك حادثة حرق المصحف التي لم تحظَ بردّات فعل، على خلاف سابقتها التي لم تحصل أصلاً. وكانت ردّات الفعل آنذاك تبرق وترعد وتمطر بالويل والثبور وعظائم الأمور، وما ذلك إلاّ لكون المجتمعات الشرقيّة آنذاك محبطة فارغة، فبادرت إلى إثبات وجودها والتصالح مع إحباطها. أمّا اليومَ المجتمعات الشرقيّة مشغولة بعدوى الثورات، فلم ينبت أحدٌ منهم ببنت شفة، بالرغم من تحقّق ما ترصّدوا له كلّ مرصد.

خامسًا: لعلّ الأهمَّ من كلِّ ذلك انطباع الشرقيّ بقطع النظر عن ديانته وتديّنه، بالروحانيّة الغنوصيّة والعرفانيّة الإشراقيّة، وإذا كان لكلّ شيء من اسمه نصيب على حدّ ما جاء في المثل والحكمة الشائعة، فلا استغراب من كون الشرقيّ كذلك، ومن عنده تُشرق شمس الوجود على دنيا الناس. وأين الشرق من الغرب؟ وأين “حكمة الإشراق” من “الغربة الغربيّة”[5].

ورغم كل ما قيل ويقال، لا بد من التنبّه إلى أن ردود فعل العامّة التي أوقعت قتلى وجرحى، لم تخدم أبدًا موقف المسلمين؛ فالغالبيّة الساحقة لضحايا الاحتجاجات والاستنكارات هي من المسلمين المنددين. زوابع في فناجين.

لقد كان الأجدى أن يُترك للسلطة التي تمثل الأفراد وهي المسؤولة عنهم وواجبها الدفاع عنهم أمام أي اعتداء خارجيّ، أن يُترك لها تقدير طريقة التعامل مع الموقف، وفق معاييرها للحفاظ على صورة الدين والثقافة، ووفق قواعد مصلحة الدولة وعلاقاتها الأمميّة، وتعقيدات البروتكولات الدبلوماسيّة. ولعلّ غياب السلطة في الشرق عن هموم الشعوب، وعدم ثقة هؤلاء بالسلطة[6] سببٌ إضافيٌّ لعدم انضباط الشارع وخوض العامة في ما لا يفيد.

والأسوء من هذا الغياب، مسارعة بعض الأجهزة إلى استغلال هذه المواقف من أجل حسابات خاصّة لا تمت إلى مشاعر الشعوب بصلةٍ، ولا لتوقير الهويّة الدينيّة والثقافيّة بوُصْلة.

هل الغرب يسعى لفهم الشرق؟
لا بد أن نحفظ للغرب الدور الذي أدّاه في حركة التعرف على ثقافة الشرق، ما عرف تحت عنوان الاستشراق. في وقت كان الشرق ولا يزال متلهيًا عن هموم الثقافة بهموم العيش والصراع على السلطة وتقاسمها.

فحفظت مكتبات الغرب عيونًا من مخطوطات التراث الشرقي عامة والعربي خاصة. مخطوطات كان العديد منها ليضيع أو يندثر لولا جهد المستشرقين، كما أن عددًا من علماء المستشرقين لمع وأجاد وتعمق في قراءة الثقافة الشرقية فاستفاد وأفاد وأسهم وخدم الثقافة بما لم يخدمها به بعض أبنائها.

ولسنا بصدد محاكمة النوايا، لنناقش من يقول إنهم فعلوا ذلك بهدف خدمة الاستعمار أو تشويه الإسلام.

غير أنّ ما وصل اليوم من الصورة العامّة للشرق في الغرب لا يسرُّ، ولا سيّما المثقّف الشرقيّ عند ذلك المنظّر الغربيّ، ففي الغرب بات المثقف الشرقي مقسومًا إلى معسكرين:

الأول: مستلب بالثقافة الغربية ومواكب لها. يسهل التواصل معه لكنه لا ينقل صورة المجتمع الشرقي ولا ينتمي إلى تارخه فضلاً عن حاضره.

والثاني: معادٍ رديكالي. لا يمكن التواصل معه، وهو الصورة النقية للمجتمع الشرقي؛ ولا سيّما الشطر الإسلاميّ منه.

والحق أن الغرب سيبقى قاصرًا عن فهم المجتمع الشرقي إذا لم يتواصل مع مثقفين لبراليين دون اغتراب، ومحافظين دون جمود؛ عنيتُ أولئك الذين يمثلّون الوسط الذهبيّ بين طرفي الإفراط والتفريط، وهو الوسط السقراطيّ والبوديّ والتاويّ والمسيحيّ فضلاً عن الوسطيّة في الثقافة الإسلاميّة.

من هو المثقّف؟
لطالما طرحتُ هذا السؤال في محافل الفكر وندوات الحوار من أجل وضع رسم تقريبيّ يحدّد المثقّف من وجهة نظر موضوعيّة تساهم في تلوين المشهد الثقافيّ بين معسكري الشرق والغرب.

وعندي أن المثقّف هو ذلك الشخص الذي أخذ من كل تلافيف الثقافات وتضاعيفها، المتاحة له والمتداخلة أو المتلاحمة مع معارفه بحيث بإمكانه أن يجمع قطع البزل (puzzle) المتناثرة بين عامّة الثقافات فيرى المشهد الثقافيّ من فوق قمّة الجبل، لا من لحف أسفل الوادي حيث تختلط آسنة السيول بهشيم العصف المأكول.

بقي أن أعترف هنا بنقد ذاتيّ فيما يخصّ المثقّف الدينيّ بصورة خاصّة، ذلك المثقّف الذي كان يُعَدّ طليعيًّا في القرون الوسطى لما كان يتمتّع به من اطّلاع واسع على معارف زمانه، بينما بات اليوم متأخّرًا عن أقلّ مثقّف عامّ في المجتمع بسبب تراجع أداء المؤسسات التعليميّة الدينيّة تراجعًا حادًّا متقهقرًا.

المسلمون في الغرب[7]:
إنني أدعو أن يكون المسلمون في الغرب مندمجين في مجتمعاتهم على أساس المواطنة من غير تمييز بين مواطنين ورعايا أو مواطنين من الدرجة الثانية.

إن فكرة الاندماج تظهر خطيرة جدًّا في الفكر الكلاسيكي للفقه التقليدي بحجة الحفاظ على الهويّة.

وعندي أن الهويّة حجاب الأنويّة كما أن الشخصيّة حجاب الهويّة، ويكفي أن يكون الشخص محتفظًا بذاكرته الجمعيّة ثمّ لا بأس باندماجه في مجتمعه على الأساس المنوّه به؛ وهو المواطنة.

فليس للمسلم المقيم في الغرب أن يطرح وشروعه الخاصّ على مجتمعه، محاولاً أسلمة الكون، وهو الهمّ الذي يحمله المسلم بإيحاء علماء الفقه والفتوى التقليديّين. وليت شعري لم يقيم المسلم في مجتمع غربيّ مستفيدًا بامتيازات اللاجئ السياسيّ أو المواطن، ثمّ مستعدًّا للثورة عليه باسم الدين، أو الصحيح باسم الأدلجة الدينيّة.

المهمّ عندي حفظ الذاكرة الجماعيّة لكلّ ثقافة إنسانيّة لما في ذلك من إضفاء الألوان الزاهية الباهيّة على لوحة الوجود الكونيّ أو على حدّ تعبير شيخ شيخنا: تناغم السمفونية الكونيّة.

وإذا كان لنا من موقف من الحداثة وما بعد الحداثة، فأختصره في تخوّفي من ضياع أجزاء من الذاكرة الإنسانية الشاملة الكونيّة، ممّا يضطر الأجيال المقبلة إلى فكّ أحاجي تلك الثقافة المفقودة أو المفتقدة بعد عدّة قرون على حدّ تفكيك أحاجي الهروغليفيّة والمسمارية.

الدين وسيلة اتصال:
الدين؛ ذلك الظاهرة الحيّة الفاعلة والمتفاعلة في المجتمع الإنسانيّ بدءًا من عصر ما قبل التاريخ إلى يوم أن كان الدين سبب اجتماع على الخير العامّ والروح الخالدة.

لعلّ من أكثر المشاكل المنهجية التي تعتري الباحث في الثقافة الشرقيّة عامّة هو تحديد المفاهيم الاصطلاحية، أو الأفهومات الموضوعية للعناوين ذات الصلة.

إن فوضى المفاهيم جرّ إلى سوء تفاهم والتباس حادّ بين أصحاب الثقافة الواحدة في هذا الشرق. ولعلّ الثقافة الإسلاميّة تُعَدّ من أكثر تلك الثقافات اختلاطًا للمفاهيم على أساس منهجيّ واضح؛ فيضيع المفهوم الواحد بين مشترك لفظيّ إلى جدل فقهيّ أو كلاميّ (لاهوتيّ) إلى اضطراب اصطلاحيّ (تخصّصيّ = تِقْنيّ).

وإذا أردتُ أن أستعيرَ تعريفًا للدين من خلال خبرة شيخنا الذاتية؛ فإنني سأقول: بأنّ الدين هو تجربة روحانية للكائن بمعناه المقيّد في علاقته مع الكائن بمعناه المطلق[8].

وهذه العلائقيّة الجدليّة تحدّد طبيعة الموقف من “الأنا” و”الأنت” وهما مع “الآخر”.

وبهذا يغدو الدين أرحب مساحة، ومساحة أرحب للالتقاء بين “الأنا” و”الأنت” و”الآخر” بما يحقّق وحدة الكثرة أو وحدة التنوّع.

إنّ المحاولات الدائبة عند أصحاب الهويّات القاتلة لتثبيت “الأنا” و”الأنويّة”، دفعتهم إلى تحويل الدين من الوسط الساذج البسيط كتجربة روحية، وأنظومة مجتمعية، إلى إيدولوجيا متطرّفة لا يمكن إلاّ أن تتشظّى في اتّجاهات دائرية، تبدأ من المركز، وتنتهي إلى الأطراف. أو على حدّ التعبير القرآنيّ “لا تبقي ولا تذر”.

التصوّف عصارة عرفانيّة: ل
لقد آن أوان عودة العرفان الصوفيّ الذي يمثّله الكبار الكبار، من أمثال: البسطاميّ وحمدون القصّار والحلاّج وعين القضاة والشهاب السهروردي، المعروف بالشهيد، إلى الحكيم سنائي وفريد الدين العطّار وحضرت مولانا جلال الدين الرومي والشيرازيّين سعدي وحافظ، فضلاً عن ابن عربي وابن سبعين والشُشْتَري والنَسيمي والشِبِسْتَري ونعمة الله وليّ وشمس الشموس الداغستاني.

لا أريد أن أترجم لأحد من هؤلاء في آخرين وآخرين، وإنّما أريد الإلماع إلى ضرورة عودة التصوّف العرفانيّ القائم على اختبار تجربة الآخر واختمارها في وعي الفرد الكونيّ على حدّ ما جاء في كلام ابن عربي:

لقد كنت قبل اليوم أُنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

وقد صار قلبي قابلاً كل صـورة فمرعًى لغزلان وديـر لرهبان

وبيت لأوثان وكـعبة ُ طـائف وألواح توراة ومصحف قرءان

أدين بدين الحـبّ أنّى توجّهت ركـائبه فالحبّ ديني و إيماني

————————————————————————

(1) هذا الكلام الخارج من مَعين جدّنا أمير المؤمنين يتلاقى مع وصية بوذا الأكبر حيث يقول: “كونوا مشعال أنفسكم”.

(2) يُسجّل لابن مسكويه سبق في شرح مضامين هذه الفكرة، من خلال رسالته الموسومة “في اللذة والألم”، مقارنةً مع الإبيقورية وبعض المذاهب الفلسفية المتأخّرة.

(3) ودعك هنا من أفكار مكيافللي وهوبس، فالإنسان آنية إلهيّة مملؤة بخمرة الأبد، وليس الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان.

(4) وهي القاعدة التي تلاقى فيها قول يسوع الصالح مع قول محمد بن عبد الله، لتتأكّد وَحدة النبعة بين الديانتين؛ كما وحدة الهدف بين التعليمين.

(5) يقارن في المسيحية والإسلام معنى الكلمة الأزلية والكلمة القرآنية.

(6) “حكمة الإشراق” و”الغربة الغربية” اسمان لكتابين من تأليف شيخ الإشراق السهروردي، المعروف بالشهيد. الذي قُتل ظلمًا بأمر السلطان صلاح الدين الأيوبي.

(7) آثرنا استعمال مصطلح “سلطة” بدل مصطلح “نظام” أو مصطلح “دولة”. ولا شكّ أن فوارق الاصطلاحات تحدّد سبب ما آثرناه.

(8) للتوصّل إلى سبك متماسك لمفهوم الاغتراب المزدوج، وهو اغتراب المثقف الحقيقيّ أو العارف المرشد (الغورو) بلغة المتصوّفة، ينبغي الوقوف على نصوص هيرقلطس وشلر وهيغل.

(9) لتوسّع في هذا المفهوم والوقوف على نظرة متكاملة في هذا المبحث الهامّ، يراجع كتاب شيخنا العلاّمة عبد الرحمن الحلو “مرآة المثنوي”.

نبذة عن الكاتب
الشيخ ابراهيم محمد رمضان
الإجازة العالية في الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة بجامعة بيروت الإسلامية
دبلوم في الفقه المقارن من كلية الشريعة بجامعة بيروت الإسلامية.
حاصل على إجازات علمية من العديد من مشايخ الفقه والحديث والأصول واللغة وسائر الفنون الإسلامية من لبنان وسورية والحجاز ومصر والهند
عضو مؤسس لجمعية مركز بيروت للدراسات والتوثيق
محاضر في الجامعة الأنطونية في مادة الموسيقى الإسلامية منذ العام 2003 وحتى العام 2005
من مؤلفاته المطبوعة: كتاب “التبيان في أحكام الموسيقى والألحان” الصادر عن مركز بيروت
لديه العديد من المقالات في الصحف المحلية ووالصحف الأجنبية حول الاسلام.

المصدر: موقع Heinrich Boell Foundation




قونية في أغاني بزي

aghani-Konia

حوارات نت — بقلم: إيمان شمس الدين — قونية تلك المدينة الوادعة في وسط الأناضول في تركيا، تحمل في جوفها قلبا نابضا بالعشق الإلهي هو قلب جلال الدين الرومي ذلك الإنسان المتأله الذي أذابه عشق الله وذاب به كل عاشق لله،

هي موطن حوى حياة جلال الرومي الروحية، كما حوى مرقده الذي جسد خاتمته في لقائه لمعشوقه في رحيل أبدي خالد.

غنى الدكتور محمد حسين بزي قونية في أشعاره التي ضمنها ديوانه الأخير ” أغاني قونية” ، فاختصر مساحة قونية الجغرافية وأهميتها التاريخية بنبض قلمه الذي غرد يترجم نبض قلب الرومي .

أنشد قائلا :

مَنْ لَيْس َ لَهُ عَيْنٌ يَسْتَبْصِرُ عَنْ غَيْبٍ

فَلْيَأْتِ على شَوْقٍ في خِدْمَةِ مَوْلانا

ثم نصح :

مَنْ كانَ لَهُ هَمٌّ يُفْنيهِ ويُرْديهِ

فلْيَشْرَبْ ولَيَسْكَرْ مِنْ قَهْوَةِ مَوْلانا

وسبح قائلا في ترنيماته الجمالية الذائبة عشقا :

فَدَيْتُكَ يا ذَا الوَحْيِ آيتُه تَتْرى

تُفَسِّرُها سُرًّا وتُكَنٍّي به جهراً

وأَنْشَرْتَ أَمْواتًا وَ أَحْيَيْتُهُمْ بها

فَدَيْتُكَ ما أَدْراكَ بالأمرِ ما أَدْرى

فعادوا سُكارى في صِفاتِكَ كُلُّهم

وما طَعِموا إثمًا ولا شَرِبوا خَمْرًا

ولكنَّ بريقَ القربِ أَفنى عُقولُهم

فسُبْحان من أَرْسى وسُبْحان من أَسْرى

وكأنه يحاكي بها كلمات مولانا حين قال :

نسكَرَ،

لا الآلاتِ وقصفِ الغناءِ حتى ننتهي مجاذيبَ.

لا مُنشدينَ، لا مُرشدينَ، لا شدوَ،

بل نثبُ حول بعضٍ جامحينَ تمامَ الجّموحِ.

وكأن بزي في أغانيه يرد على مولانا قائلا:

سلامٌ على قَوْمٍ تنادي قُلوبُهُمْ

بأَلْسِنَةِ الأَسْرارِ شْكْرًا لَهُ شُكْرًا

لقد رسم بزي بريشته الشعرية في أغاني قونية، أسرار العاشقين التي طالما أرقت مولانا، حيث جَسّر بشعره بين زمانين ، زمان مولانا الرومي وزماننا الراهن ، فطاف كعاشق حول أستاذه ، ثم نهض من أعماقه العقلية المعتقدة بالإشراق كفلسفة، إلى أعماقه القلبية المتعلقة بتلابيب صوفية مولانا.

وفي وَجْدٍ صدح بصوت جَلْجلَ بيروت في عام ٢٠٠٧ حيث أقر معترفا :

أَحْرَقَ الوَجْدُ العُطاشى كَاحتراقِ الياسمينْ

عِنْدَما فاضَتْ مَرايا بِدماء العاشقينْ

وطالما انتظر بزي الحلاج ذاك الملهم العارف لكل المتطلعين للقاء فخاطبه في انتظار الحلاج :

أَنْتَظِرُ حَلاّجاً كان أخبَرَني

أَنْ يَصْحَبَني

مِنْ موتي وَعْداً

شِعْراً

حُبّاً

حَيّاً

مِنْ بعدِ موتِ الأَيّامْ

ورغم موت الأيام استطاع الدكتور بزي أن يحييها بشعره الذي بث الروح مجددا في صوفية الرومي وعرفان الحلاج ، كأنه سكرٌ ينشد سلاماً في زمن غارق بالدم حتى الثمالة. فاختياره للجغرافيا ” قونية” اختيار أعاد به الماضي للحاضر، وربط بينهما بأغانيه الشعرية التي رقصت على ألحان صوفية الرومي وإشراقية بزي ، مازجا بين العقل والقلب مزجة فلسفية بروح صوفية لإنسان سعى للتأله.

لا أدعي أنني شاعرة، فأنا مجرد عابرة سبيل تتذوق جمال الشعر، خاصة ذلك الغارق في العشق ، وحينما رست سفينتي على شاطيء أغاني قونية ورشفت من قهوتها وشرابها، ما لبثت أتمتم من شعرها الذي يقول :

أُناشِدُكُم بِاللهِ تَعْفونَ إِنني

لقدْ ذُبْتُ بالأشْواقِ وَالحُبِّ والوَلا

لِمَوْلَى ترى في حُسْنِهِ و جَمالِهِ

أَماناً مِنَ الآفاتِ والمَوْتِ والبلا

سَقَى الله أرْضًا شَمْسُ دينٍ يَدوسُها

كَلا الله تَبْريزاً بأحْسَنِ ما كَلا

في إشارة واضحة لشمس التبريزي الأستاذ الذي تتلمذ على يديه جلال الدين الرومي.

في أغاني قونية اعترف شاعرها أنها بدء أساطيرُ نشوره، حيث رماده صفوة خلقه القادم، الذي ننتظر صفوته القادمة من رماده أن تجود علينا شعرا يلهب القلوب المتعطشة للعشق، ويروي ظمأ عابري السبيل من واحة الأحدية الزلال.

أغاني قونية محطة شعرية تجذب إليها الباحثين في ذاتهم عن الله، والهاربين من صخب العنف وصراخ الدم، ليجدوا في بحرها وعلى شواطئها حروفا نابضة بالسكر في عشق الله، وتائهة في صحراء قلبها تبحث عنه.




يا حضرة مولانا: ذاكرة العشق

بقلم: أنس أزرق – صحيفة العربي الجديد –

“ما تبحث عنه، يبحث عنك”!

تدور الحياة في مدينة قونية التركية حول مولانا جلال الدين الرومي، ففي قلب المدينة يتربع ضريح الرومي، مقصد مريديه وزائريه، وفي الطرف الأقصى منها توجد جامعة مولانا، وفي منتصف المسافة بينهما هناك المركز الثقافي لحضرة مولانا.
تدور المدينة حول حضرة مولانا، كما يدور الدرويش في رقصته المولوية.
لا شيء يشدك في المدينة التي تقع في قلب الأناضول، وانت تحضر احتفالات 741 سنة على وفاته، أكثر من أشعار وموسيقى الرومي ورقص السماح بطريقته الصوفية المولوية والتي تقام لمدة عشرة أيام وتتوّج بليلة العرس “شب عروس” Seb-i Arus (وتعني ليلة العرس باللغة الفارسية)، أو جمع الشّمل مع الحبيب، والتي تعبّر عن فلسفة الموت عند المتصوفة عموماً، وعند الرومي خاصة، فهو نهاية للحياة الدنيا الفانية وانتقال للقاء وجه الباقي، الله عز وجل، “غداً نلقى الأحبة: محمداً وصحبه”.
وكما تدور الحياة في قونية حول مولانا، تدور الطريقة المولوية حول العشق والوصول للمعشوق، فهو الغاية والمقصد:
“الكل معشوق والعاشق حجاب، والمعشوق حي والعاشق ميت، ولو لم يقم العشق برعايته، يبقى كطائر بلا جناح”.
“كل ما أقوله شرحاً وبياناً للعشق، أخجل منه عندما أصل الى العشق نفسه.. فالعشق أكثر وضوحاً دون لسان، والشمس تكون دليلاً على الشمس، فإن أعوزك الدليل لا تشح عنها بالوجه”.
وكل ما عدا العشق، في شرعة الرومي، باطل: “ليس في المعاني قسمة واعداد، وليس في المعاني تجزئة ولا افراد، واتحاد الحبيب بالأحبة طيب، ولتمسك بقدم المعنى فالصورة متمردة. أذِب الصورة المتمردة بالألم والمشقّة (بالرياضات)، حتى ترى الوحدة تحتها كأنها الكنز”.
ويدعو الناس جميعاً، على مختلف معتقداتهم وطبقاتهم واشكالهم، الى الأخوّة الإنسانية، أخوّة العشق: “أيها البشر الأتقياء التائهون في هذا العالم/ لم هذا التيه من أجل معشوق واحد/ ما تبحثون عنه في هذا العالم/ ابحثوا في دخائلكم، فما أنتم سوى ذلك المعشوق”.
وهذه هي سبيل النجاة والخلاص: “فالعاشق لا يعرف اليأس أبداً.. كل الأشياء ممكنة للقلب المغرم”. “مَنْ لا يركض إلى فتنة العشق، يمشي طريقاً، لا شيء فيه حي”.

سيرة موجزة

ولد محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخي (604 هـ -672 هـ = 1207 -1273 م)، في بلخ، من أفغانستان الحالية، وكانت حينها من مناطق بلاد فارس. وكان أبوه يلقب بسلطان العلماء، وعلى خصومة مع العالِم والمنطقي الشهير فخر الدين الرازي، واضطرّ للهجرة عند قدوم المغول، فهاجر وعائلته إلى نيسابور، حيث التقى هناك الشاعر الفارسي الكبير فريد الدين العطار، الذي أهداه ديوانه “أسرار نامه”، واستقر أخيراً بقونية، عاصمة السلاجقة الاتراك، أثناء حكم الأمير علاء الدين كيقباذ.
وعُرف جلال الدين باسم مولانا وأسّس الطريقة المولوية والتي اكتملت على يد ابنه وخليفته سلطان ولد وألّف المثنوي والرباعيات وديوان الغزل والمجالس السبعة ورسائل المنبر.
ولا تكتمل سيرة الرومي بدون سيرة رفيقه شمس الدين التبريزي والذي التقى به في عام 1244م. ويصف مريدو المولوية لقائهما بما ورد بالآية القرآنية “مرج البحرين”.
وعلاقة القطبين التبريزي والرومي كانت لحظة فارقة في حياة الرومي، حيث تحوّل من العلوم الشرعية الى التصوّف. كان التبريزي درويشاً متصوفاً هائماً على وجهه “باحثاً عن شخص فارغ يملأه بالحب”، وما أن التقى بالرومي، حتى هجر الأخير وظيفته المرموقة بالتدريس والافتاء وانزوى عن أهله وأولاده متفرغاً لخلوته مع شمس، ما جعل العلاقة مثار شائعات، وانتهت بمقتل التبريزي بظروف غامضة عام 1248م. ولم يُعرف قاتله، فحزن الرومي على موته ونظم أشعاراً وموسيقى ورقصات استوحاها من سوق الذهب وطرق صفائحه، وتحوّلت إلى ديوان سمّاه ديوان شمس الدين التبريزي أو الديوان الكبير.

رسم تخيلي لجلال الدين الرومي
رسم تخيلي لجلال الدين الرومي

شرعة الحب

كان العصر الذي عاش فيه مولانا عصر قتل ودمار وصراعات دينية ومذهبية وعرقية، كحال عصرنا، فكانت طريقة الرومي لا تعترف بالفوارق الدينية، فعدد الطرائق لله بعدد الخلائق: “أنا أنت وانت أنا في اتحاد”.
وكان يرى الأديان واحدة: “توكّلت عليك، أيّها الحقّ الأعلى، فلا تنأ عنّي. ليس لي سوى معبد واحد، أو مسجد، أو كنيسة، أو بيت أصنام. ووجهك الكريم منه غاية نِعمتي. فلا تنأ عنّي، لا تنأ عنّي”.
حضرت هذه المعاني في ليلة الاحتفال الكبير يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول، إذ لم يتخلّف عن الحفل الذي أقيم بملعب البلدة أركان الدولة من الحزب الحاكم والمعارضة، فخطب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام عشرة آلاف احتشد بهم المكان، وركز على إرث الرومي من فلسفة الحب “تبرز فلسفة العشق الإلهي أمام متبعي الديانة المزورة وذوي الفهم الخاطئ، هؤلاء سيسقطون وتسقط أقنعتهم كما في حالة داعش”.
كما استلهم أردوغان روح الاتحاد التي دعا إليها الرومي، فذكر السلطان ألّب أرسلان (1029-1072 م)، رابع حكام السلاجقة الملقب بـ”سلطان العالم”، لعظم ملكه، وكذلك السلطان صلاح الدين الايوبي (1138 – 1193م)، للموازنة بين رمزين تركي وكردي، واستحضر أيضاً سيرة المتصوف حاجي بكتاش، الرمز المعتبر لدى علويي تركيا. واعتبر أردوغان مساندة بلاده لفلسطين واجباً أخلاقياً “نتعلمه من مولانا في وقت تستعيد فيه الامة ثقتها بنفسها من جديد. فالوقت مثالي للبحث عن المستقبل”.

Sufi-Darwesh-Dancer-New-Age

Sufi-dance_roumi
دمشق وحلب

ثمة مراسم شعبية قبل مراسم الاحتفال الرسمية تقام في ضريح الرومي “تربة خانة”، والذي كان مركزاً لتكايا المولوية المنتشرة في العالم الإسلامي، قبل أن يغلق مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، عام 1927 التكايا ويحول الضريح الى متحف.
وقد تقدم هذه المراسم، التي بدأت بقراءة “المثنوي”، متولية الوقف حفيدة جلال الدين الرومي للجيل الثاني والعشرين، إسين جلبي بايرو، المولودة عام 1949. وكانت المفاجأة أنها تفهم العربية وتتكلم بعض الجمل، فهي عاشت جزءاً من طفولتها في مدينة حلب بعد انتقال مركز المولوية اليها. وقالت لي: “عشت في حلب، وأنا أتألم كثيراً ممّا يحصل فيها”. وأضافت: “منحني جدي، مولانا جلال الدين الرومي، أرثاً مستمراً من القرآن الكريم، وسهّل عليّ وعلينا فهمه، وهو يعلّمنا أن كل الناس سواسية، من آدم وحتى نهاية الخلق”.
وعندما سألتها كيف ينظر أتباع المولوية إلى أن متولية أوقافهم امرأة وغير محجبة؟ أجابتني بابتسامة بأن “الإسلام دين السماحة وهو لا يفرّق بين الذكر والانثى، وبالنسبة للحجاب فهو شيء خاص بينها وبين ربها، فإن ارتكبت معصية فهي التي ستحاسب”.
وختمت حديثها بما يقوله جدها: “يقول مولانا إن عرفنا أنفسنا، سنحب الآخر، والله يريد منّا أن نعرفه ثم نحبه وأن نشارك ونتشارك الحب في كل مكان، فنحن نحتاج للحب في هذا الزمن”.
ويذكر أن التكية المولوية مكان استخدمته الطريقة كملجأ للدراويش والمريدين، ولا سيما الفقراء، وقد انتشرت كثيراً في العالم الإسلامي إبان العصر العثماني وكانت غالباً ما تضم مسجداً ومستوصفاً ومركز تعليم وغرفاً لإقامة الطلاب ومكاناً لإقامة الغرباء، “عابري السبيل”، ويتم توزيع الطعام على الفقراء فيها وتقام حلقات الذكر والمولوية فيها.
ومن التكايا المولوية اشتهرت “خان المولوي” في إسطنبول، و”التكية المولوية” في نيقوسيا، و”مسجد الميلوية” في دمشق، و”التكية” المولوية بطرابلس الشام، و”الدار العلائية” في اللاذقية، و”تكية القدس”، و”تكية المغاوري” في القاهرة.
أما تكية حلب في منطقة “باب الفرج”، فقد أصبحت مركز المولوية بعد إغلاق تكية قونية عام 1925 حيث عيّن “عبد الحليم جلبي”، آخر شيوخ التكية المولوية بمدينة قونية، ابنه “محمد باقر جلبي” في حلب شيخاً في “مولوي خانة”.
ولما توفي “باقر جلبي” بإسطنبول عام 1943، عيّن ابنه “جلال الدين جلبي” مكانه.
وفي عام 1944م، ألغت الحكومة السورية مشيخة المولوية وألحقتها بالأوقاف، فعاد “جلال الدين جلبي” الى تركيا.
ولحلب ودمشق مكانة خاصة عند المولويين، لأن “مولانا” درس فيهما لسبع سنين فأخذ العلم في حلب من كمال الدين بن العديم والتقى بدمشق بالشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي.

Roumi_shrine

السماع والسماح:مدد، يا الله، مدد

“كنت نيئاً، ثم نضجتُ، والآن أنا محترق”. تتميز الطريقة المولوية عن غيرها من الطرق الصوفية برقصتها الدائرية واهتمامها الكبير بالشعر والموسيقى فمولانا قد اختار، كما يقول، طريق الرقص والموسيقى للوصول إلى الله، في الموسيقى سر الوجود وفي الناي حنين الإنسان للعودة لأصله السماوي. “إن الناي يتحدث عن الطريق المليء بالدماء، والناي هو الذي يروي قصص عشق المجنون..والناي صديق لكل من افترق عن أليفه”. الرّقصة الدائريّة، كما يقولون، ترمز لدوران المجرات في الفضاء وإلى حركة الطبيعة والكائنات، ودائرة الراقصين تقسم على نصفي دائرة يمثل أحدهما قوس النزول أو انغماس الروح في المادة، ويمثل الآخر قوس الصعود، أي صعود الروح إلى بارئها. ويمثل دوران الشيخ حول مركز الدائرة الشمس وشعاعها، أما حركة الدراويش فتمثل النظام الكوني والفصول الأربعة. وترمزالثياب البيض التي يرتديها الراقصون إلى الكفن، والمعاطف السود ترمز إلى القبر، وقلنسوة اللباد إلى شاهدة القبر فيما تشير الدورات الثلاث لمراحل التقرب إلى الله. في حلقات الذكر المولوية، التي حضرتها، طفلاً، في مدينتي حلب، بأعياد المولد النبوي يرقص الدراويش مع إنشاد المنشدين “يا إمام الرسل، يا سندي، أنت باب الله، ومعتمدي، وبدنياي وآخرتي، يا إمام الرسل خذ بيدي. ثم “مدد يا رسول الله، مدد يا حبيب الله) مع ترديد جميع الحاضرين كلمة “حي” وتختم الفتلة بعبارة “الله الله يا الله”‏‏.




معنى أن تكون صوفيًّا

خاص حوارات – بقلم: خالد محمد عبده.. الصُّوفيُّ: المسافرُ في الحُبِّ –

أن تكون إنسانًا أوّلاً وقبل كلِّ شيء، أن تحقق معنى وفيك انطوى العالمُ الأكبر، أن تتذكّر أنك مهما علوت أو هبطت وعيت أو غفلت سهوت أو تذكّرت فأنت حيٌّ تحيا بالله، ليست هناك قواطع وحدود صُنعت وبُتّ في أمرها مسبقًا ولا بد أن تسعى على درب قد حُدد لك من قبل، أنت تحاول.. أنت تفكر.. أنت تجاهد نفسك ما استطعت أن تحيا وتتجدد، قال ربك في الكتاب “يزيد في الخلق ما يشاء” وأنا عند ظن عبدي بي، أنا لا أقف لعبدي بالمرصاد كي ألقيه في حفرة وأتحيّن الفرصة لسهو أو غلط فألقي به في النار لأجل جملة أو كلمة أو حرف، أنا أؤخذ العباد بما كسبت قلوبهم وأستيقنوا به وقدّموه، إن خيرًا فخيرًا وإن شرًّا فشرًا.. وربّك الغفور ذو الرحمة !
وقديمًا قيل: التّصوفُ استرسالُ النّفس مع الله على ما يريده. وكان من دعاء أحدهم:
يا إلهي!
اجعل عين قلبي مبصرة وأرشدني إلى معراج اليقين
وافتح بالرّحمة كنوز الجُودِ عليّ
وادعُ قلبي إلى ساحةِ الأمل
وارزقني قلبًا عامرًا بالثناء عليك
ولسانًا يكونُ بمنأى عن مدح من سواك
واشغل تفكيري بشكرك في السّراء
وزد من حمدي لك في الضّراء
وسُق هودج أملي إلى حيث يقع باب الفلاح
وبما أنك قد سموت بي في الدنيا عن التراب فلا تُسلمني في الأخرى إلى طوفان الهلاك
واغمرني بالعفو حتى أصبح طاهرًا
وأحيتي بذاتك حتى لا أموت
فليس ما أحمله قلبًا .. إنما هو جماد .. أمتلكه في الخفاء .. وأنت من يهب الأموات الحياة
ولتُنر هذا الضريحَ الترابيَّ بالعقلِ المنير والفكر النقي
وما ذلك الأمل الذي أعلّقه على تلك الحياة إلاّ إضاعة لها في الغفلة، فلا تذرني في نوم الغفلة أكثر من ذلك فإن أمامي نومًا آخر.
وإني أخطُّ في صحيفتي لازدهار أيامي وعندما تنتهي زخرفة هذا الديباج، فلتكتبه عندك في سجل العتقاء من النار.
ولا تسألني عن حسابي الذي لا يستحقُ التقويم فإنه لا يستحق السؤال!
وليكن كرمُك حارس سوقي وعنايتُك وكيلي في عملي
وجدد أملي بغفرانك
واجعل أملي فيك يفوق الحدود
الصّوفيُّ يبحث عن قلب ينبضُ بالحياة، يطلبُ الرشاد إلى معراج سماوي كل لحظة، تتجدد فيه صلته بالله، يكون الله صديقه الأوحد ومطعمه وساقيه، لا يبحث عن كنز من المال والمادة، بل يطلب فتح كنوز الرحمات حتى تتنزل على العباد، لا يريد أن يرى إلاّ الله وفي كُلّ حسن يرى صورة الله وتجلياته، يريد أن يتخلّص من غبار النفس الزائف ومن ترابها الذي يمنعه عن الحياة، يطلبُ العفو وإن تورّمت قدماه قيامًا وصلاة لله، يطلب النور الأعلى وإن كان في حضرة ربّ العباد.
الصوفيُّ يؤمن أن قلبه قطعة مُضغة تتكوّن لحظة بلحظة وتتجدد فيها الحياة بالله، وعلى قدر صفاء القلب تصفو الحياة، وعلى قدر طهارة القلب تُقبل صلاته وتتأكد صِلاته.. لا ينشغلُ الصوفيّ بالصورة الظاهرة –وإن كان الظاهر يتجمّلُ من خلال الباطن- فلا ينشغل كثيرًا بالطاهر من الماء أو المكان، فالعالم كله منه وبه طاهر، فأنواع الماء السبعة يعرفها لكنه غير مشغول بنقل أحكام الطهارة البرّانية وصحيح نُطق القرآن وكيفية المعاملات كما وردت في الكتاب أو السنّة فحسب، فهمُّه الأكبر أن يجدّ في طلب الحقيقة ويجدها، ويساهم فيها فيها، ويكون جزءًا منها، ويكون قلبًا وقلبًا ترجمة لها.
الصوفيُّ يُسقط التكاليف، ليس على نهج أهل الصورة كما يُشيعوا عنه، ولكنه يفعل كلّ شيء بحبّ وعشق دائم. فهو يؤمن بأنه لا كُلفة في عبادة العباد المحبّين، وهم خاصةُ الله ونُجباؤه..فإذا كان العوام من أمثالنا يجدون كُلفة/مشقة في آداء العبادات، فيقومون للصلاة بنصبٍ، ويصيبهم الملل إن طالت، وكذا الصوم وغيره من العبادات؛ فإن من ذاقوا حلاوة القُربِ والاتصال فلا كُلفة في مناجاتهم لأحبّ الأحباب، فكل عمل يؤدّونه له (لذّةٌ) و(مُتعةٌ) لا يشعر بها إلا من أدّاها بقلب يشتعل بعشق الله.
أن تكون صوفيًّا فهو ألا تريد من الله سوى الله !
ذُكر أن إحداهن ذات يوم كانت تحملُ نارًا في يدها اليمنى، وفي الأخرى كانت تحمل الماء وكانت تعدو مسرعة، فسألوها سيدتنا إلى أين أنت ذاهبة ؟ وماذا تبتغين ؟
فقالت: أنا ذاهبة إلى السماء! حتى ألقي بالنار في الجنة وأصب الماء في الجحيم ، فلا تبقى الواحدة ولا الأخرى ويظهر المقصود !
فينظر العباد إلى الله دون رجاء ولا خوف، ويعبدونه على هذا النحو. ذلك أنه لو لم يكن ثمة رجاء في الجنة وخوف من الجحيم أفكانوا يعبدون الحق ويطيعونه ؟!
أن تكون صوفيًّا فأنت كافرٌ بكلّ الأصنام، لا الأصنام التي حطّمها إبراهيمُ قديمًا أو مُحمّد منه السلام، بل الأصنام التي تتجدد كل يوم وتُنصب في الشوارع والميادين والمساجد ودور العلم وفي أروقة الإعلام الشاسعة! لا ينبغي لك أن تنخدع بالصورة أو الكلام، فأنت لست عبدًا لغير الله، ما الصورة إلا وهمٌ وخيال، ولو كانت لبشر أفاضل، فالشيخ أو الدّال على الطريق بمثابة القنطرة تعبر بها ثم ترى من بعدها ما لم يره.
أن تكون صوفيًّا فلا تنخدع بأحد. وقديمًا قال أحدهم: في وسط جميع الدراويش يختفي واحدٌ صادقٌ فقيرٌ فابحث عنه جيدًا وستجده.

du3aa

الصوفيٌّ يؤمن أن الشيطان الذي في داخله هو الذي يستحق التأديب والتهذيب، لا يلقي بتبعة أفعاله على الشيطان الخفي، الذي ورد في الذكر أن علاجه الاستعاذة وبالاستعاذة ينتهي أمره.. شيطان النفس هو الكفة الأخرى للقرين السماوي الذي يصاحب الصوفي في رحلات تحقيقه، قال أحدهم عن هذا الشيطان الذي لا يكلّ عن الحركة والعمل: في داخلي شيطانٌ، لا يخفى عليّ.. وقطع رأسه ليس أمرًا سهلا. . لقنته الإيمان ألف مرة… ولم يدخل في الإسلام.
هذا الشيطان هو أنا ما دمتُ حيًّا، في كل مرّة أخطئُ وأتوب .. ثم أخطئ وأهذّب نفسي .. ثم أجاهد نفسي ليل نهار حتى الممات، حتى أتخلّص من كل خُلقٍ دنيٍّ وأتحلّى ما استطعتُ بالخُلقِ السَّني.. ليس هناك لن أعود فلا يضمن أحدٌ نفسه، ولا يأمنُ مكرها، وفي صيغ استغفار النبيّ الأكرم ما رُوي أنه سيد الاستغفار يقول: وأنا على عهدك ووعدِك ما اسْـتَـطعتُ.. ومن يستطيعُ ما استطاع!
أن تكون صوفيًّا يعني أنك تلتمسُ من الحياة ما فيه نفع على العباد وتقدّمه على منافعك حتى ولو كانت قربة لله وآداء فريضة من فرائض الدين كان أحدهم قدر روى عن بايزيد البسطامي قصة تقول: كانت مع البسطامي مجموعة من الدراهم وأراد أن يحجّ وفي طريقه للحج وجد عجوزًا صاحب عيال فقير، فسأله الفقيرُ عن وجهته فأخبره أنه ذاهب إلى الحج حيث الكعبة بيت الله يطوف كما المناسك، فرجاه أن يطوف به ويعطيه المال فهو أحوج إليه هو وعياله، والبسطامي أحوج إن كان عبدًا لله أن يطوف ببيت الله الحيّ (قلوب العباد عياله) وقد فعل البسطامي وانصرف عن الحج. وقد انصرف أهل الصورة عن المعنى الكامن في فعل البسطامي وترجموه إلى إهمال الفرائض والاستخفاف بالدين. ونسوا ما هو أولى من ذلك، أن العاقل لا ينشغل بفعل غيره مع ربه، وأولى به أن ينشغل بالله.
أن تكون صوفيًّا أن تخلع عنك كل الأفكار المُسبقة ما كان باليًا منها أو حديثًا لا تفرض فكرًا على أحد ولا تنشغل بأفكار الآخرين مهما ظهر لك أنها لا تناسبك ولا تناسب الآدميين، وإن كنت مهمومًا بتغيير العالم من حولك، فإنه سيتغير حتمًا إن تغيّرت، ومن خلال حياتك الناجحة وبشريتك الراقية سيسعى غيرك للحصول على ما حصلت .
يُروى أنه كان هناك رجلان من أهل الله في طريق سفر من بلدة لأخرى ، وفي الطريق مرا بنهر، ووجدا على ضفته امرأة تنتظر بمفردها في وقت متأخر، وتبدو عليها ملامح الحزن والأسى، فسألاها : يا أختاه هل تحتاجين من شيء نقدمه لك، فقالت : أريد العبور للضفة الأخرى لأعود لأولادي ولكنني تأخرت وأخاف الغرق، فسارع أحد الرجلين إليها وحنى ظهره وقال لها اركبي، فامتطت المرأة ظهره وعبر بها إلى الضفة الأخرى من النهر، وبعدها أنزلها وألقى عليها السلام، ثم انطلق مع صاحبه إلى وجهتهما، وبعد مسيرة يومين من السفر، قال له صاحبه: هناك سؤال يؤرقني طوال سفرنا، فهل لي أن أسأله إياك ، فأشار إليه بالموافقة، فسأله : كيف تسنّى لك وأنت شيخ عالم فاضل أن تمس امرأة لا تحل لك، بل وتحملها على ظهرك وتشعر بحرارة صدرها على ظهرك، وتحتّك أبدانكما أحدهما بالآخر، أليس هذا حرام؟ فأجابه صاحبه مبتسماً: والله يا صاحبي، لقد تركت أنا المرأة على ضفة النهرالأخرى قبل يومين، ولكن يبدو أنك لم تتركها طوال اليومين حتى هذه اللحظة!
فإن كان كثيرٌ من الناس يتعبّدون الله ويتقربون إليه بسوء الظن! فكن أنت غيرهم وأحسن الظنّ بعباد الله تكن إنسانًا قبل أن تكون صوفيًّا.
أن تكون صوفيًّا .. تطوفُ لترى ولا تنزوي في صومعة بعيدًا عن العالم من حولك، ولا تتنصل من خبرة سابقة هي سبب في تكوينك الحالي، فكل ما قدّمته لنفسك من حسن وسيء هو أنت الذي تراه الآن، فإن كنت تاركًا للصلاة أو الصيام أو مقترفًا للرذائل يومًا، لا بد أن تتذكر ذلك إن حدّثتك نفسك احتقار أهل الآثام والمعاصي ! فيومًا ما كنت أنت هناك، وذكِّر نفسك قائلا: وأنت يا نفس لو ابتليتي ببيع الخمر والحشيش يومًا واحدا لضاقت عليك الارض‌ بما رحُبت،خوفًا من زوال رياستك لا خوفا من اللّه،عز وجل،بدليل‌ وقوعك في الذنوب التي هى أقبح من بيع الحشيش مثلا،ثم لا تضيق‌عليك الأرض ذلك الضيق!
وتذكّر أن من أهل الله من رأى للعاصي محاسن كثيرة، منها: أنه لولا تحمله تلك القاذورات التى نزلت على الخلق لربما كنت أنت المرتكب لها بحكم القبضتين إذ لا بد للمعاصي من فاعل !
وفي حكاية لأفضل الدين‌ رحمه اللّه يقول: أنا في غاية الحياء والخجل من جاري، فقلت لماذا؟ فقال لأنه غارق في الزنا واللواط وشرب الخمر والبوظة وبلع الحشيش ليلا و نهارًا، فأنا أتخيل دائما أنه محتمل ذلك عني لقذارة حالي وخباثة أصلي، فإنه من ذوي البيوت وأي شي‌ء بين حائطي وحائطه. ويروي الشعراني عن سيدى على الخواص رحمه اللّه قوله: لا يصح‌ لعبدٍ قدم في طريق القوم حتى يشهد نفسه تحت الأرضين!

Sufi-Darwesh-Dancer-New-Age

التصوف أن نرى نفوسنا دون كل جليس من الناس ولو بلغ‌ ذلك الجليس في الفسق إلى الغاية،فنرى نفوسنا أفسق منه فمن شك من‌ أهل الدعاوى في ذلك فليعرض على نفسه صفات الفسق التي عملها طول‌ عمره ويقابل بينها وبين صفات الفسق التى ظهرت من ذلك الجليس فإنه يجد صفات فسقه هو أكثر من صفات جليسه بيقين فهو أفسق، وذلك لأن اللّه‌ ستير، وما يكشف من صفات عبيده الناقصة إلا القليل والباقى يستره وماستره لا حكم له .. ولا يجوز لنا رمي أحد بالفواحش باطنًا قياسًا على ما وقعنا نحن فيه وستره اللّه علينا.
التَّصوّفُ إحساسٌ أکثرُ منه عقیدة .. لذلك من العبث أن تطالب شخصًا أن يأتيك بالدّليلِ على إحساسه! ومن العبث أن يُدلل الصوفيّ على حاله. أن تكون صوفيًّا أن تغيب عن كل هذه الأمور التي تدفن الإنسان ولا تنشغل بالرّد على المخالف فتتحول دون أن تدري عن وجتهك وتقع فيما فيه وقع .
ومن وصايا سيدى على الخواص رضى اللّه عنه: إذا جاءكم مجادلٌ فلا تقيموا عليه الحجج بالأجوبة المسكتة! وتصدّقوا عليه بالسكوت! فإن السكوت يخمد هيجان النفس والجواب بالجدال يهيّجها.
أن تكون صوفيًّا .. أن يكون حديثك وحالُك بلسمًا يشفي الصدور ويشرق منه النور، تترجم الحرف في صمت بفعل لا بكلِمٍ يكلمُ صدور العباد. كان هناك شيخ يعلّم تلاميذه العقيدة (لا إله إلا الله) يشرحها لهم، ويربيهم عَلَيْها أسوة بما كان يفعله الرسول الأكرم منه السلام، وفي يوم أتى أحدُ تلامذة الشيخ ببغاء هدية له وكان الشيخ يحب تربية الطيور والقطط، ومع الأيام أحبّ الشيخُ الببغاءَ وكان يأخذه معه في دروسه حتى تعلّم الببغاء نُطق كلمة لا إله إلا الله، فكان ينطقها ليلاً ونهارًا، وفي مرة وجد التلامذة شيخهم يبكي بشدة وينتحب! وعندما سألوه قال لهم: قتلَ القطُّ الببغاءَ! فقالت التلاميذ: ألهذا تبكي؟! إن شئت أحضرنا لك غيره وأفضل منه، فأجاب الشيخُ قائلاً: لا أبكي لهذا. ولكن أبكاني أنه عندما هاجم القطُّ الببغاء أخذ يصرخ ويصرخ إلي أن مات. ومع أنه كان يكثر من قول لا إله إلا الله إلا أنه عندما هاجمه القطُّ نسيها ولم يقم إلا بالصراخ. لأنه كان يقولها بلسانه فقط ولم تخالط قلبه ولم يشعر بها ، ثم قال الشيخ : أخاف أن نكون مثل هذا الببغاء نعيش حياتنا نردد لا إله إلا الله بألسنتنا وعندما يحضرنا الموت ننساها ولا نتذكرها لأن قلوبنا لم تعرفها ، فأخذ طلبة العلم يبكون خوفا من عدم الصدق في قول لا إله إلا اللـّه.
أن تكون صوفيًّا .. إذا تنسّمت عبير المحبّة في مكان فثمّ وجه الله يكون معتقدك !
أن تكون صوفيًّا .. أن يكون ابتهالك: لا تردّني إليّ بعدما اختطفتني منّي!
أن تكون صوفيًّا .. لا تقلّك أي أرض ولا تظلك أي سماء!
أن تكون صوفيًّا.. ألا تذكر كلّ ما كتبته هنا!




من الإسلام السياسي إلى الإسلام الصوفي: الفرار إلى روحانية الإسلام

خاص حوارات – بقلم: خالد محمد عبده –
للتصوف الإسلامي إمكانات ومقومّات استطاع من خلالها أن يضرب بجذوره في المشرق والمغرب الإسلامي، ويتعدى أثره من بلاد الإسلام لينتقل من الشرق إلى الغرب، ويشهد إقبالاً في عصرنا الحالي لم يكن يشهده من قبل، فمن خلال دراسة أجرتها جامعة ييل الأمريكية، يمكن القول: إن ثلثي مناطق العالم وصلها الإسلام عن طريق المتصوفة، نفس النتيجة تؤكدها الباحثة الأمريكية جيزيلا ويب، قائلة: كان الصوفية هم الناقلين الفعليين للإسلام إلى مناطق أبعد من الشرق الأوسط، خصوصًا إلى إفريقيا وشبه الجزيرة الهندية والعالم الماليزي-الأندونيسي، وفي سياق روح التقليد الصوفي نفسه، ما زال المتصوفة يواصلون هذا الدّور في أمريكا.
وفي أوروبا أيضًا تروى قصص كثيرة حول كيفية انجذاب بعض المفكّرين الأوروبيين الكبار للتصوف الإسلامي، والدخول عبر أبوابه الواسعة إلى رحاب الإسلام، ويمكن الإشارة هنا إلى رينيه جينو (الشيخ عبد الواحد يحيى)، وفريتجوف شيوون، وتيتوس بوركهاردت، ومارتن لينجز (الشيخ أبو بكر سراج الدين)، الذين وجدوا في الشرق الإسلامي نوذجًا عاليًا من نماذج الحكمة وحياة الحقائق. وعلى المستوى الشعبي ينجذب كثير من الشباب الأوروبي ذي النزعة اليسارية إلى التصوف الإسلامي ويرون فيه ثروة روحية تساعدهم على تحمل الحياة.
ومن اللافت للنظر أن فئات كثيرة في مجتمعاتنا العربية – كانت أبعد ما تكون عن التصوّف والمسائل الروحية في حياتها من حيث ظاهر سلوكها واهتماماتها – انجذبت اليوم إلى التصوف، واتقدت عقولها بما تقرأه أو تسمعه أو تشارك فيه من نشاطات صوفية، وصارت تشعر بشكل مختلف للحياة بعدما سمعت عبارة لذي النون أو بيتًا من الشعر لرابعة، أو وردًا لأحد الصوفية الشاذلية، أو حديثًا لأحد النقشبندية، أو مديحًا لمنشد صوفي، أو رقصة من رقصات المولوية!
وهو الأمر الذي نظرنا إليه نظرة استخفاف أحيانًا؛ فمثل هؤلاء لا يلتفتون إلى التصوف إلا من باب (الموضة والظاهرة) التي سرعان ما تأخذ وقتها وتنتهي آفلة! أو نظرت إليه فئات من المخاصمين للتصوف على أنه نافذة يمكن الدخول منها لمهاجمة التصوف وأهله، أو رأى بعض الدارسين فيه استلابًا للشباب اليوم!
ما مدى أهمية التصوف للمسلم المعاصر؟ وكيف يمكن للتصوف أن يسهم في تأسيس إنسان يتسق مع ماضيه العريق ويساهم في بناء مجتمعه الحالي؟ وكيف يمكن تفسير الحنين إلى التصوف في بلداننا الإسلامية، خصوصًا بعد انتفاضات الدول العربية؟ وهل يعود ذلك لممارسات جماعات الإسلام السياسي التي رغّبت الشباب عن الإسلام الذي يُعرض من خلالهم مستغلين فيه الدين؟ هل للتراث الروحي في هذه البلدان أثر أعاد المجتمع إليه اليوم؟

أهميةُ التّصوفِ للمسلم المعاصر:
مع انتفاضات الشعوب العربية اليوم، والتي بدأت منذ سنوات، تمكّن الكثيرون من أبناء التيّارات الإسلامية من الوصول بخطابهم الديني إلى فئات عريضة من الشعوب، ولم يكن هذا الوصول محض صدفة، بل كان امتدادًا طبيعيًّا للقنوات الفضائية التي صارت إعلامًا بديلاً عن الإعلام الرسمي المعبّر عن سياسة البلاد فيما يتعلّقُ بالتعامل مع قضايا الدين ومشكلاته، فمع عدم تبني الدّولة بشكل رسمي لخطاب ديني يلبّي حاجات النّاس، تمكّن أهل هذه التيارات من سدّ تلك الفجوة لنزولهم إلى واقع الناس وهمومهم وطرحهم حلولاً لها!
في ظلّ الأحداث المتلاحقة التي تتغيّر في كلّ لحظةٍ، حدث حراكٌ هائل وما كان مسكوتًا عنه بالأمس أصبح بارزًا ويتكرر الحديث عنه في الإعلام المقروء والمرئيّ. بعضُ المشكلات السياسية كانت هذه التيارات حديثة عهد بها على الرغم من تبشيرهم ليل نهار بالدّولة الإسلامية وضرورة الاحتكام إلى الشريعة، لكن يبدو أن قصورًا شاب أطروحاتهم ولم يحالفهم النّجاح في التّعامل مع الواقع بأدواته أو أدواتهم.
ورغم تهويل الإعلام الرّسمي الذي تتبناه الدولة لكل ما يطرحه الإسلاميون من أفكار أو يعلّقون به على مجريات الأحداث، فإن هذه التيارات تعاملت مع الجماهير كأطفالٍ ينبغي أن تُردع ويتمّ تأديبُها من جديد. وتكرر الحديث عن الفتوحات الإسلامية وعن عقائد أهل السّنة والجماعة، وتم الخلطُ بين القوانين المدنية والدساتير والآراء الفقهية، وبين التاريخ والواقع، وانتشرت الكتاباتُ التي تُروّج للإسلام الحركي والسّلفي، وتحدث البعض عن منع الكُتب، وروّجت الشائعات حول ما وُصف بفقه الموتى والحمامات، وتم استدعاء شخصيات بعينها خاصمت هذا الطرح السلفي لتكون أقوالها حائط صدّ تجاه ما يُطرح من أفكار وُصفت أنها تعود بنا إلى الوراء.
وبصرف النظر عن صدق الشائعات من كذبها، وما ثبت صدوره عن أهل الإسلام الحركي والسلفي من فتاوى وتصريحات، فإن كثيرًا من الشباب زهد في هذا الخطاب الديني الذي لم يترك صغيرة أو كبيرة إلاّ تدخّل فيها، وتنصّل بعض المنتمين إلى هذه التيارات منها، وبعضهم وصل به الأمر إلى إعلان عدم انتمائه إلى الدين ككل؛ لأن هؤلاء في نظره يمثّلون الدين نفسه لا صورة من صوره!

اهتمامٌ ملحوظٌ بالتّصوف:
في ظلّ احتدام الصراع السياسي الديني الذي لم تُستثنً منه الطُّرقُ الصوفية في مصر على سبيل المثال، ورغم مشاركة الطرق في إعلان خصومتها للتيار الحاكم بعد الثورة (الذي تمثّله قوى الإسلام الحركي) ورغم تصالحها مع النظام السابق للثورة الذي كان يحرك المشهد كله حسب مصالحه، فإن الشباب والكهول أبدوا اهتمامًا كبيرًا بالتصوف طريقة ومسلكًا وتجربة، ربّما للابتعاد عن الاهتمام باليومي والسائد، وربّما لأن الروحَ ضجرت من صور التّدين المتاحة ورأتها تبتعد عن أهداف الدين وغاياته، فأخذت تبحث في القديم عمّا يلبّي رغائبَها، وأبدت اهتمامًا ملحوظًا بتمظهرات هذا النمط الروحي في الآداب والفنون، فاهتمت بالسماع الصوفي والروايات التي تعتمد الموضوع الصوفي وشخصيات المتصوفين، كروايات سالم بن حميش، وعبد الإله بن عرفة، كما أبدت اهتمامًا بالكتابات الأعجمية التي تُرجمت إلى العربية كحكايات الصوفية لإدريس شاه، وقواعد العشق الأربعون لأليف شافاق التركية.
تم ترديد عبارات البسطامي وذي النّون المصري والحلاّج والجيلاني ورابعة العدوية وابن الفارض والرّومي وسنائي الغزنوي وغيرهم من أعلام التصوف، دون التفاتٍ لتنظير الدّارسين للتصوف ودون اهتمام بما يُقال من أهل الطّرق الصوفية عن أمثال هذه الشخصيات وعباراتهم التي تقال في مقام تستحق أن تُطوى ولا تُروى.
وقصد بعض الناس مقامات الأولياء من جديد، على الرغم مما أثير من غبار الكلام حول المقامات والأضرحة، إذ تمّ استدعاء فتاوى التحريم وكراهة الصلاة في المساجد التي تشتمل على أضرحة. وأعلنت بعض أجهزة الدولة عن إفشال أكثر من عملية تفجير للمقامات في مصر، ورغم كل هذا ازدادت الزيارات للمقامات، وقصدت جميع شرائح المجتمع هذه المساجد، وعقد بعض الشيوخ الصوفية الجدد مجالسهم فيها.

رسم تخيلي لجلال الدين الرومي
رسم تخيلي لجلال الدين الرومي

التصوف رحابٌ لا يعرف الحدود:
ومن الواقع إلى فضاء التواصل الاجتماعي، فكما شكّلت المواقع التي تتواصل عبرها الجماهير عاملاً مهمًّا في اندلاع الثورات وتحريك الأحداث وخلق وعي جديد، كذلك شهدت هذه المواقع ثورة معلوماتية، فكثيرٌ من المعلومات والإشارات والإحالات على كتب الصوفية في اللغات كافة، وتأسست صفحات ومجموعات للتحاور في الشأن الصوفي، وبعض المغمورين من الصوفية السالكين كوّنوا مجموعات من المريدين من خلالها، وبعض الشباب تخصص في إذاعة أخبار الأولياء والعارفين، ولم يقتصر الحضور في هذه المساحات الأثيرية على الذكور، بل كانت النساء حاضرة وكنّ أكثر ولعًا واهتمامًا ومشاركة.

التصوّف الأعجمي:
لم يقتصر الاهتمام بالتصوف العربي وأعلامه، بل وجدنا اهتمامًا كبيرًا بالتصوف الفارسي وعرفائه، وحضرت شخصيات صوفية كان الاهتمام بها قد اختفى بعد أن كانت حاضرة في الواقع المصري، كشخصية الرّومي الذي طُبعت مؤلفاته في مصر في وقت مبكّر، فأصدرت مطبعة بولاق كتابه الأشهر باللغة الفارسية (المثنوي)، وكانت نصوص هذا الكتاب تُقرأ وتُشرحُ ويكلّف الطلاّب في جامعة القاهرة بالعناية بها كما يروي الأستاذ محمد عبد السلام كفافي عن أستاذه عبد الوهّاب عزّام عميد الدراسات الشرقية في مصر في مقدمته لترجمة المثنوي الصادرة في ستينيات القرن المنصرم، وبدأت الصُّحفُ اليومية المطبوعة والإلكترونية تُعيدُ الحديث عن الرّومي كقيمة إسلامية عليا من قيم التسامح والانفتاح وقبول التعددية ونبذ العنف والتطرّف.
ومن الاهتمام بالتصوف الفارسي إلى التّصوف الهندي الجامع لشتّى صنوف التصوف بين طيّاته، وهنا برز الاهتمام بعنايت خان الموسيقى الصوفي الذي ارتحل من الهند إلى لندن وشاعت تعاليمه التي كتبها بالإنجليزية وانتشرت في أرجاء المعمورة.
ومن الطريف أن كتابه الذائع بين الجمهور العربي اليوم تُرجم عن الرّوسية، والمقصود هنا كتابه (تعاليم المتصوفيين) الذي سعى فيه لإظهار هذه التعاليم مستفيدًا من تجربته الصوفية والموسيقية ومطالعته للفلسفة وانخراطه في أجواء التعددية الدينية في الغرب والهند على حد سواء. كذلك وجد كتابُه الذي ترجمه عيسى علي العاكوب وحمل عنوانَ (يدَ الشّعرِ) عناية من القرّاء العربِ، ربما لاختياره الموفّق لشخصيات من التصوف الفارسي، الذي يولع القراءُ بهم اليوم.
وعلى الرغم من شهرة محمد إقبال الفيلسوف الهندي في عالمنا العربي، فإن حضوره في فضاء معرفتنا لم يكن باعتباره على خُطى ابن الرومي الذي اتخذه مرشدًا وهاديًا في طريق كتابته للشعر والتصوف وفي معراجه الروحي، بل كان حاضرًا كمجدد ديني، وشاعر ألهب حماس الجماهير وجعلهم يؤسسون وطنًا خاصًّا بهم. وتمّ الجمعُ بين محمد إقبال ومفكرين معاصرين منهم من رحل عن عالمنا ومنهم من لا يزال حيًّا يصدر الكتب والمقالات.

Sufi-dance_roumi

التّصوفُ من الهند إلى الأندلس:
وتجدد الاهتمام بالشاعر الصوفي الششتري الذي ملأ الدنيا في وقته وشغل الناس، وبدا الاهتمام الصوفي به أكثر تأصيلاً ومعرفة من الاهتمام السلبي الذي تمثّل في تحذير التيار السلفي من كتاباته اعتمادًا على ما قاله ابن تيمية في كتبه، وخصوصًا (السبعينية). وطُرح الصوفي الششتري من جديد كشاعرٍ وزجّال خاطب وجدان المسلمين في شتّى البقاع التي ارتحل إليها من الأندلس والمغرب وطرابلس ومصر، ولا يزال أكثرُ الناس ولعًا واهتمامًا به أهل المغرب، إذ يجوّدون غناء أشعاره ويعيدون تحقيق تراثه.
وفي سوريا التي يُعلن كلُّ يوم عن وفاة العديد من الأشخاص إثر قصف أو هجوم مسلّح، بُعث عبد الغني النابلسي شارح الششتري وابن عربي من جديد، فخصص أحد السوريين على الإنترنت صفحة لنشر أشعاره ونثره، وبدا في اهتمامه مطّلعًا بشكل جيّد على ما كتبه النابلسي، ولا غرابة في ذلك إذ التقليد الصوفي في سوريا يُولي النابلسي كبير عناية، وكذلك الأكاديميون المتخصصون في درس الفلسفة الإسلامية.

ظمأٌ إلى الروحانية:
ومن الخاصِّ إلى العامِ تلتفُ مجموعاتٌ من مذاهب وتيارات وديانات مختلفة حول مقولات الروحانية والتصوف التي تنشرها صفحاتٌ عدّة، لا تفرّق بين قائل حسب ديانته، المهم أن يصبَّ القول في إطار الروحانية وقبول التعددية الدينية، ونبذ العنف والتطرف، ومثل هذه الصفحات لا تهتم ولو بشكل عرضيّ بحديث السياسة وما يجري في العالم العربي، رغم أن روّادها عربٌ يعايشون الأحداث.
ويمكن رصد درجات الوعي المعرفي والديني عند الجمهور المتابع للتصوف والمتصوفين على مواقع التواصل من خلال متابعة النقاش في أي موضوع مهما كانت العبارة أو الفقرة محل النّقاش، ففي غالب الأحيان تكون العبارة واضحة منبئة عما تحمله من معنى، ويكون نشرها لمقصد ظاهر عند بعض المتابعين إلاّ أن التعاليق تأتي لتتشعب بالحديث في سياقات أخرى، وغالبًا ما تستعيد الجدل الفقهي والديني القديم.
وتعلو حدة الحوار ويزيد العنف اللفظي أكثر في منتديات الحوار إذا كان النقاش بين منتمٍ إلى التيار السلفي والصوفية الطُّرقية، وتُقتبسُ النصوصُ، وتضربُ بعضُها، ويتبادلُ طرفا الحوار تُهم التّكفير والخروج عن جادة الصراط المستقيم، وهي هي الأفكار القديمة والقضايا التي شُغل بها الأقدمون، يُعادُ طرحُها بنفسِ الأسلوبِ، وتُناقشُ على نفس الصورة، وإن كان الأقدمون أكثر تأصيلاً كلّ لموقفه.

Sufi-Darwesh-Dancer-New-Age

بركةُ النساءِ:
ومن الرّجال إلى النساءِ، وكما غُيّبت النساء في المدونة الصوفية كما يؤكد الدّارسون للتصوف وقرّاء الكتب الصوفية التراثية (تراجم وطبقات) قلّ الاهتمامُ بهن وبسيرهن، اللهم إلا بعضِ السيداتِ كرابعة العدوية التي تنوقلت أقوالها وقصصها بشكل كبير حتى اليوم، وهناك محاولة لأحدهم أراد أن يجمع أخبار النسوة المتعبدات في صفحة واحدة وينشر سيرهن من باب إظهار هذه التجارب المطوية والمسكوت عنها في درسنا العربي، وهي محاولة جديرة بالانتباه.
إذ نلاحظ قلة الكتابات عن المرأة الصوفية في الفضاء الثقافي، وقليلة جدًّا الكتابات التراثية عنها أيضًا، فأغلب المرويات تشير إلى نساء في صحبة الرجال من الأولياء أو يمرُّ الوليّ الصوفي عليهم في الصحراء ورغم تكوينه المعرفي ومقامه الذوقي الكبير، فإنه إذا ما وقف أمام امرأة من هاتيك النسوة علّمته الكثير، نلاحظ ذلك على سبيل المثال في قصة شهيرة بطلتها سيدة مجهولة وذو النون المصري. كذلك نلاحظه في ذكر بعض النسوة كفاطمة زوجة أحمد بن أبي الحواري الذي قيل له: تعلّم الفتوة من زوجتك. ويروي ابن الجوزي في كتاباته التراجمية كثيرًا من قصص النساء، من كنّ منهن معيّنات في التاريخ أو مجاهيل لا ذِكر لأسمائهن، ويفرد السُّلميُّ كُتيّبًا صغيرًا لبعض النسوة المتعبدات، وكما هو الحال في كتب السّنةِ نجد الشيعة صنفوا في ذكر السالكات.
وفي عصر التقدّم والتكنولوجيا تحوّلت المرأة إلى موضوع حديثٍ مستمرٍ من كافة التّيارات والمدارسِ، ويسبق الغربُ كعادته في درس المرأة الصوفية، وتخصص دراسات في المرأة الصوفية في عصر بعينه، وتتطوّر الدراسات من بقعة جغرافية محدودة لتتوسع في الحديث عن النساء الصوفية في الهند وباكستان وغيرها من بلدان الإسلام، وإذا كانت الدراسات تفرّق بين التصوّف العربي والعرفان الفارسي فإن بركة النساء لا تختص بمذهب دون غيره، إذ تنتقل البركةُ إلى المريدين أيًّا كانت طريقتهم، وهكذا توجد البركة في مصر كما توجد في تونس، كما يلتمسها أهل المغرب.

Sufi-dance

التّصوّفُ جامعًا للفرقاء:
يشير روشندل الكاتب الإيراني في مقدمته للكتاب العرفاني “روضة الأسرار” لمحمود الشبستري إلى أن حركات المقاومة الإيرانية ضد العرب رغبة منها في بعث القومية الإيرانية اتخذت لها طابعًا مذهبيًّا فتناحرت الأحزاب وتصادمت العقائد، ووقعت الفرقة بين المسلمين المتخاصمين، فصحّ العزم لدى بعض الإيرانيين في القرن الثاني من الهجرة على الدعوة إلى الأخذ بمبادئ التصوف التي لا تُفرّق بين فرقة وأخرى، وبذلك يعتصم المختلفون بالعشق الإلهي، الذي يكفل لهم الوحدة والصفاء بين الفرقة والعداء.
ربّما يظن البعض أن هذا كلامٌ عاطفي لا يؤيده سند من تاريخ المسلمين ولا يؤكده عقل فاحص، إلاّ أنه وإن لم يصدق على الفرق الإسلامية بشكل عام فإنه يتجسد في أفراد من الصوفية بالأمس واليوم! فنسمع عن كثيرين من أئمة التصوف وأعلامه أن فلانًا يحضر مجلسه أهل الأديان طُرًّا من مسيحيين ويهود وبوذيين، وأن هؤلاء على اختلاف توجّهاتهم يحزنون عند فَقد هذا الشيخ أو ذاك. وأحب هنا أن أروي قصة لمولانا جلال الدّين الرومي جاء فيها: كان بعض المسيحيين في مجلس مولانا جلال الدين الرومي يستمعون إليه، وعلى الرغم من عدم معرفتهم باللغة التي يتحدث بها، إلاّ أنهم كانوا يحزنون ويفرحون ويبكون حسب جو المجلس. في إحدى المرات قال أحد المسلمين في المجلس باستخفاف: ما بال هؤلاء يبكون؟! مع أن المسلمين أنفسهم لا يصِلون إلى فهم مُعظم ما يُقال في هذه المجالس ويدركونه.
فسمعه مولانا، فعلّق قائلاً: ليس من المهم أن يفهموا الكلمات، هم يفهمون لُبّ الكلمات، هم يدركون أن ما يدور في هذا المجلس هو عن الله، وعن كونه رزّاقًا عفوًّا غفورًا رحيمًا جميلاً قادرًا حكيمًا مُثيبًا مُعاقبًا، وهم يشمون من هذه الكلمة رائحة أحبابهم؛ لذا يتأثرون وتثور عواطفهم. كل إنـسـان يحبُّ الله من جماع قلبه ويتضرع إليه؛ إذ ليس بوسعنا أن نضع اسمًا لهذا الإيمان القاطن في القلب، وعندما يسيل هذا الإيمانُ إلى مجرى الكلام وقالبه يتشكّل ويُكتب اسمٌ له.
ونلاحظ اليوم اهتمامَ أهل الشرق والغرب على حد سواء بشخصيات التصوف الكبرى، وإن رأى بعض الدارسين في اهتمام الغرب بالتصوف الرغبة في ملء الفراغ الروحي! فإن هناك من يرى اهتمام الشرق اليوم بالتصوف من باب أنه عاصمٌ من (الإلحاد)؛ إذ يمثّل التصوف برقّته وتسامح سُلاّكه والمؤمنين به حائط صدٍّ أمام التطرف بوجهيه! كما يمنح المكبّل المثقل بهموم الحياة بعض الحرية.

TOPSHOTS-TURKEY-DANCE-WHIRLING-DERVISH-FEATURE

أيُّ دورٍ للصوفية اليوم؟
حافظ كثيرٌ من أهل التصوف على التراث الروحي المنتمي إلى رحاب الإسلام، وقرأوا الكثير من الدفاتر والأوراق التي خطّتها قمم التصوف الكبرى، ولا يزالون يتبركون بالمشايخ والأكابر، ويتوارثون أذكارهم، ويلقنون المريدين أورادهم، وإذا كان التصوف في بلاد العرب ظلّ أمينًا على الموروث لا يغادره، ولا يبتدع في شأنه جديدًا محافظة منه على ميراث عزيز، فالحالُ أنه قد تطوّر كثيرًا في الغرب عبر الهجرات فرادى وجماعات، وعبر التجارة وغيرها من النشاطات، ويمكن رصد مظاهر هذا التطور والاستفادة منها في تطوير الخطاب الصوفي والخروج به من دائرة اعتدنا عليها إلى رحاب أوسع، والتوجّه به إلى شرائح أكبر. وأحيل هنا على دراسة عربية للباحث المغربي عزيز الكبيطي بعنوان : “التصوف الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية”، عايش الباحث فيها البيئة التي كتب عنها بشكل جيد، وساعده ميراثه الصوفي في فهم ما لاحق هذا العالم من تطورات، كما أسهم بدوره في إلقاء محاضرات للتعريف بالإسلام يمكن من خلال مشاهدتها التعرّف على عطاء الباحثين الجدد وإسهامهم في الدرس الصوفي.

_______________

*خالد محمد عبده مدير أبحاث في مركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي، صدر له كتاب عن (أمّية النبي) في التراث الإسلامي بالاشتراك مع سبيستيان غونتر، وحقق ثلاثة كتب في أدب الجدل والدفاع بين الإسلام والمسيحية ثلاثتها لمحمد توفيق صدقي المعاصر للأستاذ الإمام محمد عبده. كما صدر له عن مؤسسة بيت الغشّام دراسة وتحقيق لكتاب الدّين الدولة في إثبات نبوة النبي لعلي بن ربّن الطبري. ونشرت له في الدوريات العربية عدد من البحوث مثل: التصوف عند البقاعي، من رُمُوزِ العلمِ المُقدّس René Guénon، التقريب بين المذاهب في مصر وغيرها..
سيصدر له عن دار بريل brill في هولندا قريباً كتاب موسّع عن الجدل بين الإسلام والمسيحية في القرن الثاني الهجري باللغة الإنجليزية بالاشتراك مع أستاذ كرسى الإسلاميات والمسيحيات في كامبريدج ديفيد توماس. وله تحت الطبع كتاب عن (جلال الدّين الرومي حياته وتصوفه).




عن الإيمان الروحي كرافد وجودي للنزعة الفردية

صلاح سالم – صحيفة الحياة –
ثمة نزعات زهدية متنوعة في الأديان الكبرى (الحية) سواء كانت طبيعية – وضعية أو سماوية – توحيدية من قبيل (النيرفانا البوذية – القبالاة اليهودية – الرهبنة المسيحية – التصوف الإسلامي) تمنح للمؤمن بها روحانية عميقة، وشعوراً بالسمو على المكون المادي فيه، وانشغالاً بعالم الروح، وما به من لمحات قدسية. غير أن هذه النزعات الزهدية، وروحانيتها العميقة تقود المؤمن بها إلى اتجاهين شبه متضادين على طريق الحرية الإنسانية، ومدى شعوره بذاته الفردية، وبالقدرة على التأثير في العالم من حوله:
الطريق الأول، الأقرب إلى الذهن العام، هو ما تواتر تقليدياً وتاريخياً من اعتبار هؤلاء الزاهدين في الدنيا مجرد مهمشين يعيشون على الجوانب القصية من عالم يموج بالحركة والصراع، لا يعبأ بمثل هؤلاء، كما لا يعبأون به. وقد ساهم في دعم تلك الصورة وذاك الفهم ما عرفته المجتمعات التقليدية من ظواهر الدروشة والعزلة التي اندمج فيها أو اصطبغ بها أولئك الزهاد من الأديان كافة. أما الطريق الثاني، الأبعد عن الذهن العام نسبياً، فهو ما تجلى تاريخياً، ليس في ظواهر اجتماعية، بل في أفراد متعددين ولكن متناثرين، تعاقبوا في الزمن داخل جغرافيا واحدة، أو توازي بعضهم مع الآخر داخل الزمن الواحد ولكن في جغرافيات مختلفة من عالمنا، ولكنهم جميعهم اتسموا بروح صلبة استقوها من إيمان داخلي عميق، ومن روحانية متوهجة مكنتهم من تحدي جبابرة عصورهم من حكام وطغاة وكهنة، حتى ولو أدى بهم ذلك التحدي إلى فقدان حيواتهم، وليس فقط ممتلكاتهم، دفاعاً عن رؤى إيمانية، أو كشوفات علمية، أو مشاعر وطنية، وغيرها مما اعتبروه بمثابة الحق أو تخيلوه في صورة الحقيقة.
على الطريق الأول حمل الزهاد من عالمهم المحيط بهم تقاليده الظاهرية، واندمجوا في بعض أنماط عيشه القصية، كما عوّلوا في الأغلب على اقتفاء آثار سابقيهم من الزهاد: البوذيستافات والقديسين والأولياء، فكانوا بمثابة هوامش على متن عالمهم الموار بالصراع، أغراباً على القيم الحاكمة لعصرهم المتغير باستمرار. وعلى الطريق الثاني تشبع أولئك الزهاد بأسمى قيم عالمهم، وأرقى مثالياته، مجذرين لها في إيمانهم الذي تمكنوا من تأويله كأسمى قيم الحياة، وأنبل إشعاعات الروح التي تضع الله فوق سقف الكون، وتضع الإنسان في مقدمة أشياء العالم، قبل أن تنصرف لإقامة علاقة رأسية بينهما، تتسم بالنقاء من كل شائبة والبراء من كل كهانة، والبعد من كل تسلط، والتعويل على كل ما هو جوهري وباطني.
على الطريق الأول يصير المؤمن مجرد زاهد في العالم، مغترب عنه، لا يعي حقائقه، فقط يدعي السمو عليه من منطق الضعف إزاءه، فلا يعدو أن يكون علامة على نمط عيش مهجور في الواقع، أو رمز يشير إلى عصر مغترب في التاريخ. وعلى الطريق الثاني يصير المؤمن فعالاً في العالم، زاهداً في مادته، ولكنه جياش بروحانيته المؤثرة فيه، وقيمه المحفزة له، فالمؤمن من هذا الطراز لم يفقد اهتمامه بعالمه، بل فقط أعاد توزيع اقتصاديات جهده الإنساني بين ما هو جوهري – أخلاقي في هذا العالم، وبين ما هو ظاهري – انتهازي، مركزاً على الأول، نافراً من الثاني.
يقترب بنا هذا الفهم من روح الفلسفة الوجودية، كأعتى فلسفة إنسانية في الدفاع عن الذات الفردية وحقها في الحضور والتأثير والفعل، حيث الحرية الإنسانية تسبق ماهية الإنسان أو على الأقل تتخللها وتجعلها ممكنة، فماهية الكائن الإنساني معلَّقة بحريته، ومن المستحيل تمييز الحرية كنشاط إرادي، عن الإنسان ككائن واقعي. غير أننا هنا أمام مفهومين لتلك الحرية: أولهما هو مفهوم (الدازين) لدى هيدغر، حيث الإنسان هو (الموجود – هناك)، الذي ألقي به في العالم، يعاني الاغتراب والقلق نتيجة ما يمكن أن يصير عليه. وثانيهما هو مفهوم (الوجود لأجل ذاته) حيث تمكن الإنسان من امتلاك وجوده الذاتي، بتوقفه عن الإنصات إلى الناس وثرثرتهم، ونزوعه إلى إنتاج وعيه الخاص، ضمن صيرورة دائمة للتعلم يسميها هيدغر بـ (التصميم). هذا التصميم هو الحرية التي تخلص (الموجود – هناك) من سطوة الناس، ولكنها لا تخلصه من سطوة العالم، خصوصاً من العدم الذي يدفع به نحو الموت. أما التحرر من العدم نفسه واستعادة الوجود، فلا يمكن أن يحدث – وفق الفيلسوفين قبل الوجودي لايبنتز، والوجودي المؤمن كيركيغورد – إلا خارج الذاتية عبر فيضٍ إشعاعي لا يستطيع أن يثبت ذاتية الإنسان إلا تجاه خالقه.
ولا نظن أن هذا الفيض الإشعاعي الواصل بين الإنسان وخالقة بهدف توكيد الحقيقة الإنسانية ضد العدم، يختلف عما قصدناه بتلك الروحانية العميقة الواصلة بين المؤمن والحقيقة الإلهية. غير أن تلك الروحانية توزعت على طريقيتين في خطاب المؤمن بها، أو لنقل إن المؤمن بها استقبلها بطريقتين مائزتين: الأولى تعكس نوعاً من (الزهد في العالم)، ذلك الزهد السلبي المغترب، المألوف والتقليدي المضمن في ظواهر تاريخية معروفة. والثانية تعكس نوعاً من (الزاهد داخل العالم)، ذلك الزهد الإيجابي في مادة العالم، المصحوب بنزوع شديد نحو التشديد على قيمه الباطنة وغاياته الأسمى، وفي قلبها (الحرية) التي هي روحانية التاريخ وغايته وفق هيغل. هنا، يمكن استدعاء تقسيم ديني يوازي التقسيم الفلسفي على صعيد الفاعلية الإنسانية بين طريقتين للوجود يندرج المؤمن في سياقهما:
أولاهما هي (الوجود في العالم)، حيث يكون المؤمن مجرد ذرة في التيار الدافق لحركة العالم، على منوال (البوذي التقليدي، والمسيحي القروسطوي، والمسلم الدرويش) وجميعهم نموذج للإنسان (الزاهد في العالم)، ولكنه الزهد السلبي المغترب، الناجم عن نوع من الوجود الساكن ينسبه بعض الفلاسفة والمفكرين، خصوصاً برغسون، إلى ما يسمونه الدين الساكن، غير أننا نتحفظ هنا عن مقولة الدين الساكن بإطلاق، في مقابل الدين الدينامي بإطلاق. فثمة أديان تميل إلى السكون (كالمسيحية والبوذية) ولكنها عرفت مراحل تاريخية وتحولات كبيرة وظواهر عدة اتسمت بالدينامية. وثمة، في المقابل، أديان ذات طابع دينامي بالأساس (كالإسلام) ولكنها عرفت ظواهر زهدية ومراحل مغتربة اقتربت بها أحياناً من حال السكون.
وثانيتهما هي (الوجود داخل العالم)، حيث المؤمن هو ذلك الإنسان الحر الذي يحمل على عاتقه ثقل العالم بأكمله، معتبراً نفسه المسؤول أخلاقياً عنه. إنه لم يتحول إلى مجرد ذرة في خضمه، يفتقد للحضور والتأثير والفعالية، ولكنه لم يصبح مترعاً بدنيويته بعد، بل يبقى متسامياً فيه، لدرجة تمكنه من الشهود عليه، حيث (الزهد داخل العالم)، يولي للحرية الإنسانية قيمة تعلو على الأشياء والموجودات لتصير بحق جوهراً للوجود الإنساني.
هكذا، تمنح الخبرة الدينية للنزعة الفردية مسوغات جديدة، تنبع من أصل إيماني، فإذا كانت الحرية الوجودية هي جوهر الإنسان الذي يضمن له الشخصية المائزة، ويحول دون ضياعه في ذوات الآخرين عبر تحريره من ضغوط الجماعة المحيطة به، ومن تكتلات الناس والمصالح المنتشرة حوله، فإن الحضور الإلهي في العالم يمثل رافعة جوهرية (ميتافيزيقية) لتلك الحرية الوجودية، تدعم إنسانية المؤمن، وتحرره من عوامل قلقه واغترابه الذاتي، حيث يعمل الإيمان الجواني العميق، وما يحتويه من مفاهيم كالبعث والخلود، كمنشط للإرادة في مواجهة القلق الوجودي إزاء الألم والموت والعدم.
وعلى العكس من نيتشه في بيانه العدمي حول ما يسميه «موت الله»، كضرورة لازدهار الإنسان، حيث الإيمان بـ «إله خالق»، وانتظار العناية الإلهية، ما هو إلا خنوع وتضحية بكل ما لدى الإنسان من وجود فردي، ومن حرية وكبرياء، رأى باول تيليش، الوجودي البروتستانتي، أن هذا الإيمان كان ضرورة لتأسيس علاقة وجودية فعالة بين الإنسان والله، قادرة على أن تمد الإنسان باليقين والأمل في الخلاص، معتبراً أن التلاقي بين الله والإنسان هو رسالة كل الأديان، وأن الحلول في المسيح هو الطريق إلى تحقيق الفرح الأبدي في مملكة الرب، والذي هو بالتحديد رسالة المسيحية.
ولعلي شخصياً، كمؤمن توحيدي أتفق مع تيليش على جوهر العلاقة التي يرسمها بين الله والإنسان، كوسيلة مثلى لفرح أبدي، وتواصل وجودي، ولكني أختلف معه، كمسلم، حول شكلها، فلم يكن فعل التجسد كتصور مسيحي للتواصل الإنساني مع الحقيقة الإلهية هو الطريقة الوحيدة لحضور إلهي فعال في عالمنا، بل ثمة طريقة أخرى لها الفعالية نفسها، هي الطريقة الإسلامية البالغة التنزيه، تلك التي تبقي الله خارج الفلك الإنساني، فيما تجعله قلباً للوجود الإنساني، موصولاً روحياً به، بحيث يتم التلاقي، ويكتمل الوصول إلى العمق ويحدث الفرح من خلال الاستبصار الروحي للإنسان، لا الحضور الجسدي لله. هذه الطريقة الإسلامية الصافية، نتاج عقيدة التوحيد التنزيهية في التواصل مع الحقيقة الإلهية، وصوغ الحرية الإنسانية هي التي تم انتهاكها بطول مراحل التاريخ، حيث دخل العقل العربي في مرحلة غياب طويل، ودخل تاريخنا الحضاري في منحنيات مظلمة، سادها ما يقترب بالإسلام من حال الوجود الساكن، والاغتراب العميق، فإذا ما جاءت الصحوة، متسرعة وسطحية، لم تسعَ إلى الإيجاب الحضاري، عبر حضور إنساني حر، متمدن وفاعل في التاريخ، وفق أصوله التكوينية وفي قلبها العقلانية، بل جاءت عنيفة ودموية، تم توظيفها لمآرب سياسية ومشروعات هيمنة إقليمية وعالمية، أدت وتؤدي إلى تفكيك وجودنا السياسي، بإثارة نزعات مذهبية وصراعات طائفية، صارت تنتشر حولنا مثل وباء سرطاني، حاملة مسميات وأوصافاً إسلامية، لعلها تبقى غريبة عنها، بمقدار غربتها عن العقل والفطرة وشتى القيم الإنسانية المعتبرة وفي قلبها الحرية.
du3aa