تشريح العقل الفقهي للشيخ حيدر حب الله.. قراءة أولية

بقلم: أحمد حسين —

تعد ظاهرة الاجتهاد الإسلامي من أبرز الظواهر العلمية ذات الجدل والإثارة وكذلك العمق والدقة؛ مما أعتبره -بنظري- أبرز علم يحتوي على هذه الخصائص من بين العلوم الإنسانية (Humanities)، وقد يكون من المناسب بمكان من الأهمية قراءة التجربة الفقهية قراءة فلسفية تنضّج معرفة ميكانيكية الإنتاج العلمي في المنطقة السرّية في داخل عقل الفقهاء، ولعل من أبرز التجارب المثيرة والجديدة تجربة الفقيه الشيخ حيدر حب الله، فسنأخذه محورا لتفكيك وتشريح العملية الإنتاجية لفقهه؛ نظرا للموقعية البارزة للشيخ حب الله في الاجتهاد الإسلامي وخصوصا في تيار التجديد الديني.

وبحسب استقرائنا وتحليلنا لنتاج الشيخ حب الله وجدنا ذراعين بل مرحلتين هما المسؤولتان عن تشغيل أطراف بحثه الفقهي وهما:

1- المواقف المعرفية والفلسفية لإنتاج الفقه، عرض وتحليل

إن من يطالع النتائج العلمية النهائية لحب الله يراها موافقة -في الأغلب- للعقلانية التي ينسجم معها الإنسان، وهي التي يمكن أن تدخل في نظرية الحسن والقبح العقليين بالمفهوم العريض لها -على ما بين في علم الكلام وأصول الفقه-، والشيخ وهو وإن كان لا يقبل بالمدى العريض للنظرية -حيث يرى اقتصار الجزم بها في المفردات الواضحة جدا دون غيرها ([1])- إلا أن النتائج تتصادف أن تكون موافقة لها، وهذا الأمر يستدعي البحث عن الأسباب (بالمعنى غير المصطلح للسبب) التي تقع خلف هذه النتائج العلمية:

أ- ضغط مشاكل الواقع الخارجي واستدعاؤها للتفتيش في الأدلة:

إن عيش عقل الشيخ حب الله لمشاكل الواقع يؤدي به إلى تحليل أسبابها، وقد يصل بالاستعانة بالمنهج الظاهراتي (Phenomenology) _ على الشروط العلمية في إجرائه- إلى أن هذه المفردة الفقهية هي أحد أسباب المشكلة في الواقع الخارجي، وبهذه التقنية العلمية –والتي تعمل بنشاط في عقله- يذهب إلى الأدلة فيكتشف وجود المشكلة الاستدلالية الكامنة, -ونسميها مشكلة؛ لأن الدين يفترض به أن يضمن الخيار الأفضل للحياة-، ولكن لا شك أنه يحيد الهوى الشخصي فإنه مضافا إلى ضرورة اجتنابه فإن نفس المنهج الظاهراتي قد يعزي الأسباب إلى عناصر أخرى غير القانون والفقه كالبيئة والمجتمع وغير ذلك.

وعلى كلٍّ فإننا قد تلمّسنا ما بيّناه في كتابه (فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) حيث قال في نهاية الكتاب: (( بعد هذه الجولة المتواضعة في فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حصلنا ـ وفقاً للنتائج التي توصّلنا إليها ـ على نتيجة تلقائية لم نكن منتبهين إليها قبل اكتمال البحث، وهي أنّ هذه الفريضة في ثبوتها ومبادئها وأغلب أحكامها ثابتة بالبناء العقلي والعقلائي، فالشروط والقيود والمراتب والأحكام أغلبها إن لم يكن جميعها يمكن تخريجه وفق الأصول العقلانية الإنسانية أيضاً، وأنّ هذه الفريضة العظيمة جاءت النصوص الدينية لتستخرجها من مكنونات الفطرة البشرية في المسؤولية الاجتماعية إزاء الآخرين، وتستنبطها من دفائن العقول الإنسانية التي ترشد الإنسان بذوقه السليم إلى الشعور بمعاني الأخوّة الإنسانية والإحساس بالاجتماع البشري الذي يتخطّى الفردانية الموحشة، فهي بامتياز واجب أخلاقي قدّمه الإسلام )) ([2]).

وهذا بالطبع ليس إسقاطا على النصوص بقدر معرفة ما في داخلها وكأنه حاضر في زمكان النص!

ولهذا الأمر نظائر واضحة للفقهاء في أعمالهم الفقهية، إلا أن الشيخ حب الله تركّزت عنده هذه الخصوصية.

ولكن هذا لوحده لا يمنح تكوين الرأي العلمي، فهناك تعاضد في الأسباب، نستمر في سردها:

ب- الإيمان بعقلانية الدين وتدخله المتوسط في الحياة

إنني أعتقد أن هاتين الفكرتين مصادرتان إبستيميتان في منهج الاستدلال الفقهي للشيخ حب الله, فإني أحسبه قد استقرأ النصوص الدينية وقواعدها في هذا الجانب فوجد الدين أنه لابد أن يقدّم منتجا يألفه التفكير الإنساني، مع مراعاته بالتأكيد لوجود تعبديات محضة إلا أنه ليس الطابع العام للدين؛ فجعل حبُّ الله عقله متوازنا مع هذه المعادلة، حيث أمّن لنفسه هذه المصادرة ليطمئن براحة نفس في معالجاته الفقيه.

إن هذه الراحة النفسية تأكدت أكثر في مصادرة حدود الدين ومدياته؛ حيث نظر إلى أن الدين لا يسحب البساط عن إتاحة المجال للتفكير الإنساني في تحركاته ولكنّه بكل تأكيد لا يطلقها تماما؛ لإيمانه بوجود مناطق تعبدية في الدين -كما مر آنفا-.

هـ- النظرة الأولى للأدلة والقراءة الكلية لها

أعني بالنظرة الأولى أن الباحث لا يلوث فهمه بالتراكمات الجيولوجية لفهوم وآراء الفقهاء فيقع أسيرا محصورا بالطوق المفروض على النص الأصلي، بل يذهب مباشرة إلى النص ليستنطقه كما لو أنه في حاضرته، وهذا ما أستطيع أن أدعي حرص الشيخ حب الله عليه؛ إذ أنه في كثير من مواضع النصوص يفسّرها قبل الولوج في بيان نظريات الفقهاء وتفسيراتهم، وكمثال عليه: تفسيره المغاير عن مشهور الفقهاء لرواية: (( الولد للفراش وللعاهر الحجر)) فإنه تخلى عن التفسير المستحكم في الذهن الفقهي لهذه القاعدة التي نتج عنها تفريع الفروع ثم اضطروا لحل مشاكل بعض تلك الفروع نتيجة ذلك التفسير، إذ يرى أن معناها: (وهذه القاعدة ينحصر موردها، كما هو سياق هذه الروايات جميعاً تقريباً، بحالة الزنا بامرأة متزوّجة أو مملوكة، ففي هذه الحال حَرَمَت الشريعةُ ـ عند الشك ـ الزاني من نسبة الولد إليه، وقالت: كلّما كان بالإمكان نسبة الولد إلى زوج المرأة الشرعي أو مالكها على تقدير كونها أمةً، كان هذا هو المتعيّن فيما لا ينال الزاني شيئاً، كما يقال: ألقم حجراً، وليس له إلا التراب، بمعنى أنّه لن يحظى بشيء.

ومن الواضح أنّ هذه القاعدة الفقهيّة لا تهدف إلى نفي الترابط بين ابن الزنا وأسرته أبداً، وإنّما تهدف إلحاق الولد بالفراش عند الشك، وأين هذا مما نحن فيه، حتى نقفز من هذه الدائرة الضيّقة لمعنى عام؟! ))([3]).

وكنموذج ثان يمكن تقديم ما طرحه في تفسير آيات الخلع، فإنه قدّم تصورا جديدا لحقيقة الخلع ببركة النظرة المباشرة للدليل دون الوقوع في أسر المؤثرات الأخرى غير نفس الدليل، يقول: (( هذه الآية لا علاقة لها بطلاق الخلع أساساً؛ وذلك أنّ الظاهر منها هو نسبة خوف التعدّي لحدود الله تعالى إلى كلا طرفي الزوجية على حدّ سواء، وهو أمرٌ يتنافى مع حقيقة الطلاق الخلعي، أو لا أقلّ من أنه غير ظاهر فيه.. وليس هذا وحده ما يشكّكنا في تعرّض الآية لمفهوم طلاق الخلع؛ بل إنّ المتصفّح لمقاطع الآية يرى بوضوح ارتباطها بمفهوم آخر غير مفهوم الكراهة أساساً )) ([4]).

إن هذا الفهم الذي يتجاوز تلك الطبقات الجيولوجية لا يوفر فقط فهما مغايرا وإنما ينتج إبداعات وتفريعات جديدة لطيفة، وهذا يتضح -كما يحضرني- في عدة مواضع من كتابه فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكنموذج للإبداع من داخل النصوص، مبدأ الوسطية في حمل الهم الديني، في الكتاب نفسه.

وبطبيعة لا يكتمل هذا الفهم العابر للطبقات إلا باستقراء لمجمل النصوص لتكوين النظرية بعدئذ، وهذا واضح في أغلب بحوث الشيخ حب الله عند نهاية معالجة المفردات الاستدلالية يفتح فصلا أو عنوانا للقراءة الإجمالية للأدلة، وهذا أمر فريد ومهم جدا كما لا يخفى إن شاء الله.

قد أُفهم في هذه النقطة على أني مادح وأوظف لغتي الخطابية لأجل ذلك؛ إلا أني تعهدت بأن أكون واصفا ومشرّحا للعقل الفقهي عند الشيخ حب الله، وهنا -للأسف- لم أجد أسلوبا يبعدني عن شبهة المدح غير هذا التوصيف الذي أعتقد أنه إخبار عن واقع الحال.

2- المباني الفعّالة لإدارة العملية الاجتهادية، رصد وبيان

أ- بيانية القرآن ومساحاته في دائرة الدين:

يرى الشيخ حب الله نظرية البيان القرآني للدين التي تعني مما تعنيه أن القرآن الكريم يستحوذ على الحصة الكبرى في تأسيس المفاهيم الدينية في قبال غيره من المصادر وأبرزها الحديث، وهذا يعني لزوم وجود نسبة وتناسب في المخرجات بين القرآن وبين غيره يقتضي صعود مؤشر المفاهيم القرآنية على غيرها من مفاهيم المصادر الأخرى([5]).

إن هذه القاعدة جوهرية جدًا في فهم أسباب الاطمئنان النفسي عند الشيخ حب الله حين يخسر الكثير من الروايات نتيجة نقده لها –كما سيأتي- ؛ فإنه بهذه القاعدة يوفّر لنفسه الراحة القلبية حين يطرح الروايات ويسقطها عن الاعتبار؛ لأنه يعتقد بحمل القرآن للمفاهيم الدينية بنحو غالبي، دون تهميش جانب البيان النبوي.

ولابد من فهم كيفية تطبيق هذه القاعدة؛ فإنها تتفعل بعد استفراغ العملية الاجتهادية لتلاحظ النسبة والتناسب بين مخرجات القرآن ومخرجات الحديث، فهي أشبه بالشرط المتأخر، وقد لاحظنا في كثير من بحوثه حينما يقارن محصول الفقه القرآني وفقه الحديث يظهر أن فقه القرآن أخذ حصة وافرة في التأسيس وجاءت بعدها السنة للشرح والبيان وأسست مفاهيم إضافية بنسبة ما، وأحيانا نرى في بعض البحوث أن جلّ الاعتماد على السنة المطهرة سواء مع وجود إشارات غير حاسمة في الدليل القرآني أو عدم وجودها.

ومن الضروري الإشارة إلى طبيعة الغالبية في البيان القرآني؛ إذ لا تعني بالضرورة أن يكون التميز عدديا في محصول النتائج العلمية؛ بل لعل الكيف مؤثر أكثر من العدد في حساب معدل الغالبية البيانية للقرآن الكريم.

إن هذه النقطة تعتضد مع النقطة الآتية (معضلة الحديث) في تكوين الاطمئنان النفسي رغم تشدد الشيخ حب الله في الحديث المحكي.

ب- معضلة الحديث الظني، تنقيح مبانيه وتجاوز إشكالياته

إن الحديث الشريف يتبوأ مكانة مميزة في خلق الوعي الديني، إذ هو المصدر الثاني في نظام الحجج في الدين، ولكنّه لم يحظ بحفظ تام كما القرآن الكريم، وأبرز شاهد عليه: وجود التعارض في الأحاديث وأبحاثه الأصولية والرجالية والحديثية لترميم مشكلاته.

من هذا المنطلق قسم الحديث إلى:

1-الحديث الواقعي، ومصاديقه قليلة جدا.

2- الحديث المحكي، وهو الأكثر؛ فإن معظم المعالجات الفقهية تتركز في تنقيح الحديث المحكي وصولا إلى الحجة الشرعية.

إن موقف الشيخ حب الله في تعامله مع هذه الظاهرة موقف متشدد؛ نظرا إلى عدم إيمانه بحجية الحديث الظني، وهذا تأسيس نظري مهم جدا له آثاره الكثيرة، ولكني لن أدخل في النظر في المباني؛ لأنه ليس من شأن هذه المقالة، وإنما أحلل فلسفة أخذه بالخبر الموثوق دون المظنون، مستعينا بتصريحه: (( ولكن هذا المنهج قد يخضع لمناقشات عديدة.. فإن الحجية الثابتة للخبر [الظني] لن تفضي إلى محذور، ومعه فلا حاجة لتقييد الحجية ما دامت التقييدات الأخرى كافية، لكن هذا لا ينفي الإشكالية التي نستهدف بيانها هنا، وهي أنّ نظام الحجج الأصولية، قد لا يحلّ مشكلة وربما لا يعطي نظرية متكاملة؛ لأنّه غير معني بالواقع كما أشرنا وإنما ببراءة الذمم، وهذا معناه أن من الخطأ استخدام خطاب ديني يدّعي تقديم حلول للبشرية ضمن صيغ إطلاقية جازمة، لأن موازين الاجتهاد الفقهي لا تتحمّل خطاباً كهذا حتى لو تحمّلته الأصول المعرفية للخطاب الديني عمومًا)) ([6]).

إن النص المتقدم يخوّل لنا الربط بين مقولة اليقين في الحديث التي يختارها حب الله واستدعائها للانسجام مع الواقع الخارجي بمقتضى كون الدين يقدّم استراتيجية النهوض بالأمة والحياة عامة، فلذا لا نتوقع من عقل يقيني يضع الأهداف الاستراتيجية للدين أمام ناظريه أن يتساهل في قبول الأخبار الظنية!! ، ولذا وجدناه يتشدد في قبول الأحاديث حتى وإن كثرت، وإن قبلها إجمالا فهو يأخذ بالمقدار المؤكد من بين مجموع النصوص.

ولهذا نتعقل كيف يتفاوت عن غيره من العلماء المتبنين لنفس مبناه، أي: حجية الخبر الموثوق، إذ إنه يفترق عنهم بأن أي خدشة تقريبا في السند والمتن تمنعه بسبب تلك الأهداف الاستراتيجية عن تحصيل اليقين بالصدور إلا بصعوبة.

وقد يضاف إلى عنصر الأهداف، ظاهرة عامة في الحديث المحكي وهي التعارض حتى في بعض الأحاديث التي لا تتمركز في قضية مهمة، كبعض روايات الطهارة رغم انتفاء الداعي للتقية في تلك الموارد !

إن هذه الظاهرة تضعف من سرعة اليقين بالأحاديث، وهذه الملاحظة لم نجدها -فيما يحضرني- في نصوص كتب الشيخ حب الله وإنما يمكن استخلاصها من مجمل التجربة الفقهية للعلماء عموما ثم يمكن أن ندعي أنها حاضرة في عقل الشيخ حب الله؛ لاسيما لاشتغاله الجاد بتاريخ الأفكار واستيعابه للنتاجات العلمية الذي يفرض تنبهه لهذه الملاحظة، بل بدون قراءة تاريخ التعارض الروائي في كتب الفقهاء يمكن استكشاف ذلك باستقراء الروايات ثم تتبلور بعد ذلك قاعدة في القوة المصدرية للحديث المحكي –بشكل نسبي يزيد ويقل- ، ويكون من لوازمها تضعيف اليقين بالروايات عموما إلا بعد حيازة هذه الفئة من الروايات هذه أو تلك الأخرى بشروط السلامة الحديثية فيمكن حينها دفع هذا التصور عن الأحاديث!

وبالتأكيد هذه الملاحظة ليست غمزا بمصدرية الحديث أو تقليلا من شأنه، بل هي صيانة له عن الإضافات المخلة بقداسته، كما لا يعني ذلك السقوط العملي للحديث، فقد أثبت الميدان الفقهي للشيخ حب الله بقاء الكثير من الأحاديث.

دليل نورانية الحديث واستقامته، تحليل ونقد فلسفي

وفي هذا السياق قد يلاحظ بعض الناقدين أن بالإمكان تحصيل الوثوق بالنصوص عبر معيار استقامة النص وظهور نورانيته، وقد فسرت النورانية بتفسيرات متعددة، إلا أن الشيخ حب الله يرى أن هذا المعيار غير واضح في مفهومه وتطبيقه، فمن الممكن أن تتذرع السيكولوجي الخاصة بالباحث بهذا المعاير المفترض.

ولكي أحلل فلسفيا هذا المعيار – دون بحث أصولي له- أن الكلام النوراني يتحلل إلى:

مضمون صحيح: وهذا ثابت مسبقا بحجة شرعية !
نمط أسلوبي: وهو يتشكل بصياغة أدبية ماهرة، ويتكفل بها الأديب الممارس كما يمكن محاكاة أسلوب الآخر فينسج عليه ما يريده إذا كان الواضع أديبا متقنا للأسلوب البياني للإمام، وقد نشأ أخيرا علم الأسلوب والأسلوبية ويمكن أن يراجع في هذا الصدد كتاب (الأسلوب والأسلوبية لعبد السلام المسدي).
ومن الجدير بالانتباه إلى أن الواضع ليس غبيا في اختراع الأحاديث؛ فإنه سيتم اكتشافه ويفشل مشروعه سريعا، إلا أنه ذكي حاذق في مهنته، فيمرر ما يريده بأساليب شتى ولو بدس عنصر غريب فيروسي في جسد الرواية ويكون مغلّفا لا يمكن اكتشافه بسهولة تماما كالسرطان الذي يفتك بجسم الإنسان.

وليكن معلوما أن مشروع وضع الحديث لم يقم به آحاد من الناس، بل تبنته الحكومتان الأموية والعباسية بأجهزتهما الاستخباراتية والتي تعمل بدهاء؛ بسبب الخلاف السياسي مع الأئمة المعارضين لهما –عليهم السلام- وقد أشارت روايات عدة لهذا الأمر، فكيف يتم التساهل في الوثوق بعد الذي بيناه ؟!

وعلى كلّ فإن ثبوت وتفسير دليل النورانية مدار نقاش في بحوث أصول الفقه، نترك التفصيل فيه إلى محله.

خاتمة

هذا مجمل ما استطعت رصده وتحليله بمنظور فلسفي حول ظاهرة الاجتهاد عند الشيخ حيدر حب الله عبر فكّ الشيفرات السرية لنظامه الاجتهادي المسؤول عن هذه الظاهرة المهمة؛ ولكن من المهم أن أنبه إلى أن هذا التحليل مبني على ما صدر من النتاج العلمي للشيخ حب الله والذي يتسم بطابع نقدي؛ بسبب اهتمامه بمعالجة إشكاليات الواقع وإلا فإن من الجائر أن تتغير بعض استنتاجاتنا لو أصدر بحوثا فقهية ليس من المتوقع فيها أن تخلق مشاكل واقعية، بل قد ألمحنا إلى أن الشيخ حب الله حاول أن ينظّر لمبادئ ومسائل جديدة منطلقا بها من التراث الديني، فنشاطه الاجتهادي لا يقتصر على الترميم فإن البناء يشكل ملمحا من ملامح ظاهرته الاجتهادية.

وأخيرا عليّ أن أشير إلى موسوعية الشيخ حب الله واطلاعه الدقيق على آخر النتاجات العلمية لكل الطبقات والاتجاهات، وهذا الفعل يعزز فتح الآفاق الرحبة في النشاط الاجتهادي ويقويه بشكل فاعل جدا.

وإني أدعو كل المشتغلين في الدراسات الاجتهادية أن ينفتحوا على كل الاتجاهات والخطوط الفكرية والمعرفية؛ فإن ((الحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها ولو عند المشرك تكونوا أحق بها وأهلها)) ([7]).

1- دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر: ج4، ص333-334 .

[2]- فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ص589 .

1- دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر: ج5، ص319-318 .

[4]- دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر: ج3، ص234 .

1- حجية السنة في الفكر الإسلامي، قراءة وتقويم: ص242-257 .

1- مسألة المنهج في الفكر الديني، وقفات وملاحظات: ص 306-305 .

-[7] أمالي الطوسي:625 .




أوجه التعصّب في المجتمع العربي: العلماني والمذهبي أنموذجاً

بقلم: الشيخ حيدر حب الله* —

مقدّمة —
التطرّف في حدّ نفسه ظاهرة أو حالة غير صحيّة، إنّها حالة تعيق تواصل أبناء المجتمع الواحد، وتحدث التفكّك فيه، وتهدّد السلم الأهلي. وقد ابتُليت الأمّة العربيّة والإسلاميّة عموماً بهذه الظاهرة التي نشهد لها تنامياً مطّرداً بوتائر سريعة خلال العقود الأخيرة، تنذر بالكثير من العواقب الوخيمة التي تنتظرنا في المستقبل القريب إن لم يتمّ تدارك هذا الوضع المُقلق.
وقد اتخذ التطرّف والتعصّب أوجهاً متعدّدة في عصرنا الحاضر، فمن التطرّف الديني وحالة الأصوليّة المتنامية بين الأديان، إلى التطرّف المذهبي الذي يشعل المنطقة برمّتها، إلى التطرّف السياسي الذي يعيق تواصل الجماعات السياسية ويعزّز من حالة الاستبداد والقمع، إلى التطرّف الفكري الذي يُلغي الآخر ويتعامل معه من موقع النفي والإبعاد.
وتعدّ العلاقة بين ما يسمّى بـ (التيار الديني) و (التيار العلمانيّ)، إذا صحّ التعبيران، أحد أوجه تأزّم العلاقات بين الجماعات في العالم العربي والإسلامي، تماماً كما هي العلاقة المأزومة بين العديد من المذاهب والطوائف الإسلاميّة أيضاً، فقد ظهر التطرّف على هذا الصعيد أيضاً، وشهد تنامياً كبيراً في فترةٍ قياسيّة، إلى أن بلغ في العقدين الأخيرين حدّ التصادم في أكثر من موقع وعلى أكثر من صعيد.
لا نعاني في المنطقة من أزمة علاقات بين الديانات فحسب، ولا بين المذاهب فحسب، ولا بين التيارات والقوى السياسية فحسب، بل نحن نعاني أيضاً من أزمة علاقة بين الأفكار أيضاً.
بدرونا، سوف نحاول استجلاء معالم هذه الأزمة في العلاقة بين الديني والعلماني في عالمنا العربي والإسلامي، ثم نمارس نقداً على هذه الصورة القائمة، لنخرج بمجموعة من التوصيات التي نقترحها لفضّ هذا اللون من الاشتباك في بلداننا، بغية تحقيق السلم الأهلي الراسخ، والتواصل الدائم بين شرائح المجتمع ومكوّناته الدينية والثقافية والسياسية أيضاً.
ويهمّني جداً أن أوضح منذ البداية أنّني لا أتكلّم هنا عن الدين والعلمانيّة أو عن هذا المذهب في الدين أو ذاك، من الشيعة أو السنّة أو الصوفية أو الإباضيّة أو.. بل مركز اشتغالي هنا إنّما هو العقل أو التيارات أو الجماعات المتطرّفة في الحياة الدينيّة، وفي الحياة العلمانيّة، وفي الحياة السنيّة، وفي الحياة الشيعيّة وهكذا، فاقتضى التوضيح.

مفاتيح ضروريّة
عندما نفكّر في معالم الأزمة القائمة بين الديني والعلماني، وفقاً للثنائية المطروحة اليوم، فقد لا نجد فروقاً كبيرة في الجوهر بين هذه الأزمة وسائر الأزمات التي تتجلّى فيها ظاهرة التطرّف والتعصّب في المنطقة، بمعنى أنّ جوهر المشكلة القائمة في التطرّف الديني وفي التطرّف المذهبي وفي التطرّف السياسي، هو بعينه يظهر مرّةً أخرى في التطرّف القائم في العلاقة بين الديني والعلماني، ولسنا أمام ظاهرة مختلفة في جوهرها وروحها، بل نحن أمام تجلٍّ آخر للظاهرة نفسها، وهو ما سأحاول أن أكتشف بعض معالمه في هذه الوريقات المتواضعة.
ولا أريد هنا أن أغرق في نحت أو اختيار المصطلحات، من حيث إنّ التطرّف لا يعبّر ـ في وجهة نظر ـ عن حالة سلبيّة، إنّما الحالة السلبيّة تكمن عندما يتحوّل التطرّف أو غيره إلى نوعٍ من التعصّب؛ لأنّ التطرّف هو أخذ طرف واختيار جانب من الجوانب، بينما التعصّب يأتي من العصابة التي قد توضع على العينين، فإذا اخترنا هذا التحليل اللغوي فنحن أمام مفهوم سلبي يقوم عليه أو يتخذه التعصّب، بينما لا نجد بالضرورة هذا المفهوم في التطرّف؛ لأنّ اختيار طرف من الأطراف ليس عنصراً سلبيّاً، ففي الفكر والعلوم لا يعني الاعتدال ولا الوسطية أن تختار وسطاً بين الاتجاهات وتتخلّى عمّا تراه حقّاً وصواباً، بل من حقّك ـ حيث يقودك العقل والتفكير ـ أن تختار أيَّ اتجاه، ولو كان لو قارنّاه بسائر الاتجاهات القائمة في الساحة يمثل أقصى اليمين أو أقصى اليسار، ففي قضايا العقل النظري والبحث عن الحقيقة لا توجد عمليات تفاوض بهذا المعنى، لكي يتمّ التنازل عن شيء هنا مقابل شيء هناك، بغية الوصول إلى حلول، إنّما جوهر الاعتدال والتعدّدية هو أن يسمح لكلّ طرف باختيار أفكاره مهما كانت بعيدةً عن الطرف الآخر، شرط أن تخضع العلاقة مع الآخر على أسس وسطيّة معتدلة، تؤمّن سلاماً وطنيّاً واستقراراً اجتماعيّاً وإنصافاً أخلاقيّاً وحفظاً للحقوق.
إنّما يصبح التطرّف عنصراً سلبيّاً حينما يساوي الانفصال عن المجتمع، فعندما يقوم الفكر المتطرّف بفصل ذاته عن المجتمع، محدثاً قطيعة وعزلة، فهو يبدأ بالانغلاق على ذاته، وتضعف عنده مهارة الحوار وفنّ التواصل، ليصاب في النهاية بأمراض ذهنيّة مزمنة.

التطرّف والدوغمة
ينمو التطرّف الانغلاقي في بيئة حاضنة تمثل الدوغمائية أبرز مظاهرها. تقوم الدوغمائية على مفهوم ينتج بدوره مفهوماً آخر، فالإطلاق الذي يتسم به العقل الدوغمائي لا يسمح بوجود طرف آخر في الميدان، ومن ثم فإنّ الإطلاق يساوي الوحدة. وتتجه العقلية الدوغمائيّة إلى اعتبار منظومتها الفكرية منظومة مطلقة ليست فيها نسبيّات، فالحقيقة التي تصل إليها تتسم بالإطلاق.
هذا الإطلاق يبدو واضحاً جداً في الفكر الديني؛ لأنّ حجر الزاوية في هذا الفكر يقوم على مفهوم (الله) بوصفه المطلق المتعالي، ويقوم الفكر الديني أحياناً بتنزيل سمة الإطلاق المخلوعة على الله تعالى، إلى البنى التحتية التي تشكّل أجزاء منظومته المتبقيّة، وبهذا يتمّ تأليه كلّ شيء، ويتجلّى الله في صورة البشر، حيث يصبحون آلهةً صغاراً يملكون بعض صفات الإله الكبير، وقد يقع الغلوّ في هذا الأمر عندما يعبد البشر من دون الله عبادة حقيقيّة، بينما تظهر عمليات تأليه أخرى بشكل أخفّ لتصل إلى الزعماء الدينيّين والسياسيين وغيرهم، بوصفهم أنموذج الله في الأرض. وبالتالي فإنّ العقل الديني المتطرّف يصنع مجموعة من الآلهة التي يقوم بعبادتها من دون الله بمعنى من المعاني؛ لأنّه يخلع صفة الإطلاق عليها، وهي الصفة التي لا تحمل مصداقاً حقيقيّاً شمولياً سوى في الله وحده فقط؛ لأنّه المطلق الحقيقي من جميع الجهات.
المفاهيم في العقل المتطرّف الديني أو المذهبي مطلقة، والحلول مطلقة، والأفكار دوماً مطلقة، وهذا الإطلاق قد يكون عرضيّاً يستوعب مختلف وقائع الحياة والفكر والإنسان، وقد يكون اشتداديّاً، بمعنى أنّ الفكرة نفسها تغدو مطلقة، أيّ تصل في قدرة الحقّانية التي تملكها إلى حدّ الإطلاق، فتسلب أيّ فكرةٍ مختلفة معها أدنى مراتب الصحّة والمقبوليّة والشرعيّة، وهذا هو ما ينتج مفهوم الوحدة؛ إذ ليس في البين سوى شيء واحد، هو الأنا الكبيرة المتطرّفة الحاملة لمفاهيمها ومقولاتها المطلقة.
وإذا كانت الحقيقة المطلقة موجودة في الفكر الديني والمذهبي بوصفها الأساس الذي يقوم عليه، وأنّ خطأ التطرّف الديني ـ وكذا المذهبي ـ هو في تسرية سمة الإطلاق من الله إلى ما سواه، فإنّ الفكر البشري العلماني المتطرّف يبدو لي أنّه لم يتخلّص أيضاً من هذا النهج في التفكير، رغم أنّه من الناحية النظريّة ينادي دوماً بالمرونة والنسبية والحركيّة والمتغيّر والمؤقّت وغير ذلك.
فعندما نذهب في رحلة سريعة في كتابات العديد من العلمانيين العرب المتشدّدين نجد لغةً واضحة في احتكار الحقيقة، وفي إطلاق العقل الإنساني بدل ممارسة عقلانيّةٍ نقديّة معه، والتعاطي بنَفَسٍ استعلائي مع الأفكار الأخرى. إنّ اللغة الاستعلائية ليست إلا تعبيراً عن ظاهرة الطبقيّة في الفكر، فهناك الفكر السيّد، وهناك الفكر العبد، واللغة الاستعلائية تقدّم لي صاحبها على أنّه يعتقد بأنّه يحمل فكر سادةٍ وسيادة وليس فكر عبيد، فمن النزعة الإطلاقيّة الماركسيّة إلى نهاية التاريخ، إلى كلمات المثقّف العربي عن القدر والحتميات، ذلك كلّه يشي بما نحن بصدده.

التطرّف وأزمة الحماية والهويّة
يبدو لأيّ متابع للوضع في العالم العربي والإسلامي أنّ هذا العالم يبحث عن هويّة في عصر العولمة وما بعد الحداثة. يبدو لي واضحاً جداً أنّ الشباب العربي أشبه بمن فقد ذاكرته ويسير في الطرقات تائهاً يبحث عن هويّة ليعرف نفسه من خلالها.. كذاك الذي فقد ذاكرته بحادث سَير وأضاع في الوقت عينه بطاقته الشخصيّة، فهو يجول الطرقات يبحث عنها ليعرف ذاته، وإذا لم يحصل على هويّته الأصليّة أو الحقيقيّة فإنّه سيكون مضطرّاً ـ للخلاص من العذاب ـ أن يتقمّص أيّ هوية أخرى حدّ التفاني بها والفناء، كي تلبّي حاجته للإحساس بالذات والوجود.
عندما يكون الإنسان خائفاً من المصير القادم المجهول، ويجد أنّ سفينته تسير دون إرادته، ولا يعرف أين تحطّ رحاله، فهو محتاجٌ للأمن والحماية؛ ليبثّ في نفسه الطمأنينة والراحة والسكينة، وهذا التوصيف يمكن أن ينطبق على قطاع واسع من الشباب العربي والمسلم اليوم، من أنا؟ وما هي الحلقات الاجتماعية الأقرب لي؟ ولمن أنتمي؟
في عالم لا يمكن للفرد فيه أن يحمي نفسه لوحده، لابدّ لك أن تنضوي تحت جماعة تنتمي إليها؛ فتجد الأمن والأمان معها، وتسكن نفسك وتهدأ روحك، في وضع من هذا النوع تجد نفسك مضطرّاً لأن تنتمي بطريقة حادّة وشرسة؛ إذ كلّما تعمّق الانتماء ازداد إحساس الفرد بأنّه أصبح قويّاً بالجماعة؛ لأنّ الأنا الفردية تذوب في الأنا الجماعيّة القويّة.
فعندما ينتمي المتديّن فهو ينتمي بقوّة، ويبالغ في الانتماء، ويشعر بجروح عميقة عندما تتعرّض البيئة التي انتمى إليها للنقد أو الخسارة؛ لأنّ ذلك يوهن من قوّته ويفقده الأمن والسكينة، ومعنى الانتماء بقوّة هو المبالغة في هذا الانتماء، والتشويه فيه، ووقوف النقد والمراجعة دون تقدّم، وعدم السماح بالآخر؛ لأنّه سوف يتمّ الشعور بأنّ الآخر يريد القضاء عليّ، فعندما تتشابك هذه الأمور مع بعضها يظهر التطرّف الحادّ، ويكون الهروب إلى الأمام أيضاً. ويتمّ تصوير كلّ الخلافات على أنّها معارك وجود، ومن ثم فمن الطبيعي أنّ الأنا المدافعة عن نفسها سوف تفني الآخرين لتبقى في عالم يقوم على صراع البقاء. وإفناء الآخرين يكون في هذه الحالة مادياً أو معنويّاً، ومن أكبر وسائل التصفية المعنوية في الثقافة الدينية والمذهبيّة هو سياسة التكفير والإخراج من الدين؛ لأنّ التكفير والتبديع و.. يدمّران الحماية الاجتماعيّة للطرف الآخر ويفتتان كلّ عناصر حصانته، ويقومان بتعريته تماماً؛ ليفرّ إلى مكان آخر يركن إليه، وبالتالي تخلو الساحة للفكر المتطرّف بهذه الطريقة.
الأمر عينه نجده في الوسط العلماني في العالم العربي؛ فكلّما تعمّق الانتماء ازداد الهروب إلى الأمام، وبالتالي يصبح العلماني مضطرّاً لتصفية حسابه مع كلّ القيم القائمة في المجتمع، بما فيها القيم الدينية المجمع عليها أو تلك التي لا ضرر فيها حتى من وجهة نظره؛ لأنّ الطرف الآخر يعتاش ويعيش على هذه القيم؛ فلكي أتمكّن من إلغائه يلزمني أن أصفّي حسابي مع القيم نفسها التي بنى عرشه عليها، وبذلك يورّط العلماني المتطرّف نفسه في صراع مع الدين يتسم بالعنف والحدّة والتعالي؛ وربما يكون في حقيقة أمره إنّما يصارع التطرّف الديني القائم الذي يتخذ من الموروث الديني مصدره الأساس للتغذية المتواصلة.
إنّ انتماء المتطرّف العلماني لعلمانيّته يُشعره بالنزعة الإطلاقيّة التي تفقده قدرة التنسيق والتواصل مع الآخرين، ولهذا قد يصل به الحال أن يحمي نفسه بالارتماء في أحضان الأمم الأخرى التي تمثل ملاذ العلمانيّة في العالم.

التطرّف والتغذية المتبادلة
قد لا يشعر بعضنا بأنّ التطرّف الديني يعتاش وينتشي بالتطرّف العلماني في العالم العربي، كما أنّ التطرّف العلماني يزداد إحساسه بالنشوة كلّما تنامى التطرّف الديني وازداد إفراطاً، وأعني بذلك أنّ المتطرّفين عادةً يهمّهم دوماً تظهير المتطرّفين في الطرف الآخر، ولا يشعرون بأيّ ارتياح لتعويم معتدلي الفريق الآخر، فرغم عداوة متطرّفي الطرفين لبعضهما، إلا أنّهم يجدون وجود الآخر المتطرّف ذريعة قويّة لتبرير وجودهم في مجتمعاتهم ومحيطهم.
هذا الأمر نفسه وجدناه في صراع المذاهب مع بعضها في العالم الإسلامي، ونجده أيضاً في صراع العلمانيّة والدين في العالم العربي على بعض الصعد، فكلّما ازداد العلماني المتطرّف نقداً للدين وسخريةً به واستهزاء وتعالياً ليمسّ المقدّسات الدينية الأشدّ حرمةً، عزّز المتطرّف الديني موقعه في الوسط الديني عموماً، متخذاً التطرّف العلماني ذريعة، والعكس هو الصحيح؛ فكلّما ازداد التطرف الديني والإرهاب المنتسب للدين، عزّز العلماني المتطرّف موقعه، وبرّر مواقفه المتشدّدة من الدين كلّه.
وما يلفت النظر في هذا السياق أنّ كلّ فريق من الطرفين المتعصّبين يسعى دوماً لإقناع جمهوره بأنّه لا يوجد في الفريق الآخر تيار معتدل أساساً، فحقيقة التديّن هي ما نراه من تديّن إرهابي عنفي هنا أو هناك، وأمّا التديّن الإنساني المعتدل فلا وجود له، وإنّما هو صورة قناع مزيّف لذاك التديّن العنفي عينه، هذا شيء رأيناه مراراً في الخطاب العلماني المتطرّف اليوم. والأمر عينه نجده في صراع المذاهب مع بعضها، فالشيعي المتطرّف قد يشعر بحرج كلّما رأى حبّ أهل البيت النبوي شائعاً في أهل السنّة؛ فيما يشعر بارتياح عندما يجد العكس في بعضهم، وهكذا لا يُبدي السنّي المتطرّف ارتياحاً أحياناً لوجود تشيّع معتدل يتخذ موقفاً مقبولاً من الصحابة؛ لأنّه يرغب في تقديم التشيّع لوحةً واحدة متطرّفة من وجهة نظره.. هذه الظاهرة خطيرة جدّاً، وتبدّد أيّ إمكانية في التواصل، وفي الوصول إلى تفاهم مشترك بين التيارات أو المذاهب القائمة.

صراع السلطة ودوره في تغذية التطرّف
لا يغيب عنّا أنّ أحد الأسباب الرئيسة لانتشار التعصّب بشكلَيه: الديني والعلماني، هو الصراع على السلطة بينهما في العالم العربي والإسلامي، وهو ما رأيناه بشكل واضح بعد عام 2010م، إنّ الصراع على السلطة يغذّي ـ عندما لا يكون ضمن حالة صحيّة وديمقراطية سليمة ـ ثقافة التعصّب والتشدّد والعنف، لاسيما عندما يؤمن الفريقان بأنّ مفتاح الخلاص هو في وصول كلّ واحد منهما إلى السلطة وتمكّنه من نشر قناعاته وإنفاذها في المجتمع.
وفي مجتمعاتٍ لا تعرف النسبيّة في التمثيل، يغدو من البديهي أن يتمّ احتكار السلطة؛ فالديني المتعصّب يسعى بكل ما اُوتي من قوّة لحذف الطرف الآخر من الوجود بأيّ طريقةٍ كان، فيما يسعى العلماني المتطرّف لفعل ذلك أيضاً. ويقدّم كلّ فريق من الطرفين الفريق الآخر على أنّه السبب الحصري والوحيد لتراجع أحوال الأمّة العربيّة والإسلامية، الأمر الذي يبرّر له إلغاءه من الوجود، وتحويله من صديق إلى عدوّ، أو إلى ما يشبه الغدّة السرطانية التي يجب استئصالها تماماً. فهذا النوع من التفكير ـ في ظلّ صراع على السلطة ـ لا يُنتج سوى غياب الروح الديمقراطيّة في مختلف مرافق الحياة، ومنها المجال السياسي.
إنّ السلطة هنا لا تقف عند السلطة السياسيّة، بل تمتدّ للسلطة الثقافية والإعلاميّة والاجتماعية، بل حتى لمفهوم السلطة على العالم الإسلامي وتزعّمه أيضاً؛ فكلّ متطرّف ديني أو علماني أو مذهبي يسعى للإمساك بقلوب الجماهير وعقولها بأيّ طريقة حصل له ذلك، ويعتبر أنّ الصراع مع الطرف الآخر غير شريف ولا تحكمه قواعد الأخلاق الديمقراطيّة في الخلاف؛ لأنّ الآخر قد تمّ سلب الصفات الاعتباريّة عنه، بمعنى أنّه لم يعد يحظى ـ من وجهة نظر المتعصّب المتطرّف ـ بأيّ شرعيّة، فالعلماني هو ملحد فاسق مبتدع مارق عند المتطرّف الديني، وهذا لوحده كافٍ في سلبه حقّ الوجود في الحياة تماماً على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي، والمتديّن إرهابي متخلّف رجعي نكوصي ماضويّ تعطيلي عند المتعصّب العلماني، وهذه التوصيفات كفيلة لوحدها في سلبه حقّ الإمساك بالسلطة السياسيّة أو الاجتماعيّة أو الثقافية أو غير ذلك، وهكذا الحال في التعصّب المذهبي حيث يصبح الآخر المذهبي مبتدعاً مخالفاً للسنّة الشريفة منكراً لصريح الكتاب متعسّفاً في فهم الدين.. فما دامت هذه الرؤية موجودة، في ظلّ صراع سلطوي، فإنّها سوف تشتدّ لتبلغ أعنف مراحلها في لحظةٍ ما، وستنتج العنف بأشكاله المتعدّدة.
قد لا نجد فرقاً في هذه الحال بين التعصّب العلماني والتعصّب الديني والتعصّب المذهبي سوى في أنّ هذا التعصّب له لحية أو يرتدي حجاباً أو عباءة، فيما الآخر تعصّب يكشف الجسد أو يكون من دون لحية، وتغيّر مفردات النبذ والإقصاء وغياب الديمقراطيّة لا يضرّ في أصل وجود حالة التعصّب، بمعنى أنّ غياب مفردة التكفير لا يعني أنّ العلماني المتطرّف لم يعد ظاهرة سلبيّة في المجتمع العربي وحالة مضرّة بتنمية هذا المجتمع ورقيّه؛ لأنّ المفردة البديلة جاهزة ما دام المفهوم واحداً وما دامت الروح واحدةً وما دام نهج التفكير واحداً. فليس للتعصب مفردات خاصّة، وإنّما يبتكر مفرداته ومفاهيمه تبعاً للفضاء الذي يحيا فيه، فيستغلّ الفضاء المعرفي والثقافي الذي يحيا فيه ليُنتج منه مفرداته تبعاً له، مثل التكفير في مقابل الرجعيّة والظلامية، وغير ذلك.
المطلوب منّا ليس توحيد مفردات التعصّب وحصرها، بل اكتشاف الحالة القائمة في التعصّب، للبحث عنها في هذه المفردات هنا أو هناك.
وما يلفت النظر أنّ الصراع المذهبي، والصراع العلماني الديني، ثمّة ما يثير فيهما ليطرح علينا هذا التساؤل: من هو المستفيد من حالة الصراع المذهبي أو الفكري في العالم العربي والإسلامي اليوم؟ هل يمكن أن يكون قد اُريد لنا جميعاً أن نشتغل ببعضنا، فيشتغل العلماني بالديني، والسنّي بالشيعي، والعكس، كي تتحقّق مصالح فريق ثالث مختلف عن الجميع، فيما يحسِب المتصارعون ويظنّون أنّهم يمارسون نضالاً مقدّساً من أجل الحقيقة، ومن أجل الإنسان، وفي سبيل الله؟! ماذا جنت هذه الصراعات (وليس الحوارات والاختلافات الفكريّة) اليوم سوى تمزيق اللحمة الوطنية في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة، وتفتيت الدول القطريّة، وانكشاف مجتمعاتنا وأوطاننا للخارج انكشافاً جليّاً حتى بلغ في بعض المواقع حدّ الانكشاف الأمني الفاحش؟! أظنّ أنّ الأمر يستحقّ أن نفكّر في المستفيد الأكبر قبل أن نغرق في وهم المستفيد الأصغر.

هل يمكن الإيمان بوجود الله والإنسان معاً؟ (حقّ الله وحقّ الناس)
تعاني حياتنا المعرفيّة من ثنائيّة تفرض علينا قهراً اختيار أحد السبيلين، رغم أنّه بالإمكان اختيارهما معاً، ففي العلمانيّة المتطرّفة يتراجع حضور الله بوصفه مرجعاً روحيّاً أو عقديّاً أو تشريعيّاً، فيما في التعصّب الديني يتراجع حضور الإنسان! لماذا يجب تغييب أحد الطرفين كي ننتمي إلى الآخر؟ الأمر عينه نجده في الانتماءات المذهبيّة، فإذا انتميت لمذهبٍ ما فأنت لا تستطيع أن توافق المذهب الآخر في مبدأ فكري معيّن؛ لأنّ هذا الأمر يصيّرك التقاطيّاً أو فاقداً للهويّة!
دعوني أتوقّف قليلاً عند الشقّ المتصل بالقضيّة الدينية والعلمانيّة، فهنا يكمن سؤال ضروري: هل أنا مضطرّ لتغييب الإنسان كي اُحضر الله سبحانه في الحياة؟ وهل حقّاً أنا مضطرّ لتغييب الله كي اُعيد للإنسان اعتباره؟
إنّ الثقافة المتعصّبة للحالة الدينية والحالة العلمانيّة تضعنا أمام مفترق طرق، وكأنّها تُلزمنا بتغييب أحد الطرفين، وهنا تكمن المشكلة، فيما المطلوب هو الجمع بينهما، أو الإقرار بإمكان الجمع على الأقلّ، فالله حقّ والإنسان حقّ أيضاً، والله قيمة مقدّسة والإنسان كذلك، هل حقّاً لا يمكن إنتاج فهم ديني يحترم الطرفين معاً؟ وهل حقّاً لا تستطيع العلمانيّة أن تعيش إلا بغياب الله تماماً؟ وهل من الصواب أن نفهم الانتماء لله تنكّراً للإنسان وكفراً به وجحوداً؟!
تكمن مشكلة العقليّة المتعصّبة في أنّها تحدّد بصرامة هويّة الإنسان المتعصّب، لتجعلها ذات لون واحد تماماً، وهذا ما يعني أنّك مضطرّ دوماً للتمايز، وبهذه الطريقة تهدر القيم المشتركة مع الآخرين أو تضمر أو تتراجع لصالح القيم المميِّزة، ولهذا تفضّل التيارات المتعصّبة في المذاهب الدينيّة هويّتها المذهبية أحياناً على هويّتها الإسلاميّة؛ لأنّ الهويّة المذهبيّة تبدي الخصوصيّة فيما الهويّة الإسلاميّة تبدي المشتركات، ولعلّ في ذلك نوعاً من الأنانيّة بحسب المنظور الأخلاقي.
إنّنا نعتقد بأنّه من الممكن جداً أن يعيش الإنسان مع الله، دون افتعال مشكلة بينهما، تضطرّنا لتغييب أحدهما لصالح الآخر؛ والتراث الديني مع التراث العلماني غنيّان بالتجارب التي تحمل ثقافة الجمع والتوفيق، فالإنسان يحيا بالله، بعد أن يذوب فيه، ويصحو به بعد أن يفنى فيه، ويصبح إنساناً كاملاً بعد أن يعبده، إنّه المخلوق المكرّم.. هذه أصول النزعة الروحيّة في التراث الديني للديانات عامّة، وعلينا الاشتغال على إحلال هذه القيم الروحيّة بدل تحويل الدين إلى مجموعة طقوس جافّة مكرورة تضحّي بمضمونها الأخلاقي والبنائي، لتتخذ مضموناً أقرب إلى العادة منه إلى العبادة. إنّ هذه القيم الدينية الروحية العالية تسمح لنا حتى بولادة الدين العالمي ـ على حدّ تعبير كانط ـ القادر على تخطّي الهويات المختلفة في بعض امتداداته.
وأيضاً الله قيمة مقدّسة يمكنها أن تساعد على إحلال وترسيخ القيم الأخلاقيّة في المجتمع، لاسيما تلك المجتمعات التي تمثل قضيّة الله جوهر هويّتها الوطنية والثقافية والاجتماعيّة، فلسنا بحاجة لافتعال مشكلة، وإن كانت تنحية الصورة الإشكاليّة المفتعلة بين الله والإنسان في العقل الديني والعلماني المتعصّبَين، أمرٌ يحتاج لجهد تنظيري كبير وقراءات اجتهاديّة جريئة وعميقة، يمكنها أن تحرّرنا من رواسب العلاقة المأزومة المفتعلة بين الله والإنسان في بعض الفهوم الدينية والعلمانيّة.
عندما تنتهي الأهداف عند هدف واحد!
يدعو التعصّب عامّة إلى التعامي عن أيّ مشكلة أخرى في الحياة، ومحاولة حصر المشاكل في الطرف المنافس المختلف معه، لاسيما المنافس السلطوي بالمعنى العام للكلمة، وهذا ما يعزّز بالتدريج في عقل المتعصّبين ثقافة تحميل كلّ سلبيات الواقع القائم في المجتمع العربي والإسلامي لفريقٍ بعينه، ومحاولة التطهّر من أيّ من هذه السلبيات؛ فعند المتعصّب العلماني تتحمّل الحالة الدينية مسؤوليّة الفشل الاقتصادي والتردّي الاجتماعي والهزائم العسكريّة والتراجع الحضاري وانتشار الأميّة والجهل، ومن ثمّ فوظيفة العلمانية اليوم هي ـ فقط وفقط ـ معاداة الدين وتصفية الحالة الدينيّة المسؤولة عن كلّ الفشل القائم، فيما يعتبر المتعصّب الديني أنّ هذا كلّه إنما جاء نتيجة التوجّه نحو العلمانيّة واتّباع الغرب واللهث خلف المصالح الدنيويّة وغير ذلك.
يميل التفكير المتعصّب عامّةً لتطهير نفسه من أيّ مسؤوليّة أو إدانة، وتحميل الطرف الآخر كلّ الإدانات، وهذه الآليّة وجدناها واضحة في الخلاف العلماني الديني بمظاهره المتعصّبة في العالم العربي والإسلامي، فلأنّ المتعصّب لا يقبل النقد، ولأنّ ثقافة التعصّب ترى في فكر الذات عصمةً وتعالياً وتسامياً ونوراً وهدى وبصيرة، لهذا من الصعب أن يُعيد المتعصّب نظره نحو ذاته لتحميلها ولو بعض المسؤوليّات أو توجيه العتاب أو اللوم لها، فضلاً عن إدانتها، فيضع كلّ الأزمات في الفريق الآخر، ولهذا عندما ينجح أحد الفريقين في تصفية حسابه مع الآخر أو يقوم بإلغائه تماماً من الساحة الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، يفترض تلقائيّاً أنّ الامور سوف تتحسّن، وأنّ الأمّة ستأكل من فوقها ومن تحت أرجلها، وإذ به يتفاجأ أنّ شيئاً أساسيّاً لم يتغيّر؛ ليس ذلك لأنّ الآخر لم يكن شريكاً في تخلّف الأمور والأوضاع، بل لأنّ الذات كانت شريكةً أيضاً، وثقافة التعصّب تلغي دائماً ـ بحصرها مشاكل العصر بالآخر ـ إمكانية تحمّل الذات أيّ مسؤوليّة، وعندما لا يتمّ اكتشاف تمام منابع المشكلة فإنّ سدّ منبع واحد مفترض لن يؤدّي إلى تلاشيها بالضرورة.

خطوات أوّليّة في طريق الحلّ
توجد سبل كثيرة لفضّ الاشتباك القائم بين العلمانية والدينية في العالم العربي والإسلامي، وربما يمكنني الحديث عن بعضها بنحو الإشارة فقط:
1 ـ البدء بحوار منتج وبنّاء وشفاف وواضح، يقوم على مبادرة الوسطيّين من الطرفين للتلاقي، بُغية تبادل الأفكار، والتفاوض على قواسم مشتركة، وعلى مساحات حريّة محدّدة، ويكون هذا الحوار مستعدّاً للخضوع لقوانين التفاوض، من التنازل عن بعض الأمور هنا وهناك؛ لفضّ الاشتباك القائم المعيق لنهوض الأمّة العربيّة والإسلاميّة.
وأصل أصول هذا الحوار هو تعرّف الأطراف المذهبيّة، وكذا الطرف العلماني والديني، على بعضها بعضاً، بشكل واضح وصحيح؛ فالجهل بالآخر أحد أركان التعصّب تجاهه في بعض الأحيان، تماماً كما هو الجهل عامّة سببٌ رئيس لظهور التعصّب في المجتمع، وكلّما تمكّنّا من فهم الآخر ووعيه عن قرب وضمن حالة تماس إيجابي مباشر كان ذلك أفعل في خلق حياة حواريّة صحيّة معه.
2 ـ يسبق هذا الحوار اعترافٌ حقيقي بالطرف الآخر، بوصفه حالة قائمة فعليّة وحقيقيّة في الوطن العربي والإسلامي، ذات تجربة يمكن الاستفادة من بعض جوانبها وأفكارها، ومن ثمّ فالحوار ليس وسيلة لتضييع الوقت أو كسبه، ولا هو بالتكتيك المرحلي الذي يُراد الحصول من ورائه على شيء آخر غيره، وإنّما هو مشروع استراتيجي حقيقي جادّ للإمساك بكلّ التيارات القادرة على التأثير بغية خلق مرحلة جديدة.
3 ـ إنّ اعتراف كلّ فريق بالآخر وخوضه حواراً معه، يستدعي قيام المعتدلين من الطرفين بممارسة نقد ذاتي، بل وتعميم ثقافة النقد الذاتي، فكلّما سعينا لممارسة نقد ذاتي ونشرنا ثقافة النقد الذاتي بين الدينيّين والعلمانيّين أنفسهم، تراجعت حالة التعصّب تجاه الآخر؛ لأنّ رواج روح النقد الذاتي سيفضي إلى اقتلاع روح التعصّب التي تبدو في الأحادية والإطلاق، ورفضّ الشك، والاستعلاء، وبناء الحواجز، والشعور بالنرجسيّة وغير ذلك. بل قد تفضي حالات النقد الذاتي إلى مشاريع مراجعة أو إعادة نظر، بل إلى مؤتمرات مراجعة حقيقيّة، تضيّق الفرصة أمام المتعصّبين داخل الفريقين.
ومن رحم النقد الذاتي، تأتي دعوتنا لتجديد الخطاب الديني، والخطاب المذهبي، وهي دعوة قديمة معروفة، لكنّ دعوتنا الأخرى التي نرفقها بهذه الدعوة هي لتجديد الخطاب العلماني في العالم العربي والإسلامي، فهذا الخطاب مطالبٌ أيضاً بنقد ذاته وتجديدها ومراجعتها، وبتجديد الخطابات وبُنياتها التحتيّة يمكن أن ننفتح على مستوى آخر، ونتطلّع نحو اُفقٍ جديد إن شاء الله.
4 ـ يعني هذا الأمر ـ ببنوده الثلاثة المتقدّمة ـ أنّ على كلّ فريق أن يروّج داخل جماعته لثقافة تفهّم هواجس الآخرين تجاهنا، وليس فقط ثقافة تعميق هواجسنا تجاه الآخرين، ففي هذه الحال تعمّ روح حُسن الظنّ بدل روح سوء الظنّ بالآخرين.
5 ـ القيام بمؤتمرات وملتقيات (وألوان تواصل أخرى) تتناول أهمّ قضايا العصر في العالم العربي والإسلامي، وتعمل على مشاركة الفريقين معاً فيها، ففي قضايا التنمية والاقتصاد والتربية والتعليم والطبقية والفساد والاستبداد وقضايا الأمّة الكبرى وغير ذلك يلزم أن يشارك العلمانيون والمتدينون معاً ـ وكذا أبناء المذاهب الدينيّة المختلفة في أوطانهم ـ في التفكير لمعالجة هذه القضايا في ملتقيات أو مؤتمرات مشتركة أو.. وتأثير هذه القضيّة مهم جداً؛ لأنّه يخلق شعوراً عميقاً بأنّ الآخر شريك في الإصلاح، ويحمل همّ الأمّة، بدل الشعور بأنّه أحد أركان الفساد نفسه فيها.
6 ـ إطلاق مشاريع المصالحة في أكثر من بلد عربي ومسلم بين العلمانية والدينيّة، كما بين المذاهب، ولا نقصد من المصالحة اعتراف الديني بالفكر العلماني قهراً، ولا العكس، بل بمعنى اعترافه بالعلمانيّين ضرورةً، بوصفهم بشرٌ لهم الحقّ في الحياة والتفكير والمشاركة والقرار، ويحملون في تجربتهم عناصر نافعة ومنتجة وصالحة، والعكس صحيح تماماً.
ومن بنود أو الفضاءات الحاضنة لمشاريع المصالحة، السعيُ لوقف الحملات الإعلامية المتبادلة ـ وليس الحوارات الفكريّة في القضايا الخلافيّة ـ وتخفيف حدّة الاحتقان بين الطرفين، وتجفيف منابع التطرّف داخل كلّ فريق.
إنّنا نتطلّع لليوم الذي ندير فيه اختلافاتنا بجدارة، ولا نلغيها؛ لأنّ مشكلتنا ـ كما قلنا مراراً ـ ليست في أنّنا نختلف، بل هذه قوّتنا، إنّما مشكلتنا في أنّنا لا نعرف أو لا نجيد إدارة اختلافنا في الحياة.

*عالم وباحث لبناني.




التفكير النقديّ ـ محمد باقر الصدر أنموذجاً

الشهيد محمد باقر الصدر
الشهيد محمد باقر الصدر

إعداد: الشيخ حيدر حب الله ــــــ

تمهيد ــــــ
سنفتح في هذا المقال نافذةً صغيرة، نستلهم من خلالها من منهج الشهيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه نَمَطاً في التفكير، وأسلوباً في قراءة الأمور. وسأحاول أن أعالج قضيّة تتعلّق بالتفكير. وسأفترض أنّ التفكير يتنوَّع إلى مجموعة أنواع، دون أن يكون هذا التنويع ناشئاً من قسمةٍ منطقيّة. وسأقرأ فكر السيد الصدر من خلال هذه الأقسام.

التفكير، من التنظيم إلى الفهم إلى النقد ــــــ
ينقسم التفكير ـ بنحوٍ ما ـ إلى:

1ـ التفكير المنظَّم؛ ويقع في مقابله التفكير العشوائي.

2ـ التفكير التفسيريّ أو الفهميّ، القائم على الشرح والاستيعاب؛ ويقع في مقابله التفكير المجتزأ أو الناقص، العاجز عن الفهم.

3ـ التفكير النقدي بأنواعه المتعدِّدة، التي سنشير إلى بعضها إنْ شاء الله.

النوع الأوّل: التفكير المنظَّم (أزمة العشوائيّة) ــــــ
التفكير العشوائي هو تفكيرٌ شائع حتّى بين الناس الذين يُعَدّون الأشدّ ذكاءً في العالم. ولا حاجة لقراءة علم النفس، ولا الدراسات الحديثة، لفهم ذلك، بل يمكن أن نلمس مثل هذا التفكير في حياتنا اليوميّة. وجوهر هذا التفكير هو القفز من مكانٍ إلى مكان، وربطُ ما لا يرتبط، والانتقال من نقطةٍ إلى نقطة أخرى من دون وجود ترابط وتسلسل بين النقطتين.

وهذا يشبه ما تحدَّث عنه الفلاسفة والمتكلِّمون ممّا أسمَوْه (الطَّفْرة)، حين قالوا بأنّ النملة لا يمكن لها الانتقال من النقطة (أ) إلى النقطة (ج)، من دون المرور بالنقطة (ب)، كأنْ تقفز قفزاً مثلاً بهذا المعنى للقفز.

ورغم شدّة الذكاء الذي يتمتَّع به بعض الناس، إلاّ أننا نلاحظ عندهم غياب المنهجة، وحضور البعثرة مكانها.

وكثيراً ما يكون ذلك في الخطباء الدينيّين والسياسيّين، وعند المشتغلين بالثقافة الإعلاميّة. فهم لا يضعون جسوراً بين الأفكار، ليكوِّنوا منها صورةً، لينتقلوا من مكانٍ إلى مكان بطريقةٍ منطقيّة، عبر جسرٍ يتمّ العبور منه إلى الضفّة الأخرى.

إنّهم عشوائيّون في التفكير. إنّهم يفتقدون الترابط والتراتبيّة، ورؤية العلاقات بين الأفكار بشكلٍ صحيح، فيختزلون، ولا يُشْبعون الموضوعات سيراً، وينتقون ما يريدون بطريقةٍ مقصودة أو غير مقصودة.

يقولون: إنّ العلاّمة الطباطبائي صنَّف كتاب (بداية الحكمة) وفق أساسٍ مفاده: إنّ كلّ مسألةٍ لاحقة تُبْنى على المسألة التي سبَقَتْها. وإذا صحّ هذا الأساس في كلّ المسائل فهو تفكيرٌ بالغ التنظيم، ولا يقوم على أيِّ عشوائيّةٍ؛ لأنّه يبني الأساس الثاني على الأساس الأوّل، وهكذا الثالث والرابع، حتّى يُنهي بناءه الفلسفي بطريقةٍ بارعة.

إذا راجعنا إنجازات السيد الشهيد محمد باقر الصدر في كلِّ أعماله العلميّة، وحتى شبه العلميّة ـ نظير: الإنجازات التي لا تحمل الطابع التخصُّصي ـ، فسوف نجد عنده سمةً هائلة في عمليّة التنظيم والخطو بشكلٍ تدريجي من فكرةٍ إلى فكرة أخرى، بناءً على ترابطٍ وثيق وقريب بين الفكرتين، دون قفزٍ أو اختزال.

نحن نعيش اليوم وسط ثقافة شعبيّة ومنبريّة وكتابيّة، بل حتّى وفق ثقافة نخبويّة، مليئة بالعشوائيّة.

وينبغي التنبّه إلى نمط التفكير العشوائي الذي نعاني منه جميعاً في ساحتنا العربيّة والإسلاميّة؛ حيث نلاحظ القفز من الخاصّ إلى العامّ، دون أن نلاحظ الآليّة التي سمحَتْ باستنتاج القاعدة الكليّة من شيءٍ محدود؛ وننتقل ـ نتيجة تشابهٍ بسيط ـ من موقف اتَّخذناه من (أ) إلى آخر يُراد لنا أن نتَّخذه من (ب)؛ ونحصل على يقينٍ من أشياء لا تُعطي الموضوعيةُ يقيناً منها.

إنّنا لو طالعنا المشهد الثقافي اليوم في ساحتنا العربية والإسلاميّة ـ سواء المؤيِّد أم المعارض ـ نجد هذه الظاهرة واضحة، حيث يُنتَقَل إلى نتيجةٍ من خلال معطىً أضيق دائرة من تلك النتيجة.

فيقول مثلاً: هناك مشاكل في الفقه الإسلاميّ، ويبدأ بسرد خمسين مشكلة مثلاً، وهكذا يقرِّر؛ جرّاء ذلك، نتيجة عامّة تفيد: بطلان الفقه الإسلاميّ، وعدم وجود جدوى وفائدة منه.

أو يلاحظ مجموعة مشاكل في الفكر العلماني فيتخذ قراراً بأنّه باطل، ومن ثم ينبغي شطبه من الجدارة الفكريّة.

إن مجرّد العثور على بعض الإشكاليّات في الفقه الإسلاميّ لا يعني ـ دائماً ـ الانتقال إلى قانون عام يقرّر خلو الفقه الإسلاميّ من المصداقيّة.

والمؤسف أنّ هذا الأمر هو ثقافةٌ شائعة اليوم، سواء في الإعلام المكتوب أم غير المكتوب، وفي المجلاّت والصحف والنَّشْريات، وفي الكتب والمصنَّفات، وحتّى في الحلقات البحثيّة.

وفي هذا السياق التنظيميّ لو أردنا الوقوف قليلاً مع السيد الصدر؛ لاستلهام هذه الخاصيّة التنظيميّة العلائقيّة بين الأفكار، للاحظنا أن خطواته كانت قصيرةً دون قفزٍ. وإذا أردنا أن نشبِّهه فهو نظير الشخص الذي يسير في الطريق حيث تكون الخطوة الثانية قريبةً من الخطوة الأولى. فهو لا يحاول القفز على المقدّمات؛ ليستعجل النتائج، بل إنّ خطواته متقاربةٌ، ولديه قدرةٌ متميّزة على تفكيك المعلومات والأفكار، والخطو بها شيئاً فشيئاً.

وسأعطي مثالاً واحداً ـ وبالإمكان استخراج نماذج أخرى من تراثه المنشور ـ: في حدود تتبُّعي المتواضع لم أجِدْ شخصاً فسَّر الاستقراء الأرسطيّ، وفكّك نظريّته ـ بصرف النظر عن موافقته في التفكيك ـ، بحيث جعل المجمل مفصّلاً، وجعل المدمج أمراً مفكَّكاً، وخطا مع قارئيه خطوةً خطوة، في عمليّة الوصول إلى النتيجة…، لم أجِدْ كالسيد الصدر& في القسم الأوّل من الأسس المنطقيّة للاستقراء. بل نحن لم نجد ذلك حتّى عند الأرسطيّين أنفسهم، بَدْءاً من أرسطو، ومروراً بالفارابي وابن سينا ونصير الدين، وانتهاءً بالمعاصرين له من الفلاسفة والمناطقة الأرسطيين.

إنّ قدرة الإنسان على تنظيم الأفكار ـ ولا يُكتفى بالذَّكاء والنباهة ـ، ووضع كلّ فكرةٍ في موضعها، هي قدرةٌ إضافيّة على الذَّكاء والمعرفة؛ لأنها تجعل الإنسان قادراً على الوصول بطريقةٍ منظَّمة إلى أفكاره.

ومن الضروري في ما أظنّ أن نستلهم هذا النمط التنظيميّ الهائل من السيد الصدر.

خُذْ كتاب التعارض من البحث الأصوليّ، ولاحِظْ القدرة التنظيميّة الهائلة على الخطو بخطواتٍ صغيرة، خطوةً تتبع خطوة؛ للوصول إلى النتائج.

وهذه القدرة يفتقدها خطابنا الدينيّ في أماكن كثيرةٍ؛ إذ سرعان ما نقفز ونعطي النتائج، دون أن نستلهم الخطوات بطريقةٍ أو بأخرى.

ما تقدَّم كان زاويةً من زوايا التفكير المنظَّم، في مقابل العشوائيّة في التفكير، التي تعشعش في ثنايا تفكيرنا كنُخَبٍ، على اختلافها فيما بينها.

إنّ التفكير منظَّم الخطوات يحتاج إلى شخصٍ هادئ، غير مستعجلٍ، ولا متسرِّعٍ، ولا منفعلٍ، ولا مُسْقِطٍ للنتيجة على الدراسة والبحث، ولا يعتمد التكلُّف، ولا التأويل، ولا التطويع، ولا لَيَّ عنق الحقيقة.

هذه منطلقاتٌ تساعد الإنسان أيضاً على أن يخطو بهدوءٍ؛ كي يصل إلى النتائج.

وخلاصةُ ما أريد قوله: إنّ عشوائية التفكير قد تُفقد النقد قدرته على إصابة كبد الحقيقة، بل قد تفضي في بعض الأحيان إلى ضبابيّة الأفكار، والابتعاد عن جوهر الموضوع، وإرباك العمليات البحثية؛ بتطويل المسافات عليها.

النوع الثاني: التفكير الفهميّ ــــــ
في هذا النوع من التفكير هناك أشخاصٌ رأيناهم في عموم المحافل العلميّة لديهم قدرةٌ جيّدة على النقد والتحليل، لكنّهم لا يملكون تلك القدرة على فهم ما يقوله الآخر. وهذا الأمر فنٌّ من الفنون.

فمن الممكن أن يفكِّر الشخص، وينتج أفكاراً، لكنْ قد يكون عاجزاً عن فهم أفكار الآخرين.

ولو تأمّل الإنسان قليلاً لرأى كيف أنّه ربما يعاني من هذه المشكلة، وهي العجز عن فهم الآخر، وتحليل أفكاره، واستيعاب جميع جوانب رأيه. وهذا ما يؤدّي إلى الوقوع في أخطاء كبيرة؛ إذ غالباً ما يكون النقد قائماً أو منبعثاً من عدم وجود فهمٍ صحيح للآخر، ومن ثمّ يصبح نقداً خاطئاً، حتّى لو كان النقد يكشف عن توقُّدٍ ذهنيّ وذكاءٍ خاصّ.

أوّل مهمّةٍ في العمليّة النقديّة هي فهم الشيء المراد نقده. وقدرة الفهم والاستيعاب ليست أمراً في متناول الجميع، ولا سيَّما إذا كان الآخر لم يُجْلِ نفسَه ويوضِّحها. وفي مثل هذه الحال لا بُدَّ من الحفر والتنقيب؛ لاستجلاء مكنون أفكاره وشرحه وتحليله. وبعد كلِّ هذا تأتي عمليّة النقد أو الموافقة.

هناك أشخاصٌ تجدهم أقوياء في النقد، لكنّهم ضعفاء في الفهم. والعكس صحيحٌ؛ إذ هناك أشخاص أقوياء في الفهم، ولكنّهم عاجزون عن نقد ما يُطْرَح.

والجمع بين الفهم والنقد ليس أمراً بسيطاً. والغالب في حياتنا العلميّة هو الوقوع في أحد الخطأين؛ إمّا خطأ الفهم؛ أو خطأ النقد. وهي مشكلةٌ أساسيّة في هذا الإطار.

وإذا جئنا إلى السيد الصدر فيكفينا كاشفاً عن وجود تفكير استيعابيّ وفهميّ لنظريّات وأفكار الأخرين عنده قدرتُه على شرحها؛ فإنّ أهمّ علامةٍ دالّة على استجلاء فهم الطرف الآخر للأفكار والرؤى هي التمكُّن من شرح الأفكار وإيضاحها بتسلُّطٍ وهيمنة. وكما عبّر بعض أساتذتنا: إنّ أولئك الذين لا يتمكَّنون من إيضاح الفكرة متَّهمون ـ في الجملة ـ بأنهم لم يفهموا حتّى فكرتهم أيضاً، وأمّا أولئك الذين قدروا على طرح الفكرة بأسلوبٍ واضح وجليّ، وشرحوها باستيعاب، فهم يملكون ذلك العقل القادر على فهم الأشياء، واستجلاء عناصرها، وتحليل مفرداتها ومكوّناتها.

وإذا رجعنا إلى (فلسفتنا) و(اقتصادنا) و(الأسس المنطقيّة)، حيث شرح النظريّات الاشتراكيّة والرأسماليّة والوضعية، بحَسَب ما توفَّر عنده من مصادر، وكذا إذا رجعنا إلى موروثه الفقهي والأصولي، أقول: مراجعة ذلك تكشف بطريقةٍ جليّة عن القدرة الواضحة على فهم الآخرين، والقيام بشرحٍ وتحليل لأفكارهم، بطريقة ربما تكون أكثر من قدرة أصحاب الفكرة نفسها على شرحها وتحليلها وتفكيكها في بعض الأحيان. وهذه علامةٌ مهمّة لضمان سلامة التفكير.

طبعاً، لا أنفي أنّ السيد الصدر قد تكون التبست عليه مجموعةٌ من الأفكار التي طرحها الماركسيّون وغيرهم، لكنّنا نتكلَّم في الجوّ العام لكتاباته. فأرجو التنبُّه لهذا الأمر.

من هنا؛ ولكي تنتظم عمليّة التفكير، لا بُدَّ من استلهام المنهج الفكريّ المنظَّم من هذا الرجل العظيم، في مقابل العشوائيّة الضاربة في أوساط الكثيرين في العالم الإسلاميّ.

كما نستلهم منه أيضاً قدرة الفهم التي تحتاج إلى الصبر وعدم الاستعجال. ففي كثيرٍ من الأحيان نجد أنّ أشخاصاً كُثراً يعلِّقون على أفكار بعضهم ببعض التعليقات الكاشفة عن عدم قراءتهم، أو عدم فهم ما قاله الآخرون؛ جرّاء الاستعجال في الفهم. وهذه نقطةُ عيبٍ كبيرة جدّاً ومعقّدة.

وأعتقد أنّ هذه الخصلة عند السيد الصدر ـ وهي القدرة على البيان النابعة من القدرة على الفهم ـ يمكن أن تكون مُلْهِماً لنا في سبيل تطوير طرائق تفكيرنا، أو بتعبيرٍ أدقّ: لتجويد طرائق تفكيرنا في هذا الإطار.

النوع الثالث: التفكير النقديّ أو بصيرة النقد ــــــ
التفكير النقديّ هو التفكير الذي ينبني على عدم التقليد، فأولئك الأشخاص الذين اعتادوا في حياتهم على أن يجعلوا عقولهم مقلِّدة لا يعرفون التفكير النقديّ في شيءٍ، بل من الصعب عليهم أن ينقدوا ذلك الذي قلَّدوه، ونقدُهم لغيره عادةً ما يكون تقليداً لمقلَّدهم في النقد. وأساس التفكير النقديّ هو التحرُّر من سلطةٍ فكريّة أقوى تهيمن على الإنسان، ومن ثَمّ فالخطوة الأولى هي أن يتجرّأ على توجيه السؤال العلميّ لهذه السلطة نفسها. وإذا لم يملك الإنسان هذه الجرأة ـ والتي هي بُعْدٌ تربويّ نفسي ـ فإنه لن يوفَّق في ممارسة أيّ تفكيرٍ نقديّ. نعم سيوفَّق رُبَما للدفاع عن فكرةٍ، لا في نقدها. وكثيرون في الساحات العلميّة يجيدون عمليّة الدفاع عن هذا المفكِّر أو الفقيه أو العالم أو ذاك، وعن هذه الدولة أو تلك، وعن هذا التنظيم السياسي أو ذاك، ولكنَّهم لا يجيدون نقدهم ونقد أفكارهم. فالدفاع يشبه النقد، لكنَّه يختلف عنه بخيطٍ رفيع.

التفكير النقديّ تفكيرٌ رافض للتقليد، ويطمح لتوجيه أسئلةٍ. وهو بطيء التصديق في الوقت نفسه؛ فإنّ الإنسان الذي يمتلك تفكيراً نقديّاً تجد التصديق عنده متأخِّراً؛ لأنّ الأفكار حين تأتي إلى ذهنه سوف تخضع لمعالجةٍ وتصفية، وكأنَّه يضعها في حقلٍ حراري أو إشعاعي معيَّن، ثمّ بعد ذلك تأتي مرحلة التصديق بها. فحين يسمع خبراً أو قصّة أو حادثة، أو يُنْقَل له كلامٌ، أو يرى فكرةً، فهو متريِّثٌ في الاقتناع بها، وبطيء التصديق، بخلاف المقلِّد، الذي هو سريع التصديق للجهة التي يقلِّدها عادةً. وهذه نقطةٌ مهمّة في هذا الموضوع.

وبعد إيضاح هذا المستوى لا بُدَّ من الحديث عن المستويات والدرجات التي تكون فيه؛ إذ تُطرح مستويات ثلاثة للتفكير النقدي، لا بُدَّ من استعراضها؛ لملاحظة أنّ السيد الصدر في أيِّ درجةٍ منها:

المستوى الأوّل: النقد السطحيّ ــــــ
المستوى السطحيّ في التفكير النقديّ ـ ولا نقصد بكلمة (السطحيّ) التقليل من شأنه، بقدر ما نريد توصيفه فقط ـ هو النظر الشكلانيّ للقضيّة. وإذا أردتُ أن أعطي مثالاً قريباً منّا يمكن الحديث عن بعض المناقشات الجامعيّة للبحوث، فمع احترامي لكلّ المناقشين في بحوث تخرُّج الماجستير والدكتوراه، نجد بعضهم أحياناً يقدِّمون اعتراضات سطحيّة وشكليّة هي جزءٌ من وظيفتهم، كاعتراضهم على استخدام هذه المفردة أو تلك، وعلى عدد الكلمات الموظَّفة في هذا العنوان أو ذاك، وعلى الشؤون الصياغيّة والشكليّة والأسلوبيّة والطباعيّة ونحو ذلك. فالطابع العامّ على الاعتراضات والنقديّات التي تقدَّم في أمثال هذه البحوث هو السطحيّة، ومعالجة الشكل والظاهر.

ومن هذا النوع من النقد ما نسمِّيه بالنقد الجُملي، وهو نقدٌ شاع في الفترة الأخيرة، حيث يتمّ أخذ جملةٍ من نصٍّ طويل أو من مشروع فكري، ثمّ تقديم المشروع الفكري على أنّه هذه الجملة، وحصر العملية البحثيّة والتحليليّة فيه بهذه الجملة أو تلك!

المستوى الثاني: النقد الموضعيّ ــــــ
تدخل العمليّة النقديّة في بعض الأحيان في مرحلةٍ أعمق، سنطلق عليها: «مرحلة النقد الموضعي»، أي تأخذ جزءاً من الفكرة أو النظريّة، وتبدأ بتسليط الضوء عليه، وكأنَّما تشرِّحه، كما يمارس الطبيب الجرّاح ذلك، أو تأتي بجزءٍ من نظريّةٍ في علم أصول الفقه أو الفلسفة أو علم الكلام الجديد مثلاً، ثمّ يُصار إلى تسليط الضوء عليه بطريقةٍ ممتازة، ونقده.

المستوى الثالث: النقد البنيويّ ــــــ
نعني بالنقد البنيويّ أنّ الباحث يأخذ جسم النظريّة والفكرة بشكلٍ عامّ بعين الاعتبار، وبعد ذلك يوجِّه سهام النقد إليه، فيدَّعي أن هناك مشكلةً تعتري هذه النظريّة أو الفكرة من أقصاها إلى أقصاها. ففي بداية الأمر يتمّ تلقّي الرؤية بشكلٍ كامل، ليتحوَّل بعد ذلك إلى عمليّة نقدها، أو يتمّ تلقّي مدرسةٍ فكريّة كاملة ومن ثمّ يقدِّم النقد لمجموعها، لا أنّه يمارس النقد لجزئيّة هنا أو جزئيّة هناك فقط، بل النقد يوجَّه إلى الخارطة والهيكليّة العامّة، والنسيج الحاكم، والبنية التحتيّة، والمسار العامّ، لهذه المدرسة أو هذا الاتجاه والرؤية.

وإذا حلَّلنا نمط النقد ومستواه عند السيد الصدر فسنراه يتراوح في الغالب ويتأرجح تارةً بين النقد الموضعي والنقد البنيويّ. فحين كان يناقش كان يناقش مدارس فكريّة، وهو أمرٌ ليس بالسهل على الإطلاق، فقد يكون في متناول الإنسان مناقشة فكرة معيّنة أو نظريّة خاصّة، لكنّ مناقشة مدرسة فكريّة تتألَّف من مجموعة هائلة من الأضلاع ليس بالأمر الهيِّن، بل يحتاج إلى جهدٍ أكبر في العمليّة النقديّة؛ حتّى يتمكَّن الباحث من النجاح في ذلك.

وأعتقد أنّ السقف الذي عالجه السيد الصدر في تفكيره النقديّ كان انطلاقاً من النقد السطحيّ، مروراً بالموضعيّ، ووصولاً إلى النقد البنيويّ، وذلك حين نقد الاتجاهات الماركسيّة في الاقتصاد، والمادِّيين في الفلسفة، والمدارس المنطقيّة في علم المنطق. فنحن أمام رجل لا تقف انتقاداته أو نقديّاته عند أفكار داخل أطرٍ، كما هو الحال الغالب عندنا حين ننتقد فكرةً لنصير الدين الطوسي أو المحقِّق النائيني مثلاً، حيث تعجّ بهذا الحال المنظومة الإسلاميّة، وإنَّما قدَّم الصدر نقداً للمدارس والرؤى بشكلٍ كامل، وهذا الأمر ليس بالشيء الهيِّن، بصرف النظر عن مدى نجاحه في نقديّاته.

إنَّنا بحاجةٍ إلى استلهام عمليّات النقد عنده، وتخطّي الجانب السطحيّ إلى الجانب الموضعيّ، وتخطّي الجانب الموضعيّ أيضاً إلى الجانب البنيويّ، فنقرأ المدارس قراءةً بنيويّة.

في بعض الأحيان يطالع الإنسان مقالاتٍ أو بحوثاً متعلِّقة بنقد مدارس فكريّة أخرى، لكنّه يكاد الشعور بشيءٍ من الإحباط؛ وذلك لأنّ هذا الشخص الذي يقوم بعمليّة النقد يمارس نقداً موضعيّاً لمدرسةٍ، وهذا الشيء غير منطقيٍّ، كما أشرنا قبل قليل. فنقد الرأي الفقهي في مسألةٍ تفصيليّة في باب الطهارة أو في باب العقوبات الجزائيّة، أو نقد آليّة اعتمدوها في فقه النكاح والطلاق، لا يعني صحّة تسميته بالنقد البنيويّ، أو نقد المدرسة وأصول التفكير. والخلط بينهما أدّى ببعض كُتَّابنا إلى أنَّهم حين يكتبون في نقد المدارس يستخدمون هذه الطريقة، بحيث ينظر إليهم الآخرون بنظرةٍ سطحيّة؛ لأنّ هذا لا يشكِّل نقداً مدرسيّاً، بقَدْر ما هو نقدٌ محدود الدائرة.

مجالات التفكير النقديّ، من الآخر إلى الذات ــــــ
وإذا تجاوزنا مستويات النقد، التي نستلهم من السيد الشهيد مستوياتٍ عميقةً فيها، ندخل في مجالاته. فغالباً ما نقدِّم النقد للآخرين، بمعنى أن يكون نقدُنا لغيرنا، وهو أمرٌ سهل. ولو أردتُ أن أحفر قليلاً فإنّ نقد الآخرين يعزِّز الذات، ومنسجمٌ مع الأنانيّة والذاتيّة، ولا أقول: هي ذاتيّةٌ، بل أقول: إنها تصلح للانسجام مع الذاتيّة؛ لأنّ من طبع الإنسان ورغبته أن يُسقط الآخر، لكنْ من الصعب أن يرغب في نقد ذاته، فنقدُ الذات فيه جهاد مع النفس، وفيه محاربة للأنا في هذا الإطار.

وإذا رصدنا السيد الصدر سنجده اشتغل على الملفَّيْن معاً (نقد الآخر؛ ونقد الذات). والقسم الثاني يحتاج إلى محاربة للأنا؛ لأنَّك تقوم في نقد الذات بمحاربة ذاتك للوَهْلة الأولى. فحين يقوم السيد الصدر بنقد الأمّة الإسلاميّة فهو ينتقد ذاته الجماعيّة، وحين ينتقد المؤسَّسة الدينيّة فهو ينتقد ذاته أيضاً، وحين ينتقد الحركة الإسلاميّة فهو ينتقد نفسه أيضاً، وحين ينتقد الحوزات العلميّة فهو ينتقد نفسه أيضاً، وكذا البرامج التعليميّة.

إنّ عمليّة نقد الذات تحتاج في بعض الأحيان إلى جهاد. فمن السهل عليَّ أن أنتقد الآخر، لكنّ من الصعوبة بمكانٍ أن أنتقد ذاتي؛ بل أحياناً نجد أنّ نفس هذا النقّاد حينما يصرف نظره تلقاء نفسه تتعطَّل آليّاته العقليّة النقديّة، فيكون الأمر صعباً عليه، وكأنَّما وضعت القيود في يدَيْه، فعقلُه لا يقدر على ممارسة عمليّة النقد الرائعة التي كان يمارسها ضدّ الآخرين؛ لأنّ الأنا هنا تدخل بقوّةٍ، من حيث شعر أم لم يشعر، ونقد الأمّة والحوزة والمرجعيّة ومناهج التعليم والحركة الإسلاميّة وغير ذلك هو جزءٌ من عمليّة نقد الذات.

وكما استخدم هذا الشهيد الكبير هذا المزدوج من نقد الآخر ونقد الذات، نحن اليوم أيضاً مطالبون باستلهام هذا المنهج، في أن لا نجمد على نقد الآخر، فلا نرى هذه الذوات التي ربما تكون خاطئةً، كما لا نجمد على نقد الذات؛ كي لا نغرق أيضاً في عمليّة إحباطٍ غير سليمة.

أخلاقيّات النقد عند السيد الصدر ــــــ
سأكتفي في الحديث عن أخلاقيّات النقد عند السيد الصدر بأمرين، من باب التذكير، وهما واضحان: «الموضوعيّة»؛ و«الأدبيّة».

من النادر أن تجد شخصاً حينما يناقش فكرةً يتماهى مع خصمه، حتّى تظنّ أنّ هذا الشخص مقتنعٌ بها، بل يختلق لها الأدلّة والوجوه والاعتبارات، ثمّ يقوم بعد ذلك بالنَّقْد. وهذه هي قمّة الإنصاف والموضوعيّة. فعلى الباحث أن يتماهى مع الأفكار، حتّى لو كانت من أكثرها بُعْداً عن فكره، وعليه تقمُّص شخصيّة الخَصْم، ثمّ التفكير لمصلحته، ثمّ تقديم أقصى ما يمكن تقديمه، وبعد ذلك يعود لممارسة عمليّةٍ نقديّة.

وهذا الأمر ليس بسيطاً، وإنَّما يحتاج إلى تربيّة روحيّة وأخلاقيّة، وإيمانيّة أيضاً، في كيفيّة ممارسة هذا النوع من النقد. ولا نحتاج إلى شواهد حينما نطلق هذه الادّعاءات؛ لأنّ الجميع قد لاحظ منجَزَ هذا الرجل الكبير، وإنَّما نريد أن نستجمعها؛ لنستلهم منها.

أمّا أدبيَّته وهدوء لغته، فهو ليس رجلاً متوتِّراً فاقداً لأعصابه، وليس رجلاً متعثِّراً في مشيته، فيشعرك كأنَّه يملك الساحة؛ نظراً لثقته بنفسه التي يملكها. والنقد الأدبي هو نقدٌ منطلق من ثقةٍ بالذات، أمّا النقد الهائج المنفعل فقد يأتي أحياناً من الخوف وعدم الوثوق من صحّة النقد. فعلى الباحث التنبُّه إلى الثقة بنفسه، وعدم تعنيف الآخرين جرّاء فقدانها. كما وعليه أن يقدِّم رؤيته وانتقاداته بطريقةٍ هادئة، شاعراً أنّ الميدان ميدانه. وفي حالة عدم ثقته بنفسه وبفكره بطريقةٍ علميّة لا ينبغي له الدخول إلى الميدان، فيوتِّر الساحة.

نحن محتاجون اليوم أن نستلهم من هذا الرجل الكبير أخلاقيّة النقد في بُعْدَيْها: الموضوعيّ المميَّز جداً؛ والأدبيّ المميَّز كذلك. وهناك فرقٌ بين الخطابات التَّعْبَويّة والخطابات الفكريّة. ونقلُ الخطاب التَّعْبَويّ إلى الفكر كارثةٌ في كثيرٍ من الأحيان، كما أنّ نقل الخطاب الفكري أحياناً إلى الخطاب التَّعْبَويّ فيه كوارث. فنحن نحتاج حقّاً إلى هذا الفصل بطريقةٍ وبأخرى.

مخاطر النَّقْد وهواجسه ــــــ
هناك مشكلتان في التفكير النقديّ:

المشكلة الأولى: أن يعيش التفكير النقديّ رغبةً في النقد لشهوة النقد؛ فهناك أناسٌ يمتلكون شهوة النقد كما هي شهوة الطعام والشراب والجاه والسلطة والشهرة، فتتملَّكه هذه الشهوة، لتصبح عقدةً ووسواساً في داخله. ورغم أنّ التفكير النقدي هو وعيٌ وبصيرة؛ لأنه قائم على رفض التقليد، إلاّ أنّ شهوة النقد ليست وَعْياً، وإنّما هي عجزٌ عن تقبُّل الحقيقة في بعض الأحيان، وغشاءٌ حاجب بين الإنسان وبين الحقيقة. فنحن لا نريد مفكِّراً مسلِّماً دائماً، ولا مفكِّراً متمرِّداً دائماً، وإنَّما نريد مفكِّراً مستعدّاً لقبول الحقيقة، ومستعدّاً في الوقت عينه للتمرُّد على ما يراه باطلاً، أمّا أن يعيش عقدة النقد بشكلٍ دائم فهي مشكلةٌ كبيرة في هذا الإطار.

المشكلة الثانيّة: الإحجام عن النقد لعُقْدة النقد أيضاً؛ فكثيرون منّا لا يريدون النقد ويهابونه ويرفضونه وينأَوْن بأنفسهم وبالآخرين عنه؛ لأنّ النقد مُخيفٌ بالنسبة إليهم، ولا سيَّما إذا طال الذوات الشخصيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة والدينيّة، فيصبح الإنسان رافضاً للنقد؛ لأنّه عقدةٌ ومخيف ويوجب التوتُّر، ولأنّنا لم نتربَّ على ثقافة النقد، علماً أنّ الموضوع ليس فكريّاً هنا، وإنَّما هو تربويٌّ بامتيازٍ.

نحن نحتاج إلى أن يكرَّس هذا الأمر في مدارسنا الدينيّة والعصريّة منذ اللحظة الأولى التي يدخل فيها الحوزويّ والجامعيّ قاعات التعليم؛ لكي يتربَّى على ثقافة أن لا تتملَّكه شهوة النقد، ولا شهوة التقليد، وهي ثقافة تجعله متحرِّراً من عقدة نقد الذات، ومن أن يكون محبطاً أو فاقداً للثقة بالنفس.

النوع الرابع: التفكير البدائليّ، أو عقليّة البحث عن حلٍّ ــــــ
بعد هذا الاستعراض الموجز لأقسام التفكير ومجالاته، وطرح بعض التفصيل حول التفكير النقديّ، وما له من مصائر ونتائج ومجالات وحدود وأخلاقيّات ومخاطر، علينا التذكير بالتفكير البدائليّ الذي وجدناه عند الشهيد الصدر. فالنقد في بعض الأحيان كافٍ لوحده، كما إذا سار الإنسان فوجد حَجَراً في وسط الطريق، فالمطلوب منه في هذه الحالة إزالة هذا الحَجَر لفتح الطريق، وليس المطلوب منه الإتيان بحَجَرٍ بديل! لكنّ التفكير النقدي لوحده يصبح هدّاماً في بعض الأحيان إذا لم يُرْفَق بالبدائل. فنحن بحاجةٍ اليوم في ساحتنا الإسلاميّة إلى نوعين من التفكير النقديّ:

1ـ تفكيرٌ نقديّ يزيل الأحجار من الطرقات، أو يخفِّف الحمولات التي تئنّ منها السفينة المشرفة على الغَرَق وسط البحار، وهي الأحجار والحمولات التي تؤثِّر على نموّ وتطوّر الأمة الإسلاميّة، سواء أكانت أحجاراً فكريّة أم اعتقاديّة أم فقهيّة أم نفسيّة أم اجتماعيّة أم عرفيّة… فهنا يكفي إزالتها ووضعها جانباً، لتأخذ الحياة مجراها الطبيعي التكاملي.

2ـ تفكيرٌ نقديّ يرفع المشكلة ويضع البديل معاً، ولا يعيش رغبة النقد فقط لأجل النقد. فالنقد ليس للنقد، وإنَّما للتغيير والإصلاح وتحسين الأمور والتصويب، وقد يحتاج النقد إلى الخطوة اللاحقة، وهي وضع البدائل. وهذا ما فعله السيد الصدر حينما كان ينتقد المدارس الأخرى؛ حيث كان يضع بديلاً. ففي الفصل الأوّل والثاني من (اقتصادنا) حينما انتقد المدارس الأخرى تجده قد وضع في الفصل الأخير البديل، وفي (الأسس المنطقيّة للاستقراء) حينما انتقد المدارس التجريبيّة والعقليّة والوضعيّة وضع بديله المتمثِّل بالمذهب الذاتي للمعرفة. وهذا البديل جدُّ ضروريٌّ في بعض الأحيان.

البدائليّة من رحم الرساليّة ــــــ
إنّ مشكلة البعض من نقّادنا اليوم أنّهم لا يحملون هَمَّ وضع البديل، وكأنَّهم غير معنيّين بهذا الموضوع. وهنا تأتي خاصية الرساليّة في هذا الرجل. فالرساليّ لا يتلذَّذ بسقوط المبنى، وإنَّما يصبح سعيداً ببنائه مرّةً ثانية بنحوٍ أفضل. وكثيرون كانت عندهم إرادة النقد كيف ما كان، لكنَّهم افتقدوا هِمَّة صناعة البديل، سواء كان بديلاً موضعيّاً أم جذريّاً؛ لأنّ وضع البديل أصعب من النقد أحياناً؛ فمن السهل أن تهدم بناءً، لكنْ من الصعب أن تقوم بتشييد بناءٍ آخر.

كلمةٌ أخيرة ــــــ
أعتقد أنّ الاستلهام من هذا الشهيد الكبير، من تفكيره المنظَّم، وفهمه الواضح للآخرين، ومن قدرته النقديّة الممنهجة والصحيحة، ومن رؤيته البدائليّة التي لا تقف عند حدود تهديم ما عند الآخرين، ومن أخلاقيّاته…، من جميع هذه الأمور يمكن استلهام الكثير؛ لإحياء هذه المسلَّمات في حياتنا اليوميّة، وفي محافلنا العلميّة والدينيّة، إنْ شاء الله تعالى.

الهوامش:
(*) محاضرةٌ ألقيت في المؤتمر الأوّل للسيد الشهيد الصدر، في مدينة قم الإيرانيّة، بدعوةٍ من مكتب الشهيد الصدر الثاني، بتاريخ 5 ـ 5 ـ 2013م. مع بعض التصرف والتعديل، ثم نشرت في مجلة نصوص معاصرة، العدد: 38 ـ 41، في بيروت، لعام 2015 ـ 2016م.

المصدر: موقع نصوص




قراءةٌ في العدد (36-37) من مجلة الاجتهاد والتجديد

Print

بقلم الشيخ محمد عبّاس دهيني — لا يزال الحديث في بعض التصرُّفات التي يقوم بها بعض الإسلاميِّين ـ والذين يوصَفون بالإرهاب والتكفير؛ لذلك ـ، والمستنكَرة من قِبَل الكثيرين، غير أنّ لها جَذْراً وأصلاً في التراث الحديثيّ الضخم عند المسلمين، بل يُفتي بها بعضُ الفقهاء أيضاً، غير أنّهم عاجزون عن القيام بها.
4ـ اللَّعْن والسَّبّ، والتكفير والتضليل
يتصوَّر البعض أنّ ما تقوم به بعضُ الجماعات الإسلاميّة المتشدِّدة، من لعنٍ للمسلمين الذين يختلفون معهم في الفكر الدينيّ العامّ، أو في بعض تفاصيل العقيدة، أو الشريعة، وصولاً إلى تفسيقهم، وتضليلهم، وتكفيرهم أخيراً، إنَّما هو من مختصّات هذه الفئات المتطرِّفة.
ولكنّ الحقَّ أنّ إباحة اللَّعْن والشَّتْم للمخالِف معروفةٌ في فتاوى بعض الفقهاء الشيعة الكبار، حيث يُسأل أحدُهم: هل يجوز لعن شارب الخمر المتجاهِر، حتّى لو كان موالياً؟ فيجيب: لا يجوز لعن مَنْ هو مؤمن( ).
ما يعني أنّه بنظر بعض الفقهاء هناك حصانةٌ مذهبيّة لـ (المؤمن) فقط، تحميه من التعرُّض لـ (اللَّعْن)، ولو كان فاسقاً، كشارب الخَمْر أو تارك الصلاة مثلاً.
والمؤمن بنظر هؤلاء الفقهاء هو المسلم الشيعي الاثنا عشري لا غير، وكلُّ مَنْ عداه ـ كالمسلم السُّنّي، والشيعي الإسماعيلي أو الزَّيْدي أو الإباضي ـ فهو مخالِفٌ، وغير مؤمن( )، ويجوز لعنُه، وسبُّه، والدُّعاء عليه.
وقد يُقال: إنّ هذا خاصٌّ بالفاسق من المخالفين، وهو مَنْ لم ينضبط في جادّة الشريعة المقدَّسة، وارتكب بعض الذنوب، ولم يتُبْ منها.
ولكنْ بمراجعة المصدر نفسه يتبيَّن أنّ إباحة هذه التصرُّفات مطلقةٌ، حيث سُئل: هل تجوز غيبة غير المؤمن، أو شتمه، بدون داعٍ؟ فأجاب: لا بأس بهما في حَدِّ أنفسهما، ولكنْ ﴿لاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، الآية، والله العالم( ).
فهو مجرَّدُ نهيٍ مصلحيّ عن التعرُّض للمخالِفين بالغيبة والشَّتْم، حَذَراً من الردِّ بالمِثْل.
ويُحاول البعض؛ هَرَباً من موقف العُرْف السَّلْبيّ من السَّبِّ والشَّتْم، التفريق بين اللَّعْن والسَّبّ، فيرفضون السَّبَّ ويُحَرِّمونه، بينما يُبيحون اللَّعْن، وقد يُشَجِّعون عليه.
وحيث ندَّعي أنّنا أتباعُ نبيٍّ وأئمّةٍ هُداة ميامين لا بُدَّ أن نتوقَّف عند توجيهاتهم في هذا الشأن. وهنا تستوقفني عدّةُ حوادث تاريخيّة، قلَّما وجدنا لها نصيباً في أدلّة الفقهاء:
الأولى: رُوي أنّه دخل يهوديٌّ على رسول الله(ص)، وعائشة عنده، فقال: السام عليكم، فقال رسول الله(ص): «عليكم»، ثمّ دخل آخر، فقال مثل ذلك، فردَّ عليه كما ردَّ على صاحبه، ثمّ دخل آخر، فقال مثل ذلك، فردَّ رسولُ الله(ص) كما ردَّ على صاحبَيْه، فغضبَتْ عائشة، فقالت: عليكم السام والغضب واللعنة، يا معشر اليهود، يا إخوة القردة والخنازير، فقال لها رسول الله(ص): «يا عائشة، إنّ الفحش لو كان ممثَّلاً لكان مثال سُوءٍ، إنّ الرِّفْق لم يُوضَع على شيءٍ قطّ إلاّ زانه، ولم يُرْفَع عنه قطّ إلاّ شانه»( ).
ونلاحِظ في هذا المجال أنّ النبيّ(ص) قد وصف دعاءَها بالموت والغضب واللعنة، وتوصيفها لهم بما وصفهم به القرآن الكريم، بأنّه فُحْشٌ في القول، وهو حرامٌ، كما هو ثابتٌ في الفقه الإسلامي. هذه هي أخلاقُ رسول الله(ص).
وأمّا أخلاقُ أهل البيت(عم) فهي لا تبتعد عن هذه المبادئ والقِيَم، ولم يكن في قاموس أدبهم(عم) لَعْنٌ أو شَتْم.
الثانية: رُوي أنّ حِجْر بن عِدِيّ وعَمْرو بن الحَمِق خرجا يُظهران البراءةَ واللَّعْنَ من أهل الشام، فأرسل إليهما عليٌّ: «أن كُفّا عمّا يبلغني عنكما»، فأتياه، فقالا: يا أمير المؤمنين، ألسنا مُحِقِّين؟ قال: «بلى»،[قالا: أَوَليسوا مُبْطِلين؟ قال: «بلى»]، قالا: فلِمَ منَعْتَنا من شتمهم؟ قال: «كرهْتُ لكم أن تكونوا لعّانين شتّامين، تشتمون وتتبرّؤون، ولكنْ لو وصفتم مساوئ أعمالهم، فقُلْتُم: من سيرتهم كذا وكذا، ومن عملهم كذا وكذا، كان أصوب في القول، وأبلغ في العُذْر. و[لو] قُلْتُم مكان لعنكم إيّاهم، وبراءتكم منهم: اللَّهُمَّ احْقِنْ دماءَنا ودماءَهم، وأصلِحْ ذات بيننا وبينهم، واهْدِهم من ضلالتهم، حتّى يعرف الحقَّ منهم مَنْ جهله، ويرعوي عن الغَيِّ والعُدْوان مَنْ لهج به، كان هذا أحبَّ إليَّ، وخيراً لكم». فقالا: يا أمير المؤمنين، نقبل عِظَتَكَ، ونتأدَّب بأَدَبِكَ( ).
وهذا منعٌ من أمير المؤمنين عليّ(ع) لشيعته أن يكونوا من اللعّانين والشتّامين، حتّى لمَنْ يخالفهم، بل حتّى لمَنْ يقاتلهم؛ بَغْياً وظُلْماً.
الثالثة: جاء في الخبر أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع) كان جالساً في أصحابه فمرَّتْ بهم امرأةٌ جميلة، فرَمَقها القومُ بأبصارهم [على عادة الشباب هذه الأيّام، يتحرَّشون بالنساء في الطُّرُقات]، فقال(ع): «إنّ أبصارَ هذه الفحول طوامح، وإنّ ذلك سببُ هَبابها، فإذا نظر أحدُكم إلى امرأةٍ تعجبه فليلامِسْ أهلَه، فإنّما هي امرأةٌ كامرأةٍ»، فقال رجلٌ من الخوارج: قاتله الله كافراً ما أفقهه! فوثب القومُ [أي أصحاب الإمام(ع)] ليقتلوه، فقال(ع): «رُوَيْداً، إنّما هو سبٌّ بسبٍّ، أو عفوٌ عن ذنبٍ»( ).
وهنا يستوقفني توصيف وتصنيف أمير المؤمنين(ع) لكلام ذلك الخارجيّ، الذي تضمَّن ثلاث مقاطع: (دعاءٌ بالهَلاك)؛ و(تكفيرٌ)؛ و(وصفٌ بالفقاهة)، فأيُّها هو السَّبُّ يا تُرى؟
أمّا التوصيف بالفقاهة فليس بسَبٍّ قَطْعاً، ولا يعدو السَّبُّ أن يكون أحدَ الأمرَيْن الآخرَيْن.
فهل يسمع هذا اللاعنون لمَنْ يختلفون معهم من المسلمين، والدُّعاةُ إلى اللَّعْن، وممارسو التكفير والتفسيق والتضليل؟
هل يسمع هذا الذين تركوا الزيارات المتضمِّنة لمعاني التوحيد الخالص، والولاء الصافي، واستبدلوها بـ (زيارة عاشوراء)، الضعيفة سنداً، والمشوَّشة مَتْناً، التي تتلاصق وتترادف فيها عباراتُ اللَّعْن والبراءة لمرّاتٍ ومرّات، في إيقاعٍ ممجوج؟ وكأنّي بواضعيها قد حُرموا؛ بحُكْم الله وشرعه، أن ينطقوا بالسُّباب والفُحْش من القَوْل في الطُّرُقات والأزقّة، فألبسُوه لباس الدِّين، وغطَّوْه بدِثار الوَلاء، وأدخلوه عُنْوةً إلى المساجد والحسينيّات.
ولا أعني بهذا الكلام أنّ المذكورين في ذلك النصّ ـ المسمّى (زيارة عاشوراء) ـ لا يستحقّون اللَّعْن، وإنَّما ليس من أدب المؤمن أن يلهج باللَّعْن ويكثر منه، حتّى يُسَمَّى لعّاناً، فكيف إذا قام بذلك في بيوت الله، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (النور: 36)؟! وكيف إذا كان هذا اللَّعْن يجرّ لَعْناً من الطرف الآخر؟!
فأين هؤلاء من أخلاق الله؟! حيث لا يلعن قوماً بأسمائهم، وهو العالم بأفعالهم واستحقاقهم للَّعْن، وإنَّما يلعن فئةً بما فعلوا، فيقول مثلاً: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: 18). فمَنْ كان ظالماً شملَتْه هذه اللعنة وعَرَفَتْ طريقها إليه، دون أن تستفزّ أحداً، أو تستدعي ردّة فعلٍ غير مرضيّة.
أين هؤلاء من نهي سبحانه وتعالى صراحةً المؤمنين عن أن يسبُّوا الأصنام، وهي معبودات أهل الجاهليّة، لئلا تكون ردّةُ فعلهم سبَّ الذات الإلهيّة المقدَّسة، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: 108)؟!
أين هؤلاء عن نهي أهل البيت(عم) لشيعتهم عن التعرُّض بالشَّتْم والسَّبِّ واللَّعْن لأعدائهم جِهاراً؛ خَوْفاً من ردّة الفعل العنيفة من الطَّرَف الآخر، التي ستتمظهر بسبّ وشتم ولعن أهل البيت(عم)؟! وقد قيل لمولانا الصادق(ع): يا بن رسول الله، إنّا نرى في المسجد رجلاً يعلن بسبِّ أعدائكم ويُسمِّيهم؟ فقال: «ما له ـ لعنه الله ـ يعرِّض بنا»( ).
وللكلام تتمّةٌ إنْ شاء الله تعالى
وكعادتها في كلِّ فصلٍ تعرض مجلّة «الاجتهاد والتجديد»، في عددها المزدوج السادس والسابع والثلاثين (36 ـ 37)، جملةً من الدراسات المتنوِّعة (أربع عشرة دراسةً).
تليها قراءةٌ في منهج الحاكم النيسابوري في تصحيح أحاديث الفضائل، للدكتور يحيى عبد الحسن الدوخي.

كلمة التحرير
وهي بعنوان «خواطر حول الثابت والمتغيِّر في الفقه الإسلامي/الحلقة الثانية» (وهي المحاضرة التي أُلقيت في مركز السيد الشهيد الصدر الثاني، في مدينة قم في إيران، بتاريخ 12 ـ 7 ـ 2013م، مع بعض التعديل والتصرُّف)، ويستكمل فيها رئيس التحرير الشيخ حيدر حبّ الله حديثه حول النظريّات الثلاثة في تفسير وتحديد المرجعيّة الثابتة المساعدة.
وقد تعرَّض لشرح النظريّة الثانية، وهي: مرجعيّة المبادئ الفقهيّة التحوّليّة المساعدة (نظريّة مشهور الفقهاء)، الذين يرَوْن حلَّ المشكلة من خلال أربعة مبادئ متعاضدة متكاتفة متعاونة، وهي: 1ـ تغيُّر الأحكام بتغيُّر العناوين؛ 2ـ العناوين الثانويّة؛ 3ـ عمومات الشريعة وإطلاقاتها؛ 4ـ ولاية الأمر، من القوانين إلى المقرَّرات.
ثمّ طرح تساؤلات نقديّة في النظريّة المشهورة، وأهمّها: هل حقّاً أنّ الأحكام الولائيّة هي في واقع الأمر مقرَّرات إجرائيّة تنفيذيّة بسيطة، وليست سنّاً لقوانين إضافيّة، كما تحاول هذه النظريّة أن تبسِّطها؟! وأكّد أنّ إعطاء شخص ثلاث أو أربع قواعد قانونيّة عامّة؛ ليقوم بوضع مئات المقرَّرات في ضوئها، يستدعي منطقيّاً تسمية جهوده هذه بالتقنين الجزئي تحت سقف الدستور الكُلِّي.
ثمّ قام بشرح النظريّة الثالثة، وهي: مرجعيّة أدلّة التشريع العليا المساعدة (نظريّة العلاّمة شمس الدين)، طارحاً تساؤلاتٍ تواجه نظريّة العلاّمة شمس الدين.
وخلص إلى القول: إنّ إشكاليّة الثابت والمتغيِّر، وقدرة الشريعة على التكيُّف مع الواقع المعاصر ومتطلَّباته، إشكاليّةٌ تحتاج إلى مزيدٍ من التفكير والتطوير. وإنّ الاستمرار في مسيرة علماء الجيل السابق هو مطلبٌ أساس؛ بغية التوصُّل إلى صيغةٍ عقلانيّة منطقيّة مقنعة لكيفيّة كون الدين صالحاً لكلِّ مرافق الحياة، وكيف يمكن لقانون سابق أن يُغطّي احتياجات مراحل لاحقة.
وما نتمنّاه على الدراسين من طلابنا وباحثينا أن يخصّوا هذا البحث بطروحاتهم الجامعيّة، وأن يتواصلوا معه بطرح أسئلةٍ جديدة، وإثارات نافعة؛ بغية إعطاء رؤية جديدة ومعمَّقة للبحث، نروم بذلك الوصول إلى إجابات لما يدور في خلد شبابنا في العصر الحديث، في ظلّ المرحلة العصيبة التي تمرّ على حاضر أمَّتنا الإسلاميّة، دون الاستخفاف بالعدوّ، ودون الانطلاق من انفعالٍ وردّات فعلٍ، وإنَّما من خلال رؤيةٍ بحثيّة جادّة.
دراسات
1ـ في الدراسة الأولى، وهي بعنوان «الرقِّية والاستعباد في الإسلام/القسم الأوّل»، للشيخ مرتضى مطهَّري (مفكِّرٌ إسلامي كبير، وأحد أبرز رموز النهضة الحديثة في إيران. له عشرات المؤلَّفات والأعمال والنظريّات والأفكار. استشهد مطلع انتصار الثورة الإسلامية في إيران)(ترجمة: حسن علي مطر)، تطالعنا العناوين التالية: جذور حريّة الإنسان؛ موقف أرسطوطاليس من العبودية؛ موجبات الاستعباد من وجهة نظر الإسلام؛ جذور حرّية الإنسان؛ اختلاف الكائنات في الاستعداد والتكامل؛ الحقّ الطبيعي أو الحقّ في التطوُّر والتكامل؛ مسألة حرّية المعتقد؛ اختلاف العبودية في الإسلام عن سائر أنظمة الاستعباد الأخرى؛ اهتمام الإسلام بعتق العبيد؛ هل يُعتبر الاستعباد ظلماً في حدِّ ذاته؟؛ كلمة جون لوك؛ إنكار نظرية الحرّية بمعنى حرّية الإرادة والرغبة؛ نقد نظرية جون لوك؛ فلسفة الاستعباد؛ نظرية مونتسكيو في مخالفة الاستعباد؛ 1ـ تجريد العبد من التقوى؛ 2ـ المالكون يؤلِّفون الطبقة الفاسدة؛ ثلاثة أدلّة يسوقها القدماء لحقّ الاستعباد؛ 1ـ الحرب؛ تقييم هذا الدليل؛ 2ـ الاستعباد الطوعي؛ تقييم هذا الدليل؛ 3ـ الأولاد؛ أسباب الاسترقاق من وجهة نظر مونتسكيو؛ 1ـ الاستعلاء؛ 2ـ قدرة العبد على القيام بالأعمال الشاقّة؛ مسألة امتلاك العصمة؛ هل يجوز للأمة أن تمتنع عن الزواج من مالكها؟؛ عيوب الاستعباد السائد من وجهة نظر مونتسكيو؛ 1ـ كراهية العبد للمجتمع؛ 2ـ الاستعباد بوصفه عقوبة؛ 3ـ تشريع القوانين القاسية ضدّ العبيد؛ 4ـ حقّ معاقبة العبد من قبل السيّد؛ 5ـ حرمان العبد من حقّه الطبيعي في الدفاع عن نفسه؛ مخالفة مونتسكيو لمطلق الحرّية للعبيد؛ أسئلةٌ وأجوبة.
2ـ وفي الدراسة الثانية، وهي بعنوان «نظرية الاجتهاد التفريعي والمقارن»، للشيخ محمد إبراهيم الجناتي (أحد الفقهاء ومراجع التقليد المعاصرين، ومن أبرز علماء الفقه المقارن على المذاهب في إيران. يُعْرَف بآرائه المخالفة لمشهور الفقهاء) (ترجمة: حسن علي مطر)، يتناول الكاتب بالبحث العناوين التالية: أنواع الاجتهاد؛ أقسام الاجتهاد من زاوية فقهاء المذاهب الإسلامية؛ أقسام الاجتهاد من وجهة نظر الإمامية؛ دور الزمان في تحوُّل خصائص الموضوعات؛ 1ـ رأي فقهاء الإمامية بشأن تغيُّر الاجتهاد؛ 2ـ رأي فقهاء أهل السنة بشأن تغيُّر الاجتهاد؛ رأيان بشأن نظريّة التحوُّل؛ عدم وجود الحكم الثانوي في قانون تحوُّل الاجتهاد؛ آفة الاجتهاد المصطلح؛ خصائص المنهج الاجتهادي الجديد؛ نماذج من تحوُّل الاجتهاد بتحوُّل الزمان؛ 1ـ تحديد النسل؛ 2ـ بيان موارد الاحتكار؛ 3ـ إحياء الأراضي الموات؛ 4ـ إحياء الأنفال والمباحات؛ 5ـ ميقات أدنى الحِلّ؛ 6ـ حكم السَّبْق والرِّماية؛ 7ـ مسألة الخضاب وتغيُّر الظروف والشرائط الزمنيّة؛ 8ـ حكم بيع وشراء آلات الموسيقى الغنائية؛ 9ـ حكم النَّحْت وصناعة المجسَّمات؛ 10ـ حكم اللعب بأدوات الشطرنج؛ 11ـ التذكية بالسكِّين المصنوعة من الإستيل؛ 12ـ شراء وبيع الدَّم؛ 13ـ حكم تشريح جسد المَيْت؛ 14ـ حكم العضو المُستأصَل من جسد الإنسان؛ 15ـ وضع الزكاة على الخَيْل؛ 16ـ مسألة الجِزْية على الكافر الذِّمِّي؛ 17ـ حكم لبس السَّواد؛ 18ـ حكم لبس ثياب الكفّار؛ نماذج من أدوار تحوُّل المكان في تحوُّل الاجتهاد؛ نماذج من دور تحوُّل العُرْف في تحوُّل الاجتهاد؛ نماذج من دور تحوُّل الأحوال في تحوُّل الاجتهاد؛ دور تحوُّل الزمان في تحوُّل أحكام الدولة؛ عدم تحوُّل أحكام الشريعة عن الموضوعات الرئيسة.
3ـ والدراسة الثالثة هي بعنوان «الأخبار المشكوك في أمرها في المأثور الأخلاقي»، للشيخ جويا جهانبخش (باحثٌ متخصِّص في مجال الكلام والحديث، وله دراساتٌ تحقيقيّة وتراثيّة قيِّمة) (ترجمة: حسن مطر).
4ـ وفي الدراسة الرابعة، وهي بعنوان «المنهج الفقهي لابن أبي عقيل، ومدرسة المتكلِّمين المتقدِّمين من الإمامية»، للدكتور أحمد باكتجي (أستاذٌ بارز في مجال علوم القرآن والحديث في عدّة جامعات، منها: جامعة الإمام الصادق(ع)، وأحد مدوِّني دائرة المعارف الإسلامية الكبرى) (ترجمة: حسن مطر)، نشهد العناوين التالية: بيان المسألة؛ 1ـ حواضن التفكير الفقهي في مدرسة المتكلِّمين؛ أـ أبو سهل النوبختي وأساس التفكير الفقهي لمدرسة المتكلِّمين؛ ب ـ المنهج الفكري الفقهي لابن قبة الرازي؛ 2ـ ابن أبي عقيل شاخص الفقاهة في مدرسة المتكلِّمين؛ أـ خلفيّات فقه ابن أبي عقيل في فكر المتكلِّمين؛ ب ـ موقع كتاب «المتمسِّك بحبل آل الرسول» في فكر المتكلِّمين؛ ج ـ دليل الكتاب في النظام الفقهي لابن أبي عقيل؛ د ـ موقع السنَّة في النظام الفقهي لابن أبي عقيل؛ هـ ـ ابن أبي عقيل ومباني الاستنباط.
5ـ وفي الدراسة الخامسة، وهي بعنوان «غسل المال السلبي والإيجابي والسياسي»، للدكتور الشيخ حسن آقا نظري (أستاذٌ في الحوزة والجامعة، وعضو الهيئة العلمية في مركز بحوث الحوزة والجامعة. متخصِّصٌ في الاقتصاد الإسلامي) والأستاذ علي هاشم البيضاني (باحثٌ في الحوزة العلمية)، يستعرض الكاتبان العناوين التالية: مقدّمة؛ تعريف غسل المال لغةً واصطلاحاً؛ 1ـ تعريف غسل المال لغةً؛ أـ تعريف الغسل لغةً؛ الفرق بين الغَسْل والغسيل؛ ب ـ تعريف المال لغةً؛ نتيجة التعريف اللغوي؛ تطهير المال أو غَسْله في الفقه الإسلامي؛ النتيجة؛ تعريف غسل الأموال في اصطلاح القانون الوضعي؛ دوافع غسل المال؛ أساليب غسل الأموال؛ آثار عملية غسل المال؛ 1ـ تأثير خروج أموال الغَسْل على العملة وسعر الصرف؛ 2ـ تأثير دخول أموال الغَسْل على العملة وسعر الصرف؛ غسل المال سلبيّ أم إيجابي أم سياسي؟؛ مكافحة غسل المال سياسية أم اقتصادية؟؛ غسل المال الإيجابي؛ بلدان غسل المال؛ شبهاتٌ وردود؛ جواب السؤال الأول؛ جواب السؤال الثاني؛ جواب السؤال الثالث؛ جواب السؤال الرابع؛ جواب السؤال الخامس؛ الخاتمة.
6ـ وفي الدراسة السادسة، وهي بعنوان «تنظيرات الشهيد مطهري لأيديولوجيا التأسيس للحركات الإسلامية»، للأستاذ الدكتور عبد الأمير كاظم زاهد (رئيس قسم الدراسات العليا في كلّية الفقه، ومدير مركز الدراسات في جامعة الكوفة. من العراق)، تطالعنا العناوين التالية: المبحث الأول: تمهيدات البحث التاريخية؛ الصدمة الثانية في التاريخ الحديث؛ المبحث الثاني: الحركات الإسلامية المعاصرة، النشأة والتأسيس؛ المبحث الثالث: مستقبل الحركات الإسلامية في عصر ما بعد الثورة الإسلامية في إيران.
7ـ وفي الدراسة السابعة، وهي بعنوان «ضرب المرأة، قراءةٌ حقوقية وأخلاقية في آية الضرب»، للأستاذ عماد الدين الباقي (باحثٌ في الحوزة والجامعة. ناشطٌ حقوقي. ومتخصِّصٌ في علم الاجتماع. له كتاباتٌ عدّة في مجال تاريخ إيران المعاصر) (ترجمة: السيد حسن مطر الهاشمي)، يطرح الكاتب بحثه وفق العناوين التالية: مدخلٌ إلى البحث وضرورته؛ الآية مورد البحث؛ 1ـ افتراضٌ باطل؛ 2ـ الوضع المثالي والواقعي؛ 3ـ الحركة النَّسَوية وتأثير الأوضاع الاجتماعية في الحكم؛ 4ـ فقه المقاصد؛ 5ـ احتمال النَّسخ؛ 6ـ بشأن الأصل؛ بعض الأمثلة من الآيات؛ نفي الضرب مطلقاً؛ أساسُ الزواج وسرُّ بقائه ودوامه؛ بعض الأمثلة من الروايات؛ 1ـ الروايات في المنع من العقوبة الجَسَدية، والأمر بالإحسان إلى النساء؛ 7ـ بعض المفاهيم والعناصر الرئيسة؛ كيفية وشرائط الضرب؛ القصد من الضرب أو فلسفة الحكم؛ 8ـ المعنى الأدقّ والأكثر إنصافاً للآية؛ 9ـ المنهج التضييقي والبنائي لحلّ المشكلة؛ 10ـ نتائج البحث؛ 11ـ عنف المرأة ونشوز الرجل؛ حصيلة البحث؛ تواردٌ غريب.
8ـ وفي الدراسة الثامنة، وهي بعنوان «التطرُّف الديني في العالم العربي، مقاربةٌ تفسيرية في الفكر والمنهج والمآل/القسم الأوّل»، للأستاذ نبيل علي صالح (باحثٌ وكاتبٌ في الفكر العربي والإسلامي. من سوريا)، نشهد العناوين التالية: ملخَّص تنفيذي عام؛ مقدّمة البحث؛ المبحث الأول: مفهوم «ثقافة التطرُّف» (التعريف، المعاني والدلالات)؛ أوّلاً: في معنى الثقافة؛ ثانياً: في معنى التطرُّف؛ التطرُّف لغةً؛ التطرُّف كـ (فعل)؛ التطرُّف كـ (اسم)؛ ثالثاً: مفهوم ومعنى «التطرُّف» و«ثقافة التطرُّف»؛ المبحث الثاني: أشكال ومظاهر التطرُّف في مجتمعاتنا العربية الإسلامية.
9ـ وفي الدراسة التاسعة، وهي بعنوان «الفقه الإسلامي وتحدّيات العصر الحديث/القسم الثاني»، للدكتور أبو القاسم فنائي (أحد الباحثين البارزين في مجال الدين وفلسفة الأخلاق، ومن المساهمين في إطلاق عجلة علم الكلام الجديد وفلسفة الدين) (ترجمة: حسن مطر)، يستكمل الكاتب بحثه من خلال العناوين التالية: ب ـ إحلال «الإرادة» محلّ «الحقّ»؛ ج ـ العالم الحديث عالم الأخلاق الحديثة؛ د ـ العالم الجديد عالم الأفكار والعقائد الجديدة؛ 5ـ كلمةٌ أخيرة.
10ـ وفي الدراسة العاشرة، وهي بعنوان «المبادئ الفكرية للسَّلَفية الجهادية/القسم الثاني»، للدكتور السيد أحمد سادات (حائزٌ على دكتوراه في الدراسات الإسلامية (الفكر السياسيّ)، وأستاذٌ محاضِر بكلّية دراسات العالم ـ جامعة طهران. من إيران)، يستكمل الكاتب مقالته وفق العناوين التالية: أنواع الجهاد عند السَّلَفية الجهادية؛ النوع الأوّل: جهاد الطَّلَب؛ النوع الثاني: جهاد الدَّفْع؛ مبادئ السَّلَفية الجهادية، وممارساتها؛ أـ الحاكمية لله؛ ب ـ جاهلية المجتمعات؛ ج ـ كفرانية النظم؛ د ـ الجهاد المسلَّح وسيلة التغيير؛ غايات الجهاد عند السَّلَفية الجهادية؛ الخلاصة.
11ـ وفي الدراسة الحادية عشرة، وهي بعنوان «قراءةٌ جديدة للإرث بالولاء، دراسةٌ مقارنة/القسم الثاني»، للدكتور الشيخ خالد الغفوري (عضو الهيئة العلميّة في جامعة المصطفى(ص) العالميّة، ورئيس تحرير مجلّة فقه أهل البيت(عم). من العراق)، تطالعنا العناوين التالية: الجهة الثالثة: بيان النوع الثاني (ولاء ضمان الجريرة)؛ الدليل الأوّل: الكتاب؛ المناقشة؛ ملحوظتان؛ المناقشة؛ التحقيق في إشكالية النسخ؛ الاتِّجاه الأوّل؛ المناقشة؛ الاتّجاه الثاني؛ المناقشة؛ الدليل الثاني: السنّة؛ الجهة الرابعة: في بيان النوع الثالث (ولاء مَنْ أسلم على يدَيْه كافرٌ)؛ الاستدلال بالسنّة؛ المناقشة؛ الجهة الخامسة: في بيان النوع الرابع (ولاء مُستحقّ الزكاة)؛ المناقشة؛ ردّ المناقشة؛ الجهة السادسة: في بيان النوع الخامس (ولاء الإمامة)؛ الاستدلال بالكتاب؛ المناقشة؛ الاستدلال بالسنّة؛ الجهة السابعة: في بيان النوع السادس (جهة الإسلام)؛ المناقشة؛ أهمّ نتائج البحث.
12ـ وفي الدراسة الثانية عشرة، وهي بعنوان «منصب أمير الحاج في الفقه السياسي، قراءةٌ تقريبيّة»، للدكتور الشيخ محمد رحماني (أستاذٌ في الحوزة العلميّة في قم، وأستاذٌ مساعد ومدير قسم الفقه والأصول في جامعة المصطفى(ص) العالميّة) (ترجمة: وسيم حيدر)، يستعرض الكاتب العناوين التالية: أهمِّية منصب أمير الحاج؛ سابقة البحث؛ بحثٌ لغوي؛ الموضوع؛ أمير الحاج؛ حكم تنصيب أمير الحاج؛ أقسام إمارة الحجّ؛ شرائط أمير الحاج؛ وظائف أمير الحاج في الذهاب والإياب؛ وظائف أمير الحاج المتصدِّي لإقامة المناسك.
13ـ وفي الدراسة الثالثة عشرة، وهي بعنوان «إنكار النَّسْخ في القرآن الكريم، نظرةٌ تاريخيّة»، للدكتور محمد تقي دياري بيدگلي (عضو الهيئة العلميّة في قسم علوم القرآن والحديث في كلية الإلهيّات في جامعة قم) والدكتور عزت الله مولائي نيا (عضو الهيئة العلميّة في قسم علوم القرآن والحديث في كلية الإلهيّات في جامعة قم) والأستاذ محمد معظمي گودرزي (طالب في مرحلة الدكتوراه في قسم علوم القرآن والحديث في كلية الإلهيّات في جامعة قم)، نشهد العناوين التالية: خلاصة؛ مقدّمة؛ مَدَيات إنكار النسخ؛ منكرو النسخ في مجال القرآن الكريم؛ تأثُّر منكري النسخ بالمستشرقين؛ النتائج.
14ـ وفي الدراسة الرابعة عشرة، وهي بعنوان «الدولة وولاية الفقيه، العلاقة بين التوالم والتضادّ»، للدكتور رشيد ركابيان (عضو هيئة العلوم السياسية العلمية في جامعة السيد البروجردي) والدكتور حسن رضا آريايي راد (باحثٌ وأستاذ في العلوم السياسية) (ترجمة: د. نظيرة غلاب)، يتناول الكاتبان العناوين التالية: مقدّمة؛ الولاية في الإسلام؛ قصة الإمامة في القرآن؛ ولاية المسلمين؛ الولاية الفعلية لرسول الله(ص) ولعليّ بن أبي طالب(ع)؛ طرح قضيّة الوالي (الحاكم)؛ ولاية علماء الدين؛ الآراء المرتبطة بمسألتي الدين والسياسة؛ مباني إثبات ولاية الفقيه؛ 1ـ المباني النقليّة في إثبات ولاية الفقيه؛ 2ـ المباني العقلية لولاية الفقيه؛ 3ـ تعيين الوليّ الفقيه للقيادة؛ أـ أوصاف القائد؛ ب ـ مسؤولية القائد (الحاكم)؛ ج ـ المسؤوليّات المالية والحقوقية؛ د ـ ولاية الفقيه ولاية سياسية.
قراءات
وأخيراً كانت قراءةٌ بعنوان «منهج الحاكم النيسابوري في تصحيح أحاديث الفضائل، دراسةٌ وتقييم»، للدكتور يحيى عبد الحسن الدوخي (أستاذٌ مساعد في جامعة المصطفى(ص) العالميّة. من العراق)، ويستعرض فيها الكاتب العناوين التالية: خلاصة؛ مدخل البحث؛ ترجمة الحاكم النيسابوري(405هـ)؛ كلمات النقّاد في تساهله؛ الاحتمالات المفترضة لنسبة تساهل الحاكم، ومناقشتها؛ 1ـ تخريج أحاديث ليست في الصحيحين وليست على شرطهما؛ 2ـ تصحيح الأحاديث الضعيفة؛ 3ـ ذكر فضائل أهل البيت(عم)، وتخريجه لها؛ 4ـ موقفه من معاوية؛ 5ـ تشيُّعه؛ هل دعوى تشيُّع الحاكم صحيحةٌ؟؛ تعريف الشيعي عند محدِّثي أهل السنّة؛ الحاكم مُنصفٌ في أحكامه على الأحاديث، وليس شيعياً؛ حديث الغدير، برواية الحاكم النيسابوري؛ نصّ الحديث؛ دراسة الحديث وبيان الحقّ؛ مشاهير الحفّاظ يُخرِّجون الحديث؛ شهادة العلماء بكثرة طرق الحديث؛ نماذج تطبيقية لطرق الحديث، ومَنْ قال بصحّتها؛ 1ـ عن عليٍّ(ع) (صحَّحه ابن حجر العسقلاني)؛ 2ـ عن أبي الطفيل (صحَّحه الهيثمي والألباني)؛ 3ـ عن سعد بن أبي وقّاص (صحَّحه الألباني)؛ 4ـ عن البراء بن عازب (صحَّحه الألباني)؛ 5ـ عن رياح بن الحرث (صحَّحه الهيثمي والألباني)؛ تواتر الحديث؛ نتيجة البحث.
هذه هي
يُشار إلى أنّ مجلّة «الاجتهاد والتجديد» يرأس تحريرها الشيخ حيدر حبّ الله، ومدير تحريرها الشيخ محمّد عبّاس دهيني.




“رسالةُ سلام مذهبيّ” .. من أجل إنقاذ الإسلام من الصراعات المذهبيّة

IMG

حوارات نت –بقلم: قاسم قصير — العالَمُ الإسلاميّ الذي يتخبّط اليوم – ومن أقصاه إلى أقصاه – في خضمّ صراعاته المذهبيّة والطائفيّة، هو فعلاً، بأمسّ الحاجة إلى رسائل سلامٍ، تهدف إلى انتشاله، من لجج الفتنة الدموية، لترسو به على برّ الأمان. من نوع الرسالة التي يضمّها الكتاب الجديد، للعلاّمة الشيخ حيدر حب الله.
وكتابه هذا الموسوم بـ”رسالة سلامٍ مذهبيّ”، هو كتاب صادر عن “مؤسسة الانتشار العربي”، (في بيروت، في طبعة أولى 2015). ومما يختم به حب الله رسالته هذه بالقول: “إننا نُرحِّب بكلّ الملاحظات النقدية العلميّة الهادئة على هذه الرسالة من الداخل أو الخارج، ونأمل أن تجد لها أصداء حقيقيّة في أوساطنا، وأن تشكِّل ورقة بسيطة يمكن البناء عليها، وأن تترك ولو أثراً إيجابياً صغيراً في واقعنا المرير. ويضيف مشدّداً القول: فـ”نحن نتمنى أن تُسمع لهذه الرسالة المتواضعة أصداء في المذاهب المختلفة عند المسلمين، فَيُقْدِمُ المستنيرون في المذاهب المختلفة، على عرض رؤيتهم وهواجسهم ونقدهم الذاتيّ الجريء، وملاحظاتهم البناءة على أنفسهم وعلى الآخرين، علّنا في ظل هذا التعاون المعرفيّ، نصل إلى رؤية أكثر عمقاً وبصيرة ونضجاً إن شاء الله تعالى”، كما ويضيف مؤكّداً: “هذا هو أملنا، وهذه هي قناعاتنا، وهذا هو منطق تفكيرنا، وهذه هي، رؤيتنا للمستقبل الأفضل، وهذا هو إيماننا الدِّينيّ الذي ندين الله به، والله على ما نقول شهيد، وهو الموفِّق والمعين”.
وإلى مقدمته، يتمحور هذا الكتاب حول المسائل التالية: “الشِّيعة والمعتقد الديني: (تعريف موجز بالمذهب الإماميّ”؛ “إذن، لماذا الاختلاف؟ أي (الخلاف اليوم بين الإماميّة وبعض المسلمين، لا جميعهم)”؛ “الشيعة والسُّنّة و..هواجس متبادلة وقضايا عالقة”؛ “إدارة اختلافنا (المبادئ والسُّبل والآليات)”؛ “ما هي الخطوات المطلوبة إذاً؟”؛ و”كلمة أخيرة (ما قيمة رسالة من هذا النوع؟!)”.
وتفيد مقدِّمة الكتاب بأنه: “عندما انطلق فجر الإسلام، كان المسلمون يلتفون حول نبيهم(ص)، يأخذون منه التعاليم وما نزل عليه من الوحي السماوي، وكانت الرسالة الإسلاميّة تشق طريقها بجهود المحيطين بالنبي(ص)، إلى جانب التأييد الإلهي والرعاية المحمدية..
كانت الجماعة المسلمة صغيرة في حجمها، أقلية مقموعة، تواجه الظلم والعدوان والبغي، وكانت ملتفة حول نفسها يُعين أفرادُها بعضهم بعضاً، لتشكّل أعلى مظاهر الإعانة والتكامل والتعاضد والتضامن في حادثة المؤاخاة، تلك الحادثة التي تركت بصماتها على مسيرة الدعوة الإسلامية، ورسّخت الوحدة والألفة بين مسلمي اليوم، من الذين كانوا – ولزمن قصير مضى – يتصارعون ويتقاتلون.
قال سبحانه: “هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين* وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم إنه عزيز حكيم” (الأنفال: 62 – 63).
لقد كان التأليف بالإسلام وقيمه وتعاليمه، وكانت هذه التعاليم تشق طريقها في القلوب والنفوس لتصنع جيلاً جديداً، ما يلبث أن يغيّر وجه العالم خلال مدة زمنية بسيطة نسبياً.
كان من الطبيعي أن تقع خلافات شخصية أو غير شخصية هنا وهناك بين المسلمين، وكان حضور الرسول والضخّ الروحي الهائل لقيم الإسلام وتعاليم القرآن كفيلين بتذويب الكثير من هذه المشاكل، لكن البشرية لا تتوقف حالها الطبيعية في اختلاف بني البشر، فكان قانون الحياة ومبدأ الاختلاف سارياً على المسلمين في تاريخهم الطويل.
لسنا الآن بصدد تحديد منطلقات وأسباب هذه الاختلافات والتي تنامت وتكاثرت بعد وفاة الرسول الأكرم(ص)، وهل كانت أسبابها مصانة أخلاقياً أو كانت اجتهادات بين المسلمين أو كانت هناك مؤامرة وصراع سلطة أو غير ذلك؟
ما يعنينا هو أن اللحظة التي فارق فيها رسول الله(ص) الحياة شكّلت بداية حركة في عقارب ساعة الزمن الإسلامي، سرعان ما كوّنت كرة الثلج المتدحرجة، ليشهد الإسلام انقساماً كبيراً بين أبنائه، إلى فرق ومذاهب وتيارات تتناحر فيما بينها ويسفك بعضها دماء بعضها الآخر و..
لسنا نهدف تحميل مسؤولية التشظّي الإسلامي لأحد، بقدر ما نهدف الخروجَ من هذه الحال، فأن نختلف في فهم نصوص الكتاب والسنّة، ويجتهد بعضنا في هذا النص فيفهم منه وجوب شيء، فيما لا يفهم منه الآخر هذا الوجوب، أو يفهم بعضنا من آية معينة شهادة لصالح فلان، فيما لا يرى فيها الآخر هذا القدر من الشهادة.. هذا كله أمر طبيعي، لا يوجد في تاريخ الإسلام فحسب، بل نراه في تاريخ الأديان كافة، وتفرضه محدودية العقل الإنساني في اكتشاف الحقيقة.
لكن المشكلة ساءت عندما صار هذا الاختلاف (الطبيعي) أساساً لخلاف (غير طبيعي)، يتنابذ فيه الناس، ويتباعد فيه المسلمون عن بعضهم، بل وتُسفك فيه دماؤهم، ويسيء كل واحد منهم الظنّ بأخيه، فيتمزّق المجتمع الإسلامي، ويضعف حال المسلمين في تنازعهم وتناحرهم.
والأنكى من ذلك أن كثرة الجدل والنقاش في هذه الخلافات المذهبية وتوسعة رقعتها، سيحدثان المزيد من الاضطراب، بدل أن يوفّرا المزيد من التحوّلات العلمية والنهضوية! فلا قيمة للاضطرابات والحراكات الفكرية دون أن ينجم عنها تحولات معرفية نهضوية.
هذا كله يستدعي اليوم وقفة أمام ضمائرنا، وأمام ديننا، وأما التاريخ وأمام الإنسان كله.. ما الذي يجب علينا فعله؟ نشهد تناميها المطّرد يوماً بعد آخر في عصرنا الحاضر؟
كيف نحصّن الأمة والوطن إزاء فقاقيع الطائفية ومناخاتها هنا وهناك، ونمنحهما وعياً يتعالى بهما عن السقوط في الهاوية والانجرار خلف المثيرات المذهبية وخلف الغرائز الطائفية؟
ففي كل يوم نشهد سفك السملمين لدماء بعضهم بعضاً بإسم الدفاع عن الدين والمذهب والطائفة والفرقة، حتى لقد بات صراع المسلمين فيما بينهم أشدّ وأعنف وأقسى وأشرس وأوجع من الكثير من صراعاتهم التي مرّت عليهم مع سائر الأمم الأخرى! لقد تصارع الشيعي الموالي لعلّي مع السنّي الموالي لأبي بكر بما لم يقع مثله بين علي وأبي بكر نفسيهما! وتصارع الحنبلي والحنفي و.. مع الجعفريّ بأشدّ مئات المرّات من اختلاف الإمام جعفر بن محمد الصادق مع الإمام أبي حنيفة النعمان!
في الوقت نفسه، كيف نحفظ لكل إنسان في هذا الدين هويته وخصوصيته وعقائده وأفكاره، فنجمع بين علاقته الوطيدة والعميقة بأخيه، واحتفاظه الوثيق بقناعاته ومعتقداته الكلامية والفقهية التي نحترم اجتهاده فيها أيا يكن؟!
للجواب عن هذه الأسئلة قد نحتاج للكثير من الكلام، لكن واحدة من الخطوات هي أن نتعرّف أكثر فأكثر على بعضنا، وندرك بعضنا بذهنية واعية فاحصة، وفي المقابل يعرّف كل واحدٍ منا نفسه لأخيه، حتى لا تذهب الأفكار بأخيه يميناً ويساراً.
ومن هذه الخطوات أيضاً، أن يمد كل واحد منا يده للآخر لنتلاقى على الاختلاف الإيجابي وننبذ الاختلاف السلبي، لنوقف نزف الدم في الأمة، ونكف عن المزيد من نكئ الجراح، عنيت جراح التاريخ النازفة منذ قرون. لنوقف تحول حاضرنا إلى تاريخ، فنكف عن الرجوع إلى الوراء، ونصنع من تاريخنا – بقراءة جديدة واعية – مستقبلاً وحاضراً أفضل، فنكتشف فيه عناصر التلاقي والمحبة، بدل أن نُدمن اكتشاف عناصر البُعد والفُرقة، أو نغرق في التاريخ وللتاريخ فقط.
من واقع الإحساس بهذه المسؤولية الجسيمة، ومن صرخة الضمير الكامن في أعماقنا، ومن حجم المأساة التي نعيشها جميعاً، ومن القلق الكبير الذي يلفّ مستقبلنا كأمّة، ومن الشعور بالمخاطر التي تهدّد الوجود الإسلامي عامة.. كان هذا الكتاب/ الرسالة، لنبلّغ ما أمرنا الله به، ونضع عن كاهلنا بعض المسؤوليات الملقاة على عواتقنا نحو مسلمي العالم ونقول كلمة الحق في الزمن العسير.
إن هذا الكتاب المتواضع رسالة مفتوحة لكل المسلمين في العالم شيعة وسنّة وإباضيّة وصوفيّة و.. رسالة حبّ ومودة، رسالة إخاء وقرابة، رسالة صدق وإخلاص، رسالة مصارحة ومكاشفة، رسالة نقد للذات واللآخر، رسالة صفحة جديدة، رسالة نجلي فيها بالتعريف بمذهب أهل البيت النبوي وأتباعهم، بالمذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري، نكشف فيها عن الأفكار والتطلعات والمسؤوليات والآمال والرؤى والاجتهادات والهواجس التي يختزنها أبناء هذا المذهب أو تقع على عاتقهم، نعرّف موجزاً بعقائدهم وفقههم ومسلكياتهم وعلاقتهم بالآخر واتجاهاتهم ومنجزاتهم، وما يقع على عاتقهم من مسؤولية تاريخيّة.
إنها رسالة للآخر – كل الآخر – في الداخل الإسلامي الكبير، نتصارح فيها ونبدي هواجسنا ونفصح عن رأينا في هواجس غيرنا، لنضع أنفسنا والآخرين على المسار الصحيح.
إننا نعيش في لحظة تاريخية مصيرية من عمر الأمة المسلمة، ولا نريد بهذا الكتاب إلا أن نستجيب لهذه اللحظة، ونكسر حصار التاريخ، وننطلق نحو وعي جديد للدين والمذهب، ونمدّ أيدينا إلى سائر مذاهب المسلمين، لنبني معاً مجد أمةٍ لطالما شكّلت مفصلاً من مفاصل تاريخ الحضارات البشرية.
إننا – بوصفنا شريحة كبيرة في مذهب أهل البيت – نعلن اليوم وبصراحة عن رسالتنا المفتوحة للعالم، ولإخوتنا المسلمين من أبناء المذاهب الأخرى. رسالة تدعو إلى اللقاء والتواصل والأمن والسلام وعيش المواطنة، ومنح بعضنا بعضاً الحقوق والمزايا والاحترام والتقدير وحسن الظن، لنبني جميعاً أوطاننا بناء محصّناً من الداخل، لا تهزه الرياح، ولا تطيح به عواصف الشرّ والموت والفتنة.
هي رسالة ستعجب الكثيرين، لكنها قد تغضب بعضاً أيضاً هنا وهناك، ونحن إذ نعبّر فيها عن قناعاتنا التي قد يختلف معنا فيها حتى بعض الشيعة، فإننا نريد بذلك أن نموضع أنفسنا وقناعاتنا في ظل هذه الاصطفافات القائمة اليوم.
هي رسالة محبّة بإذن الله، هي رسالة سلام مذهبي، هي رسالة وطن وأمة ومجتمع وحضارة، والله على ما نقول شهيد.
ويقول حب الله في كلمتة الأخيرة في هذا الكتاب: “وفي نهاية المشوار معك أخي القارئ الكريم، من الطبيعي أن تأتي إلى ذهننا جميعاً الأسئلة التالية: ما قيمة رسالة من هذا النوع؟ وما الذي سنجنيه من كتابة مثل هذه الكلمات؟ هل سيستجيب أحد؟ هل سيكون لها وقع أو ستكون بنفسها مادة سجالية لتغذية الوعي الطائفي؟ أسئلة مشروعة بحقّ، ولا أخفيك – قارئي العزيز – أنني فكرت بذلك، وعشت هم هذا الموضوع، ولكن في نهاية رسالتنا هذه يجب أن نوضح بعض الأمور:
رسالتنا بين صوت الضمير ومسؤولية الواقع
قبل كل شيء نحن امام مسؤوليات يفرضها علينا الدين والقيم والضمير، لا نسكت عما يحصل، وأن نشارك في تغيير الوضع القائم، وأن نقول الحق ولو على أنفسنا أو الوالدين أو الأقربين كما علمنا القرآن الكريم نفسه.
فهذه الرسالة لها قيمة ذاتية من وجهة نظري المتواضعة، وأعني بالقيمة الذاتية هي إبراء ذممنا أمام الله والتاريخ والإنسان، أننا فعلنا ما يمكننا فعله، وذلك أضعف الإيمان، فلا نترك الإيمان كله عندما لا نقدر على أتمّه، بل نأتي ولو بأضعفه كي نستشعر راحة الضمير، حيث لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها.
وإذا خرجنا من الحالة الذاتية “الضميرية” هذه، فسوف نرى أننا – موضوعياً – أمام خيارين: إما الاستسلام التام للواقع القائم، وإما الإقدام على أبسط ما يمكن أن نقدم عليه. وعندما يجد كل واحدٍ منا نفسه أمام هذين الخيارين فمن الطبيعي أن يذهب خلف خيار العمل والإقدام والمساهمة؛ لأن الاستسلام لن ينتج سوى القضاء على ما تبقى من وعي وسلام في هذه الأمة.

كل شيء ممكن، فلنمارس أدوارنا في نطاق التأثير
قد لا يقع ما نصبو إليه في هذه الرسالة، لكن بإمكان كل واحدٍ منّا أن يقوم بدوره في نطاق تأثيره، فلنمارس أدوارنا في نطاق التأثير، وإذا لم نتقدّم على هذا الصعيد، فيكفينا فخراً أن نكون قد ساعدنا على وقف التدهور في حال الأمة ولو بنسبة معيّنة، فأستاذ المدرسة أو الجامعة، وعالم الدين، ورجل الإعلام، والكاتب، والأب والأم و.. لهم جميعاً قدرة التأثير ولو بدرجة بسيطة، ومطلوب منا جميعاً أن نراكم الجهود لنصل إلى نتيجة مرضية أو لنوقف تدهور الأوضاع على الأقل.
نقاط الماء الصغيرة عندما تتراكم سوف تُحدث سيلاً، ومنطق العمل والتغيير يقول: شارك ولو في نقطة واحدة، إذ من دونها لا يكون السيل، فلو فكّر كل واحدٍ منا بحقارة نقطة الماء التي سوف يقدّمها فلن يقدّم أحدٌ شيئاً، ومن ثم لن يكون هناك سيل يحدث التغيير ويصلح الأمور.

القرآن الكريم ومنطق الأمل بالمستقبل
هذا هو منطق القرآن الكريم أيضاً، وهو منطق الأمل بالمستقبل؛ لأن الأمل يترك أثراً، فيما اليأس يجعلنا بلا طاقة ولا حضور، قال تعالى: {ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسرا} (الانشراح: 1 – 6).
وقال سبحانه: {فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} (البقرة: 249)
وقال تبارك اسمه وتعالى جدّه: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران: 173 – 175)
هذه الرسالة – كما أشرنا في المقدمة – لا تمثل الشيعة بأجمعهم، ولا السنّة ولا غيرهم، إنما هي – حتى لو كتبها شخص واحد – تعبير عن قناعة شريحة واسعة من الشيعة والسنّة وغيرهم، من علمائهم ومثقّفيهم ومتعلّميهم ومفكّريهم وباحثيهم وناشطيهم وإعلامييهم وكتّابهم وسائر الشرائح الاجتماعية الأخرى. هي تعبير عما يؤمن به فريق كبير في الأمة، قُدّر له في هذه الأيام أن يُعزل، وأرادت المسؤولية الشرعية والأخلاقية والإنسانية له أن يكون حاضراً.
نحن هنا لا نتكلم بإسم طائفة او دولة أو حزب أو تيار سياسي، ولا ندّعي أن ما كتبناه يمثل رأي مراجع الشيعة أو كل فئاتهم، ولا رأي المجاميع الفقهية لأهل السنّة، بل هو يمثل رأي شريحة كبيرة من أهل العلم والعمل والوجاهة والموقع الاجتماعي في هذه الأمة وفي هذه الطائفة، وأنهم يفصحون عن قناعتهم وإيمانهم بما ينبغي أن يُفعل، ويمدّون أيديهم للمذاهب الأخرى – لا سيما كثير من المثقفين وأهل الرأي، من الذين يشتركون معنا في هذه القناعات أو أغلبها على الأقل – كي تقوم بما ينبغي القيام به كما يمدون أيديهم أيضاً لأبناء مذهبهم، كي يفعلوا ما يفترض فعله في هذه اللحظة التاريخية الصعبة، وإلا فلسنا نصادر رأي مذهب ولا فئة من الناس، وإنما نعبّر عن أنفسنا، ونزعم أننا شريحة كبيرة في المسلمين، وفي المذهب الإمامي أيضاً.

رسالتنا إنقاذ الدين بوقف المبررات المذهبية في صراعاتنا
وليست هذه الرسالة بالتي تحل كل الأمور، ولم ولن نزعم ذلك، بل هي ورقة للتداول، كي نبدأ بحل الأمور بطريقة أفضل، ونفكّر في وضع صيغ تفصيلية للقضايا المتنازع عليها، وبذلك نكون قد ساهمنا في وضع مدماك بسيط في صرح الوئام والتوافق الإسلامي.
ولا تدّعي هذه الرسالة أنها ستحلّ المشاكل السياسية العالقة في بلاد المسلمين، فهذا شأن السياسيين ووظيفتهم، إنما تُعنى هذه الرسالة بالإضاءة على الجانب الديني والقيمي والفكري من موضوع العلاقة بين المذاهب، وتقدم رؤيتها فيه، مع علمها بأن هذا الجانب ليس هو الجانب الوحيد للمشكلة، لكنه جانب مهم، فنحن لا ندّعي أن مشاكل المسلمين اليوم هي مشاكل دينية ومذهبية، أو أن هواجس الشيعة والسنّة التي تكلّمنا عنها سابقاً هي السبب الوحيد لأزمات المسلمين، بل ندّعي – وأرجو التنبّه – أن القوى السياسية في بلاد المسلمين تستعين بالملفات المذهبية لتجعلها والمذاهب وقوداً لمشاريعها، ووظيفتنا السعي لتجفيف هذا الوقود ووقفه، حتى لا يستعمله من يريد سوءاً بالمسلمين، علم بذلك أم لم يعلم.
وقيمة هذا الموضوع هي قيمة دينية عالية؛ لأن أي صراع يقوم على وقود ديني أو مذهبي، يمكن اليوم أن يرتد سلباً على مكانة الدين وقيمته وسمعته ومصداقيته في العالم، وسيسمح ذلك للتيارات الإلحادية واللادينية و.. ان تتقدم خطوة نحو الأمام، وتأخذ المزيد من شباب المسلمين وفتياتهم نحو اللادينية أو نحو العبثية والعدمية، فإلغاء البُعد الديني والمذهبي من صراعاتنا القائمة اليوم هو ضرورة عليا لمصلحة الدين في عالمنا المعاصر، هذه أيضاً رسالتنا وغايتنا التي نطمح إليها.