فضل الله: وطن بلا حوار غير قابل للحياة

0 (5)

حوارات نت – بيروت — برعاية العلامة السيد علي فضل الله، وفي أجواء الذكرى السنوية لإطلاق وثيقة السلم الاهلي، أقام ملتقى الأديان والثقافات للتنمية والحوار حفل تكريم لمجموعة من كبار العاملين في مجال الحوار والتقريب في لبنان، تقديراً لجهودهم العلمية والثقافية وإسهاماتهم في توطيد الحوار وقيم العيش المشترك وذلك في قرية الساحة التراثية بحضور النائب باسم الشاب ممثلاً للرئيس تمام سلام والرئيس نبيه بري معاً، المطران سمير مظلوم ممثلاً للبطريرك الراعي، رئيس مؤسسة العرفان التوحيدية الشيخ علي زين الدين، وفد كنسي وبرلماني من الدنمارك برئاسة رئيس مجلس كنائس الدنمارك اندريس كارد وعضوين من البرلمان الدنماركي عن الحزب الليبرالي والحزب الاشتراكي الديموقراطي، وشخصيات سياسية ودينية وثقافية وعسكرية ودبلوماسية وإعلامية وممثلي هيئات المجتمع المدني والعاملين في مجال الحوار.
والمكرّمون هم: الأمير حارث شهاب، الاستاذ محمد السماك، الدكتور حسين يتيم، الدكتور القس رياض جرجور ،المحامي ملحم خلف، القاضي عباس الحلبي
بدأ الحفل بالنشيد الوطني اللبناني وبعده كانت كلمة لرئيس الملتقى العلامة السيد علي فضل الله استهلها بالقول: إنّنا حين نأتي اليوم لنكرّم شخصيّات قدمت الكثير للحوار، وأعطته من نفسها في مواجهة التيار الجارف لحالات القطيعة والانقسام.. فإنّما نكرم قيمة الحوار بأبعاده الفكريّة والأخلاقيّة والإنسانيّة، ونعيد التأكيد عليه كعنوان ومسار، ولا سيّما في هذه المرحلة العصيبة من حياتنا، حيث يزداد منسوب التعصّب والإلغاء والتكفير والرفض للآخر، تحت عناوين متعدّدة، وبأشكال مختلفة…
إننا هنا نعيد التأكيد على هذه القيمة الكبيرة لكلمة الحوار، بعد أن استهلكناها في نوادينا السياسية والاجتماعية، حتى لم يعد لها أي معنى، بحيث بتنا نمر عليها مرور الكرام.. وبعدما جوفناها من مضمونها عندما حولناها إلى ديكور أو أداة من أدوات السياسة.. نستدعيها حين نحتاج إليها، ليكون حالها كحال آلهة التمر..
وأكد فضل الله: نعم، تحوَّل الحوار إلى خطابات؛ إلى صورة يجتمع فيها رجال دين مسلمون ومسيحيون، أو سنة وشيعة ودروز.. أو إلى مؤتمرات لإلقاء الخطابات، فيما تبقى القلوب كما هي، ولا تتبدل العقول ولا تتغير… ليس هو هذا الحوار الَّذي نلتقي عليه، والذي هو موضع التكريم، وليس هو الحوار الّذي يقي من الفتن أو يبني الأوطان… فهذا الحوار يكون كالسراب، وسرعان ما ينكشف زيفه وخداعه عند أول تجربة..
وتحدث عن حالة الحوار الراهن قائلا: لم ينتج الحوار الإسلامي ــ المسيحي، والحوار الإسلامي ــ الإسلاميّ، ما كنا نأمله ونتوخاه، ولم ينجح الحوار على المستوى الوطني.. لا لأن الحوار لا ينجح ولا ينتج ولا فائدة منه.. فقد أثبتت الكثير من الوقائع، أن الحوار ينتج، لكن عندما يكون صادقاً، وعندما نبعده عن أهدافنا الذاتيّة، ولا نحوله إلى سلعة في لعبة المصالح…
لم ينجح الحوار الإسلامي المسيحي، أو الحوار الإسلامي الإسلامي، أو الحوار الوطني، لأننا لم نستحضر فيه قيم الإسلام والمسيحية، ولا القيم الوطنية ومصلحة الوطن… فلو استحضرنا هذه القيم، لكان الحوار حقق النتائج المرجوة، فما أكثر ما يجمع بين الإسلام والمسيحية! وما أكثر ما يجمع بين المذاهب الإسلامية! وما أكثر ما يجمعنا في دائرة الوطن! وبالحوار، نوسّع المشتركات، ونستطيع أن نقلّل الفوارق.
لقد فشل الحوار عندما حوَّلنا الدين والمذهب، وحتى الوطن، إلى واجهات لمواقع وامتيازات ومصالح يسعى الكلّ إلى الوصول إليها.. حتّى تحوّل الحوار إلى مادّة لتقاسم النفوذ وتوزيع المواقع.
ولفت فضل الله إلى الواقع السيء مشدداً: لا أريد هنا أن أسيء إلى صورة هذه المناسبة السَّعيدة والجميلة الّتي نبارك فيها القيمة الّتي يحملها كلّ فرد منكم نكرمه اليوم، ما أريده هو أن نظهر الواقع كما هو، لنعترف ببؤسه، حتى نعمل لكي لا تتكرر المشاهد السوداء التي بددت كلّ ما هو مشرق وجميل في وطننا، ولا نزال نعاني تداعياتها، ولا سيّما ونحن نستعيد اليوم ذكرى الحرب الأهلية المشؤومة التي عصفت بهذا البلد.
وأضاف: لسنا مثاليين لا نفقه معادلات الواقع حين ندعو إلى أن يكون الحوار منهجاً لمعالجة مشكلاتنا وخلافاتنا ومدخلاً لبناء أوطاننا.. نحن أكثر واقعية، لأننا نعي أن لغة الحوار هي الأبقى، لأن جذورها تمتد منذ أن كانت الرسالات وانطلقت الكلمة، ومنذ وجد الإنسان، وستبقى ما دام موجوداً.. اللاواقعيون هم من يرفضون الحوار.. هم يظنون أنهم بالرفض للآخر، وبالانغلاق على ذواتهم، يستطيعون العيش في كانتوناتهم بسلام..
نحن واقعيون عندما نتمسك بالحوار بمعناه الإنساني العميق، لأننا بالحوار نحول دون أن يصبح الوطن غابة، أو يتحول إلى ساحة قتال بين الطوائف والمذاهب.. قتال لا طائل منه.. وقتال بلا نهاية.. قتال يستنزف البشر والعمران، ويملأ الأجواء بكل ألوان الحقد والبغض والكراهية.
وحد سماحته المفهوم الذي يراه للحوار:نعم، نحن ندعو إلى أن يكون الحوار منهجاً للحياة في كلّ مجالاتها، لا أداة توظيف سياسيّ، ولا وسيلة للهيمنة على الآخر، أو الدخول إلى ساحته لاختراقها، ونحن نراهن وسوف نبقى نراهن على كلّ الصفات والمزايا التي وهبها الله للإنسان، ولم يهبها لغيره من المخلوقات..
إننا لن نتوقَّف عن الرهان على العقل وحساباته المنطقية الّتي تفيد بأن لا مصلحة لأحد في استمرار حرب الجميع ضد الجميع.. بعد أن علمتنا التجارب السابقة أن لا أحد سينتصر في صراع الهويات.
إننا نصر على هذا الحوار.. لأننا نرفض للإنسان أن يكون إما قاتلاً أو مقتولاً.. نصر على الحوار الذي يعني لنا أن ثمة طريقاً آخر للخروج من هذا النفق المظلم.. يفتح آفاقاً أخرى تخرجنا مما نحن فيه من بؤس وموت ودمار.. إلى بلد يعم فيه السلام وتحفظ فيه حقوق الجميع.. وتابع: سوف نبقى نراهن على أن يؤدي هذا الصوت الحواري إلى انتفاضة قريبة للضمير الإنساني، الذي لن يستطيع أن يتحمل أكثر هذه الآلام والمصائب الناتجة من شيوع ثقافة الحقد والكراهية والإقصاء…
إنّنا لن نيأس من الرهان على يقظة واعية للفطرة الإنسانيّة التي تدعو إلى الأخوة بين البشر: “الناس صنفان؛ إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”.. على يقظة تفتح الباب لطيّ صفحة هذا الصراع العبثي الذي يكاد أن يحول بلداننا إلى دول ومجتمعات فاشلة..
وشدد على أنه لا بدَّ لصوت الحوار من أن يبقى مرتفعاً، مهما قست الظروف.. إن وطناً لا تسود فيه لغة الحوار هو وطن غير قابل للحياة.. إن شعباً لا يعالج اختلافاته بالحوار، هو شعب يعيش حرباً أهليّة قد تنفجر في أية لحظة…
أن نحمل الحوار كرسالة، معناه أن نؤكد إنسانيتنا.. وأن نؤكد إنسانيتنا معناه أن نعترف بالآخر والمختلف.. أن نحدق في مضمون خطابه للتعرف إلى ما يجمعنا به.. أن نتجرّد من عصبياتنا ومن كل الإرث السلبي الذي نحمله عن الآخر.. هذا هو الحوار الّذي نريده، والذي أراده الله سبحانه للحياة.. هو الحوار المنتج.. الحوار الذي يمد الجسور، الحوار الذي يردم الهوة بيننا.. بالتقائنا على كلمة سواء…

0 (20)

وختم فضل الله بالقول:إنّ مسؤوليّتنا ــ أيّها الأخوة ــ كبيرة في أن نعمل لتعزيز هذا النهج الحواري وتوسيع أطره، وأن نرتقي به في تعميق المعرفة بالآخر، وفي فنون الحوار وإتقان مهاراته، وفي تقديم النموذج الأخلاقيّ اللائق به، حتى نكون مؤهّلين لبناء أجيال جديدة من الحواريين الذين نريد منهم أن يشكلوا معالم نور في هذا الظلام الدامس…
إنّ هذا التّكريم هو تكريم لعطائكم.. هو تكريم لكل القيم الإنسانية.. هو تكريم لكل الجهود التي بذلتموها للتّحرّر من العقد المذهبيّة والطّائفيّة.. هو تكريم لكل المبادرات التي تسعى إلى تعزيز لغة التواصل والمحبة والرحمة… وإلى بناء الجسور الّتي تجمع بين الناس رغم انتماءاتهم المختلفة…
وليكن هذا التّكريم حافزاً لنا ولكم، للعمل معاً من أجل مجتمع أفضل وإنسان أفضل…
ثم تعاقب على التعريف بالسادة المكرمين كل من: سماحة الشيخ سامي أبي المنى، سماحة الشيخ القاضي محمد أبو زيد، الأستاذ يوسف مرتضى، الأستاذ قاسم قصير، سماحة الشيخ حسين شحادة.
وقد أجمع المتحدثون على أهمية الشخصيات المكرَّمة في ترسيخ التقريب بين الأديان والثقافات وتمهيد الطريق نحو وطنٍ يتعايش فيه أبناؤه على قدم المساواة، وفي بلورة فكرة المواطنة بين جميع اللبنانيين.
وفي الختام قدّم العلامة فضل الله دروعاً تقديريّة للمكرّمين.

0 (7)




ملتقى الأديان والثقافات يزور مطرانية المشرق الآشورية متضامناً

المئات يتظاهرون في ستوكهولم مطالبين بتدخل دولي لإنقاذ قرى الآشوريين في سوريا
المئات يتظاهرون في ستوكهولم مطالبين بتدخل دولي لإنقاذ قرى الآشوريين في سوريا

خاص حوارات – بيروت – – زار وفد من ملتقى الأديان والثقافات للتنمية والحوار، برئاسة الأمين العام للملتقى الشيخ حسين شحادي مطرانية كنيسة المشرق الآشورية حيث كان في استقبال الوفد الأسقف يترون كوليانا ومساعدوه، وقد نقل الشيخ شحادي تحيات العلامة السيد علي فضل الله وتضامنه مع الاشوريين في كل ما يتعرضون له مؤكداً أن الجرح الإسلامي والمسيحي هو جرح واحد في المأساة التي تصيبنا جميعاً في هذا الشرق من وحشية الجماعات التي تحمل اسم الإسلام زوراً
واستنكر الشيخ شحادي ما يتعرض له المسيحيون في الشرق وخصوصا ما أصاب المسيحيين الآشوريين مؤخرا مشيرا إلى ان المشكلة ذاتها يعيشها المسلمون والمسيحيون جراء الأعمال الإرهابية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة , وأكد الشيخ شحادي على ضرورة اتخاذ موقف عملي إزاء ما يجري وضرورة تأسيس عمل مشترك إسلامي مسيحي لمواجهة هذه التهديدات والتحديات .
وأشار الشيخ شحادي إلى أن الكنيسة الآشورية اتسمت بحرصها الدائم على روح المحبة والتسامح والسلام .
وخاطب الشيخ شحادي الأسقف كوليانا قائلا : جئنا لنكون معكم ولن نرضى بتفريغ الشرق من المسيحيين وإن الدفاع عن حقوق المسيحيين في هذا الشرق واجب شرعي على كل المسلمين .
بدوره رحب الاسقف يترون موليانا بزيارة الوفد مشيرا الى أن المعاناة كبيرة جدا ولا يمكن الاكتفاء بمواقف الادانة والاستنكار بل لا بد من العمل بفعالية اكبر ودعا إلى تشكيل مقاومة مشتركة من المسلمين والمسيحيين لمواجهة هذه الأعمال الارهابية .
ودعا الاسقف موليانا إلى إصدار الفتاوى اللازمة من العلماء المسلمين لوضع حد لهذه الأعمال التي لا يتقبلها الدين الاسلامي ولا يدين بها .
كما زار وفد ملتقى الاديان الرئيس السابق أمين الجميل حيث جرى عرض للأوضاع السياسية العامة وقدم الوفد الوثيقة التي اعدها الملتقى حول الحوار والسلم الاهلي وجرى التشاور في كيفية تنفيذ وتطبيق البنود الواردة فيها .




لبنان: ملتقى الأديان والثقافات يطلق نداءه من أجل الحوار والسلم الأهلي

3

خاص حوارات – تحت شعار من أجل حوار الحياة أطلق عصر اليوم في قاعة قصر الاونيسكو في بيروت أطلق ملتقى الأديان والثقافات للتنمية والحوار نداءه من أجل الحوار والسلم الاهلي .
حضر اللقاء حشد من الشخصيات الدينية والروحية والاجتماعية والسياسية وممثلون عن الاحزاب والقوى السياسية في لبنان .
أفتتح اللقاء بكلمة رئيس الملتقى سماحة العلامة السيد علي فضل التي تحدث فيها عن اهمية قضية السلم الاهلي وقال : إنَّنا نجتمع اليوم في رحاب قضيَّة السّلم الأهلي، ولا نرى قضية أخرى توازيها قداسة، وهل هناك ما هو أقدس من احترام حياة الإنسان؛ خليفة الله على هذه الأرض؟ وهل هناك فساد أكبر من سفك الدّماء في غير موقعها الصَّحيح {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}؟
وتابع السيد فضل الله :إنَّ إيماننا بالسّلم الأهليّ، لا يحتاج إلى تبرير، فتبريره الوحيد ضرورته والحاجة الماسّة إليه، فضلاً عن أنَّ فقدانه لا يبني وطناً، ولا يطوّر إنساناً ومجتمعاً.
وأشار السيد فضل الله في كلمته إلى أن السّلم الأهلي هو عنوان كلّ الرّسالات السّماويّة والقيم الإنسانيّة وهو دعوة الله لعباده، {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ}.
وأكد السيد فضل الله أن اللبنانيين محكومون بأن يتلاقوا ويتحاوروا وأن هذا التلاقي بين المجتمع المدني والأهلي، لا يجب أن يلغي جهود الجهات السياسية والحزبية ومبادراتها، بل يقوّيها ويدعمها ويحميها من نفسها.
ونوه السيد فضل الله بالدور الفاعل للمجتمع المدنيّ والأهليّ الذي عليه أن يلعبه وأنه إن لعبه بصدق وإخلاص، فإنّه سيترك آثاره الإيجابيَّة الكبيرة في الوضع العام.
ودعى السيد فضل الله إلى إطلاق تشكيل الهيئة الوطنيّة للسّلم الأهلي، الّتي سوف تضمّ، وعلى قدم المساواة، كلّ المؤسّسات والجمعيّات والشَّخصيّات الحريصة على أن تبذل جهودها، وتقدّم إسهاماتها لخدمة هذه القضيّة.
ودعى سماحته الى التوقيع على هذا النداء نداء للسلم الاهلي ليتشارك الجميع في العمل في هذا الميدان .
وتحدث في اللقاء نقيب المحامين اللبنانيين الاستاذ جورج جريج الذي أكد على أهمية هذا النداء داعيا جميع المؤسسات الاجتماعية والسياسية الى الإنخراط في إنجاح هذا العمل .
المطران جورج صليبي نوه بالجهود التي يبذلها ملتقى حوار الاديان والثقافات معتبرا ان هذه الدعوة دعوة مميزة ومتقدمة في سبيل الحوار والسلم الاهلي .
رئيس مؤسسة العرفان التوحيدية الشيخ علي زين الدين بارك هذا النداء واعتبره ضرورة في مواجهة الصورة القاتمة التي نشاهدها في المنطقة مشيرا الى ان إطلاق هذا النداء يأتي في الوقت المناسب .
وكذلك تحدث في اللقاء الاستاذ عبد الهادي محفوظ والسيدة ليندا مطر ورئيس الجبهة المدنية العميد انطوان كرم ورئيس مؤسسة أديان الاب فادي ضو والنائب السابقق عصام نعمان والشيخ خلدون عريمط وممثل عن حركة أمل حيث أكدت الكلمات على أهمية إطلاق النداء في هذا الوقت بالذات وضرورة العمل للوصول إلى نتائج عملية .
وشارك عدد من الشخصيات بمداخلات أكدت على أهمية الحوار في هذه المرحلة واعتبرت ان إطلاق هذا النداء هو مسؤولية كبيرة يجب ان يلتف حولها الجميع .

0




العلاقة بين السنة والشيعة بعد 10 سنوات على اغتيال الحريري

بقلم: محمد نمر – المصدر: صحيفة “النهار” اللبنانية-

العلاقة السنية – الشيعية في لبنان ليست بخير، بل انها بلغت ذورة التشنج، وكادت تتحول صراعاً مفتوحاً لولا مسارعة “تيار المستقبل” و”حزب الله” إلى تجاوز الجراح والالتقاء حول طاولة حوار، بهدف تخفيف الاحتقان المذهبي الذي بدأ يظهر بعد فترة من اغتيال الرئيس رفيق الحريري والذي كان في رأي كثيرين صمام أمان، فكيف تطورت العلاقة بين غالبية السنة والشيعة منذ الاغتيال الى اليوم؟

في البداية، لابد من الاشارة الى ان استخدام عبارتي السنة والشيعة يرمز الى الجماعتين السياسيتين بما هما مكونان يستندان الى ولاء غالبية في طائفتين في منطقة ترزح المشاريع السياسية الاقليمية الكبرى فيها على فوالق الطوائف والجماعات.

لم يربط الوجدان السني عامة بين التفجير الزلزال و”حزب الله”، في بداية الأمر، وحافظ الطرفان على علاقة شبه مستقرة، وكان التحالف الرباعي السبب في تشكيل الحكومة بعد الانتخابات العام 2005، وفق الباحث الاسلامي والقيادي في تيار المستقبل رضوان السيد الذي يؤكد أنه “في العامين 2006 و2007، بدأت العلاقة تسوء نتيجة سلوك الحزب، تجاه الحكومة ورئاسة الجمهورية وبلغ هذا السوء ذروته في أحداث “7 ايار” 2008 ، وتبيّن عقب ذلك أن الحزب عبر اربعة عناصر وباتوا الآن خمسة متهم باغتيال الحريري، فبلغت العلاقة درجة عالية من السوء في تصرفات الحزب المتتالية كاحتلال بيروت وفشل الحكومات والتوتر بعد انتخابات عام 2009، وتشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي كانت تابعة لـ”حزب الله” والنظام، فضلاً عن ظهور تنظيمات أسموهم “سرايا المقاومة” في مدن وقرى ذات غالبية سنية، كما ان المراكز المسلحة للحزب و”حركة أمل” والحزب القومي السوري بقي منتشرة”. ويشير إلى أن التوتر تضاعف “عندما تبيّن أن الحزب كان يتمدد ويستولي على الدولة بالكامل ويستهدف السُنة لأنه اعتبرهم الفئة المعارضة الرئيسية لسيطرته”.
انطلقت الثورة السورية في العام 2011 وزادت “الطين بلة” بين السنة والشيعة، ويوضح السيد ان “الايرانيين وحزب الله اعتبروا الثورة السورية تهديداً كبيراً لنفوذهم بعد ان اطمئنوا للسيطرة في العراق وسوريا ولبنان، فقابلوا الثورة بالقوة وأعلنوا عن مقاتلة التكفيريين وباتوا ينتشرون في معظم الاراضي السورية، وزاد من حدة سوء العلاقة ظهور انتحاريين وانتشار الاضطراب الذي لا يزال موجوداً لكن تم تخفيفه من جهتين.
الاولى: تشكيل حكومة توافقية، قال الرئيس الحريري انه اراد منها تخفيف التوتر وحل المشكلات التي خلفها التعصب في مصالح المواطنين.
الثاني: دخول “المستقبل” في حوار مع “حزب الله” برعاية الرئيس نبيه بري لتخفيف الاحتقان المذهبي.
ورغم ذلك، لا يعتبر السيد أن “الحوار سيوصل الى نتيجة معتبرة في ما يتعلق برئاسة الجمهورية او تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في لبنان، لأن الايرانيين يستخدمون مناطق النفوذ للضغط على الاميركيين والعرب في ما يتعلق بمصالحها”. ويرجح ان يستمر التوتر “وان كان المستقبل دائما يحاول ان يخفف من درجته”.
هل بات اغتيال “حزب الله” للحريري ملسماً به لدى السنة؟ يجيب السيد: “نعم هو امر مسلم فيه، وانا مقتنع ان حزب الله هو من اغتال الحريري، وان هناك قراراً كبيراً ايرانياً سورياً باغتيال الحريري وباقي الاغتيالات وان الحزب هو الذي نفذ العملية”.

العصبية والعقلية القبلية
من جهته، يرى السيد جعفر فضل الله أن “اغتيال الحريري أريد منه ادخال العلاقة السنية – الشيعية في اطار ازمة عصبية”، لكن لم تبدأ المسألة من الاغتيال بل في رأي فضل الله “كانت هناك اثارة للعصبيات في المنطقة عموماً كالعصبية الفارسية العربية التي نشأت اثر الحرب العراقية – الايرانية وعصبيات نشأت بين المسلمين والمسيحيين”.
ويشير إلى أن “النظام التربوي العصبي السائد في الشرق الذي يعيش نوعا من العقلية القبلية يغلب فيها الاطار على المبادىء والقيم، هي نفسها تم استثمارها في توجيه العصبية لتعيش في اطار العلاقات السنية – الشيعية”، ويضيف: “هناك ازمة تربوية تربي الانسان على اساس أن الاطار الذي ينتمي اليه هو يمثل كل القيمة، لكن التشيّع والتدين لا فرق بينهما على مستوى القيم الاخلاقية والروحية، بل هناك تفاصيل عقائدية بين المذهبين لا ينبغي ان تؤثر على السلوك”.
ولا يخفي فضل الله أن “اغتيال الحريري ليس حدثاً عابراً وانما هو ضخم مثل الزلزال، ترك تداعياته على مستوى المنطقة وليس لبنان فحسب، وربما كان انعاكسا لتوترات في المنطقة كلها وبالتالي أدى الى حالة تأزيم قصوى للوضع المذهبي، ساهمت فيه فضائيات فتنوية وخطاب تحريضي ونوع من عدم ضبط المسارات المؤسسية، ومنها الجانب القضائي الذي من المفترض ان يعمل من دون حركة اثارة وان يأخذ مجراه بخصوصيته”، لكن رغم ذلك “فإن الشعوب بدأت تعي ان موضوع التخندق خلف الشعور المذهبي لا يجني سوى المصائب على الأمة، واصبح الناس اكثر تقبلا للحلول التي من الممكن ان يحصل فيها تقارب، فالحوارات التي يشهدها لبنان المباشرة وغير المعلنة على مستوى المنطقة، جزء من وعي الكثير من القوى لحجم المخاطر من التوتير المذهبي، واذا تضافرت جهود العقلاء يمكن ان نجد تخفيفاً لحدة الاحتقان المذهبي او يمكن أن نشهد نقلة نوعية في الفكر الاسلامي والعربي في النظر الى مشكلاته التاريخية اذا تضافرت الجهود أكثر”.
هل بات مسلماً به ان “حزب الله” اغتال الحريري؟ يجيب: “هناك مشكلة ان حركة القضاء الدولية لا يمكنك ان تعزله عن الصراع في المنطقة ولذلك فقد يبدأ القضاء في اتجاه وينتهي بآخر بحسب السياسة التي تستخدم المنظمات الدولية لامتلاك اوراق قوة”.

الشباب يريد السلام

لم يتعافَ لبنان من تشنجات الحرب الأهلية، وكان للرئيس رفيق الحريري قيمة في حضوره ومشكلة في غيابه، إذ تقول الباحثة في الفكر السياسي وعلم الإجتماع الدكتورة فهمية شرف الدين أنه “مع استشهاد الرئيس الحريري لم تعد التشنجات طائفية بل سقطت عمودياً وتراجعت وباتت مذهبية، وكانت هناك دراية للمشكلات التي سينتجها اغتيال الحريري”. وتصف العلاقة الحالية بين السنة والشيعة بـ”السيئة جداً والاثنان يفهمان ان لا احد منهما سيربح، ولذلك لكل أسبابه في الدفع نحو تخفيف التشنج”.
وترى أن “التعويل الآن على وجود شخصيات سياسية من وزن الرئيس الحريري، حتى يخفف من هذا التشنج القائم، ونتمنى ان يستطيع نجله أخذ الدور نفسه وينظر بعين والده الذي اتى من خارج الحرب ليقود لبنان الى السلام”، مؤكدة أن “الشباب اللبناني متعطش ليدخل السلام، فهو لا يغادر بلاده من قلة فرص العمل فحسب بل لأن الوضع لا يحتمل، وبسبب التنشنج السياسي والطائفي والصراعات السنوية داخل الطوائف والفساد بين رجال الاعمال”.