“الإباضية”: لسنا من الخوارج وقاتلنا الصليبيين

بقلم: وليد بدران — أسئلة كثيرة تحيط بملف المذهب “الإباضي” وأتباعه “الإباضيين”، ورغم أن أتباع هذا المذهب يعيشون في الشرق الأوسط منذ مئات السنين، إلا أن تفاصيل وافرة عنهم قد لا تكون معروفة للكثيرين.

من هذه الأسئلة على سبيل المثال: كيف ومتى ظهر المذهب الإباضي؟ ما هي أبرز ملامح فكرهم؟ وما هي علاقتهم بالخوارج والسنة والشيعة؟

بدايةً، لماذا المعلومات المتاحة عن الإباضية محدودة؟ يجيب الشيخ الباحث الإباضي التونسي فرحات الجعبيري قائلاً لرصيف22: “إن الاضطهاد الذي تعرض له الإباضيون عبر تاريخهم أدى إلى ظهور إمامة الكتمان. فعندما تكون السلطة بأيدي غيرهم يقيم الإباضيون نظاماً داخلياً للحفاظ على كيانهم يعرف بنظام الحلقة، وهكذا كتموا كثيراً من المعلومات عن حقائقهم نتيجة ضغط الحجاج بن يوسف الثقفي ومن جاء بعده”.

وأضاف أن هذا الكتمان وهذا التخفي جعلا الناس لا يعرفونهم معرفة جيدة وجعلا آخرين يكتبون عنهم من الجانب السياسي، والجانب السياسي يعتبر أن هؤلاء أهل ثورة وأنهم ضمن ما يعرف بالخوارج، وهي كلمة أطلقتها الدولة الأموية ضد مَن خالفها في السياسة.

وحول عددهم ومناطق تركزهم حالياً يقول الشيخ الجعبيري: “الإباضية لا يزيد عددهم عن خمسة ملايين، يتركزون في سلطنة عمان حيث يمثلون غالبية السكان، وفي منطقة جبل نفوسة وزوارة في ليبيا، وجزيرة جربة بتونس، ووادي مزاب في الجزائر، وفي الشتات بجزيرة زنجبار في تنزانيا بشرق إفريقيا، ومالي، والعاصمة الفرنسية باريس”.

النشأة والاسم

حول نشأة المذهب الإباضي يقول الشيخ علي يحيى معمر، وكان من أقطاب الإباضية بليبيا، في كتابه “الإباضية في موكب التاريخ” الصادر عن مكتبة الضامري عام 2008 إن المعلم الأول لهذا المذهب هو جابر بن زيد، وهو من كبار التابعين الذين نشروا الثقافة الإسلامية في القرن الأول الهجري، وقد عاش ما بين سنتي 21 و96 للهجرة النبوية.

وتابع: “كان بن زيد محدثاً وفقيهاً وإماماً في التفسير والحديث وكان من أخص تلاميذ ابن عباس، وروى الحديث عن أم المؤمنين عائشة، وعدد كبير من الصحابة ممن شهدوا غزوة بدر”.

وأشار إلى أن ما اشتهر عند المؤرخين من نسبة الإباضية إلى عبد الله بن إباض نسبة عرضية سببها المواقف الكلامية والسياسية العلنية التي اشتهر بها ابن إباض”.

وحول هذا الموضوع يقول الباحث الشيخ فرحات الجعبيري إنه بعد معركة صفين والتحكيم انقسم المسلمون إلى ثلاث فرق، الأولى موالية لعلي بن أبي طالب والثانية موالية لمعاوية بن أبي سفيان والثالثة بقيادة عبد الله بن وهب الراسبي والتي رفضت التحكيم وأطلقت على نفسها المحكمة غير أن الأمويين أطلقوا عليها الخوارج.

ومضى يقول إنه في عام 64 هجرية اختلف عبد الله بن إباض، وكان من زعماء المحكمة، مع زعماء الفرقة الآخرين مثل نافع بن الأزرق وعبد الله بن صفار، الذين اتجهوا في الحكم على مَن يخالفهم من المسلمين بالشرك، وهو ما رفضه ابن إباض وجابر بن زيد، ويعد الأول الواجهة السياسية والثاني المؤصل الفكري للإباضية.

وأضاف: “كانت تسمية الإباضية أهل الدعوة والاستقامة، ولكن سماهم الأمويون الإباضية على خلفية مراسلاتهم مع ابن إباض، وقد قبل الإباضيون بالتسمية لأنهم يعترفون بإمامة ابن إباض”.

قضايا فكرية

يقول الشيخ علي يحيى معمر في كتابه المذكور إن أغلب المشاكل التي اختلفت فيها الأمة نشأت في الثلثين الأخيرين من القرن الأول الهجري، وقد حصر العلامة الشهرستاني هذه المشاكل في أصول كبار، كما يقول، وهي: الصفات والتوحيد فيها، والقدر والعدل، والوعد والوعيد، والسمع والعقل، والرسالة والأمانة.

ويقول الشيخ معمر إن الإباضيين، وفي مقدمتهم الإمام الأكبر جابر بن زيد، درسوا هذه القضايا وانتهوا فيها إلى الرأي والمذهب الذي اقتنعوا بصحته، مما يوافق كتاب الله وسنة رسوله.

ويتابع: “اتخذ الإباضية الأصل الأول لمذهبهم وهو تنزيه الله عن مشابهة الخلق، استناداً إلى الآيات المحكمات. وما ورد في القرآن الكريم مما يوهم التشبيه، فإنه يجب الإيمان به أنه من عند الله، وتؤول الآيات الموهمة للتشبيه بما يقتضيه المعنى من السياق كتأويل الاستواء بالاستيلاء، واليد بالقدرة، وما إلى ذلك”.

ويضيف: “وفي قضية القدر رأى الإباضية أن الإيمان لا يتم حتى يؤمن الإنسان بالقدر خيره وشره أنه من الله “أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر” (الأعراف: 54)، وللعبد حق الاكتساب والاختيار”.

ويستطرد: “هكذا استقرت آراء الإباضية في أكثر مسائل الخلاف على الأصول المستمدة من القرآن والحديث، وقد رجع الإمام الأكبر في كثير من هذه المسائل إلى آراء الصحابة كعبد الله بن عباس، وعائشة أم المؤمنين، كما وقع في مسألة رؤية الباريء ليلة الإسراء حين قالت: مَن زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية”.

جامع اباضي في منطقة سدويكش في تونس جامع اباضي في منطقة سدويكش في تونس
ومن جانبه، يقول الشيخ الجعبيري إن الروافد الفكرية للإباضية مع بقية الفرق الإسلامية واحدة، فروافد الإباضية هي القرآن والسنة والرأي والاجتهاد وليس لهم كتب بعينها ولا يحتفلون بأعياد تختلف عن تلك التي يحتفل بها باقي المسلمين.

ويشير إلى أن القضايا الفكرية نوعان، عقيدية وهذه يتفق فيها الإباضية مع غيرهم من الفرق الإسلامية، وكلامية وهنا يوجد خلاف في ما يتعلق بالذات والصفات والقول بالتنزيه ومسألة الشفاعة في الآخرة، إذ يرون أن هناك الشفاعة العظمى والوعد والوعيد. وبرأيه، الفروق والخلافات تتعلق بقضايا كلامية فقط.

مسجد إباضي في تونس
مسجد إباضي في تونس

الخلافة والخوارج

يقول الشيخ معمر في كتابه الإباضية في موكب التاريخ: “كان جابر بن زيد قد اتخذ من البصرة مقراً له وكانت قضية الخلافة من القضايا التي مرت عليه، ودرسها دراسة مستفيضة عميقة، وانتهى فيها إلى رأي ثابت مبني على روح العدالة في الإسلام ومستمد من القرآن الكريم، ومستند على سيرة السلف من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام”.

وأوضح: “كان يرى أن الخلافة أهم مرافق الدولة، وأعظم مظهر للأمة وأقوى سلطة تشرف على تنفيذ أوامر الله وتطبيق أحكام الكتاب الكريم، وهي بهذا الوصف لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي، ولا أن ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة أو لون، وإنما يجب أن تشترط فيها الكفاءة المطلقة، الكفاءة الدينية، والكفاءة الخُلقية، والكفاءة العملية، والكفاءة العقلية، فإذا تساوت هذه الكفاءات في مجموعة من الناس، أمكن أن تجعل الهاشمية أو القرشية أو العروبة من أسباب المفاضلة، أو من وسائل الترجيح، أما في غير ذلك فليس لها حساب”.

وتابع: “وفي هذه النقطة يلتقي رأي الإباضية برأي الخوارج، ومن هنا زلق بعض المؤرخين، فحسبوا أن الإباضية فرقة من الخوارج، دون أن يجهدوا أنفسهم في الاطلاع على بقية الأصول والآراء، رغم أن توافق فرقتين على رأي معين لا يجعلهما فرقة واحدة”.

ولكن كيف يفسر الإباضية وجود أسر إباضية حاكمة مثل الأسرة البوسعيدية في سلطنة عمان؟ يرد الشيخ الجعبيري: “إن الإمامة شورى يتولاها مَن تتوفر فيه شروط العدالة مهما كان نسبه أو جنسه، وهذا عكس ما قاله الأمويون بأن الخلافة في قريش أو ما قالته جماعة علي بن أبي طالب بأن الخلافة في ذرية علي. فنحن الآن في الخطوة الأولى لا قرشية ولا علوية وتم تطبيق ذلك في الإمامات الأولى في عمان.

ورداً على مَن يقول إن الإباضية من الخوارج، قال الشيخ سعيد بن ناصر الناعبي القاروتي، وهو من شيوخ الإباضية في سلطنة عمان، لرصيف22: “أعجب من الذين يرمون الإباضية بالخوارج مع أن الإباضية تبرأوا منهم وقاتلوهم عندما بغوا عليهم، والإباضية لم يسفكوا دم موحد إلا إذا اعتدى عليهم، والثورات التي قام بها الإباضية في المغرب العربي كانت هادئة لم يسفكوا فيها دماً بغير حق”.

تعتبر الإباضية أن الخلافة لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي، ولا أن ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة، إذ أن معيارها الأساسي الكفاءة المطلقة… ولكن كيف يفسر الإباضية وجود أسرة حاكمة في سلطنة عمان؟

ومضى الشيخ القاروتي يقول: “في المقابل نجد الذين يقاتلون الإباضية ويتغلبون عليهم يقومون بنهب أموالهم ونسف دورهم والتمثيل بجثث قتلاهم وحرق كتبهم، وقد قال الشيخ نور الدين السالمي (أحد أقطاب مشايخ المذهب الإباضي في سلطنة عمان في الربع الثالث من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين) في كتابه تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان: “فلما تمكنت العجم في نزوى وضعوا عليها الخراج وعذبوا أهلها بأنواع العذاب وقتلوا الرجال والنساء الكبار والأطفال الصغار وحملوا من النساء من أرادوه وفعلوا في نزوى أفعالاً قبيحة وأذاقوهم أليم العذاب حتى قيل إنهم قتلوا من أهل نزوى عشرة آلاف من النساء والأطفال، ولم يسلم من أهل نزوى إلا من قدر على الهرب وهم قليل والله المستعان”.

وقصة نزوى تعود إلى القرن الثامن عشر حين وقعت خلافات وصراعات على السلطة في عمان. فقد خلع بلعرب بن حمير الإمام سيف بن سلطان اليعربي فاستنجد الأخير بالفرس (العجم) الذين ذهبوا إلى عمان واحتلوها مدينة تلو أخرى وكانت نزوى من أكثر المدن التي عانت على أيديهم.
العلاقة مع السنة والشيعة

عن علاقة الإباضية بالسنة والشيعة، قال الشيخ القاروتي: “إن الإباضية يتعاملون مع مخالفيهم من أهل القبلة أي من غير أتباع المذهب الإباضي بالإحسان، فيثبتون لهم جميع الحقوق الدنيوية من الميراث والتزاوج والبيع والشراء وجميع المعاملات الشرعية والسلام عليهم وعيادة المرضى ومن غسل الميت والكفن والصلاة عليهم وإقبارهم في مقابر المسلمين”.

وتابع: “كما أن الإباضية لا يطالبون مخالفيهم في الرأي بغير ما تضمنته الشهادتان من اعتقاد، فقد قال الشيخ السالمي رحمه الله: ونحن لا نطالب العباد فوق شهادتيهم اعتقاداً، فمن أتى بالجملتين قلنا إخواننا وبالحقوق قمنا”.

وأضاف: “إن منهج الإباضية أنهم لا يشركون أهل القبلة، فقد قال الشيخ المحقق سعيد بن سلمان الخليلي، وهو من علماء الإباضية في القرن الثالث عشر الهجري، عندما سأله تلميذه عن المشبهة، وهم الذين يؤولون آيات وكلمات مثل السميع بالشكل المباشر أي أن الله يسمع، أجابه الخليلي: “إياك ثم إياك أن تحكم على أهل القبلة بالإشراك قبل معرفة بأصوله فإنه موضع الهلاك والإهلاك”، وعندما قام هارون اليماني بتشريك المشبهة في القرن الثاني الهجري تصدى له الشيخ محبوب بن الرحيل القرشي من علماء الإباضية وصدّر رسالتين إلى عمان وحضرموت، وقال إن المشبهة ليسوا مشركين ما داموا متأولين”.

وأضاف قائلاً إن من منهج الإباضية أنهم لا يفسقون أحداً بعينه من مخالفيهم، وهذه كتب علمائنا شاهدة وآثارهم ناطقة فلا تجد رمياً لأحد من المخالفين بالفسق أو الفجور، ومن منهجهم أنهم لا يسبون ولا يلعنون ولا يشتمون أحداً فلا تجد في كتبهم شتماً ولا لعناً ولا سباً ولا كلاماً بذيئاً.
الدفاع عن الإسلام

ويقول الشيخ القاروتي إن الإباضية هم من حمى الإسلام من الصليبيين في القرن الحادي عشر الهجري وطردوا الوافدين من البرتغال من شواطئ الخليج والهند وجنوب أفريقيا.

وتابع: “وفي المغرب العربي كان الإباضية هم من دحر الإسبان في معركة جربة عام 916 ولقنوهم درساً لن تنساه أوروبا في تاريخها، وهم أول من ثار ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا بقيادة القائد سليمان باشا الباروني النفوسي الإباضي”.

وأضاف: “وفي الجزائر كان لهم دور كبير في الوقوف ضد الاستعمار الفرنسي، ولهم دور كبير في لم الشمل ووحدة المسلمين، فالإباضية أول من نادى بالوحدة الإسلامية”.

المصدر: رصيف22




أوجه التعصّب في المجتمع العربي: العلماني والمذهبي أنموذجاً

بقلم: الشيخ حيدر حب الله* —

مقدّمة —
التطرّف في حدّ نفسه ظاهرة أو حالة غير صحيّة، إنّها حالة تعيق تواصل أبناء المجتمع الواحد، وتحدث التفكّك فيه، وتهدّد السلم الأهلي. وقد ابتُليت الأمّة العربيّة والإسلاميّة عموماً بهذه الظاهرة التي نشهد لها تنامياً مطّرداً بوتائر سريعة خلال العقود الأخيرة، تنذر بالكثير من العواقب الوخيمة التي تنتظرنا في المستقبل القريب إن لم يتمّ تدارك هذا الوضع المُقلق.
وقد اتخذ التطرّف والتعصّب أوجهاً متعدّدة في عصرنا الحاضر، فمن التطرّف الديني وحالة الأصوليّة المتنامية بين الأديان، إلى التطرّف المذهبي الذي يشعل المنطقة برمّتها، إلى التطرّف السياسي الذي يعيق تواصل الجماعات السياسية ويعزّز من حالة الاستبداد والقمع، إلى التطرّف الفكري الذي يُلغي الآخر ويتعامل معه من موقع النفي والإبعاد.
وتعدّ العلاقة بين ما يسمّى بـ (التيار الديني) و (التيار العلمانيّ)، إذا صحّ التعبيران، أحد أوجه تأزّم العلاقات بين الجماعات في العالم العربي والإسلامي، تماماً كما هي العلاقة المأزومة بين العديد من المذاهب والطوائف الإسلاميّة أيضاً، فقد ظهر التطرّف على هذا الصعيد أيضاً، وشهد تنامياً كبيراً في فترةٍ قياسيّة، إلى أن بلغ في العقدين الأخيرين حدّ التصادم في أكثر من موقع وعلى أكثر من صعيد.
لا نعاني في المنطقة من أزمة علاقات بين الديانات فحسب، ولا بين المذاهب فحسب، ولا بين التيارات والقوى السياسية فحسب، بل نحن نعاني أيضاً من أزمة علاقة بين الأفكار أيضاً.
بدرونا، سوف نحاول استجلاء معالم هذه الأزمة في العلاقة بين الديني والعلماني في عالمنا العربي والإسلامي، ثم نمارس نقداً على هذه الصورة القائمة، لنخرج بمجموعة من التوصيات التي نقترحها لفضّ هذا اللون من الاشتباك في بلداننا، بغية تحقيق السلم الأهلي الراسخ، والتواصل الدائم بين شرائح المجتمع ومكوّناته الدينية والثقافية والسياسية أيضاً.
ويهمّني جداً أن أوضح منذ البداية أنّني لا أتكلّم هنا عن الدين والعلمانيّة أو عن هذا المذهب في الدين أو ذاك، من الشيعة أو السنّة أو الصوفية أو الإباضيّة أو.. بل مركز اشتغالي هنا إنّما هو العقل أو التيارات أو الجماعات المتطرّفة في الحياة الدينيّة، وفي الحياة العلمانيّة، وفي الحياة السنيّة، وفي الحياة الشيعيّة وهكذا، فاقتضى التوضيح.

مفاتيح ضروريّة
عندما نفكّر في معالم الأزمة القائمة بين الديني والعلماني، وفقاً للثنائية المطروحة اليوم، فقد لا نجد فروقاً كبيرة في الجوهر بين هذه الأزمة وسائر الأزمات التي تتجلّى فيها ظاهرة التطرّف والتعصّب في المنطقة، بمعنى أنّ جوهر المشكلة القائمة في التطرّف الديني وفي التطرّف المذهبي وفي التطرّف السياسي، هو بعينه يظهر مرّةً أخرى في التطرّف القائم في العلاقة بين الديني والعلماني، ولسنا أمام ظاهرة مختلفة في جوهرها وروحها، بل نحن أمام تجلٍّ آخر للظاهرة نفسها، وهو ما سأحاول أن أكتشف بعض معالمه في هذه الوريقات المتواضعة.
ولا أريد هنا أن أغرق في نحت أو اختيار المصطلحات، من حيث إنّ التطرّف لا يعبّر ـ في وجهة نظر ـ عن حالة سلبيّة، إنّما الحالة السلبيّة تكمن عندما يتحوّل التطرّف أو غيره إلى نوعٍ من التعصّب؛ لأنّ التطرّف هو أخذ طرف واختيار جانب من الجوانب، بينما التعصّب يأتي من العصابة التي قد توضع على العينين، فإذا اخترنا هذا التحليل اللغوي فنحن أمام مفهوم سلبي يقوم عليه أو يتخذه التعصّب، بينما لا نجد بالضرورة هذا المفهوم في التطرّف؛ لأنّ اختيار طرف من الأطراف ليس عنصراً سلبيّاً، ففي الفكر والعلوم لا يعني الاعتدال ولا الوسطية أن تختار وسطاً بين الاتجاهات وتتخلّى عمّا تراه حقّاً وصواباً، بل من حقّك ـ حيث يقودك العقل والتفكير ـ أن تختار أيَّ اتجاه، ولو كان لو قارنّاه بسائر الاتجاهات القائمة في الساحة يمثل أقصى اليمين أو أقصى اليسار، ففي قضايا العقل النظري والبحث عن الحقيقة لا توجد عمليات تفاوض بهذا المعنى، لكي يتمّ التنازل عن شيء هنا مقابل شيء هناك، بغية الوصول إلى حلول، إنّما جوهر الاعتدال والتعدّدية هو أن يسمح لكلّ طرف باختيار أفكاره مهما كانت بعيدةً عن الطرف الآخر، شرط أن تخضع العلاقة مع الآخر على أسس وسطيّة معتدلة، تؤمّن سلاماً وطنيّاً واستقراراً اجتماعيّاً وإنصافاً أخلاقيّاً وحفظاً للحقوق.
إنّما يصبح التطرّف عنصراً سلبيّاً حينما يساوي الانفصال عن المجتمع، فعندما يقوم الفكر المتطرّف بفصل ذاته عن المجتمع، محدثاً قطيعة وعزلة، فهو يبدأ بالانغلاق على ذاته، وتضعف عنده مهارة الحوار وفنّ التواصل، ليصاب في النهاية بأمراض ذهنيّة مزمنة.

التطرّف والدوغمة
ينمو التطرّف الانغلاقي في بيئة حاضنة تمثل الدوغمائية أبرز مظاهرها. تقوم الدوغمائية على مفهوم ينتج بدوره مفهوماً آخر، فالإطلاق الذي يتسم به العقل الدوغمائي لا يسمح بوجود طرف آخر في الميدان، ومن ثم فإنّ الإطلاق يساوي الوحدة. وتتجه العقلية الدوغمائيّة إلى اعتبار منظومتها الفكرية منظومة مطلقة ليست فيها نسبيّات، فالحقيقة التي تصل إليها تتسم بالإطلاق.
هذا الإطلاق يبدو واضحاً جداً في الفكر الديني؛ لأنّ حجر الزاوية في هذا الفكر يقوم على مفهوم (الله) بوصفه المطلق المتعالي، ويقوم الفكر الديني أحياناً بتنزيل سمة الإطلاق المخلوعة على الله تعالى، إلى البنى التحتية التي تشكّل أجزاء منظومته المتبقيّة، وبهذا يتمّ تأليه كلّ شيء، ويتجلّى الله في صورة البشر، حيث يصبحون آلهةً صغاراً يملكون بعض صفات الإله الكبير، وقد يقع الغلوّ في هذا الأمر عندما يعبد البشر من دون الله عبادة حقيقيّة، بينما تظهر عمليات تأليه أخرى بشكل أخفّ لتصل إلى الزعماء الدينيّين والسياسيين وغيرهم، بوصفهم أنموذج الله في الأرض. وبالتالي فإنّ العقل الديني المتطرّف يصنع مجموعة من الآلهة التي يقوم بعبادتها من دون الله بمعنى من المعاني؛ لأنّه يخلع صفة الإطلاق عليها، وهي الصفة التي لا تحمل مصداقاً حقيقيّاً شمولياً سوى في الله وحده فقط؛ لأنّه المطلق الحقيقي من جميع الجهات.
المفاهيم في العقل المتطرّف الديني أو المذهبي مطلقة، والحلول مطلقة، والأفكار دوماً مطلقة، وهذا الإطلاق قد يكون عرضيّاً يستوعب مختلف وقائع الحياة والفكر والإنسان، وقد يكون اشتداديّاً، بمعنى أنّ الفكرة نفسها تغدو مطلقة، أيّ تصل في قدرة الحقّانية التي تملكها إلى حدّ الإطلاق، فتسلب أيّ فكرةٍ مختلفة معها أدنى مراتب الصحّة والمقبوليّة والشرعيّة، وهذا هو ما ينتج مفهوم الوحدة؛ إذ ليس في البين سوى شيء واحد، هو الأنا الكبيرة المتطرّفة الحاملة لمفاهيمها ومقولاتها المطلقة.
وإذا كانت الحقيقة المطلقة موجودة في الفكر الديني والمذهبي بوصفها الأساس الذي يقوم عليه، وأنّ خطأ التطرّف الديني ـ وكذا المذهبي ـ هو في تسرية سمة الإطلاق من الله إلى ما سواه، فإنّ الفكر البشري العلماني المتطرّف يبدو لي أنّه لم يتخلّص أيضاً من هذا النهج في التفكير، رغم أنّه من الناحية النظريّة ينادي دوماً بالمرونة والنسبية والحركيّة والمتغيّر والمؤقّت وغير ذلك.
فعندما نذهب في رحلة سريعة في كتابات العديد من العلمانيين العرب المتشدّدين نجد لغةً واضحة في احتكار الحقيقة، وفي إطلاق العقل الإنساني بدل ممارسة عقلانيّةٍ نقديّة معه، والتعاطي بنَفَسٍ استعلائي مع الأفكار الأخرى. إنّ اللغة الاستعلائية ليست إلا تعبيراً عن ظاهرة الطبقيّة في الفكر، فهناك الفكر السيّد، وهناك الفكر العبد، واللغة الاستعلائية تقدّم لي صاحبها على أنّه يعتقد بأنّه يحمل فكر سادةٍ وسيادة وليس فكر عبيد، فمن النزعة الإطلاقيّة الماركسيّة إلى نهاية التاريخ، إلى كلمات المثقّف العربي عن القدر والحتميات، ذلك كلّه يشي بما نحن بصدده.

التطرّف وأزمة الحماية والهويّة
يبدو لأيّ متابع للوضع في العالم العربي والإسلامي أنّ هذا العالم يبحث عن هويّة في عصر العولمة وما بعد الحداثة. يبدو لي واضحاً جداً أنّ الشباب العربي أشبه بمن فقد ذاكرته ويسير في الطرقات تائهاً يبحث عن هويّة ليعرف نفسه من خلالها.. كذاك الذي فقد ذاكرته بحادث سَير وأضاع في الوقت عينه بطاقته الشخصيّة، فهو يجول الطرقات يبحث عنها ليعرف ذاته، وإذا لم يحصل على هويّته الأصليّة أو الحقيقيّة فإنّه سيكون مضطرّاً ـ للخلاص من العذاب ـ أن يتقمّص أيّ هوية أخرى حدّ التفاني بها والفناء، كي تلبّي حاجته للإحساس بالذات والوجود.
عندما يكون الإنسان خائفاً من المصير القادم المجهول، ويجد أنّ سفينته تسير دون إرادته، ولا يعرف أين تحطّ رحاله، فهو محتاجٌ للأمن والحماية؛ ليبثّ في نفسه الطمأنينة والراحة والسكينة، وهذا التوصيف يمكن أن ينطبق على قطاع واسع من الشباب العربي والمسلم اليوم، من أنا؟ وما هي الحلقات الاجتماعية الأقرب لي؟ ولمن أنتمي؟
في عالم لا يمكن للفرد فيه أن يحمي نفسه لوحده، لابدّ لك أن تنضوي تحت جماعة تنتمي إليها؛ فتجد الأمن والأمان معها، وتسكن نفسك وتهدأ روحك، في وضع من هذا النوع تجد نفسك مضطرّاً لأن تنتمي بطريقة حادّة وشرسة؛ إذ كلّما تعمّق الانتماء ازداد إحساس الفرد بأنّه أصبح قويّاً بالجماعة؛ لأنّ الأنا الفردية تذوب في الأنا الجماعيّة القويّة.
فعندما ينتمي المتديّن فهو ينتمي بقوّة، ويبالغ في الانتماء، ويشعر بجروح عميقة عندما تتعرّض البيئة التي انتمى إليها للنقد أو الخسارة؛ لأنّ ذلك يوهن من قوّته ويفقده الأمن والسكينة، ومعنى الانتماء بقوّة هو المبالغة في هذا الانتماء، والتشويه فيه، ووقوف النقد والمراجعة دون تقدّم، وعدم السماح بالآخر؛ لأنّه سوف يتمّ الشعور بأنّ الآخر يريد القضاء عليّ، فعندما تتشابك هذه الأمور مع بعضها يظهر التطرّف الحادّ، ويكون الهروب إلى الأمام أيضاً. ويتمّ تصوير كلّ الخلافات على أنّها معارك وجود، ومن ثم فمن الطبيعي أنّ الأنا المدافعة عن نفسها سوف تفني الآخرين لتبقى في عالم يقوم على صراع البقاء. وإفناء الآخرين يكون في هذه الحالة مادياً أو معنويّاً، ومن أكبر وسائل التصفية المعنوية في الثقافة الدينية والمذهبيّة هو سياسة التكفير والإخراج من الدين؛ لأنّ التكفير والتبديع و.. يدمّران الحماية الاجتماعيّة للطرف الآخر ويفتتان كلّ عناصر حصانته، ويقومان بتعريته تماماً؛ ليفرّ إلى مكان آخر يركن إليه، وبالتالي تخلو الساحة للفكر المتطرّف بهذه الطريقة.
الأمر عينه نجده في الوسط العلماني في العالم العربي؛ فكلّما تعمّق الانتماء ازداد الهروب إلى الأمام، وبالتالي يصبح العلماني مضطرّاً لتصفية حسابه مع كلّ القيم القائمة في المجتمع، بما فيها القيم الدينية المجمع عليها أو تلك التي لا ضرر فيها حتى من وجهة نظره؛ لأنّ الطرف الآخر يعتاش ويعيش على هذه القيم؛ فلكي أتمكّن من إلغائه يلزمني أن أصفّي حسابي مع القيم نفسها التي بنى عرشه عليها، وبذلك يورّط العلماني المتطرّف نفسه في صراع مع الدين يتسم بالعنف والحدّة والتعالي؛ وربما يكون في حقيقة أمره إنّما يصارع التطرّف الديني القائم الذي يتخذ من الموروث الديني مصدره الأساس للتغذية المتواصلة.
إنّ انتماء المتطرّف العلماني لعلمانيّته يُشعره بالنزعة الإطلاقيّة التي تفقده قدرة التنسيق والتواصل مع الآخرين، ولهذا قد يصل به الحال أن يحمي نفسه بالارتماء في أحضان الأمم الأخرى التي تمثل ملاذ العلمانيّة في العالم.

التطرّف والتغذية المتبادلة
قد لا يشعر بعضنا بأنّ التطرّف الديني يعتاش وينتشي بالتطرّف العلماني في العالم العربي، كما أنّ التطرّف العلماني يزداد إحساسه بالنشوة كلّما تنامى التطرّف الديني وازداد إفراطاً، وأعني بذلك أنّ المتطرّفين عادةً يهمّهم دوماً تظهير المتطرّفين في الطرف الآخر، ولا يشعرون بأيّ ارتياح لتعويم معتدلي الفريق الآخر، فرغم عداوة متطرّفي الطرفين لبعضهما، إلا أنّهم يجدون وجود الآخر المتطرّف ذريعة قويّة لتبرير وجودهم في مجتمعاتهم ومحيطهم.
هذا الأمر نفسه وجدناه في صراع المذاهب مع بعضها في العالم الإسلامي، ونجده أيضاً في صراع العلمانيّة والدين في العالم العربي على بعض الصعد، فكلّما ازداد العلماني المتطرّف نقداً للدين وسخريةً به واستهزاء وتعالياً ليمسّ المقدّسات الدينية الأشدّ حرمةً، عزّز المتطرّف الديني موقعه في الوسط الديني عموماً، متخذاً التطرّف العلماني ذريعة، والعكس هو الصحيح؛ فكلّما ازداد التطرف الديني والإرهاب المنتسب للدين، عزّز العلماني المتطرّف موقعه، وبرّر مواقفه المتشدّدة من الدين كلّه.
وما يلفت النظر في هذا السياق أنّ كلّ فريق من الطرفين المتعصّبين يسعى دوماً لإقناع جمهوره بأنّه لا يوجد في الفريق الآخر تيار معتدل أساساً، فحقيقة التديّن هي ما نراه من تديّن إرهابي عنفي هنا أو هناك، وأمّا التديّن الإنساني المعتدل فلا وجود له، وإنّما هو صورة قناع مزيّف لذاك التديّن العنفي عينه، هذا شيء رأيناه مراراً في الخطاب العلماني المتطرّف اليوم. والأمر عينه نجده في صراع المذاهب مع بعضها، فالشيعي المتطرّف قد يشعر بحرج كلّما رأى حبّ أهل البيت النبوي شائعاً في أهل السنّة؛ فيما يشعر بارتياح عندما يجد العكس في بعضهم، وهكذا لا يُبدي السنّي المتطرّف ارتياحاً أحياناً لوجود تشيّع معتدل يتخذ موقفاً مقبولاً من الصحابة؛ لأنّه يرغب في تقديم التشيّع لوحةً واحدة متطرّفة من وجهة نظره.. هذه الظاهرة خطيرة جدّاً، وتبدّد أيّ إمكانية في التواصل، وفي الوصول إلى تفاهم مشترك بين التيارات أو المذاهب القائمة.

صراع السلطة ودوره في تغذية التطرّف
لا يغيب عنّا أنّ أحد الأسباب الرئيسة لانتشار التعصّب بشكلَيه: الديني والعلماني، هو الصراع على السلطة بينهما في العالم العربي والإسلامي، وهو ما رأيناه بشكل واضح بعد عام 2010م، إنّ الصراع على السلطة يغذّي ـ عندما لا يكون ضمن حالة صحيّة وديمقراطية سليمة ـ ثقافة التعصّب والتشدّد والعنف، لاسيما عندما يؤمن الفريقان بأنّ مفتاح الخلاص هو في وصول كلّ واحد منهما إلى السلطة وتمكّنه من نشر قناعاته وإنفاذها في المجتمع.
وفي مجتمعاتٍ لا تعرف النسبيّة في التمثيل، يغدو من البديهي أن يتمّ احتكار السلطة؛ فالديني المتعصّب يسعى بكل ما اُوتي من قوّة لحذف الطرف الآخر من الوجود بأيّ طريقةٍ كان، فيما يسعى العلماني المتطرّف لفعل ذلك أيضاً. ويقدّم كلّ فريق من الطرفين الفريق الآخر على أنّه السبب الحصري والوحيد لتراجع أحوال الأمّة العربيّة والإسلامية، الأمر الذي يبرّر له إلغاءه من الوجود، وتحويله من صديق إلى عدوّ، أو إلى ما يشبه الغدّة السرطانية التي يجب استئصالها تماماً. فهذا النوع من التفكير ـ في ظلّ صراع على السلطة ـ لا يُنتج سوى غياب الروح الديمقراطيّة في مختلف مرافق الحياة، ومنها المجال السياسي.
إنّ السلطة هنا لا تقف عند السلطة السياسيّة، بل تمتدّ للسلطة الثقافية والإعلاميّة والاجتماعية، بل حتى لمفهوم السلطة على العالم الإسلامي وتزعّمه أيضاً؛ فكلّ متطرّف ديني أو علماني أو مذهبي يسعى للإمساك بقلوب الجماهير وعقولها بأيّ طريقة حصل له ذلك، ويعتبر أنّ الصراع مع الطرف الآخر غير شريف ولا تحكمه قواعد الأخلاق الديمقراطيّة في الخلاف؛ لأنّ الآخر قد تمّ سلب الصفات الاعتباريّة عنه، بمعنى أنّه لم يعد يحظى ـ من وجهة نظر المتعصّب المتطرّف ـ بأيّ شرعيّة، فالعلماني هو ملحد فاسق مبتدع مارق عند المتطرّف الديني، وهذا لوحده كافٍ في سلبه حقّ الوجود في الحياة تماماً على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي، والمتديّن إرهابي متخلّف رجعي نكوصي ماضويّ تعطيلي عند المتعصّب العلماني، وهذه التوصيفات كفيلة لوحدها في سلبه حقّ الإمساك بالسلطة السياسيّة أو الاجتماعيّة أو الثقافية أو غير ذلك، وهكذا الحال في التعصّب المذهبي حيث يصبح الآخر المذهبي مبتدعاً مخالفاً للسنّة الشريفة منكراً لصريح الكتاب متعسّفاً في فهم الدين.. فما دامت هذه الرؤية موجودة، في ظلّ صراع سلطوي، فإنّها سوف تشتدّ لتبلغ أعنف مراحلها في لحظةٍ ما، وستنتج العنف بأشكاله المتعدّدة.
قد لا نجد فرقاً في هذه الحال بين التعصّب العلماني والتعصّب الديني والتعصّب المذهبي سوى في أنّ هذا التعصّب له لحية أو يرتدي حجاباً أو عباءة، فيما الآخر تعصّب يكشف الجسد أو يكون من دون لحية، وتغيّر مفردات النبذ والإقصاء وغياب الديمقراطيّة لا يضرّ في أصل وجود حالة التعصّب، بمعنى أنّ غياب مفردة التكفير لا يعني أنّ العلماني المتطرّف لم يعد ظاهرة سلبيّة في المجتمع العربي وحالة مضرّة بتنمية هذا المجتمع ورقيّه؛ لأنّ المفردة البديلة جاهزة ما دام المفهوم واحداً وما دامت الروح واحدةً وما دام نهج التفكير واحداً. فليس للتعصب مفردات خاصّة، وإنّما يبتكر مفرداته ومفاهيمه تبعاً للفضاء الذي يحيا فيه، فيستغلّ الفضاء المعرفي والثقافي الذي يحيا فيه ليُنتج منه مفرداته تبعاً له، مثل التكفير في مقابل الرجعيّة والظلامية، وغير ذلك.
المطلوب منّا ليس توحيد مفردات التعصّب وحصرها، بل اكتشاف الحالة القائمة في التعصّب، للبحث عنها في هذه المفردات هنا أو هناك.
وما يلفت النظر أنّ الصراع المذهبي، والصراع العلماني الديني، ثمّة ما يثير فيهما ليطرح علينا هذا التساؤل: من هو المستفيد من حالة الصراع المذهبي أو الفكري في العالم العربي والإسلامي اليوم؟ هل يمكن أن يكون قد اُريد لنا جميعاً أن نشتغل ببعضنا، فيشتغل العلماني بالديني، والسنّي بالشيعي، والعكس، كي تتحقّق مصالح فريق ثالث مختلف عن الجميع، فيما يحسِب المتصارعون ويظنّون أنّهم يمارسون نضالاً مقدّساً من أجل الحقيقة، ومن أجل الإنسان، وفي سبيل الله؟! ماذا جنت هذه الصراعات (وليس الحوارات والاختلافات الفكريّة) اليوم سوى تمزيق اللحمة الوطنية في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة، وتفتيت الدول القطريّة، وانكشاف مجتمعاتنا وأوطاننا للخارج انكشافاً جليّاً حتى بلغ في بعض المواقع حدّ الانكشاف الأمني الفاحش؟! أظنّ أنّ الأمر يستحقّ أن نفكّر في المستفيد الأكبر قبل أن نغرق في وهم المستفيد الأصغر.

هل يمكن الإيمان بوجود الله والإنسان معاً؟ (حقّ الله وحقّ الناس)
تعاني حياتنا المعرفيّة من ثنائيّة تفرض علينا قهراً اختيار أحد السبيلين، رغم أنّه بالإمكان اختيارهما معاً، ففي العلمانيّة المتطرّفة يتراجع حضور الله بوصفه مرجعاً روحيّاً أو عقديّاً أو تشريعيّاً، فيما في التعصّب الديني يتراجع حضور الإنسان! لماذا يجب تغييب أحد الطرفين كي ننتمي إلى الآخر؟ الأمر عينه نجده في الانتماءات المذهبيّة، فإذا انتميت لمذهبٍ ما فأنت لا تستطيع أن توافق المذهب الآخر في مبدأ فكري معيّن؛ لأنّ هذا الأمر يصيّرك التقاطيّاً أو فاقداً للهويّة!
دعوني أتوقّف قليلاً عند الشقّ المتصل بالقضيّة الدينية والعلمانيّة، فهنا يكمن سؤال ضروري: هل أنا مضطرّ لتغييب الإنسان كي اُحضر الله سبحانه في الحياة؟ وهل حقّاً أنا مضطرّ لتغييب الله كي اُعيد للإنسان اعتباره؟
إنّ الثقافة المتعصّبة للحالة الدينية والحالة العلمانيّة تضعنا أمام مفترق طرق، وكأنّها تُلزمنا بتغييب أحد الطرفين، وهنا تكمن المشكلة، فيما المطلوب هو الجمع بينهما، أو الإقرار بإمكان الجمع على الأقلّ، فالله حقّ والإنسان حقّ أيضاً، والله قيمة مقدّسة والإنسان كذلك، هل حقّاً لا يمكن إنتاج فهم ديني يحترم الطرفين معاً؟ وهل حقّاً لا تستطيع العلمانيّة أن تعيش إلا بغياب الله تماماً؟ وهل من الصواب أن نفهم الانتماء لله تنكّراً للإنسان وكفراً به وجحوداً؟!
تكمن مشكلة العقليّة المتعصّبة في أنّها تحدّد بصرامة هويّة الإنسان المتعصّب، لتجعلها ذات لون واحد تماماً، وهذا ما يعني أنّك مضطرّ دوماً للتمايز، وبهذه الطريقة تهدر القيم المشتركة مع الآخرين أو تضمر أو تتراجع لصالح القيم المميِّزة، ولهذا تفضّل التيارات المتعصّبة في المذاهب الدينيّة هويّتها المذهبية أحياناً على هويّتها الإسلاميّة؛ لأنّ الهويّة المذهبيّة تبدي الخصوصيّة فيما الهويّة الإسلاميّة تبدي المشتركات، ولعلّ في ذلك نوعاً من الأنانيّة بحسب المنظور الأخلاقي.
إنّنا نعتقد بأنّه من الممكن جداً أن يعيش الإنسان مع الله، دون افتعال مشكلة بينهما، تضطرّنا لتغييب أحدهما لصالح الآخر؛ والتراث الديني مع التراث العلماني غنيّان بالتجارب التي تحمل ثقافة الجمع والتوفيق، فالإنسان يحيا بالله، بعد أن يذوب فيه، ويصحو به بعد أن يفنى فيه، ويصبح إنساناً كاملاً بعد أن يعبده، إنّه المخلوق المكرّم.. هذه أصول النزعة الروحيّة في التراث الديني للديانات عامّة، وعلينا الاشتغال على إحلال هذه القيم الروحيّة بدل تحويل الدين إلى مجموعة طقوس جافّة مكرورة تضحّي بمضمونها الأخلاقي والبنائي، لتتخذ مضموناً أقرب إلى العادة منه إلى العبادة. إنّ هذه القيم الدينية الروحية العالية تسمح لنا حتى بولادة الدين العالمي ـ على حدّ تعبير كانط ـ القادر على تخطّي الهويات المختلفة في بعض امتداداته.
وأيضاً الله قيمة مقدّسة يمكنها أن تساعد على إحلال وترسيخ القيم الأخلاقيّة في المجتمع، لاسيما تلك المجتمعات التي تمثل قضيّة الله جوهر هويّتها الوطنية والثقافية والاجتماعيّة، فلسنا بحاجة لافتعال مشكلة، وإن كانت تنحية الصورة الإشكاليّة المفتعلة بين الله والإنسان في العقل الديني والعلماني المتعصّبَين، أمرٌ يحتاج لجهد تنظيري كبير وقراءات اجتهاديّة جريئة وعميقة، يمكنها أن تحرّرنا من رواسب العلاقة المأزومة المفتعلة بين الله والإنسان في بعض الفهوم الدينية والعلمانيّة.
عندما تنتهي الأهداف عند هدف واحد!
يدعو التعصّب عامّة إلى التعامي عن أيّ مشكلة أخرى في الحياة، ومحاولة حصر المشاكل في الطرف المنافس المختلف معه، لاسيما المنافس السلطوي بالمعنى العام للكلمة، وهذا ما يعزّز بالتدريج في عقل المتعصّبين ثقافة تحميل كلّ سلبيات الواقع القائم في المجتمع العربي والإسلامي لفريقٍ بعينه، ومحاولة التطهّر من أيّ من هذه السلبيات؛ فعند المتعصّب العلماني تتحمّل الحالة الدينية مسؤوليّة الفشل الاقتصادي والتردّي الاجتماعي والهزائم العسكريّة والتراجع الحضاري وانتشار الأميّة والجهل، ومن ثمّ فوظيفة العلمانية اليوم هي ـ فقط وفقط ـ معاداة الدين وتصفية الحالة الدينيّة المسؤولة عن كلّ الفشل القائم، فيما يعتبر المتعصّب الديني أنّ هذا كلّه إنما جاء نتيجة التوجّه نحو العلمانيّة واتّباع الغرب واللهث خلف المصالح الدنيويّة وغير ذلك.
يميل التفكير المتعصّب عامّةً لتطهير نفسه من أيّ مسؤوليّة أو إدانة، وتحميل الطرف الآخر كلّ الإدانات، وهذه الآليّة وجدناها واضحة في الخلاف العلماني الديني بمظاهره المتعصّبة في العالم العربي والإسلامي، فلأنّ المتعصّب لا يقبل النقد، ولأنّ ثقافة التعصّب ترى في فكر الذات عصمةً وتعالياً وتسامياً ونوراً وهدى وبصيرة، لهذا من الصعب أن يُعيد المتعصّب نظره نحو ذاته لتحميلها ولو بعض المسؤوليّات أو توجيه العتاب أو اللوم لها، فضلاً عن إدانتها، فيضع كلّ الأزمات في الفريق الآخر، ولهذا عندما ينجح أحد الفريقين في تصفية حسابه مع الآخر أو يقوم بإلغائه تماماً من الساحة الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، يفترض تلقائيّاً أنّ الامور سوف تتحسّن، وأنّ الأمّة ستأكل من فوقها ومن تحت أرجلها، وإذ به يتفاجأ أنّ شيئاً أساسيّاً لم يتغيّر؛ ليس ذلك لأنّ الآخر لم يكن شريكاً في تخلّف الأمور والأوضاع، بل لأنّ الذات كانت شريكةً أيضاً، وثقافة التعصّب تلغي دائماً ـ بحصرها مشاكل العصر بالآخر ـ إمكانية تحمّل الذات أيّ مسؤوليّة، وعندما لا يتمّ اكتشاف تمام منابع المشكلة فإنّ سدّ منبع واحد مفترض لن يؤدّي إلى تلاشيها بالضرورة.

خطوات أوّليّة في طريق الحلّ
توجد سبل كثيرة لفضّ الاشتباك القائم بين العلمانية والدينية في العالم العربي والإسلامي، وربما يمكنني الحديث عن بعضها بنحو الإشارة فقط:
1 ـ البدء بحوار منتج وبنّاء وشفاف وواضح، يقوم على مبادرة الوسطيّين من الطرفين للتلاقي، بُغية تبادل الأفكار، والتفاوض على قواسم مشتركة، وعلى مساحات حريّة محدّدة، ويكون هذا الحوار مستعدّاً للخضوع لقوانين التفاوض، من التنازل عن بعض الأمور هنا وهناك؛ لفضّ الاشتباك القائم المعيق لنهوض الأمّة العربيّة والإسلاميّة.
وأصل أصول هذا الحوار هو تعرّف الأطراف المذهبيّة، وكذا الطرف العلماني والديني، على بعضها بعضاً، بشكل واضح وصحيح؛ فالجهل بالآخر أحد أركان التعصّب تجاهه في بعض الأحيان، تماماً كما هو الجهل عامّة سببٌ رئيس لظهور التعصّب في المجتمع، وكلّما تمكّنّا من فهم الآخر ووعيه عن قرب وضمن حالة تماس إيجابي مباشر كان ذلك أفعل في خلق حياة حواريّة صحيّة معه.
2 ـ يسبق هذا الحوار اعترافٌ حقيقي بالطرف الآخر، بوصفه حالة قائمة فعليّة وحقيقيّة في الوطن العربي والإسلامي، ذات تجربة يمكن الاستفادة من بعض جوانبها وأفكارها، ومن ثمّ فالحوار ليس وسيلة لتضييع الوقت أو كسبه، ولا هو بالتكتيك المرحلي الذي يُراد الحصول من ورائه على شيء آخر غيره، وإنّما هو مشروع استراتيجي حقيقي جادّ للإمساك بكلّ التيارات القادرة على التأثير بغية خلق مرحلة جديدة.
3 ـ إنّ اعتراف كلّ فريق بالآخر وخوضه حواراً معه، يستدعي قيام المعتدلين من الطرفين بممارسة نقد ذاتي، بل وتعميم ثقافة النقد الذاتي، فكلّما سعينا لممارسة نقد ذاتي ونشرنا ثقافة النقد الذاتي بين الدينيّين والعلمانيّين أنفسهم، تراجعت حالة التعصّب تجاه الآخر؛ لأنّ رواج روح النقد الذاتي سيفضي إلى اقتلاع روح التعصّب التي تبدو في الأحادية والإطلاق، ورفضّ الشك، والاستعلاء، وبناء الحواجز، والشعور بالنرجسيّة وغير ذلك. بل قد تفضي حالات النقد الذاتي إلى مشاريع مراجعة أو إعادة نظر، بل إلى مؤتمرات مراجعة حقيقيّة، تضيّق الفرصة أمام المتعصّبين داخل الفريقين.
ومن رحم النقد الذاتي، تأتي دعوتنا لتجديد الخطاب الديني، والخطاب المذهبي، وهي دعوة قديمة معروفة، لكنّ دعوتنا الأخرى التي نرفقها بهذه الدعوة هي لتجديد الخطاب العلماني في العالم العربي والإسلامي، فهذا الخطاب مطالبٌ أيضاً بنقد ذاته وتجديدها ومراجعتها، وبتجديد الخطابات وبُنياتها التحتيّة يمكن أن ننفتح على مستوى آخر، ونتطلّع نحو اُفقٍ جديد إن شاء الله.
4 ـ يعني هذا الأمر ـ ببنوده الثلاثة المتقدّمة ـ أنّ على كلّ فريق أن يروّج داخل جماعته لثقافة تفهّم هواجس الآخرين تجاهنا، وليس فقط ثقافة تعميق هواجسنا تجاه الآخرين، ففي هذه الحال تعمّ روح حُسن الظنّ بدل روح سوء الظنّ بالآخرين.
5 ـ القيام بمؤتمرات وملتقيات (وألوان تواصل أخرى) تتناول أهمّ قضايا العصر في العالم العربي والإسلامي، وتعمل على مشاركة الفريقين معاً فيها، ففي قضايا التنمية والاقتصاد والتربية والتعليم والطبقية والفساد والاستبداد وقضايا الأمّة الكبرى وغير ذلك يلزم أن يشارك العلمانيون والمتدينون معاً ـ وكذا أبناء المذاهب الدينيّة المختلفة في أوطانهم ـ في التفكير لمعالجة هذه القضايا في ملتقيات أو مؤتمرات مشتركة أو.. وتأثير هذه القضيّة مهم جداً؛ لأنّه يخلق شعوراً عميقاً بأنّ الآخر شريك في الإصلاح، ويحمل همّ الأمّة، بدل الشعور بأنّه أحد أركان الفساد نفسه فيها.
6 ـ إطلاق مشاريع المصالحة في أكثر من بلد عربي ومسلم بين العلمانية والدينيّة، كما بين المذاهب، ولا نقصد من المصالحة اعتراف الديني بالفكر العلماني قهراً، ولا العكس، بل بمعنى اعترافه بالعلمانيّين ضرورةً، بوصفهم بشرٌ لهم الحقّ في الحياة والتفكير والمشاركة والقرار، ويحملون في تجربتهم عناصر نافعة ومنتجة وصالحة، والعكس صحيح تماماً.
ومن بنود أو الفضاءات الحاضنة لمشاريع المصالحة، السعيُ لوقف الحملات الإعلامية المتبادلة ـ وليس الحوارات الفكريّة في القضايا الخلافيّة ـ وتخفيف حدّة الاحتقان بين الطرفين، وتجفيف منابع التطرّف داخل كلّ فريق.
إنّنا نتطلّع لليوم الذي ندير فيه اختلافاتنا بجدارة، ولا نلغيها؛ لأنّ مشكلتنا ـ كما قلنا مراراً ـ ليست في أنّنا نختلف، بل هذه قوّتنا، إنّما مشكلتنا في أنّنا لا نعرف أو لا نجيد إدارة اختلافنا في الحياة.

*عالم وباحث لبناني.




الحوار المطلوب بين عقلاء السنة والشيعة

Ulamas

بقلم: قاسم قصير – لم تحظ الدعوة التي اطلقها احد علماء المملكة السعودية للحوار مع من اسماهم : عقلاء الشيعة” بالنقاش الهاديء والعلمي ، بل جرى الرد عليها بقسوة لما تضمنته حسب بعض الردود من” محاولة للغمز من دور علماء الشيعة والفصل فيما بينهم “.

فقد هاجم المرجع الديني الشيعي، آية الله ناصر مكارم شيرازي، هيئة كبار العلماء السعودية، بسبب الدعوة المنسوبة إليها حول “الحوار مع عقلاء الشيعة”.

واستند شيرازي في بيان صادر عن مكتبه نقلته وكالة الأنباء الإيرانية “إرنا”، إلى خبر منسوب على لسان “هيئة كبار العلماء”، تم نفيه بشكل غير مباشر لاحقا.

وتعود تفاصيل القضية إلى حوار أجرته صحيفة “المدينة” السعودية، مع عضو هيئة كبار العلماء، المستشار في الديوان الملكي، عبد الله المنيع.

المنيع الذي دعا إلى حوار مع “عقلاء الشيعة في المملكة والعراق”، فُهم من تصريحه أنه يتحدث باسم “هيئة كبار العلماء”، إلا أنه نفى ذلك، وأكد أنه يتحدث عن رأيه الشخصي فقط.

وبالعودة إلى شيرازي، فقد وصف المرجع الديني الشيعي الدعوة بأنها “متعجرفة وغير مهذبة، وتدل علي أنهم ليسوا على استعداد للدخول في حوار صحيح ومنطقي”.

وتابع: “مع ذلك عندما يكونون على استعداد للدخول في حوار لحل القضايا العقائدية، وفي أجواء مهذبة ومنطقية، فإن علماء الشيعة مستعدون، وبشكل كامل، لعقد مثل هذا الاجتماع في العراق أو لبنان”.

وأضاف: “الاجتماع يكون على أساس القرآن والسنة النبوية والدليل العقلي القاطع، لوجود أكثر من 70 آية في القرآن ترجح الدليل العقلي”.

وأكمل قائلا: “نأمل عقد مثل هذا الاجتماع المنصف والعقلي، بهدف التخفيف من حدة الاختلافات بين الشيعة والسنة، وأن يساعد ذلك في وحدة المسلمين”.

وكان المنيع قال في تصريحه لـ”المدينة” إن “هناك الآن محاولة وتهيئة لإيجاد حوار مع معتدليهم من المواطنين منهم في الأحساء والقطيف، أو حتى من شيعة العراق وإيران، أو أي بلد من البلدان التي فيها طوائف شيعية؛ لمحاورتهم وبيان الحق لهم”.

وأضاف: “فكرة الحوار الآن قائمة في هيئة كبار العلماء، وهناك إعداد لبرامج حوارية على هذا الأساس، ونأمل أن يكون وراء ذلك خير، ولا شك أن العقلاء من الشيعة يؤمل فيهم الخير”.

هذه التصريحات والردود عليها تكشف عن عمق الهوة اليوم بين علماء المسلمين سنة وشيعة (وغيرهم من بقية المذاهب) ،وذلك بسبب الاوضاع السياسية الصعبة والصراعات المنتشرة في المنطقة والتي تأخذ للاسف ابعادا مذهبية رغم انها صراعات سياسية ولها ابعاد سلطوية.

ومن يراجع تاريخ العلاقة بين علماء المسلمين من كافة المذاهب يكتشف ان الحوار والتواصل كان قائما بينهم طيلة الالف واربعمائة سنة الماضية وان هذا الحوار كان يأخذ اشكالا مختلفة فكرية وثقافية وسياسية وفقهية، وبعض العلماء كان يتتلمذ على العلماء الاخرين من بقية المذاهب وكان هناك تبادل للاراء والافكار والكتب، كما اقيمت العديد من المؤسسات الحوارية ومؤسسات التقريب بين علماء المذاهب كافة، وصدرت الكتب والمجلات والدراسات التي توّثق لهذه الحوارات او للعناصر المشتركة بين كافة المذاهب.

لكن اين تكمن المشكلة اليوم كي يحصر احد علماء السعودية الدعوة للحوار مع ” المعتدلين او عقلاء الشيعة” فقط وكأن بقية الشيعة هم من غير المعتدلين او المجانين او الذين لا يمكن اجراء الحوار معهم، ولماذا كانت ردة الفعل سلبية مع الدعوة ولم تتم مناقشتها بهدوء من قبل علماء الشيعة.

من الواضح ان اجواء التوتر السياسية والمذهبية هي السائدة اليوم والصراع السياسي يزداد ولا سيما بين ايران وحلفائها وما تمثل من جهة وما بين السعودية وحلفائها وما تمثل من جهة اخرى، وكل ذلك جعل العلماء من الطرفين يتحركون وفقا لهذه الاجواء بدل العمل من اجل فتح كوة في الجدار والبحث عن حلول سياسية وفكرية وفقهية للازمات القائمة.

وقد جرت في السنوات الاخيرة عدة محاولات من اجل ايجاد تواصل بين العلماء ومنها المؤتمر الذي عقد في تركيا قبل سنتين من قبل المؤسسة الدينية التركية الرسمية، كما عقدت مؤتمرات في القاهرة وقم وبيروت ومراكش وعمان وعواصم ودول اخرى وكل ذلك بهدف تعزيز الحوار بين علماء المسلمين ، لكن كل هذه المؤتمرات فشلت ولم تحقق النجاح المطلوب، وهاهي النزاعات تتمدد وتزداد والتطرف ينتشر والصراعات تمتد من دولة الى اخرى.

ولعل اخر فصول هذه الصراعات ما يجري اليوم في البحرين من سحب لجنسية احد كبار علماء البحرين الشيخ عيسى القاسم وهو من الذين عرفوا باعتدالهم ومشاركتهم في وضع دستور البحرين ، وان ردود الفعل على ما يجري في البحرين قد يؤدي الى اشعال المنطقة في حرب جديدة تشبه الحرب العراقية – الايرانية التي جرت بين عامي 1981- 1988 وادت الى نتائج خطيرة.

ومن هنا يجب التأكيد على الدعوة للحوار بين عقلاء السنة والشيعة اليوم قبل الغد وعدم الانتظار كثيرا بشرط ان لا يضع احد شروطا مسبقة لهذا الحوار ، وطبيعيا فان المتطرفين والمجانين والحاقدين وغير العقلاء والمتعصبين لن يشاركوا في مثل هذه الحوارات ابدا لانه ليس لهم مصلحة في الحوار، فهل تتجدد الدعوة للحوار غير المشروط بين كل علماء الامة ام ان الخراب قادم وصوت العقل انتهى.

المصدر: موقع النور الجديد




العلويون بين التقية والعرفان الفلسفي

بقلم: د. هيثم مزاحم – قليلة هي المصادر الموثوقة التي تتحدّث عن المذهب العلويّ، وذلك لأنّ المعادين لهم يتّهمونهم بالباطنيّة والغلوّ، ويعدّونهم فرقة كافرة تدّعي الإسلام تقيّة لكنّها تبطّن الكفر، وهو ما يعتبره العلويّون افتراءات، بينما يحاول العلويّون والشيعة المؤيّدون لهم تصويرهم كشيعة إثني عشريّة يؤمنون بمذهب أهل بيت النبيّ، وهو أمر لا يعبّر في شكل كامل عن حقيقة العلويّين كفرقة مستقلّة تنتهج الطريق العرفانيّ والفلسفيّ والتأويل الباطنيّ للقرآن، ولا تكتفي بالتفسير الظاهريّ له.

قبل شهرين، نشرت وثيقة نسبت إلى مجموعة علويّة تميّزت بجرأة في الموضوع الدينيّ أكثر من جرأتها السياسيّة، إذ دعت إلى إنهاء التقيّة وشدّدت على استقلال العلويّة كإسلام ثالث، هو الإسلام العرفانيّ، واعتبرت أنّهم ليسوا من الإسلام السنّي النقليّ، الذي يعتمد على أحاديث النبي، ولا من الإسلام الشيعيّ الذي يعتمد على العقل في تفسير النصوص الدينية، مؤكّدة على التمايز عن الشيعة في المعتقدات والطقوس.

يقول الباحث الدينيّ العلويّ السوريّ أحمد أديب أحمد، في حديث خاصّ إلى “المونيتور”: “نهجنا العلويّ يتميّز عن المذاهب الأخرى بمفهوم العبادة التي تركّز على المعرفة والدراية، لا على التشريع والرواية، فنحن ندرك أنّ العبادة لا تتحقّق إلّا باقترانها بمعرفة الله”.

كما رفضت الوثيقة حديث الفرقة الناجية الذي يقول “تفترق أمّتي على ثلاثٍ وسبعين ملّة، كلّهم في النّار إلا ملّةٌ واحدة”، إذ تدعي كل فرقة أنها الناجية، فتحتكر النجاة وتكفّر الفرق الأخرى. بينما تؤكد الوثيقة أن إيمان العلويّين بفكرة وجود الأخيار في كلّ الأديان والمذاهب. لكنّ أحمد يقول إنّ “لا أحداً يمكنه رفض فكرة الفرقة الناجية في حديث رسول الله، لكنّ الإيمان والنجاة وفق نهجنا لا يرتبطان بالانتماء الطائفيّ في شكل ضيّق، بل بالولاء الخالص، لذلك نقرّ بوجود رجال اختصّهم الله لإعلاء كلمته في أيّ مكان”.

ينتسب العلويّون إلى الإمام علي بن أبي طالب (599-661م)، ابن عم النبيّ محمّد وصهره، والخليفة الراشديّ الرابع. وقد عرفوا سابقاً بالنصيريّة نسبة إلى محمّد بن نصير (توفّي في عام 873م)، ويقولون إنّه أحد أصحاب الإمامين الهادي والعسكريّ، وإنّه “باب” الإمام المهديّ، بينما ينفي الشيعة ادّعاءهم.

نشأ المذهب العلويّ في العراق، ثمّ انتقل إلى حلب في سوريا في ظلّ حكم سيف الدولة الحمدانيّ الذي كان علويّاً ساعد على انتشار دعوة العلويّين، حيث كان يتبع أحد كبار علمائهم الحسين بن حمدان الخصيبي (874-961م)، مؤسّس طريقة ممارسة الإيمان العلويّ.

تعرّض العلويّون للاضطهاد على أيدي الدول الأمويّة والعبّاسيّة والمملوكيّة والعثمانيّة، التي نفّذت مجازر ضدّهم بعد احتلالها بلاد الشام في عام 1516م، ممّا جعلهم يفرّون إلى جبال اللاذقيّة بعد مجزرة حلب الكبرى حيث قتل الآلاف منهم.

وأعطت فتاوى الشيخ تقي الدين ابن تيمية (1263 –1328) التي كفّرت الشيعة والعلويّين والدروز والاسماعيليّين، المبرّر الدينيّ للسلطات المملوكيّة والعثمانيّة لتكفير العلويّين وقتلهم.

ترك هذا الاضطهاد بصماته على المجتمع العلويّ، فلجأ العلويّون إلى التقيّة في الممارسة الدينيّة وإلى الأفكار القوميّة واليساريّة والعلمانيّة في العمل السياسيّ والحزبيّ.

تقول الوثيقة المذكورة إنّ “الباطنيّة العلويّة ليست منهاج إيمان سريّ”، بل هي إيمان بالسرّ الإلهيّ، هي طريقة لإدراك حقيقة الأسرار المعجزيّة للخلق، وليس لإخفاء الاعتقاد الدينيّ. يرفض أحمد الدعوة لإنهاء التقيّة لأنّ الإمام علي قال: “صن دينك وعلمك الذي أودعناك، ولا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، واستعمل التقيّة في دينك، وإيّاك أن تترك التقيّة التي أمرتك”. ويوضح أنّ السريّة “لا تعني إخفاء تعاليمنا عن الآخرين، بل تخصّ علوماً لاهوتيّة وأسراراً معرفيّة يبلغها خصوصاً الذين نذروا نفوسهم لله، ففتح عليهم وأمدّهم بمعارف باطنيّة فحفظوها من الوقوع في أيدي المارقين فيحرّفوها”.

يأخذ المسلمون على العلويّين أنّهم يؤلّهون الإمام عليّ، وهو اتّهام ينفيه العلويّون.

يقول أحمد إنّ الإمام عليّ هو الوصيّ وإنّ محمّداً هو النبيّ، والوصل بينهما لا يمكن لأحد أن يحدّده لقول رسول الله: “أنا من علي وعليّ منّي”، لكن الفصل يتمثّل في قوله: “ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي”.

يقول باحث علويّ مقيم في اللاذقية، طلب عدم الكشف عن اسمه لحساسية الموضوع لـ”المونيتور”، إنّه ليس هناك تأليه للإمام عليّ، وإنّ بعض العامّة العلويّين قد غالى في عليّ نتيجة الفهم الخطأ. ويضيف أنّ النظرة إلى محمّد وعليّ أبعد من النظرة التقليديّة، فهما تجلٍّ للخالق وجميع الرسل هم شخص واحد يظهر في أوقات مختلفة. فالرسالات ينابيع عدّة من مصدر واحد هو الله. ويكشف عن حصول بعض الخلافات بين العلويّين حول أمور فلسفيّة، ثمّ صار تقارب أكثر مع الشيعة الإثني عشريّة مع الشيخ سليمان الأحمد، مشيراً إلى بعض المشتركات مع الشيعة في العقائد الأساسيّة) التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، ويوم الحساب)، وبعض الاختلافات نتيجة البعد الفلسفيّ والصوفيّ لدى العلويّين.

يرفض أحمد فكرة أنّ الأنبياء هم شخص واحد ويقول: “الأنبياء في نهجنا ليسوا أشخاصاً بشريّين، بل هم أنوار الله”.

يؤمن العلويّون بتنزيه الله بكلّيته وتجلّياته، ويقول أحمد إنّ رؤية العلويّين لله تعبّر عنها آية النور القرآنية ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ..﴾، ورؤيتهم للتوحيد تعبّر عنها سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).

قالت الوثيقة إنّ العلويّين يؤمنون بتفسير باطنيّ لنصوص القرآن وليس بنصوص موازية له، مقرّة بأنّ العلويّين استقوا من باقي الأديان التوحيديّة (اليهوديّة والمسيحيّة)، وأنّ ذلك مصدر اكتمال وغنى لها. ويوضح أحمد ذلك بأنّ “للقرآن وجوهاً ظاهرة وباطنة نأخذ بها جميعاً”.

وعن الاستقاء من الديانات الأخرى، يقول أحمد إنّها “محاولة لتشويه نهجنا العلويّ واتّهامنا بإدخال الإسرائيليّات إلى معتقدنا وهذا محض افتراء، لكنّنا نؤمن بكلام موسى وعيسى وسليمان وداوود وكلّ الأنبياء، ونستشهد بأقوالهم ونلتزم بتعاليمهم، كالتزامنا بكلام الرسول وأهل بيته”.

يأخذ المسلمون على العلويّين إيمانهم بالتقمّص الذي يعتبرونه مخالفاً للإسلام. لكنّ أحمد يوضح أنّ “التقمّص لا يعني انتقالاً عشوائيّاً للنفس بين جسد وآخر من دون ترتيب، بل هو حقيقة دينيّة وعلميّة لدينا الكثير من الأدلّة عليها، وهذا لا يتنافى مع مبدأ الجزاء يوم القيامة ولا ينفي وجود الجنّة والنار، لأنّ العدل الإلهيّ يقتضي أنّ لا أحد منّا يستطيع أن يحقّق ذاته الكاملة، وأن يصفّي نفسه من شوائبها، في حياة واحدة، فبعد الوفاة تجزّى كلّ نفس بما قدّمت، وعند قيام الساعة، تكون الجنّة مأوى للمؤمنين، والنار مثوى للكافرين”.

خلاصة القول، مهما كانت عقيدة العلويين ومهما كانت خلافاتهم العقائدية مع السنة والشيعة، ينبغي احترام هذه الاختلافات وقبول العلويين كمسلمين كما يعتبرون أنفسهم، حتى لو كانت لهم رؤيتهم الخاصة للإسلام وتأويلهم الخاص للقرآن.

المصدر: موقع المونيتور




“رسالةُ سلام مذهبيّ” .. من أجل إنقاذ الإسلام من الصراعات المذهبيّة

IMG

حوارات نت –بقلم: قاسم قصير — العالَمُ الإسلاميّ الذي يتخبّط اليوم – ومن أقصاه إلى أقصاه – في خضمّ صراعاته المذهبيّة والطائفيّة، هو فعلاً، بأمسّ الحاجة إلى رسائل سلامٍ، تهدف إلى انتشاله، من لجج الفتنة الدموية، لترسو به على برّ الأمان. من نوع الرسالة التي يضمّها الكتاب الجديد، للعلاّمة الشيخ حيدر حب الله.
وكتابه هذا الموسوم بـ”رسالة سلامٍ مذهبيّ”، هو كتاب صادر عن “مؤسسة الانتشار العربي”، (في بيروت، في طبعة أولى 2015). ومما يختم به حب الله رسالته هذه بالقول: “إننا نُرحِّب بكلّ الملاحظات النقدية العلميّة الهادئة على هذه الرسالة من الداخل أو الخارج، ونأمل أن تجد لها أصداء حقيقيّة في أوساطنا، وأن تشكِّل ورقة بسيطة يمكن البناء عليها، وأن تترك ولو أثراً إيجابياً صغيراً في واقعنا المرير. ويضيف مشدّداً القول: فـ”نحن نتمنى أن تُسمع لهذه الرسالة المتواضعة أصداء في المذاهب المختلفة عند المسلمين، فَيُقْدِمُ المستنيرون في المذاهب المختلفة، على عرض رؤيتهم وهواجسهم ونقدهم الذاتيّ الجريء، وملاحظاتهم البناءة على أنفسهم وعلى الآخرين، علّنا في ظل هذا التعاون المعرفيّ، نصل إلى رؤية أكثر عمقاً وبصيرة ونضجاً إن شاء الله تعالى”، كما ويضيف مؤكّداً: “هذا هو أملنا، وهذه هي قناعاتنا، وهذا هو منطق تفكيرنا، وهذه هي، رؤيتنا للمستقبل الأفضل، وهذا هو إيماننا الدِّينيّ الذي ندين الله به، والله على ما نقول شهيد، وهو الموفِّق والمعين”.
وإلى مقدمته، يتمحور هذا الكتاب حول المسائل التالية: “الشِّيعة والمعتقد الديني: (تعريف موجز بالمذهب الإماميّ”؛ “إذن، لماذا الاختلاف؟ أي (الخلاف اليوم بين الإماميّة وبعض المسلمين، لا جميعهم)”؛ “الشيعة والسُّنّة و..هواجس متبادلة وقضايا عالقة”؛ “إدارة اختلافنا (المبادئ والسُّبل والآليات)”؛ “ما هي الخطوات المطلوبة إذاً؟”؛ و”كلمة أخيرة (ما قيمة رسالة من هذا النوع؟!)”.
وتفيد مقدِّمة الكتاب بأنه: “عندما انطلق فجر الإسلام، كان المسلمون يلتفون حول نبيهم(ص)، يأخذون منه التعاليم وما نزل عليه من الوحي السماوي، وكانت الرسالة الإسلاميّة تشق طريقها بجهود المحيطين بالنبي(ص)، إلى جانب التأييد الإلهي والرعاية المحمدية..
كانت الجماعة المسلمة صغيرة في حجمها، أقلية مقموعة، تواجه الظلم والعدوان والبغي، وكانت ملتفة حول نفسها يُعين أفرادُها بعضهم بعضاً، لتشكّل أعلى مظاهر الإعانة والتكامل والتعاضد والتضامن في حادثة المؤاخاة، تلك الحادثة التي تركت بصماتها على مسيرة الدعوة الإسلامية، ورسّخت الوحدة والألفة بين مسلمي اليوم، من الذين كانوا – ولزمن قصير مضى – يتصارعون ويتقاتلون.
قال سبحانه: “هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين* وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم إنه عزيز حكيم” (الأنفال: 62 – 63).
لقد كان التأليف بالإسلام وقيمه وتعاليمه، وكانت هذه التعاليم تشق طريقها في القلوب والنفوس لتصنع جيلاً جديداً، ما يلبث أن يغيّر وجه العالم خلال مدة زمنية بسيطة نسبياً.
كان من الطبيعي أن تقع خلافات شخصية أو غير شخصية هنا وهناك بين المسلمين، وكان حضور الرسول والضخّ الروحي الهائل لقيم الإسلام وتعاليم القرآن كفيلين بتذويب الكثير من هذه المشاكل، لكن البشرية لا تتوقف حالها الطبيعية في اختلاف بني البشر، فكان قانون الحياة ومبدأ الاختلاف سارياً على المسلمين في تاريخهم الطويل.
لسنا الآن بصدد تحديد منطلقات وأسباب هذه الاختلافات والتي تنامت وتكاثرت بعد وفاة الرسول الأكرم(ص)، وهل كانت أسبابها مصانة أخلاقياً أو كانت اجتهادات بين المسلمين أو كانت هناك مؤامرة وصراع سلطة أو غير ذلك؟
ما يعنينا هو أن اللحظة التي فارق فيها رسول الله(ص) الحياة شكّلت بداية حركة في عقارب ساعة الزمن الإسلامي، سرعان ما كوّنت كرة الثلج المتدحرجة، ليشهد الإسلام انقساماً كبيراً بين أبنائه، إلى فرق ومذاهب وتيارات تتناحر فيما بينها ويسفك بعضها دماء بعضها الآخر و..
لسنا نهدف تحميل مسؤولية التشظّي الإسلامي لأحد، بقدر ما نهدف الخروجَ من هذه الحال، فأن نختلف في فهم نصوص الكتاب والسنّة، ويجتهد بعضنا في هذا النص فيفهم منه وجوب شيء، فيما لا يفهم منه الآخر هذا الوجوب، أو يفهم بعضنا من آية معينة شهادة لصالح فلان، فيما لا يرى فيها الآخر هذا القدر من الشهادة.. هذا كله أمر طبيعي، لا يوجد في تاريخ الإسلام فحسب، بل نراه في تاريخ الأديان كافة، وتفرضه محدودية العقل الإنساني في اكتشاف الحقيقة.
لكن المشكلة ساءت عندما صار هذا الاختلاف (الطبيعي) أساساً لخلاف (غير طبيعي)، يتنابذ فيه الناس، ويتباعد فيه المسلمون عن بعضهم، بل وتُسفك فيه دماؤهم، ويسيء كل واحد منهم الظنّ بأخيه، فيتمزّق المجتمع الإسلامي، ويضعف حال المسلمين في تنازعهم وتناحرهم.
والأنكى من ذلك أن كثرة الجدل والنقاش في هذه الخلافات المذهبية وتوسعة رقعتها، سيحدثان المزيد من الاضطراب، بدل أن يوفّرا المزيد من التحوّلات العلمية والنهضوية! فلا قيمة للاضطرابات والحراكات الفكرية دون أن ينجم عنها تحولات معرفية نهضوية.
هذا كله يستدعي اليوم وقفة أمام ضمائرنا، وأمام ديننا، وأما التاريخ وأمام الإنسان كله.. ما الذي يجب علينا فعله؟ نشهد تناميها المطّرد يوماً بعد آخر في عصرنا الحاضر؟
كيف نحصّن الأمة والوطن إزاء فقاقيع الطائفية ومناخاتها هنا وهناك، ونمنحهما وعياً يتعالى بهما عن السقوط في الهاوية والانجرار خلف المثيرات المذهبية وخلف الغرائز الطائفية؟
ففي كل يوم نشهد سفك السملمين لدماء بعضهم بعضاً بإسم الدفاع عن الدين والمذهب والطائفة والفرقة، حتى لقد بات صراع المسلمين فيما بينهم أشدّ وأعنف وأقسى وأشرس وأوجع من الكثير من صراعاتهم التي مرّت عليهم مع سائر الأمم الأخرى! لقد تصارع الشيعي الموالي لعلّي مع السنّي الموالي لأبي بكر بما لم يقع مثله بين علي وأبي بكر نفسيهما! وتصارع الحنبلي والحنفي و.. مع الجعفريّ بأشدّ مئات المرّات من اختلاف الإمام جعفر بن محمد الصادق مع الإمام أبي حنيفة النعمان!
في الوقت نفسه، كيف نحفظ لكل إنسان في هذا الدين هويته وخصوصيته وعقائده وأفكاره، فنجمع بين علاقته الوطيدة والعميقة بأخيه، واحتفاظه الوثيق بقناعاته ومعتقداته الكلامية والفقهية التي نحترم اجتهاده فيها أيا يكن؟!
للجواب عن هذه الأسئلة قد نحتاج للكثير من الكلام، لكن واحدة من الخطوات هي أن نتعرّف أكثر فأكثر على بعضنا، وندرك بعضنا بذهنية واعية فاحصة، وفي المقابل يعرّف كل واحدٍ منا نفسه لأخيه، حتى لا تذهب الأفكار بأخيه يميناً ويساراً.
ومن هذه الخطوات أيضاً، أن يمد كل واحد منا يده للآخر لنتلاقى على الاختلاف الإيجابي وننبذ الاختلاف السلبي، لنوقف نزف الدم في الأمة، ونكف عن المزيد من نكئ الجراح، عنيت جراح التاريخ النازفة منذ قرون. لنوقف تحول حاضرنا إلى تاريخ، فنكف عن الرجوع إلى الوراء، ونصنع من تاريخنا – بقراءة جديدة واعية – مستقبلاً وحاضراً أفضل، فنكتشف فيه عناصر التلاقي والمحبة، بدل أن نُدمن اكتشاف عناصر البُعد والفُرقة، أو نغرق في التاريخ وللتاريخ فقط.
من واقع الإحساس بهذه المسؤولية الجسيمة، ومن صرخة الضمير الكامن في أعماقنا، ومن حجم المأساة التي نعيشها جميعاً، ومن القلق الكبير الذي يلفّ مستقبلنا كأمّة، ومن الشعور بالمخاطر التي تهدّد الوجود الإسلامي عامة.. كان هذا الكتاب/ الرسالة، لنبلّغ ما أمرنا الله به، ونضع عن كاهلنا بعض المسؤوليات الملقاة على عواتقنا نحو مسلمي العالم ونقول كلمة الحق في الزمن العسير.
إن هذا الكتاب المتواضع رسالة مفتوحة لكل المسلمين في العالم شيعة وسنّة وإباضيّة وصوفيّة و.. رسالة حبّ ومودة، رسالة إخاء وقرابة، رسالة صدق وإخلاص، رسالة مصارحة ومكاشفة، رسالة نقد للذات واللآخر، رسالة صفحة جديدة، رسالة نجلي فيها بالتعريف بمذهب أهل البيت النبوي وأتباعهم، بالمذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري، نكشف فيها عن الأفكار والتطلعات والمسؤوليات والآمال والرؤى والاجتهادات والهواجس التي يختزنها أبناء هذا المذهب أو تقع على عاتقهم، نعرّف موجزاً بعقائدهم وفقههم ومسلكياتهم وعلاقتهم بالآخر واتجاهاتهم ومنجزاتهم، وما يقع على عاتقهم من مسؤولية تاريخيّة.
إنها رسالة للآخر – كل الآخر – في الداخل الإسلامي الكبير، نتصارح فيها ونبدي هواجسنا ونفصح عن رأينا في هواجس غيرنا، لنضع أنفسنا والآخرين على المسار الصحيح.
إننا نعيش في لحظة تاريخية مصيرية من عمر الأمة المسلمة، ولا نريد بهذا الكتاب إلا أن نستجيب لهذه اللحظة، ونكسر حصار التاريخ، وننطلق نحو وعي جديد للدين والمذهب، ونمدّ أيدينا إلى سائر مذاهب المسلمين، لنبني معاً مجد أمةٍ لطالما شكّلت مفصلاً من مفاصل تاريخ الحضارات البشرية.
إننا – بوصفنا شريحة كبيرة في مذهب أهل البيت – نعلن اليوم وبصراحة عن رسالتنا المفتوحة للعالم، ولإخوتنا المسلمين من أبناء المذاهب الأخرى. رسالة تدعو إلى اللقاء والتواصل والأمن والسلام وعيش المواطنة، ومنح بعضنا بعضاً الحقوق والمزايا والاحترام والتقدير وحسن الظن، لنبني جميعاً أوطاننا بناء محصّناً من الداخل، لا تهزه الرياح، ولا تطيح به عواصف الشرّ والموت والفتنة.
هي رسالة ستعجب الكثيرين، لكنها قد تغضب بعضاً أيضاً هنا وهناك، ونحن إذ نعبّر فيها عن قناعاتنا التي قد يختلف معنا فيها حتى بعض الشيعة، فإننا نريد بذلك أن نموضع أنفسنا وقناعاتنا في ظل هذه الاصطفافات القائمة اليوم.
هي رسالة محبّة بإذن الله، هي رسالة سلام مذهبي، هي رسالة وطن وأمة ومجتمع وحضارة، والله على ما نقول شهيد.
ويقول حب الله في كلمتة الأخيرة في هذا الكتاب: “وفي نهاية المشوار معك أخي القارئ الكريم، من الطبيعي أن تأتي إلى ذهننا جميعاً الأسئلة التالية: ما قيمة رسالة من هذا النوع؟ وما الذي سنجنيه من كتابة مثل هذه الكلمات؟ هل سيستجيب أحد؟ هل سيكون لها وقع أو ستكون بنفسها مادة سجالية لتغذية الوعي الطائفي؟ أسئلة مشروعة بحقّ، ولا أخفيك – قارئي العزيز – أنني فكرت بذلك، وعشت هم هذا الموضوع، ولكن في نهاية رسالتنا هذه يجب أن نوضح بعض الأمور:
رسالتنا بين صوت الضمير ومسؤولية الواقع
قبل كل شيء نحن امام مسؤوليات يفرضها علينا الدين والقيم والضمير، لا نسكت عما يحصل، وأن نشارك في تغيير الوضع القائم، وأن نقول الحق ولو على أنفسنا أو الوالدين أو الأقربين كما علمنا القرآن الكريم نفسه.
فهذه الرسالة لها قيمة ذاتية من وجهة نظري المتواضعة، وأعني بالقيمة الذاتية هي إبراء ذممنا أمام الله والتاريخ والإنسان، أننا فعلنا ما يمكننا فعله، وذلك أضعف الإيمان، فلا نترك الإيمان كله عندما لا نقدر على أتمّه، بل نأتي ولو بأضعفه كي نستشعر راحة الضمير، حيث لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها.
وإذا خرجنا من الحالة الذاتية “الضميرية” هذه، فسوف نرى أننا – موضوعياً – أمام خيارين: إما الاستسلام التام للواقع القائم، وإما الإقدام على أبسط ما يمكن أن نقدم عليه. وعندما يجد كل واحدٍ منا نفسه أمام هذين الخيارين فمن الطبيعي أن يذهب خلف خيار العمل والإقدام والمساهمة؛ لأن الاستسلام لن ينتج سوى القضاء على ما تبقى من وعي وسلام في هذه الأمة.

كل شيء ممكن، فلنمارس أدوارنا في نطاق التأثير
قد لا يقع ما نصبو إليه في هذه الرسالة، لكن بإمكان كل واحدٍ منّا أن يقوم بدوره في نطاق تأثيره، فلنمارس أدوارنا في نطاق التأثير، وإذا لم نتقدّم على هذا الصعيد، فيكفينا فخراً أن نكون قد ساعدنا على وقف التدهور في حال الأمة ولو بنسبة معيّنة، فأستاذ المدرسة أو الجامعة، وعالم الدين، ورجل الإعلام، والكاتب، والأب والأم و.. لهم جميعاً قدرة التأثير ولو بدرجة بسيطة، ومطلوب منا جميعاً أن نراكم الجهود لنصل إلى نتيجة مرضية أو لنوقف تدهور الأوضاع على الأقل.
نقاط الماء الصغيرة عندما تتراكم سوف تُحدث سيلاً، ومنطق العمل والتغيير يقول: شارك ولو في نقطة واحدة، إذ من دونها لا يكون السيل، فلو فكّر كل واحدٍ منا بحقارة نقطة الماء التي سوف يقدّمها فلن يقدّم أحدٌ شيئاً، ومن ثم لن يكون هناك سيل يحدث التغيير ويصلح الأمور.

القرآن الكريم ومنطق الأمل بالمستقبل
هذا هو منطق القرآن الكريم أيضاً، وهو منطق الأمل بالمستقبل؛ لأن الأمل يترك أثراً، فيما اليأس يجعلنا بلا طاقة ولا حضور، قال تعالى: {ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسرا} (الانشراح: 1 – 6).
وقال سبحانه: {فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} (البقرة: 249)
وقال تبارك اسمه وتعالى جدّه: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران: 173 – 175)
هذه الرسالة – كما أشرنا في المقدمة – لا تمثل الشيعة بأجمعهم، ولا السنّة ولا غيرهم، إنما هي – حتى لو كتبها شخص واحد – تعبير عن قناعة شريحة واسعة من الشيعة والسنّة وغيرهم، من علمائهم ومثقّفيهم ومتعلّميهم ومفكّريهم وباحثيهم وناشطيهم وإعلامييهم وكتّابهم وسائر الشرائح الاجتماعية الأخرى. هي تعبير عما يؤمن به فريق كبير في الأمة، قُدّر له في هذه الأيام أن يُعزل، وأرادت المسؤولية الشرعية والأخلاقية والإنسانية له أن يكون حاضراً.
نحن هنا لا نتكلم بإسم طائفة او دولة أو حزب أو تيار سياسي، ولا ندّعي أن ما كتبناه يمثل رأي مراجع الشيعة أو كل فئاتهم، ولا رأي المجاميع الفقهية لأهل السنّة، بل هو يمثل رأي شريحة كبيرة من أهل العلم والعمل والوجاهة والموقع الاجتماعي في هذه الأمة وفي هذه الطائفة، وأنهم يفصحون عن قناعتهم وإيمانهم بما ينبغي أن يُفعل، ويمدّون أيديهم للمذاهب الأخرى – لا سيما كثير من المثقفين وأهل الرأي، من الذين يشتركون معنا في هذه القناعات أو أغلبها على الأقل – كي تقوم بما ينبغي القيام به كما يمدون أيديهم أيضاً لأبناء مذهبهم، كي يفعلوا ما يفترض فعله في هذه اللحظة التاريخية الصعبة، وإلا فلسنا نصادر رأي مذهب ولا فئة من الناس، وإنما نعبّر عن أنفسنا، ونزعم أننا شريحة كبيرة في المسلمين، وفي المذهب الإمامي أيضاً.

رسالتنا إنقاذ الدين بوقف المبررات المذهبية في صراعاتنا
وليست هذه الرسالة بالتي تحل كل الأمور، ولم ولن نزعم ذلك، بل هي ورقة للتداول، كي نبدأ بحل الأمور بطريقة أفضل، ونفكّر في وضع صيغ تفصيلية للقضايا المتنازع عليها، وبذلك نكون قد ساهمنا في وضع مدماك بسيط في صرح الوئام والتوافق الإسلامي.
ولا تدّعي هذه الرسالة أنها ستحلّ المشاكل السياسية العالقة في بلاد المسلمين، فهذا شأن السياسيين ووظيفتهم، إنما تُعنى هذه الرسالة بالإضاءة على الجانب الديني والقيمي والفكري من موضوع العلاقة بين المذاهب، وتقدم رؤيتها فيه، مع علمها بأن هذا الجانب ليس هو الجانب الوحيد للمشكلة، لكنه جانب مهم، فنحن لا ندّعي أن مشاكل المسلمين اليوم هي مشاكل دينية ومذهبية، أو أن هواجس الشيعة والسنّة التي تكلّمنا عنها سابقاً هي السبب الوحيد لأزمات المسلمين، بل ندّعي – وأرجو التنبّه – أن القوى السياسية في بلاد المسلمين تستعين بالملفات المذهبية لتجعلها والمذاهب وقوداً لمشاريعها، ووظيفتنا السعي لتجفيف هذا الوقود ووقفه، حتى لا يستعمله من يريد سوءاً بالمسلمين، علم بذلك أم لم يعلم.
وقيمة هذا الموضوع هي قيمة دينية عالية؛ لأن أي صراع يقوم على وقود ديني أو مذهبي، يمكن اليوم أن يرتد سلباً على مكانة الدين وقيمته وسمعته ومصداقيته في العالم، وسيسمح ذلك للتيارات الإلحادية واللادينية و.. ان تتقدم خطوة نحو الأمام، وتأخذ المزيد من شباب المسلمين وفتياتهم نحو اللادينية أو نحو العبثية والعدمية، فإلغاء البُعد الديني والمذهبي من صراعاتنا القائمة اليوم هو ضرورة عليا لمصلحة الدين في عالمنا المعاصر، هذه أيضاً رسالتنا وغايتنا التي نطمح إليها.




أنشطة التقريب المذهبي وشروط الفعالية

بقلم: السيد جعفر فضل الله – صحيفة الأخبار –

تنعقد سنويّاً مؤتمرات عدّة للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة، في أكثر من بلدٍ عربيّ وإسلاميّ وغربيّ، وثمّة مراكز ومؤسّسات أخذت من التقارب المذهبي والحوار الإسلامي عناوين لها. ولا شكَّ في أنّ ذلك العنوان يكتسب أهمّية بالغة على ضوء التحدّيات التي تواجه المسلمين اليوم، فكريّاً وعملياً وعلى مستوى النموذج الإسلامي في السياسة وفي حركة الإنسان المسلم والمجتمع الإسلامي.

وينظر كثيرون إلى أنّ الحاجة الشيعيّة للتقريب هي أكثرُ من الحاجة السنّيّة له؛ بحكم النسبة العدديّة بينهما، إضافةً إلى الإشكاليّات التي رافقت حركة التشيُّع تاريخيّاً، والتي كانت تعتبرهم فرقة خارجة من الإجماع الإسلاميّ، وبعضُ الفرق الإسلاميّة تكفِّرهم تماماً.

ولكنَّنا نعتقد أنّ الحاجة للتقريب هي حاجة إسلاميّة عامّة، ليس فقط لبروز تحدّيات أمام الفكر الإسلامي بعامّة، بل لأنّ مسألة التقريب نفسه هي مسألة منهج إسلاميّ أكثر ممّا هي حاجة مصلحيّة ظرفيّة لهذا الطرف أو ذاك. وما نحاول مقاربته في هذه المقالة، هو الشروط الموضوعيّة الضروريّة لنجاح تجارب التقريب، سواء كانت مؤتمراتٍ أو مؤسساتٍ؛ وهنا ملاحظات عدّة:
أوّلاً: مشكلة الضوء الذي من شأنه أن يُفسد أيَّ نشاطٍ تقريبيّ، أو يحدّ من نتائجه المتوقّعة؛ لأنّ التظهير الإعلامي للنشاط التقريبي عندما يوضع كأولويّة، سيؤثّر في نوعية المنتدين أو المؤتمرين، وكذلك على مستوى المقاربة من حيث العمق أو السطحيّة، أو من حيث اعتمادها جانب الخطابة مقابل البحث والدراسة المعمّقة. ليس ذلك فقط! بل سيكون للظروف الخارجيّة، سياسيّة كانت أم غيرها، تأثيرات سلبيّة كذلك. لنأخذ مثلاً الظروف التي نمرُّ فيها، وهي تشهد حرباً على الجماعات المتطرّفة التي تعيثُ في الأرض فساداً، وقد أفرزت اصطفافاً في العالم الإسلامي والعربي تجاه قضيّة التقريب وقضايا أخرى ذات صلة، فهل نتوقّع أنَّ المؤتمر لن يكون منبراً يوظَّف لتوجيه رسائل سياسيّة، تمثّل استمراراً لما هو قائمٌ من حركة السياسات والخطابات والمواقف؟ ألا نتوقَّعُ أن يكون المؤتمر مناسبةً للمجاملات الخطابية، وأحياناً النفاق الإعلامي والسياسي، لدى جماعاتٍ نعرفُ سلفاً أنّها لا تستطيع الذهاب بعيداً في مسألة التقريب في مجتمعاتها؛ لأنّها ستفقد الجمهور والساحة بسرعةٍ قياسيّة؟

ثمّ ألن يحكم الاصطفاف السياسي نوعيّة المدعويّن أو المؤتمِرين؟ لأنّ من الطبيعي أنّ الأطراف المناوئة لهذا البلد أو ذاك المحور، لن تجد نفسها مدعوَّةً أو قادرة على الحضور لو دُعيت. وبذلك يفقد المؤتمر التنوّع الضروريّ لأيّ حراك مختلفٍ عمّا هو سائدٌ ومسؤولٌ عن توليد الأزمات. لماذا لا نعقد مؤتمرات حول شروط التنمية في مجتمعاتنا الإسلاميّة؟

إنّ السريّة – بالمعنى الإيجابي – والمناقشة في الدوائر المغلقة، ذات أثر فعّال في الحدّ من تأثير الظروف الضاغطة المحيطة بالمؤتمرين؛ لأنّ ثمّة من لا يمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة قوى الأمر الواقع، أو لا يجد المصلحة في ذلك، وهؤلاء سيجدون أنفسهم محرجين أمام عدسات الكاميرات، أو أمام التسريبات الإعلاميّة، وهذا ما يدفع الإنسان للبحث عن ألفاظٍ عامّة، لا تقارب المسألة بالجدّية والعمق الكافيين.

ولعلّ هذه النقطة باتت من لوازم المؤتمرات، حيث تصاغ البيانات الاختتاميّة بطريقة لا تحرج الجميع، وأحياناً يقفُ صوغُ فقرة ما على حرفٍ زائدٍ أو ناقصٍ؛ الأمر الذي يجعلنا أمام إضافة هامشيّة على المستوى الفكري في المعالجة. ثانياً: إنّ المؤتمرات باتت غالباً مناسبةً للعلاقات العامّة، وهذه إحدى نتائجها بطبيعة الحال، وليست وظيفتها؛ لأنّ الوظيفة الأساسيّة للمؤتمر أن يشكّل إضافة نوعيّة في تدارس ظاهرة، ووضع حلول لمشكلات، وهذا إنّما يتمُّ من خلال النخب الفكريّة، وليس السياسيّين بالضرورة (بعض السياسيّين هم مفكّرون بلا شكّ). وعندما نتحدَّث عن نخب ثقافيّة، فمن اللازم هنا أن نتحدّث عن ضرورة التنوّع في الاختصاصات لدى هذه النخبة. فمن غير السديد أن نعتبر – مثلاً – أنّ قضايا التقريب هي ضمن القضايا المذهبيّة، وبالتالي يمثّل رجال الدين – بالمعنى التخصُّصي – غالبيّة المشاركين فيها، أمّا علماء النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد والأمن وغير ذلك من المختصّين، فحضور هؤلاء أشبه ما يكون بالديكور الشكلي، وليس بالذي يقتضيه موضوع التقريب نفسه.

كيفَ يُمكن لنا أن نتوقّع مقاربات جديّة ومعمّقة لمسألة التقريب بين المذاهب الإسلاميّة، في ظلّ غياب التخصّصات المطلوبة لفهم المشاكل والتحدّيات والظواهر التي تفرزها حركة الاختلاف المذهبي، وهي مشاكل وتحدياتٌ وظواهر يتشابك فيها النفسي بالاجتماعي بالسياسي بالاقتصادي بالأمني بغير ذلك من العوامل؟!

ولعلّه لأجل ذلك نجد أنّه قد أصبح لدينا كتبُ كثيرةٌ في التقريب المذهبي، تنحو منحى علم الكلام والجدل العقدي والشرعي، من دون أن نضيف شيئاً كبيراً إلى النمط الذي ساد تاريخيّاً وطبع كلّ النتاج الفكري المذهبي على مدى التاريخ الإسلامي، والذي غلب عليه منطق تسجيل النقاط والحجاج ومحاولة إثبات الانتماء للإسلام أو الخروج منه، وما إلى ذلك من مواضيع هي في عصرنا ممّا يزيد المشكلة تفاقماً، وهي من إفرازات المشكلة الحقيقيّة، وليست هي المشكلة في حدّ ذاتها.

ثالثاً: إنّ المشكلة التي أشرنا إليها من تغليب النتاج العقدي والكلامي والحجاجي، لا تنشأ فقط من طبيعة تخصّصات الذين يُدعون عادةً إلى مؤتمرات التقريب وأنشطته، وإنّما تنشأ أيضاً من طبيعة النظرة إلى موضع النزاع العملي في مسألة التقريب والحاجة إليها بين المذاهب الإسلاميّة. إنّ نظرة تأمُّل في موضع النزاع الذي ينبغي أن يكون محور أيّ نشاط أو مؤتمر أو لقاء، لا بدّ أن تتّجه بنا إلى غير ما هو سائدٌ من ذلك؛ لأنّ الأمور العقديّة نوعان: منها ما هو محسومٌ بين الطرفين أو الأطراف، كمسألة مرجعيّة القرآن الكريم الفكريّة، ومنها ما يمثّل البحث فيه إعاقة لأي نتائج عمليّة، كما في قضايا إثبات الخلافة أو الإمامة؛ والمشكلة التي نجدها غالباً، هي أنّ هذه المسائل وأمثالها هي الحاضرة دوماً في أيّ نشاط مذهبي، وتنعكس على لهجة الخطابات وصوغها، حيث كثيراً ما نجد مقدّمات لا داعي لها سوى التبرير وإبراز حسن النوايا وما إلى ذلك! في كلّ الأحوال، نعتقد أنّ ما ينبغي تغليب المناقشة فيه هو البُعد الأخلاقي والقيمي العملي، وهذا الذي يبدو أثره في الميدان وعلى أرض الواقع. والمذاهب الإسلاميّة، بل الأديان كلّها، متّفقة عليها في أصولها وفروعها؛ فلا أحد يناقش في ضرورة الصدق والأمانة والإخلاص في حركة القيادات والسياسات، فماذا يضيرنا أن يكون قدوة أحدنا في ذلك عليّاً أو عمر أو غيرهما؟! اعتقد ما شئت! نستطيع أن نتحاور حول تجليّات ما تعتقد أنّه الصواب، بدلاً من أن نقضي العمر في حوارٍ حول صوابيّة ما أعتقد وصوابيّة ما تعتقد والواقع من حولنا يذهب بكلّ الأرض التي نقف عليها. ليَكُنْ ما أعتقده أنا في عدل عليٍّ في الحكم، وما تعتقده أنت في عدل عمر في الحكم، هو الفيصل بيننا للحكم على كثير من نماذج الحكّام والحكومات، سواء كانت شيعيّة أم سنّيّة، والتي تصادر سياستنا واقتصادنا وحاضرنا ومستبقلنا. الاعتقاد هنا له أثرٌ في البناء التحتي للقيمة، وسواء كان اعتقادك أو اعتقادي مطابقاً للواقع أو مخالفاً، فما دام الهدف من الاعتقاد هو الوصول إلى القيمة، فالحوار سيكون الوسيلة المساعدة للوصول إلى نتائج عمليّة مشتركة، ترصد القيمة في حركة مسؤوليّتنا في واقعنا المعاصر.

إنّ كفاءة الشيعي وأمانته في دائرة العمل، وكفاءة السنيّ وأمانته كذلك، هما اللذان يحقّقان التقارب العمليّ، والذي يعبّر فيه كلٌّ منهما عن الانتماء القيمي للتشيّع أو التسنُّن، وإلّا فما نفعُ شيعيّة لا تنعكسُ تجسيداً للمبادئ، وما نفعُ سنيَّةٍ لا تنعكس كذلك!

من هنا، نظنّ أنّ إحدى مشاكل المؤتمرات واللقاءات والندوات، أنّها مازالت تغلّب العقدي على العملي، ونجد أنفسنا مشدودين إلى جعل الآخر مثلنا لنشترك معه في العملي. هذا لا يجعلُ منه «آخر» وإنّما سيكون «أنا» مماثلاً، أو سيكون ضمن «نحن» الجماعة المذهبيّة، وهذا يعني أنّ الحوار يتحوّل من حوار مذهبي إلى حوار المذهب الواحد.

ولنا أن نتساءل هنا: لماذا لا نعقد مؤتمرات حول شروط التنمية في مجتمعاتنا الإسلاميّة، والتي تعتبر شرطاً ضروريّاً لتغيير البيئات المنتجة للتطرّف؟ ألا نرى من المناسب – مثلاً – بحث الآليّات التي يمكن من خلالها التحقّق من سلامة القيادة السياسيّة لتشكّل ثقافة الشعب الذي يدلي بصوته لينتخب هذا أو ليقبل بذاك؟ ما هي آليّات التغيير في المجتمع الإسلامي؛ هل هو العنف المسلّح أم التغيير السلمي؟ وما هي شروط كلّ منهما على ضوء الكتاب والسنّة؟ لماذا لا نفكِّر في دارسات معمّقة للمناهج التعليمية وتأثيرها في بناء ذهنيّة المسلم في نظرته للآخر المذهبي، والآخر الديني؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تمثّل موضوعاتٍ ملحّة، ونتائجها تنقلنا مباشرة إلى تغيير الواقع عبر فهمه أوّلاً والبحث في شروط تغييره ثانياً، وبالإمكان أن تقدّم للقيادات السياسيّة الكثير من الأفكار العمليّة التي تُشكّل تقريباً عمليّاً، ولينتظر الجدال العقيدي أن ننتهي من كلّ ذلك؛ لن نواجه مشكلة حئنئذٍ في أي اختلاف!

خامساً: إنّ لدينا مشكلة أو عقبة دائمة في نتاج أي جهد تقريبي، وهي الأطر الوسطى؛ لأنّها صلة الوصل، أو القناة الضرورية لتحويل أي فكرة إلى واقع لدى الجماهير والأطر الشعبيّة. هؤلاء هم خطباء المنابر وأئمّة المساجد والدعاة وغيرهم؛ لأنّ هؤلاء قد يساهمون في موقفين خطيرين على الساحة:

1ـ قد يحرّفون ما يصدر من الأطر العليا والمرجعيّات الدينية بالخصوص، تجاه قضايا تقريبيّة حسّاسة، وهذا ما يحصل تجاه بعض الفتاوى الصادرة من المرجعيّات الدينية، والتي تحرّم سبّ الصحابة وبعض أمّهات المؤمنين أو تكفير المسلم وما إلى ذلك.

2ـ قد يشكّلون قوّة ضغطٍ على الأطر العليا؛ لكونهم مؤثّرين على عاطفة الجماهير، ولذلك يجيّشون مواقفهم لصالح تحجيم دور أيّ فتوى أو رأي لا يصبّ في مصلحة الأطر الوسطى التي قد تكون منتفعة من سيادة بعض الأفكار التي تزيد الحالة العاطفيّة أو الانفعاليّة للجماهير.

ولذلك، قد نحتاج إلى جهدٍ خاص يهدف إلى وضع آليّات لتحويل الأفكار التي تتبناها الأطر العليا إلى واقع تربوي وتعليمي ينتقل إلى الأطر الوسطى؛ ليكون الخطاب الديني أكثر انضباطاً قياساً بالأهداف أو التوجّهات الجديدة. ومن الواضح أنّ هذا الجهد ليس سهل المنال، ويحتاج إلى سلطةٍ تفرضه في آليّاتها بالحكمة والنفَس الطويل.

سادساً: من المهمّ لمؤتمرات التقريب وغيرها من الجهود المماثلة، أن تأخذ بعين الاعتبار فئةً مهمّة من الأمّة، وهي الشباب، الذين قاموا بثوراتٍ وحرّكوا الشارع تجاه قضايا كُبرى، وهم يشكّلون الشريحة العدديّة الكُبرى في أيّ مشروعٍ وحدويّ أو مشروعٍ فتنويّ على حدٍّ سواء؛ الأمر الذي يفرض الاستماع إليهم، والاقتراب من ذهنيّتهم والطريقة التي يتناولون فيها الأمور، وعدم النظر إليهم على أنّهم فئة انفعاليّة أو سطحيّة في مقاربتها للأمور، وعلى العكس من ذلك، فإنّنا قد نجدُ أنّ عيّنة ممثّلة – على الأقلّ – من هذه الفئة لا تكون حاضرةً في مثل هذه المؤتمرات أو اللقاءات أو نحوها، ولذلك قد نجد أنَّ مقرّراتها أو توصياتها لا تجد لها مكاناً على أرض الواقع؛ لا لأنّ كثيراً منها عامٌّ أو صيغ بطريقة لا تحرج أحداً فحسب، بل لأنّها قاربت قضايا ليست هي التي تحظى باهتمام تلك الفئة الشابّة، فضلاً عن أنّ تكون قد نظرت إلى تلك الفئة من علٍ.

أخيراً: لا بدّ أن نُشير إلى أنّ كلّ جهد تقريبيّ يُبذل، ولو على مستوى الشكل، هو أمرٌ محمودٌ؛ لأنّ المطلوب الثبات على الفكرة في زمن سيادة التكفير وتحجّر التفكير؛ ولكنّ ذلك غير كافٍ، إذا ما أردنا استشراف المستقبل، ووضع الخطط العمليّة التي تغيّر واقعنا إلى حالٍ أفضل، والله تعالى يقول: «إنَّ اللهَ لا يُغيِّرُ ما بقومٍ حتّى يغيِّروا ما بأنفسِهِم» (سورة الرعد: 11).




حراك فكري شيعي يحتاج لمن يلاقيه: من أجل حوار حقيقي حول الدين والعنف والتطرف

بقلم: قاسم قصير- موقع لبنان الجديد –

تشهد المؤسسات الفكرية والدينية والسياسية في البيئة الاسلامية الشيعية حراكا فكريا وساسيا في اتجاهات متنوعة، فقد برزت خلال السنوات الماضية عدة مؤسسات فكرية في البيئة الاسلامية الشيعية اضافة لمؤسسات ناشطة منذ فترة طويلة سواء في لبنان او في العالم العربي والاسلامي.

ففي لبنان على سبيل المثال وليس الحصر هناك عدة مؤسسات ناشطة على صعيد الحوار الاسلامي- الاسلامي والاسلامي-المسيحي والديني- العلماني ، اضافة للاهتمام بنشر العديد من الدراسات والكتب والابحاث واقامة لقاءات حوارية خاصة وووجود مواقع الكترونية ومجلات متنوعة تحمل رؤية نقدية قاسية ان على الصعيد السياسي او الفكري او الاجتماعي.

ومن هذه المؤسسات مؤسسة الفكر الاسلامي المعاصر للبحوث والدراسات والتي اشرف على تأسيسها المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله ولا تزال ناشطة باشراف نجله السيد علي فضل الله.

وهناك مؤسسة الامام الحكيم التي يشرف عليها العلامة السيد علي الحكيم حفيد المرجع الراحل السيد محسن الحكيم وابن عم السيد عمار الحكيم وهذه المؤسسة تقيم العديد من المنتديات وتتابع الحوار في اتجاهات متعددة.

ويعتبر معهد المعارف الحكمية الذي يشرف عليه الشيخ شفيق جرادي احدى المؤسسات الفكرية والدينية والفلسفية المهمة والتي لها نشاطات متنوعة منذ عدة سنوات.

اما مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي فهو متخصص باصدار الكتب والدراسات وخصوصا المترجمة عن اللغة الفارسية والمعنية بالشأن الايراني مع الاهتمام بالتجارب العلمائية الاصلاحية والفكرية.

ويتولى المركز الاستشاري للبحوث والدراسات الاهتمام بالشؤون التنموية والسياسية والاستراتيجية عبر اقامة العديد من المؤتمرات والندوات والاصدارات.

وقد برز مؤخرا المجمع الجعفري للبحوث والدراسات الذي اسسه الشيخ محمد حسين الحاج والذي بدأ باقامة سلسلة نشاطات متنوعة.

ويضاف الى ذلك عدد كبير من المواقع الالكترونية واللقاءات العلمائية ومنها موقع لبنان الجديد وموقع جنوبية دوت كوم وما يقوم به الناشط لقمان سليم من انشطة متنوعة واللقاء العلمائي اللبناني واللقاء العلمائي المستقل ومجموعة ربانيون بلا حدود واللقاء الروحي في جبل لبنان والمركز العربي للحوار والمركز الاسلامي الثقافي في مسجد الحسنين ومركز حمورابي للدراسات.

كما شهدنا مشاركات فاعلة في انشطة متنوعة واقامة مؤسسات وهيئات فكرية وعلمية وحوارية مثل جمعية الامام الصادق التي تعمل باشراف المرجع السيد علي السيستاني واطلاق ملتقى الاديان والثقافات للتنمية والحوار ولقاء تعارفوا ومؤسسة اديان واتحاد علماء المقاومة ونشاطات تجمع العلماء المسلمين وحوزة الثقلين باشراف العلامة السيد عبد الكريم فضل الله والعلامة السيد عبد الله فضل الله وجمعية التوجيه العلمي اضافة للمؤتمرات والانشطة الحوارية والسعي لفتح الافاق على صعيد مواجهة التطرف والعنف والتي تقوم بها جهات متنوعة.

كما يمكن رصد عشرات المجلات الفكرية والدينية ان في لبنان او خارجه وهي تحمل افكارا تغييرية ان على صعيد الحوزة الدينية او على صعيد الفكر الديني.

هذه المؤسسات وغيرها الكثير الكثير تؤكد وجود حراك فكري وسياسي في الاطار الاسلامي الشيعي، فماهي الرؤية التي تحملها هذه المؤسسات والانشطة وخصوصا على صعيد مواجهة المشكلة المذهبية ومعالجة التطرف الديني والعنف ؟ وهل هناك من يلاقي هذه المؤسسات في البيئات الاخرى الاسلامية والمسيحية والعلمانية؟

اذن من الواضح ان انتشار هذه المؤسسات ونشاطاتها المتنوعة يؤكد ان الواقع الاسلامي الشيعي الفكري والسياسي والحزبي والشعبي يشعر بخطورة ما يجري والحاجة الى البحث والتفكير بما يجري والبحث عن الحلول المناسبة للازمات التي يواجهها العالم العربي والاسلامي اليوم والتي وصلت الى حد التشكيك بدور الاديان وانتشار الالحاد والتفكك والعصبيات والصراعات المذهبية.

ومن يراقب نشاطات المؤسسات الفكرية والاعلامية في الساحة الشيعية يلحظ اولا وجود حس نقدي قاسي وصريح وهو يتناول كل الافكار والموضوعات والمواقف وهذا ما لا نلحظ وجوده بشكل كبير في الساحات الاخرى.

الملاحظة الثانية على صعيد الحراك الفكري والسياسي حرص المؤسسات الشيعية على الانفتاح على كل التيارات والقوى والحركات الاسلامية ومختلف الاطراف المسيحية والعلمانية، وكان هناك اهتمام كبير بمواكبة التيارات السلفية والجهادية وحركات الاخوان المسلمين والسعي للاستماع الى كل وجهات النظر ودعوة شخصيات سلفية واخوانية ومسيحية وعلمانية للمحاضرة والحوار واللقاء والاستعداد للتعاون مع كل المؤسسات الناشطة في الحقول الفكرية والحوارية.

وثالث الملاحظات سعي المؤسسات الفكرية لفتح النقاش حول التجربة الاسلامية في الحكم وعلاقة الدين بالدولة ومشروع الدولة المدنية ودور المؤسسات والمرجعيات الدينية والدعوة لتقديم افكار جديدة تساهم في تطوير الفكر الاسلامي والفقه الاسلامي لمعالجة المشكلات الطارئة وتقديم مقاربات جديدة لهذه المعالجات.

ورابعا ورغم ان البعض من خارج الساحة الاسلامية يتحدث عن سيطرة حزبية واحادية على الواقع الاسلامي الشيعي فان من يدقّق بما يجري في هذه الساحة وخصوصا على صعيد المؤسسات الفكرية والاعلامية وبعض الاوساط الدينية يلحظ وجود تنوع كبير في الافكار والطروحات وان هناك نقاش مستمر حول كل الاراء ومراجعة شاملة للمواقف وجرأة كبيرة في ما يكتب وينشر ان على صعيد المواقع الالكترونية او الكتب الصادرة وحتى خلال الندوات والنشاطات المتنوعة.

وبالاجمال فان المؤسسات الاسلامية الشيعية حريصة على ارسال رسائل واضحة بالاستعداد للحوار والنقاش والتعاون مع جميع الاطراف وفتح الابواب وبجرأة للنقاش في التاريخ والحاضر والمستقبل.

كما ان هذه المؤسسات وتنوعها تتميز بالحرص على توفير كل اجواء الحوار والنقاش وفتح الباب امام الاراء الاخرى ورغم الظروف السياسية والامنية الصعية على مستوى لبنان والمنطقة واستمرار اجواء الفتنة المذهبية والتحريض والعنف والتطرف فان الحراك الفكري في الساحة الاسلامية الشيعية يؤكد ان الاجواء غير مقفلة وان هناك امكانية كبرى للحوار والنقاش.

لكن السؤال الاهم : هل هناك من يلاقي هذا الحراك في الساحات الاخرى ؟ وهل هناك مؤسسات فكرية واعلامية مسيحية واسلامية مستعدة للتعاون مع هذه المؤسسات للبحث عن خيارات جديدة لانقاذ الواقع العربي والاسلامي من المأزق الذي يواجهه اليوم؟

لكن يبقى السؤال الاخير في اطار الحديث عن هذا الحراك والذي نحاول الاطلالة عليه: هل هناك شركاء مستعدون لملاقاة هذا الحراك الشيعي سواءا على المستوى الاسلامي او المسيحي او العلماني او على الصعيدين اللبناني و العربي؟ وكيف يتبلور التعاون والتفاعل بين هذا الحراك الشيعي وبقية مكونات الوطن؟

ان من يستعرض الانشطة الفكرية والحوارية على الصعيد اللبناني وفي الاوساط الاسلامية والمسيحية والعلمانية ، يلحظ وجود العديد من المؤسسات الناشطة في هذا الاطار وهي تسعى لاثارة النقاشات والحوارات المتعددة حول مختلف التحديات الفكرية والدينية والاجتماعية، ولا يمكن ان نستعرض كل هذه المؤسسات والانشطة وان كان يمكن الاشارة الى بعض النماذج كمثال، ومنها مركز عصام فارس والمركز الكاثوليكي للاعلام والحركة الثقافية في انطلياس ومنتدى الفكر التقدمي والمجلس الثقافي للبنان الجنوبي ودار الندوة والمركز الماروني للدراسات ولجنة الدراسات في التيار الوطني الحر وحلقة التنمية للحوار في مجدليون ومركز دراسات الوحدة العربية ومركز الزيتونة للدراسات والرابطة الثقافية في طرابلس ودار العلم والعلماء في طرابلس ورابطة كمال جنبلاط الثقافية والمنتديات الثقافية في صور والتجمع اللبناني المدني وجامعة القديس يوسف وخصوصا كلية العلوم الدينية ومعهد الدراسات الاسلامية –المسيحية في الجامعة والحركة الثقافية الناشطة في العديد من المناطق وغيرها من المؤسسات الفكرية والثقافية. وهناك تجارب مهمة لعبت دورا فاعلا في الحوار على مستوى لبنان والعالم العربي سابقا لكنها تراجعت مثل الفريق العربي الاسلامي-المسيحي ومجلس كنائس الشرق الاوسط او انتهت مثل اللقاء اللبناني للحوار.

وقد سعت هذه المؤسسات وغيرها لاطلاق حوارات ونقاشات مختلفة حول العديد من الموضوعات وخصوصا حول العنف الديني والتطرف وتجربة الاسلام السياسي. لكن الملاحظ ان الاطراف الاسلامية الفاعلة وخصوصا في الساحة السنية تغيب عن هذه الحوارات والنقاشات باستثناء بعض المشاركات الرمزية وبعض النشاطات التي يقيمها دار العلم والعلماء في طرابلس، فنحن لا نلحظ وجود حراك فكري وديني في الاوساط الاسلامية الحركية ولا نجد ان هناك تعاون حقيقي بين الاطراف الاسلامية الفاعلة من اجل فتح نقاش جدي حول الاوضاع الاسلامية.

وقد حصلت بعض المحاولات الخجولة لاقامة انشطة متنوعة ومشتركة بين بعض المؤسسات الاسلامية الفكرية والسياسية ولكن التجربة لم تستكمل ولم يتم انتاج افكار مشتركة.

اما على صعيد بعض الاطراف السياسية اللبنانية فهي تحاول الانفتاح والتقارب مع بعض الاوساط الشيعية المستقلة لايجاد “خرق ما” في الواقع الشيعي ولكن هذا التقارب لم يتحول الى نقاش جدي ولم يشرك الاطراف الفاعلة في الاوساط الشيعية.

اذن نحن امام ازمة تواصل وحوار واذا لم يتم التفاعل الكامل والحقيقي بين الحراك الفكري الشيعي وبقية الاطراف السياسية والثقافية وخصوصا مع الجهات والقوى الاسلامية الفاعلة في الساحة السنية ، اضافة للتعاون مع الهيئات المسيحية والعلمانية فأن هذا الحراك سيبقى في اطار المونولوغ الداخلي.

طبعا هناك مبادرات جدية وحقيقية لاطلاق نقاش شامل وموسع مثل تجربة مؤسسة اديان ومركز عصام فارس وملتقى الاديان والثقافات ولقاء تعارفوا وتجربة كلية العلوم الدينية ومعهد الدراسات الاسلامية-المسيحية في الجامعة اليسوعية وبعض التجارب الاخرى التي تستحق التنويه ولكن حتى الان لا تزال بعض هذه الحوارات تدور في حلقات مفرغة ولا سيما في ظل غياب الاطراف الاسلامية الناشطة على الارض كالتيارات الاسلامية والسلفية على اختلاف اتجاهاتها وكذلك لعدم القدرة على اجراء نقاش نقدي صريح وكامل لكل التراث الفكري الديني والذي يتحمل مسؤولية كبيرة عن كل هذا العنف والصراعات الدائرة في المنطقة اليوم.