مفهوم أوروبا المسيحية للإسلام

Mafhum

حوارات نت – بقلم: د. صالح محروس محمد* — جمع المؤلف في هذا الكتاب مجمل كتابات المؤلفين المسيحيين في أوروبا وآرائهم حول الإسلام والمسلمين وبالأحرى حول القرآن الكريم والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا الكتاب المهم الذي يحمل عنوان “مفهوم أوروبا المسيحية للإسلام” لمؤلفه عدنان سيلاجيتش، أستاذ العقيدة والفلسفة الاسلامية والمقارنة بين الأديان في كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو، هو أول دراسة باللغة البوسنية (ترجمها جمال الدين سيد محمد المركز القومي للترجمة – القاهرة – 2016) تعرض على القارئ أهم سمات الاسلوب التي تمت به رؤية الإسلام والمسلمين في العصور الأولى في كتابات المؤلفين المسيحيين البيزنطيين والأوروبيين ثم في عصر النهضة الأوروبية والكتابات في القرنيين التاسع عشر والعشرين حتى المجمع الكنسي الثاني في الفاتيكان عام 1965.
لقد جمع المؤلف في هذا الكتاب مجمل كتابات المؤلفين المسيحيين في أوروبا وآرائهم حول الإسلام والمسلمين وبالأحرى حول (القرآن الكريم والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان يهدف من هذا الكتاب الوقوف على معوقات الحوار بين المسلمين والمسيحيين للعمل على تلاشيها وخلق حوار بنَاء بين الاسلام والمسيحية وإمكانية مساهمته الفعالة في تدعيم ثقافة السلام والتفاهم المتبادل والتسامح بين مختلف المؤمنين بالأديان.
وإن كان الكاتب يوضح عمق الفجوة التاريخية التي تعترض طريق الحوار بين الإسلام والمسيحية وهي فجوة يتم تكبيلها بأحكام مسبقة وتقييمات مغرضة، ولكن معرفة أسباب هذه الفجوة ودوافعها سيؤدي حتماً إلى تقليل هذه الفجوة والتعجيل بالدخول في حوار جاد قائم على الاحترام المتبادل، وعلى العلم ومعرفة الآخر. ومن هنا فإن هذا الكتاب يمثّل لبنة مهمة في البناء الحضاري المقبل.
يوضح الكاتب أن الحوار الذي يقصده ليس مصافحات وأحضان وقبلات وتصريحات رنانة أمام وسائل الإعلام وإنما هو واجب ديني ومهمة علمية قومية وهو أفعال رشيدة وتصرفات قويمة.
استخدم المؤلف في دراسته المنهج العلمي معتمداً على مصادر مسيحية متنوعة شملت وثائق المجامع الكنسية والمنشورات البابوية ومراجع اللاهوت والتاريخ والفلسفة والاستشراق بل والأدب أيضاً.
في مقدمة الكتاب يقول المؤلف إن علم اللاهوت المسيحي، بعد ظهور الاسلام في القرن السابع الميلادي وانتشاره في مناطق آسيا وأفريقيا وأوروبا، قد أثار مشكلة وضع الإسلام ونبيه محمد(ص) في نطاق (الخلاص الإلهي)، وقامت بتحديد الفهم السلبي للإسلام والمسلمين الحروب المديدة والمستنزفة التي خاضها العالم المسيحي ضد الإسلام وضد انتشاره صوب أوروبا بدءاً من الحروب الصليبية وانتهاء بالغزوات العثمانية.
ولذا فقد كانت اللقاءات الأولى للمسيحيين السريانيين والبيزنطيين مع الإسلام والمسلمين إشارة الرفض والإدانة على الصعيدين العقائدي والسياسي على حد سواء وأصبح مثل هذا الموقف من جانب العالم المسيحي تجاه الإسلام والمسلمين هو صيغة الفهم المسيحي لقرون عدة فيما بعد وهو شكل فهم التقاليد الدينية والثقافية الأخرى خارج نطاق المسيحية ونطاق أوروبا.
يقول الكاتب إن الهستيريا ذات الانتشار الواسع المعادية للإسلام والمسلمين وربطه بالعنف والإرهاب والتي نتجت بعد الهجمات الإرهابية في الحادى عشر من سبتمبر – أيلول 2001 في واشنطن ونيويورك تطلبت بحثاً نقدياً لمدى التقبل المسيحي للإسلام وتعاليمه (القرآن الكريم ومحمد(ص) والشريعة الإسلامية) أو التقبل الإسلامي للمسيحية ونبيها المسيح. فكان ذلك دافعاً له لكتابة هذا الكتاب للحاجة إلى دراسة عميقة وعلمية لدراسة الكتابات والمؤلفات التي شكّلت الفكر الأوروبي تجاه الإسلام والمسلمين. ويضيف: “إذا كنا نريد حواراً فعالاً بين المسيحيين والمسلمين في أوربا لا بدّ من التخلّص من الأحكام المسبقة ومن الأحقاد الشخصية لخلق أشكال جديدة من التفاهم بين الحضارتين”.
في الفصل الأول، قدم المؤلف عرضاً موجزاً للرؤية المسيحية المبكرة عن الإسلام. فمن المعلوم أن المسيحيين التقوا لأول مرة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبالمسلمين في وقت نزول الوحي، أي خلال حياة النبي وإبان زمن الفتوحات الكبرى للمسلمين حيث وقعت دول الهلال الخصيب (فلسطين وسوريا ووادي ما بين النهرين) تحت الحكم الإسلامي في الفترة من (633 وحتى 659 م) والتي كانت مسيحية وفيها ثقافة وعلم وفلسفة ولاهوت على مستوى رفيع من التطور، وبإيجاز لها أدب ثري مكتوب باللغتين الإغريقية والسريانية وكانوا من أتباع العقيدة المونوفيزية.
وفي مكة أيام النبي محمد(ص) كان يوجد مسيحيون أمثال ورقة بن نوفل قريب زوجة الرسول، السيدة خديجة، وعرّف الإسلام اليهود والمسيحيين بأنهم أصحاب ديانات سماوية وأتباع رسل وأنبياء. وفي العصر الأموي والعصر العباسي شارك المسيحيون في الحضارة الإسلامية، فقد كان الطبيب الخاص للخليفة العباسي في بغداد مسيحيا ًهو الطبيب حنين بن إسحاق.
يقول المؤلف إن في العصر الأموى في دمشق كانت العلاقات بين المسلمين والمسيحييين قوية بإمتياز حيث كانت الحرية الدينية للمسيحيين وكانوا يتحركون دون عراقيل والصليب معلق حول رقابهم. فكانت العلاقات بين الخلفاء والبطاركة مفعمة بالود والتفاهم، والتاريخ يعلّمنا أن ثمة تناقضاً بين الحوار الرسمي والحوار بين المؤمنيين العادييين. وبرغم ذلك، كانت كتابات المؤلفين المسيحيين في الشرق مناقضة للواقع أحياناً ومضللة أحياناً. ويذكر المؤلف أمثلة لذلك كتابات مسيحي الشرق مثل يوحنا الدمشقي (675- 750) م وابن زرعة الفيلسوف اليعقوبي من بغداد (943- 1008) م وباولو الأنطاكي الأسقف الملكي من صيدا (في القرن الثاني عشر الميلادي) وغيرهم.
ووضح الكاتب أهمية كتاب (المنشقون) ليوحنا الدمشقي وكتابه أيضاً مصادر المعرفة اللذين عرض فيهم وجهة نظره بشأن الإسلام، حيث تحدث يوحنا الدمشقي في كتابه “المنشقون” في الفصل الحادي بعد المائة عن هرطقة (أبناء إسماعيل) المهددة للمسيح، أي أسماعيل بن هاجر ابن سيدنا إبراهيم. وذكر الدمشقي أن المسلمين كانوا عبدة الأوثان لأنهم كانوا يبجّلون نجمة الصباح والآلهة أفروديت التي كانوا يسمّونها (حبار) وأن محمداً “كاذب جمع هرطقته بمعرفة الراهب الآريوسي بحيرا”. ويلاحظ أن يوحنا هذا قد كتب كتبه بين المسلمين مما يدل على مدى الحرية غير المعقولة التي تمتع بهل إذ كان يتبع الكنيسة الملكية وهي الكنيسة التي اعترفت بسلطة البابا واستبعدت المسلمين من تاريخ الخلاص.
وقد شكّلت مؤلفات علماء ورجال الدين المسيحي في الدولة البيزنطية الفكر الأوروبي فيما بعد وحالت دون حوار مسيحي – إسلامي من أمثال بارتولوميي إديشك ونيكيتا البيزنطي(في القرنيين التاسع والعاشر الميلاديين) وجورج هامارتوس (في القرن التاسع) ومانويل الثاني باليولوج. وتميزت كتاباتهم بالعدوانية والكراهية للإسلام ونبيه والسخرية من محمد بإعتباره ساحراً يتملكه الشيطان وتشويه كامل للإسلام. فكتابات علماء الدولة البيزنطية الكارثية أساس كراهية الغرب للإسلام. وكان ذلك نابعاً عن جهلهم بالإسلام والعلاقات التي كانت بين الدولتين البيزنطية والعباسية حيث أن البيزنطيين لم يعايشوا المسلمين إلا على أنهم غزاة متوحشون وليسوا بإعتبارهم حملة لقيم ثقافية موحّدة ينبغي القيام معهم بتبادل ثقافي وفكري. فكانت مجمل كتابتهم بوصفهم الاسلام بأنه ديانة محرفة تميل أكثر تجاه الوثنية ووصف النبي محمداً بأنه “النبي الكاذب” والقرآن بأنه “كتاب محرّف ألحق به محمد بعض الأفكار من العهدين القديم والحديث”.
وفي الفصل الثاني من الكتاب تناول المؤلف اللقاءات بين المسلمين والمسيحيين في الغرب اللاتيني، فكانت اللقاءات بين المسلمين والغرب اللاتيني في العصور الوسطى في الاندلس وصقلية والحروب الصليبية. ويوضح المؤلف أن الفكر الأوروبي في العصور الوسطى تكوّن عبر الأساطير والحكايا الشعبي المنافية للعقل التي خلقت حاجزاً فكرياً بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي وعضد هذا الحاجز كتابات المؤلفين المسيحيين لعدم معرفتهم بالإسلام وبخلق أساطير وخرافات حول النبي محمد. ورأى الغرب في الشرق خطراً هائلاً بظهور الإسلام واعتبر المسلمين جنساً رهيباً بدأ يحرز تقدماً ورسم هذا الجنس على شكل رأس سوداء قبيحة لكلب.
هذه الصورة السيئة المتشددة عن الإسلام في القرون الوسطى وباكورة النهضة ظهرت في الأدب الأوروبي وملاحم النبلاء مثل ملحمة رولاند الرواية التي تحفز النبلاء على مقاتلة المسلمين. وفي قرطبة انتشرت أسطورة المعذب برفكتوس الذي وصف الرسول محمد بالمشعوذ والمهووس بالجنس والمسيح الدجال، وبسبب ذلك تم على الفور حبسه.
ويوضح المؤلف أن أول دراسة جادة عن الإسلام في الغرب قام بها بطرس ألفنسو في عام 1108 م في كتابه(الحوار) وإن كان قال في كتابه السابق إن الاسلام دين عنف. وقال المؤلف إن ألفنسو اعتمد على نفسه في ترجمة بعض آيات القرآن والتي سبقت أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم في الغرب والتي قام بها روبرت كيتون عام 1143م. ثم يشير المؤلف إلى كتابات بطرس المكرم المعادية للإسلام حيث هيمن رأي الغرب عن الإسلام بأنه هرطقة مسيحية، كما زعم يوحنا الدمشقي.
وأشار المؤلف إلى مؤلفات توما الأكويني (1226- 1274)م في كتابه (بحث شامل ضد الوثنيين) المعادية للإسلام حيث أطلق على المسلمين (السذج) لأنهم صدقوا محمداً صلي الله عليه وآله وسلم وأنه أغراهم بالمتع الجنسية.
وفي الفصل الثالث من هذا الكتاب تناول المؤلف (الإسلام في مؤلفات كتاب عصر النهضة) حيث وضح نماذج من كتابات المؤلفين المسيحيين في عصر النهضة الأوروبي، حيث اعتبر الكاثوليك أن الإسلام والبروتستانت هرطقة مسيحية. وقدمت البروتستانتية من دون معرفة أصيلة وشاملة بالعقيدة الإسلامية الإسلام على أنه نوع من البديل أو صنف من الأنا القاتمة مهيأة بذلك الطريق أمام الاستشراق الأوروبي الذي فضلاً عن أهميته الأكاديمية، كان يمثل الترتيب الغربي للمشرق والهيمنة عليه أي على العالم الإسلامي، وذلك لأن الاستشراق بصيغته البريطانية والفرنسية لم يكن قط مهتماً بالتقاليد الأخرى للشرق الأقصى. وصدر كتاب لوثر (اعتراف أوغست) عام 1530م والذي تم نشره في فينيسيا التي كانوا يسمونها العاهرة التركية. وكان لوثر قد عضد نشر القرآن الكريم وترجمته فقط لكي يتمكن كل مسيحي من رؤية هذا الكتاب “الحافل بالأكاذيب والحكايات والفظائع من كل لون” على حد قوله.
وفي القرن الثامن عشر الميلادي ظهرت مؤلفات أوروبية مهمة وحيادية إلى حد ما عن الإسلام مثل كتاب (الديانة المحمدية ) الذي صدر عام 1705م لمؤلفه أدريان ريلاند الذي بذل جهداً كبيراً في إزالة الأساطير من الصورة الأوروبية أو المسيحية عن الإسلام، داعياً إلى الاحترام الواجب تجاه الديانة التي انتشرت بسهولة وسرعة كبيرتين في مناطق آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومحذرا من أنه لا يمكن هكذا وصفها بـ”الديانة الحمقاء” أو أنها هرطقة للتعاليم المسيحية. ثم ظهرت مؤلفات أخرى تدعو إلى عصر التقبل التنويري للإسلام مثل كتاب (حياة محمد) تأليف الكونت دي بولانفيليبر.
يقول الكاتب في الفصل الرابع تحت عنوان (التنويريون الأوروبيون والإسلام) إنه مع بداية عصر التنوير والاعتراف بالديانة التي تتوافق تعاليمها مع العقل وتقبل الإسلام على أنه دين العقل، قام بليز باسكال المشهور (1623- 1662) بإحياء الأحكام المسبقة القديمة التي كانت في العصور الوسطى عن الإسلام ونبيه محمد في كتابة (الأفكار)، حيث حدد في الفصل السابع عشر منه بعنوان (ضد محمد) ويقول عن محمد أنه لم يأتِ بجديد وأنه ليس نبياً وأنه على عكس المسيح لم يأمر أصحابه بالقراءة.
وفي زمن عقلنة الظاهرة الدينية في عصر التنوير، رأى كثيرون في محمد صلى الله عليه وسلم طرازاً من المفكر الحر والإنسان العقلاني والحكيم بدرجة كبيرة وأنه رجل دولة والمشرع المتفوق مقارنة بكل من ظهر من قبله في الدولة الإغريقية. ويقول بولانفيلير إن محمداً أقام ديانته ليصبح زعيماً للعالم وكان بطلاً عسكرياً مثل يوليوس قيصر أو الإسكندر الأكبر حيث أثار العقل التنويري للإنسان الغربي الأوروبي في ذلك الحين.
واعترف إدوارد جيبون في كتابه (أفول وانهيار الإمبراطورية الرومانية) بسمو التوحيد الإسلامي وقدم النبي محمداً على أنه شخصية تستحق مكاناً بارزا ً داخل تاريخ العالم وحضارته وانتشرت بسرعة صورة محمد بوصفه رجلاً وزعيماً ومتسامحاً وغير دوغمائي في فترة التنوير في كتابات كوندرسيت وفولتير، وإن كان فولتير في مقاله (المور)، قد وصف النبي محمداً بالتعصب وكذلك في مسرحيته الدرامية (محمد أو التعصب) في عام 1741م. لكنه في موضع آخر، وصف النبي محمداً بالحكمة والعقلانية والاعتدال والتسامح والعبقري المتفوق.
وبرغم الأحكام المسبقة الموجودة في كتابات جيبون، إلا أنه يعد نقطة تحول مهمة في التقبل الغربي المسيحي للإسلام. وفي القرن التاسع عشر كان للمفكرين الأوروبيين موقف مزدوج تجاه الإسلام فقد كانوا يقدمونه إما على أنه عدو منافس للمسيحية أو أنه صنيعة في سلسلة صنائع العقل البشري الناجمة عن التعرف على طبيعة الرب، أي تجاوز هذا العالم المغلق.
ومن الكتابات العدائية للإسلام كتابات توماس فالبي (1825- 1891م) وهو المبشّر الذي كان يري ضرورة تحويل المسلمين إلى المسيحية. ورأى هردر (1744- 1803)أن محمداً أحيا روح ومزايا العيش في الصحراء مثل الوفاء والشجاعة والاحتفاظ بالطيبة ووالبساطة.
أما هيغل (1770- م1831) فقد تناول في كتابة (محاضرات في فلسفة التاريخ) وضع الحضارة الاسلامية في مصاف أكبر الحضارات في التاريخ الإنساني حتى ذلك الحين. ثم ظهر تراجع الدين وظهور العلمانية على يد مؤسس الديانة الوضعية أوغست كونت (1798- 1857م) التي تنطلق من مبادئ تقديس الإنسان إذ يعتبر الإسلام مثل المسيحية ظاهرة قروسطية أي ترجع إلى العصور الوسطى.
ثم ظهرت دفعة جديدة في الدراسات الإسلامية في الغرب في فرنسا وألمانيا مثل كتابات سلفيسترا دي ساكي(1758- 1838م)، أحد مؤسسي الدراسات العربية والإسلامية الحديثة في الغرب. وقدم العلماء الألمان مساهمات كبيرة من أجل إثراء الدراسات الاسلامية في أوروبا مثل هـ فليشر (1801- 1888م) الذي كان يحاضر في لليبرزغ لسنوات عديدة وت . نولدكه (1838- 1930م).
وفي جامعة كمبردج كان هناك العالم النحوي الشهير و. وايت (1830- 1889م) إذ دخلت كمبردج في المسار الأساسي الأوروبي للدراسات الإسلامية ورافقه العديد من العلماء.
وفي جامعة أكسفورد، ظهر العالم مارغيلوث (1858- 1940م) م ومع ظهور هـ. أ. ر. جيب (1895- 1971م) دخلت أكسفورد مرحلة الدراسة الأكثر انتظاماً وجدية للإسلام. وتم تعويض النقص في الجامعات البريطانية وغيرها من الجامعات عن طريق الخبرة التي تم اكتسابها من الرحلات والإقامة في العالم الإسلامى مثل إز و. لانيه (1801- 1876م)، الذي عاش سنوات عدة في القاهرة قبل كتابة موسوعته (طباع وعادات المصريين المعاصرين).
ومع القرن التاسع عشر، ظهرت الدراسات الاستشراقية وتقبلها للإسلام وظهرت كتابات تهتم بالتراث الاسلامي في الغرب مثل المعجم العربي الانجليزى لمؤلفه إ . و. لانيه ونشر م .ج دى جوييه (1836- 1909) بالاشتراك مع آخرين (تاريخ الطبري)، وكتب ومؤلفات التاريخ الإسلامي اعتماداً على المصادر العربية، وكذلك كتاب “تاريخ الحضارة تحت حكم الخلفاء الراشدين” لمؤلفه ألفرد فون كريمر(1828- 1889). فكانت هذه الكتابات صفحة جديدة في الدراسات الأوروبية للإسلام وللعالم الإسلامي حيث كانت دراستهم للإسلام شاملة(عبادات – شريعة – أدب – فن).
في الفصل الخامس، تحت عنوان “الإسلام في الدراسات المسيحية المعاصرة”، يعرض المؤلف لدراسات غربية أكثر تفهماً للإسلام ونبيه محم(ص)، فكانت دراسات تصف محمداً بصفة النبي من مستشرقين مثل كارليل وروبرت زاهنز. ومن هذه الدراسات التي تعتبر انقلاباً في الدراسات الغربية للإسلام هي دراسات العالم لويس ماسينيون (1883- 1962م)، إذ يعتبر أول باحث اتخذ تجاه الإسلام والمسلمين موقفاً أكثر من إيجابي ومثمر ومتسامح، حيث بنى فكره عن الإسلام من الإسلام المطبق تطبيقاً صحيحاً الذي يظهر مباشر للغاية في الحياة الفردية والجماعية للمسلمين. وبرغم أنه كان كاثولكياً، إلا أنه كان يعتقد أن الإسلام كان تعبيراً عبقرياً عن ديانة التوحيد التي كانت لها مهمة روحية إيجابية.
وتكونت مدرسة من العلماء والباحثين من تلاميذ ماسينيون من أمثل هنري كوربين وهنري لاوست وكاسبر وب. جاستون فكان تقبّلهم للإسلام مشبعاً بأفكار ماسينيون وكانت كتاباته هي الأساس الذي بُنيت عليه قرارات المجمع الكنسي الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965) بالنسبة للإسلام والنبي محمد، وهو قمة الحوار الإسلامي المسيحي بما ورد به من قرارات هي الأولى من نوعها في التفهم الكنسي المسيحي للإسلام وهي أساس للحوار بين المسيحية والإسلام في المستقبل.
في الفصل السادس، أظهر المؤلف أهم قرارات المجمع الكنسي الفاتيكاني الثاني الذي يعتبره أهم المجامع الكنسية على الإطلاق، لجهة انفتاحه تجاه العالم برمته. وبإطلاع المؤلف على وثائق هذا المجمع، اعتبره مرحلة مهمة لإنتقال الكنيسة من (لاهوت الحقيقة) إلى لاهوت الإنسان، صاحب الاعتقادات المتنوعة. فقد أبدى البابا باولو السادس بصفته مرشد الحوار انفتاحاً كبيراً تجاه العالم الإسلامي وروحانياته ويذكر عن المسلمين (أنهم ليسوا غرباء عن رسالة الأب إنهم أبناء إسماعيل الذين بقبولهم إبراهيم كأب لهم يؤمنون كذلك بإله إبراهيم). وذكر فيه أيضاً أن الكنيسة تنظر بإحترام إلى المسلمين الذين يُصلّون لرب واحد حيى وحقيقي رحيم وقادر على كل شيء وخالق السماء والأرض.
وأهمية هذا الكلام هي أنه موقف ايجابي تجاه الإسلام بعد تجاهل وغطرسة الكنيسة الغربية استمر لقرون عدة، وهو موقف رسمي للكنسية الكاثولكية تجاه الإسلام والمسلمين وهو بداية حوار متسامح من أجل الحفاظ على السلام وإعادته إلى العالم وتبادل الإحترام والمسؤولية والتعاون. ومن نتائج هذا المجمع، تم إنشاء (السكرتارية الخاصة بغير المسيحيين) بمعرفة البابا باولو السادس في عام 1964 وأطلق عليها بعد ذلك تسمية (المجلس البابوي للحوار بين الأديان) في عام 1984.
وفي خاتمة الكتاب، أكد المؤلف على أهمية الحوار المسيحي الإسلامي بعد تفهم الكنيسة للإسلام وخاصة بعد هستيريا نعت الإسلام بالعنف والإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر أيلول 20111، مشيراً إلى أن على الغرب أن يترك الأحكام المسبقة عن الإسلام وأن يبدأ دراسات موضوعية عن الإسلام ورسالته السامية.

*د. صالح محروس محمد كاتب مصري.

الكتاب: مفهوم أوروبا المسيحية للإسلام: تاريخ الحوار بين الأديان

المؤلف: عدنان سيلاجيتش

المترجم: جمال الدين سيد محمد

الناشر: المركز القومي للترجمة – القاهرة – 2016

المصدر: الميادين نت




الدين والحوار الإسلامي – المسيحي

Interfaith-dialog

بقلم: عمر مسقاوي* — ربما من الوهلة الأولى، يتلاءم هذا المفهوم مع التراث الغربي في تعريفه الدين Religion باعتباره عملية ربط الأداء الإنساني بأصل نظامه الكوني. وهذا ليس مصادفة، بل إنه في حقيقته المجرى الذي احتضن سيرة الحضارات منذ فجر الإنسانية.
فالتدين هو إقرار بالقصور المسبق أمام عظمة الله في إبداع النظام الكوني، لذا يجري التعامل مع هذا النظام بكل الصيغ بما فيها عصر الأنوار في إطار فهم حركته وليس إدراك أسراره، ولذا يتّصل هذا القصور بمعايير العقيدة التي يحتكم إليها النظام الاجتماعي والسلوكي.
فالإنسان في إرادته الحرة، ينطلق من خطيئة أساسية مع آدم وحواء هي إفساد لضوابط السلوك، ولا بد من أجل استقامته أن يعود إلى بنية النظام الكوني باعتباره في حركته جزءاً من هذا النظام.
نجد هذا الأساس في تحديد النظام الذي يتصل بمفهوم التدين المرتبط بالحقيقة المطلقة في التراث الهندي مثلاً، «فالبرهمان» هو الحقيقة المطلقة لكن «الأغان» معناه إدراك جزء من الحقيقة والإنسان لا بد من أن يتّجه سعيه إلى تحقيق الوحدة بين «الأغان» و «البرهمان». أما عند كونفوشيوس الصيني، فإن خلل النظام الاجتماعي هو في حقيقته اختلال في ترتيب الأشياء في علاقتها بعضها ببعض، ومن هنا فحضور الحقيقة ليس الإنسان وإنما المجتمع، وبالتالي لا بد من أن تكون هنالك قدوة هي نموذج الاستقامة كالأنبياء والحكماء (مؤلف الدكتور أديب صعب مقدمة في الدين).
أمام هذه الاتجاهات الإنسانية نحو الدين، فإن التراث الإبراهيمي ينطلق من مقولة أساسية هي أن الخطيئة ليست في الجسد نفسه ولا في المادية كما هي البرهمية، فالجسد جزء من النظام الكوني وكذلك الطبيعة، لكن كيفية تعاطي الإنسان مع الطبيعة هي قوام مسيرة النظام الديني في بناء الإنسانية.
فالقرآن الكريم يتحدث عن هذا الإنسان بالتكريم في سورة الإسراء آية 70 «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً». فقدرة الإنسان في التعامل مع قوانين الطبيعة هي تكريم إلهي له إن شاء قبله وإن شاء رفضه، كما فعلت الحضارة الغربية بعد الثورة الفرنسية.
والإنسان هو الحقيقة المطلقة التي هي شأن إلهي. وسعيه الذي ينطلق من مؤسسة الدين أمر علوي في تنوعه واختلافه مرجعه في الصواب والخطأ إلى الله، لكن العلاقات المبنية على السلام الاجتماعي ترتكز على واقع الحقائق النسبية التي هي سلم الوصول إلى الحقيقة المطلقة التي هي شأن إلهي، بمعنى أن الحقيقة النسبية في مفهومنا الإبراهيمي هي نسبية النزوع إلى الكمال المطلق والتي أوجدتها ثقافة القوة الوثنية والتي هي المسؤولة عن صنع عالمنا المعاصر، وهذا ما يعبّر عنه المنهج القرآني.
والقرآن الكريم واجه أهل الكتاب في مراتب متعددة تأسيساً للوحدة الإبراهيمية.
المرتبة الأولى: تحديد مفهوم الألوهية طبقاً للوحدة التجريدية حيث الإله ليس كمثله شيء وهو لا تدركه الأبصار ولا يتجسد في شيء.
ولأن القرآن في أساس اعتقادنا كمسلمين هو كلام الله إله الإبراهيميين جميعاً، فالحديث عن كفر أهل الكتاب يتجاوز إدراكنا التفسيري إلى انصياعنا الاعتقادي.
من هنا، فالبحث عن تفسير مشترك في هذه النقطة غير مفيد سواء لدى المفهوم الإسلامي للألوهية أم المفهوم المسيحي له، بل من شأنه أن يضع المشكلة خارج الإطار الثقافي والتاريخي لفاعلية العقيدة في دورها التاريخي والتي أدلت بنتائجها.
والقرآن يقول في النهاية لأهل الكتاب «ولكم دينكم ولي دين» (سورة الكافرون)، وهذا هو أساس التعددية في إطار الوحدة «وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون».
المرتبة الثانية: التعامل مع أهل الكتاب في إطار الوحدة الاجتماعية.
إن الاعتماد على الآية الكريمة «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» (سورة آل عمران آية 64).
إن الاعتماد على هذه الآية في أي مفهوم تحاوري في إطار المجتمع الواحد، من شأنه أن يضيف إلى الحوار صناعة بلاغية غير فاعلة، لأن الدعوة هنا دعوة الى انتهاج الرؤية الإسلامية.
إن الحوار في النطاق اللبناني، ينطلق دائماً من أفكار مسبقة ترتبط بمصطلحات مستخرجة من بطون الكتب القديمة، تفسر الماضي بظروفه لتشكك في الحاضر وتعفي نفسها من شراكته التاريخية اعتماداً على خصوصيته لا خصائص لها معاصرة سوى في توصيف المنظرين للتاريخ الخاص بالمسيحية اللبنانية وفقاً للمتأثرين بفرنسا، كميشال شيحا الذي يتحدث عن الأصول اليونانية كمصدر تاريخي ثم طبيعة جغرافية، فجبال لبنان تشبه جبال اليونان وجزره، فضلاً عن أن المسيحية اللبنانية غير سامية، ولذا فهناك قسمة أساسية هي أن البحر للمسيحية والبيداء للمسلمين.
هذه النظرة التي تحاول التملّص من التاريخ، لا تجد لها سنداً أو اعترافاً من أوروبا، على الأقل ذات التراث اليوناني مغلفاً بالمسيحية اللهم إذا استثنينا نظريات الأب لامنس.
لذا ينطلق الحوار الإسلامي – المسيحي لدى الجانب المسيحي في أطروحات تحاول أن تبني تعددية ومجاورة في إطار الخصوصيات ذات حدود تركيبية كما هي دراسات ظهرت في الأحداث.
قرأت كتاباً يحذر من المقاربة الإسلامية للحوار مع المسيحيين، لأن الإمام محمد حسين فضل الله في مخاطبة المسيحيين، ينطلق من خلفية «أهل الذمة». وهذا شيء مرفوض، فهذا الموقف الاعتذاري يضع الجهود كلها في إطار الصالونات أكثر منه مقاربة لوحدة الرؤية المستقبلية للمجتمع.
إننا إذ تأملنا مجموعة الآيات الواردة في سورة آل عمران في إطار كلمة سواء، نستطيع أن نتوقف عند إطارها أكثر من أن نسترسل في مضمونها. وهذا ما فسرته الآيات التالية التي حاورت في مفهوم الإبراهيمية التي أسست لوحدة الإله قبل نزول التوراة والإنجيل.
«قل يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون».
هذا الحوار لم يكن مبارزة يقضي أحدهما على الآخر فيها، بل حوار ذاكرة مشتركة في بداية الدعوة الإسلامية وهي تنفذ إلى عمق معتقدات النصرانية، لذا إذا لم يصل النقاش إلى نتيجة والذاكرة المشتركة تبقى هي الرباط. نطرح حينئذ المرتبة الثالثة «فقولوا اشهدوا أنا مسلمون»، هذه الدعوة على الشهادة هي التي انتهى الجدل فيها في إطار العقيدة وفتحت الطريق لبناء الساحة الواحدة في تبادل الشهادة. أي تبادل مفهوم الذاكرة المشتركة في بعدها الاجتماعي.
هذه المرحلة من المواجهة بين الإسلام والمسيحية ارتبطت بالإسلام في منطلق الدعوة، إذ واجه مسيحية مستقرة في واقع إمبراطوري تاريخي عبر بيزنطية، ولذا لا نجد مثيلاً لها مع وثنية الفرس مثلاً.
فهذه الآية الكريمة «فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» تتصل بمرحلة التأسيس المرتبط بالزمان والمكان، لكنها في ختامها تؤسس للمرتبة الثالثة وهي مرتبة الاستقرار الاجتماعي.
المرتبة الثالثة: مرتبة الاستقرار الاجتماعي
إن مرتبة الاستقرار الاجتماعي في كل ما ورد في الآية الكريمة التي أشرنا إليها، ترتبط بمفهوم الشهادة «فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون»، والواقع أن الأسلوب القرآني في هذا الإطار حدد مفهوم الشهادة كأساس لوحدة الإنسانية عموماً.
«وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً»، فإذا لم تكن ذاكرة إبراهيمية فهناك شمولية الذاكرة الفطرية الكونية، فتعبير»اشهدوا بأنا مسلمون» يعني أن الإسلام يدعو أهل الكتاب أيضاً إلى المساهمة مع المسلمين بالشهادة على الناس في إطار العالمية الإبراهيمية.
فالشهادة في أساسها معاصرة متبادلة من ناحية ومساحة من ناحية أخرى، وفي إطار المعاصرة والمساحة تتكون مؤسسة الشهادات المتبادلة: شهادة المسلم على المسيحي وشهادة المسيحي على المسلم. على أن الشهادة لا يمكن أن تكون متبادلة إلا إذا توافرت وحدة المصدر إلى الذاكرة الذي ترتكز إليه رسالة الدين، لأن الشهادة في الأساس مفهوم مشترك بين الشاهد والمشهود له أو عليه يهدف إلى تصوّر متبادل حول قضية الحياة الأرضية وقيمها الممتدة إلى الأصل الواحد الذي ارتكزت عليه حجية الشهادة.
فالإبراهيمية هي معيار الحجة كقيمة مطلقة تؤسس للقيم النسبية المشتركة التي تبنى عليها العلاقات الاجتماعية بين الإسلام والمسيحية.
لذا جاءت التوجيهات القرآنية تتحدث عن أمرين اثنين في مرحلة الاستقرار الاجتماعي:
الأمر الأول: جاء في الآية الكريمة: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين». فهذه المقاربة في تحديد مفهوم السلم الاجتماعي إشارة لها دلالتها التاريخية. فنحن لا نستطيع أن نفسر النص بغير بيئته التاريخية.
فأهل الكتاب النصارى أو المسيحيون شكلوا في الإطار التاريخي ذلك الزمن مؤسسة متجذرة ذات بعد إمبراطوري بيزنطي امتد إلى الجزيرة العربية، ومن هنا فالإسلام كدعوة وليدة ارتكز على مفهومين أساسيين:
المفهوم الأول: أنه دعوة تتداخل في أساسها مع معتقدات أهل الكتاب المستمدة من الإبراهيمية. إنها دعوة إلى إصلاح وتقويم جديد لمفهوم الإبراهيمية كمصدر لصلاح الإنسانية كما شرحها القرآن الكريم «ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس». (الآية 78 سورة الحج).
المفهوم الثاني: إن مقاربة أهل الكتاب في إطار القوة الإمبراطورية المؤسسة للبيزنطية تتطلب مواجهة المنطق الإمبراطوري إذا ما اختار القوة اختار القتال والإخراج من الديار.
فإذا قام أهل الكتاب يواجهونكم بالمفهوم الإمبراطوري الروماني الوثني السابق على المسيحية، أي مفهوم القوة النافية لوجودكم الرسولي، فإن الجهاد والمواجهة الصادقة يكونان من أسس استقرار المعاصرة والمودة التي عبر عنها القرآن الكريم.
من هنا، فالسيرة النبوية كحدث تاريخي، واجهت المشكلة من هذا المفهوم.
فحين تأسس مجتمع المدينة كانت الوثيقة الأولى تنص على أن يهود بني عوف هم أمة مع المؤمنين، للمسلمين دينهم ولليهود دينهم، لكن منطلقات نفي الآخر في المفهوم اليهودي في أساس مصادرهم ومنطلقاتهم أدت إلى الخيانة الداخلية ونقض العهود وتعطيل مفهوم السلم الاجتماعي الذي أمر القرآن الكريم المسلمين بالدخول فيه : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» (البقرة : 208).
فالشهادة المشتركة التي تحدث عنها القرآن الكريم هي تحديد روابط التواصل في الأداء الاجتماعي الذي تفرزه الكيمياء التاريخية. من هنا نشأت وحدة المجتمع الإبراهيمي في مفهومها النظري على الأقل بالنسبة الى الإسلام.
التجربة في إطار الحضارة
إن التحديد الأصولي لمفهوم الحوار الإسلامي – المسيحي هو التحديد المستمد أساساً من المصدر الجامع للمسلمين جميعاً. إنه القرآن الكريم المنزل من السماء، لذا فهو سابق على المسيرة التاريخية التي ابتدأت مع المسيرة الهجرية للحضارة. هذه المسيرة التي اشترك في بنائها أولئك الذين وجدوا تحت سقفها، مسلمين أم يهوداً أم نصارى، وبدت خيوط ألوانهم في شبكة تأسيسها بادية ظاهرة.
فالدين ينزل من السماء، لكن الحضارة هي صنع الوحدة الاجتماعية المستجيبة لنمطية الأصول التي أودعها الدين. وهذه هي مسيرة الحضارات جميعاً.
لذا، فالاعتماد على النصوص الفقهية التي هي سجل الحضارة الإسلامية في إطارها السلطوي، سيضع مشكلات الحاضر في قفص الجدل غير المثمر.
ثم إن تعبير «أهل الذمة» كمتكأ اعتذاري راهن هو في الحقيقة إذا دققنا النظر، تمايز في المفاهيم وجنوح نحو القيمة الإبراهيمية في مواجهة القيم الإمبراطورية البيزنطية.
فإذا كان المسلم هو الآخر في ظل الحكم البيزنطي، لكن النصراني الذي ارتبط تاريخياً بتلك الإمبراطورية هو بالمقابل في ذمة السلطة التي تحتكم إلى عقيدة الإسلام، أي أنه في عمق وعاء القيم المشتركة في منهج السلطة الإسلامية، هذا الوعاء هو التراث المرتبط بالذاكرة الإبراهيمية وتعبير «لهم مالنا وعليهم ما علينا» هو تكملة مفهوم «أهل الذمة». كما جاء في وثيقة مجتمع المدنية. وهذا يعني أن السلطة والقوة حين تنتقلان إلى مفهوم مؤسسي لا بد لهما من ذمة ملائمة، وهو ما نسميه في مفهومنا الحديث الوعاء الوطني. فالوعاء الوطني هو الذمة المتبادلة بين الذين هم في إطاره. والواقع، أن تعبير الحضارة الإسلامية في إطار الشراكة الإبراهيمية هو أبلغ من مفهوم الشراكة الوطنية في الشيء العام طبقاً للتراث اليوناني. فتعبير الجمهورية والمواطنية Res -public وفقاً لأصله المشترك، يعني الشيء المشترك La chose public أي أنها شراكة مبنية على فردية روسو في التعامل مع الشيء العام الذي هو خارج الذات، وهو يبنى على ديموقراطية الصراع بين الشركاء، لكن المفهوم الإسلامي أعطى لمدلولات الذمة الواحدة بين العقائد المختلفة القيمة الإنسانية في مفهومها المطلق، وهو أساس المنهج الإبراهيمي. فالقرآن الكريم خص دولة الروم البيزنطية المسيحية بامتياز خاص باعتبارها المدى المستقبلي لدعوة الإسلام في بداية ظهورها في العهد المكي، فقد خصها القرآن الكريم بسورة من سوره افتتحها بما هو معروف في نزاع بيزنطية مع الفرس { غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } (الروم : 2 – 5).
والفرح الإيماني للنصرانية كان الأساس لمصطلح الذمة، وهو يعتمد على وحدة المسيرة الإبراهيمية إنما في عربة تجرها آخر الرسالات في الإطار المفاهيمي قبل السلطوي، وهذا أمر طبيعي، لذا فالتاريخ الإسلامي بقدر ما كان أميناً لأصوله استطاع أن ينتج استقراراً ثقافياً وحضارياً وبقدر ما جنحت مسيرته نحو الإمبراطورية فإن يومياته تؤرخ لها بكل شفافية.
فسواء ما كان قد حدث بعد الخلفاء الراشدين متلائماً مع المبادئ التي ذكرناها أو غير متلائم، فذلك تاريخ مضى ويبقى لدينا من الأصول ما يغني الطريق.

* نائب رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى

المصدر: صحيفة الحياة




مؤسسة “أديان” بعد عشر سنوات على انطلاقتها: تجربة رائدة في الحوار والاعتراف بالآخر

Adyan

بقلم: قاسم قصير – احتفلت مؤسسة اديان بمرور عشر سنوات على تأسيسها وانطلاقة عملها في التعريف بالاديان والبحث عن المشتركات فيها ودعم القيم الدينية والسياسية الجامعة والتركيز على الحوار والتنشئة الوطنية.

ورغم ان عشر سنوات هي فترة قصيرة في عمر المؤسسات ،فان مؤسسة اديان نجحت خلال هذه الفترة القصيرة بان تتحول الى احدى اهم المؤسسات الحوارية والناشطة في التعريف بالاديان وقيم المواطنة ليس على مستوى لبنان فقط ، بل على مستوى العالم العربي والاسلامي وعلى الصعيد الدولي.

وخلال هذه السنوات العشر انجزت المؤسسة الكثير الكثير من المشاريع الفكرية والاعلامية والتربوية واطلقت العديد من المبادرات واقامت الدورات والمخيمات والمؤتمرات وكرّمت الشخصيات الحوارية الرائدة وومنهم العلامة الشيخ عبد الله بن بية احد العلماء المسلمين الناشطين في الحوار وتعزيز السلم الاهلي والعلامة الراحل السيد هاني فحص احد رواد الحوار والمواطنة في لبنان والعالم العربي والاسلامي، والسيدة رباب الصدر والاخت مريم النور عويط وهن من الناشطات في الشأن التربوي والاجتماعي، كما انتجت عدة افلام حول قادة الحوار ومنها فيلم “عكس السير” الذي يتحدث عن الامام موسى الصدر والمطران سليم غزال وشخصيات دينية حوارية اخرى.

كما اقامت المؤسسة عددا من المؤتمرات الدولية حول الاديان والقيم السياسية والديمقراطية والحريات الدينية والمواطنة بمشاركة عدد كبير من الشخصيات الفكرية والسياسية والدبلوماسية، تناولت قضايا الحوار وكيفية تعزيز القيم الدينية والسياسية وتجربة الحركات الاسلامية في الحكم وقضايا العنف والتطرف وكيفية مواجهة هذه الظواهر.

وتسعى المؤسسة لتعميم رؤيتها الحوارية من خلال عدة شبكات ونشاطات متنوعة ، ومنها شبكة الوان المتخصصة بطلاب المدارس الثانوية ، والقسم الخاص بالعائلات ، اضافة للعمل على تعديل المناهج المدرسية بما يؤدي لتعميم ثقافة الحوار وقبول الاخر والفكر النقدي، اضافة الى اقامة يوم تضامن ديني – روحي سنوي يتم خلاله تقديم تجارب معيشية لتعزيز التضامن الروحي ، ولقاء في شهر رمضان يجري خلاله بحث احدى الموضوعات الروحية، واقامة ورش عمل للتعريف بالاديان والقضايا الدينية ، وتدريب الاعلاميين على القيم الدينية والحوارية، كما اقامت المؤسسة معهدا علميا للاديان والمواطنة القائمة على التنوع.

لكن رغم هذا النشاط المميز للمؤسسة خلال السنوات العشر الماضية والذي جعلها من المؤسسات الدولية والاقليمية المعنية بالتعريف على الاديان وقيم الحوار ، فان بعض الناشطين في اطار الحوار الاسلامي – المسيحي يضعون بعض الملاحظات على نشاطات المؤسسة ومنها تركيزها على تعميم ما يصدر عن الكنيسة الكاثوليكية وبابا الفاتيكان من افكار واطروحات فكرية ودينية ، مع عدم الاهتمام بالمستوى نفسه عما يصدر عن المرجعيات الدينية الاسلامية سواء في الازهر الشريف او قم او النجف، اضافة الى الاهتمام الدولي الرسمي او الديني الكبير الذي حظيت به المؤسسة خلال السنوات العشر الماضية والذي لم تحظ به مؤسسة حوارية عربية او لبنانية ، وهذا الدعم والتمويل بقدر ما يمكن ان يشكل شهادة واعتراف بقدرة المؤسسة والقائمين عليها وحيويتهم ونشاطهم بقدر ما يجعل البعض يتساءل عن سر هذه الاهتمام والرعاية ( والاشارة الى هذه الملاحظات لا يعني تبنيها).

كما يشير هؤلاء الناشطون الى تركيز المؤسسة على الاشكالات التي تواجهها المجتمعات الاسلامية من عنف وتطرف والعمل في هذه المجتمعات دون التركيز على ما يجري في المجتمعات الغربية من مظاهر عنصرية وتطرف ومعاداة للمسلمين والذي يحتاج الى اهتمام وتحرك مضاد.

ان ما تقوم به المؤسسة هو جهد رائع ومهم في نشر الوعي حول الاديان والقيم الدينية والسياسية والمواطنة والحوار وهذا الجهد ينضم الى جهود بقية المؤسسات الحوارية في لبنان والعالم العربي والاسلامي وعلى الصعيد الدولي، ومن هذه الجهود تجربة الفريق العربي الاسلامي – المسيحي ومجلس حوار الاديان في العراق ومركز الملك عبد الله في فيينا واللقاء اللبناني للحوار ولجنة الحوار الاسلامي- المسيحي في لبنان ومعاهد الدراسات الاسلامية – المسيحية في بعض الجامعات اللبنانية وخصوصا اليسوعية والبلمند ومركز لقاء التابع لبطريكية الروم الكاثوليك وملتقى الاديان والثقافات للحوار والتنمية وحلقة التنمية والحوار في مجدليون قرب صيدا (جنوب لبنان) والحركة الثقافية في انطلياس والحركة الثقافية في لبنان واللقاء الفكري العاملي في جنوب لبنان ومؤسسة الامام الحكيم والمجمع الجعفري للبحوث والدراسات والمركز العربي للحوار ولقاء ربانيون، اذن هناك جهود عديدة حول الحوار ولمواجهة العنف والتطرف لكن رغم ذلك لا يزال العنف منتشرا والتطرف يزداد ولذا نحتاج للمزيد من الجهود في هذا المجال.

فتحية لمؤسسة اديان ولكل المؤسسات الحوارية ولكل الناشطين في الحوار من رحل منهم ومن يستمر في خوض الصراع.

المصدر: موقع النور الجديد




عقبات الحوار الإسلامي – المسيحي

Interfaith-dialog

خاص “حوارات نت” — بقلم: د. هيثم مزاحم* — شهد الحوار الإسلامي – المسيحي مئات المؤتمرات واللقاءات خلال العقود الستة الأخيرة، لكن النتائج التي تمخض عنها لا تزال تعتبر قليلة وغير فاعلة. فما يصدر من قرارات وتوصيات عن هذه المؤتمرات واللقاءات غير ملزمة للحكومات في العالمين الإسلامي والمسيحي الغربي. مع ذلك ساهمت هذه الحوارات في كسر جليد العداء بين المسلمين والمسيحيين، الذي كرّسته الفتوحات الإسلامية والحروب الصليبية ومن ثم الغزوات الاستعمارية الغربية للدول الإسلامية.
ولا شك أن قرار المجمع الفاتيكاني الثاني الذي أقرّ “عقيدة خلاص غير المؤمنين” في تشربن الأول – أكتوبر 1965م، قد أكد على “أن جميع الشعوب يؤلفون جماعة واحدة، حيث تمت مناقشة النظرة إلى الأديان الأخرى، وأشار إلى الإسلام معتبراً أن أتباعه يعبدون الإله الواحد ويسعون بكل قواهم للخضوع لقراراته، أما الذين لم تبلغهم رسالة الإنجيل فهم مُوجَّهون نحو الله. لقد أقرت وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني عقيدة خلاص غير المؤمنين، فاعتبر أن غير “المؤمنين” المسيحيين يدخلون في تعداد شعب الله سواء اليهود أو المسلمين أو الوثنيين وإن الخلاص في متناول أيدي الجميع.
وتعتبر هذه الخطوة تطوراً مهماً رؤية الكاثوليكية المسيحية لعقيدة الخلاص التي كانت سابقاً لا تجد أي خلاص للإنسان إلا في الإيمان بالمسيح كمخلص، حيث رأى الفاتيكان أن الخلاص هو في متناول جميع من هم من ذوي الإرادة الحسنة، وأن أولئك الذين ينتمون إلى الديانات غير المسيحية، “هم أيضًا يملكون حقائق وعندهم كنوز.. وهناك أناس يتجهون صوب الله من نواحي شتى..، وأيضاً أولئك (المسلمون) الذين يعترفون بالخالق ويؤمنون إيمان إبراهيم، ويعبدون الإله الواحد الذي سيدين البشر في اليوم الأخير”.
ولا شك أن المسيحية لم تكن تعترف بالإسلام كديانة سماوية قبل العام 1965، بينما إعترف الإسلام باليهودية والمسيحية كديانتين سماويتين، من أهل الكتاب، منذ بداية نزول الوحي على الرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن صحح القرآن بعض عقائدهم في ألوهية المسيح وصلبه ووحدانية الله.
لكن ثمة اتجاهاً لدى بعض الكنائس البروتستانتية الأنغليكانية للإعتراف بوجود الوحي الإلهي عند غير أنبياء العهد القديم، مثل الوحي الذي نزل على النبي محمد(ص).
لا شك أن لا تأثير للجدل اللاهوتي الإسلامي – المسيحي في الحوار بين ممثلي الديانتين، فهو لن يقدم ولن يؤخر حيث أن كل طرف مؤمن بعقائده ومتمسك بها ولن يقنع الطرف الآخر بتغييرها. وليس هذا هو الهدف من الحوارات، إنما الهدف هو خلق مساحات التفاهم والتعاون والتعايش بين المسلمين والمسيحيين حيث اجتمعوا سواء في الشرق أو الغرب.
وأساس هذا العيش المشترك والتعاون لمصلحة المواطنين جميعاً والبشرية جمعاء، أساسه الاعتراف بالآخر وعدم شيطنته والقبول به شريكاً في المواطنة وأخاً في البشرية، وعدم اللجوء إلى العنف والاضطهاد والقمع والتمييز العنصري والديني ضد أي من أتباع الديانتين في أي بلد مسلم كان أم مسيحياً.
ولعل تطور الحوار الإسلامي – المسيحي في الشرق بين المسيحيين العرب والمسلمين العرب أهم وأولى من الحوار مع مسيحيي الغرب، برغم ضرورة الحوار الأخير. فالعالم العربي هو مهد الأديان السماوية والحفاظ على المسيحيين فيه ضرورة وواجب، انطلاقاً من التعاليم القرآنية والنبوية التي منحت الآمان لأهل الكتاب في العيش في كنف الخلافة الإسلامية، يقومون بممارسة عباداتهم في كنائسهم وأديرتهم ويعيشون مع المسلمين في القرية الواحدة والزقاق الواحد.
وإذ ينبغي منع استهداف المسيحيين العرب والمشرقيين من قبل التنظيمات الإرهابية المتطرفة كتنظيم داعش والقاعدة وغيرهما وحماية كنائسهم وأديرتهم ورهبانهم في العراق وسوريا ولبنان ومصر وفلسطين، يجب على المسيحيين وخصوصاً في الغرب المسيحي، رفض أي شكل من أشكال اضطهاد المسلمين وقتلهم وغزوهم من قبل الدول الغربية، كما حصل في أفغانستان والعراق، لعدم خلق مادة للتحريض الطائفي.
كما ينبغي على المسيحيين العرب والمشرقيين رفض أي محاولة غربية أو إسرائيلية لتحريضهم على الانفصال عن المسلمين في كيان خاص سواء في مصر أو العراق أو سوريا أو لبنان. فهذه الدعوات تؤجج العداء لهم وتبرر للمتطرفين المسلمين استهدافهم بذريعة تقسيم البلدان الإسلامية والتعاون مع المؤامرات الغربية.
ولا شك أن مسيحيي الشرق وخصوصاً العرب منهم يعتبرون أنفسهم السكان الأصليين لهذه البلاد قبل الفتح الإسلامي، ويذهب بعض المتطرفين منهم إلى اعتبار المسلمين غزاة ومحتلين، برغم أن معظم المسلمين في الدول التي دخلها الإسلام قد دخلوه طوعاً وإيماناً، إذ لم يفرض المسلمون الإسلام على أهل الكتاب، بل اكتفوا منهم بدفع الجزية. بل ذهب بعض الولاة إلى تفضيل بقاء أهل الكتاب على دينهم وعدم إسلامهم حتى يدفعوا الجزية وذلك لدوافع مالية واقتصادية نفعية وليست دينية.

*باحث في الفكر العربي والإسلامي، رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، له الكثير من المؤلفات والدراسات.