الوحدة والتعددية وما بينهما

بقلم: عمر مسقاوي — ينطلق العلم والتعريف العلمي من بدهيات أفرزها تاريخ طويل من تجربة الحضارة الغربية المعاصرة ترسم معالم الثقافة الغربية في هيكلها الماثل. لكنها لا تمنح مجتمعنا الشرقي حقيقة جاهزة للتطبيق لسبب جوهري أشرنا إليه سابقاً، ويتجلى في أننا قد نعلم من دقائق الحضارة المعاصرة الكثير لكنها أبعد ما تكون عن إسهامنا الاجتماعي والتراثي في التاريخ.فالأوروبي ينظر إلى إطاره المادي والإنتاجي نظرة تترامى في أعماق أصوله الإجتماعية حين غرست المسيحية قواعد الإيمان فبدلت مرتكزات الفكر وأطلقت للعبقرية الإنسانية المتعاونة مع قوة الإبداع ثم أمطرت عالمنا الإنساني هذا بمظاهرها وبهارجها.
وهذا ما دفع المؤرخ الأميركي جون نيف في كتابه «الأسس الثقافية للحضارة الصناعية» إلى القول:
«إن اقتصاد الوفرة الذي يقاس بالكميات والذي بدأ يسود خلال القرن التاسع عشر، في أجزاء من أوروبا الإمبراطورية البريطانية وأميركا، لم يكن كما جرى عليه العلماء أهل العصر الحديث على الإعتقاد بوجه عام السبب الأساسي للتقدم الروحي والأدبي الذي حصل في الأزمنة الحديثة، إذ يبدو أن التقدم الروحي والأدبي الذي بدأ أثناء احتدام الحروب الدينية كان عاملاً رئيسياً في نشوء اقتصاد الوفرة، إذ كان يتعذر حصول مثل هذا التقدم لولا المساعدة الإلهية التي منحت للروح، لكن كان لا بد لإدارة الإنسان هذه الإرادة الحرة، من أن تطلب المساعدة، وأن تجندها طوعاً لمواجهة المسائل في تلك الميادين من التجربة».
إن هذه الملاحظة المعمقة لأصول التقدم الأوروبي تمنحنا رؤية أعمق في بناء وحدتنا الثقافية، إذ لا بد لها من أن ترقب مصادرها الروحية أولاً وأن تستمد من هذه المصادر زاداً يدفع بها في استخدام الحداثة طبق اتجاه الثقافة ونمطها لروحي والتراثي.
وهكذا فاتنا قطار الإسهام الفاعل في خطى العصر الحديث حين غرقت رؤانا في مصطلحات مستوردة لا تعكس واقعنا الإجتماعي.
يقول الفيلسوف سبينوزا: «نرى الأشياء مليحة برغبتنا لا ببصيرتنا». هذه الحقيقة التاريخية التي أشار إليها غوستاف لوبون في كتابه «الآراء والمعتقدات» تفسر لنا مشكلة التقدم كحاجة ورغبة معاً منذ أيقظنا من سباتنا سوط الحضارة الحديثة ووقع أقدامها.
وبدلاً من أن يطرح الرواد الحاجة هذه في طريقها المنهجي موظفين الطاقة الفاعلة لقيم المجتمع ووسائله فقد انغمسوا في البحث في بطون التاريخ عن المصادر الثقافية التي تقربهم من حل جاهز مائل في النموذج الأوروبي تبسيطاً للمشكلة وتعويضاً عن هزيمتهم حيالها.
إن تنوع المصادر الثقافية التي صبت في ساحتنا عبر التاريخ أمر لا جدال فيه.
لكن المجتمع باعتباره ذاكرة مشتركة فإنه من فعل الإنسان واكتسابه الثقافي. والذاكرة الشعبية، كما تذكر جيداً ما يعتمل في حياتها، فإنها تنسى كذلك ما تباعد عنها من أحداث، فنحن ننظر إلى قلعة بعلبك بكثير من الإعجاب لكننا نجهل مواقع القوم فيها حين نصبوها لوثنيتهم، لأن الأديان التي لحقت بدلت واقعنا الاجتماعي والثقافي، وتثيرنا أهرامات الجيزة، لكن أسرارها بقيت في مكنون حجراتها، أما شعب مصر فإنه يجهل هذه الأسرار وقد انتظرت النخبة المصرية شامبليون الأوروبي حتى استطاعت أن تفك رموزها.
على أن عصر الإنبهار الذي أفاق عليه رواد الإصلاح والحركة الحديثة أوقع الفكر العربي في سراب الرغبة، فانجرفت الرؤى متباعدة في ظاهرها الفكري فقط من دون أن تعكس في تعارضها حقيقة من حقائق الواقع الاجتماعي. ذلك أن تلاميذ الحضارة الغربية أثقلهم عبء تراث توقف عن الإنجاز والإسهام في خطى العصر الحديث.
فالفراغ استولى على شعوبنا منذ الانهيار الكبير بفعل الحروب الصليبية، وهو قد أقفل أسوارنا عن كل تفاعل وتطور مع مسيرة العالم.
وهكذا بدت الثقافة الغربية التي حملها رواد الإصلاح من جامعات أوروبا هياكل ونماذج إدارية ومادية وفكرية ومصطلحات تثير الجدل أكثر مما تحل مشكلات التخلف.

لا تعددية ثقافية
ولعل فداحة التخلف العربي والشتات البادي في منعطفاتنا المصيرية حيال الخطر الصهيوني زكت هذا الاتجاه في المسوغات النفسية التي استفاق وعيها على أخطار الشركة في تراث للإسلام فيه نصيب بارز عبر التاريخ.
إن حركة إحياء كتب التراث أعادت لأذهان المسيحيين مخاوف الصيغ والتعابير الفقهية التي وضعت قواعد التعامل مع أهل الكتاب من غير المسلمين.
وتولت هذه المهمة مراكز متخصصة في التنقيب في بطون التاريخ، وفي رصد انتقائي لأحداث تاريخ حضارتنا، بغية تحريك الوعي المسيحي لحقيقة الأخطار التي ستصيب المسيحيين، نتيجة إعلان شراكة تراثية تؤدي إلى شراكة في نمط وأسس تحديد المواقف المصيرية. ولقد تلاقت هذه الحركة مع موقف إسلامي غائب عن طبيعة المهمة التاريخية التي انتدب لها المسلمون، إذ كان على المسلمين أن يحددوا استراتيجيتهم السياسية بطريقة ترصد أخطار القسمة الطائفية لمسيرة الوطن في مداها البعيد، فهذه القسمة إذا أدركنا عميق أهدافها لا تقدم للمسيحية حلاً لأية أزمة، بينما هي تضع المسلمين ودورهم في أزمة جديدة في معترك الأخطار التي كان قد هيئ لها منذ مؤتمر بال عام 1897م.
إن ما نراه اليوم لا يعني غير الفراغ، فالنخبة المثقفة المسيحية تقود جماهيرها إلى رفض استمرار حضاري لعب فيه الإسلام والمسلمون دوراً تاريخياً، وهي في حقيقتها عودة إلى الوراء لأنها تعود بنا إلى قانون الملل الذي فرضته الاميتازات الأجنبية لأسباب تتعلق باستراتيجيتها في ظل الحكم العثماني إنما بغير تغطية عثمانية.

حضارة الإسلام واقع تاريخي
حقاً، فحين يتحدث المسلمون والمسيحيون عن تاريخ هذه المنطقة، تاريخ ثقافتها أو ثقافتهم فيها، أدبها أو أدبهم فيها، تاريخ سياستها أو تاريخ أديانها، فإنما يتحدثون بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن تراث صاغه الإسلام أو حاوره أو مرّ به أو جاوره.
لكن المجاورة هي التي تهمنا اليوم. إنها اتصال امتازت به حضارة الشرق الهجرية ورفضته حضارة الغرب المتأثرة بالثقافة الرومانية.
لست هنا في موقع الدفاع عن الواقع السياسي الذي أملته ظروف تلك القرون الخوالي، ولا يحسن بي أن أنتقي نصوصاً فيبادرني آخر بنصوص منتقاة للردّ عليها، ولكن العلاقة بين الإسلام والمسيحية علاقة تتصل بوحدة الدين الذي تكونت بفضله الحضارات، فالدعوة الإسلامية في إطار العقيدة دعوة إلى نقاش حول منطلقات واحدة (تعالوا إلى كلمة سواء) ] آل عمران 64[ فهل كان يمكن للقرآن أن يخاطب الوثنية بمثل هذا المنطق؟
إن وحدة المصدر هذا مكنت لثقافتنا المشتركة غطاء متجانس المنطلقات، فالموقف الإسلامي من المسيحية لم يكن موقفاً سياسياً، إنما هو موقف في صميم بنية العقيدة، وعلينا أن نترك لكل زمن سياساته وإجراءاته.
فأحداث التاريخ تحتكم دائماً إلى أجوائها وظروفها، لكن إنجاز التاريخ هو الجدير بالتوظيف من أجل مستقبل حضاري جديد. إن هذه قضية تتعلق بصميم التراث، فحقائق التاريخ حينما تتكلم، فالأمر لا يتعلق بقضية اختيار.
فالحضارة الإسلامية واقع تاريخي لم يختره جيلنا المعاصر من المسلمين، لكننا حينما نرفضه جميعاً فإن البديل الأوحد اليوم ومن خلال نوعية الحضارة المعاصرة هو الفراغ والضياع معاً.
فالإسلام والمسيحية عمق واحد على رغم الإختلاف الجوهري في تصوير الرؤية الإيمانية لحقيقة الإله الواحد. وهذا الاختلاف مهما كان متبايناً ومهما عنف الخصام بين أنصار كل من الديانتين، فإنه خصام في الحلبة الواحدة. ولا بد في النهاية من أن يستريح المحاربون في أرض الحلبة. فقد سئل عمر بن العزيز الخليفة الأموي عن الصراع الذي نشب بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. فأجاب الخليفة الذي اشتهر بالورع والتقى: «تلك أمور عصم الله منها سيوفنا، أفلا نعصم منها ألسنتنا؟» جواب سلفي ما أحرانا أن نتمثله اليوم ونحن نتحدث مع أولئك الذين وضعوا على طاولة مكدسات النصوص والكتب القديمة، فالحصيلة في كل ما تدافع من أحداث هي التي تمنح التاريخ حدود المجتمع ونمط محادثته.
فحين تضع حروب التناقضات أوزارها ينقشع الغبار عن آفاق الساحة وتضم الأرض بين جوانحها أشلاء هذه التناقضات خمائر تنبت في أعقابها وحدة المجتمع.
إن هذه الخمائر هي الثقافة الحية التي تفعل في ضعفها ما لا تفعله القوة في سلطانها.
ولنا أن نشهد التتار والمغول وسواهم من الشعوب كيف هضمتهم ثقافة الحضارة المغلوبة على أمرها وأضحت واقعاً يدخل في اللاشعور الشعبي ويحكم مبادرات الأفراد ويمنح سلوكهم نمطاً متجانساً فيه من العقوبة مالا يدرك تفسيره.

الثقافة واقع اجتماعي ومفاهيمي ولغوي
من هنا يبدأ الحديث عن قضية الثقافة كواقع اجتماعي ومفاهيمي ولغوي معاً. واللغة هي الجامع الأوفى، وحينما شاء المسيحيون اللبنانيون أن يجددوا في محيطهم فإن اليازجي والبساتنة والشدياق هؤلاء جميعاً جددوا اللغة العربية الجامعة.
وقد بدا جهد هؤلاء إنجاز الأمة على اختلافها، وقد لفتتني عفوية كاتب أزهري يتحدث عن أحد علماء الأزهر في العصر الحديث فقال إنه يكتب كاليازجي.
ففي المجتمع الواحد فإن وحدة الثقافة هي الحتمية الطبيعية لمكونات ذلك المجتمع.
فالحضارة تحوي في أحشائها ثقافة واحدة، وإذا اقتحمتها ثقافة أخرى فلا بدّ من أن تهضمها أو تنهضم بها، لأن الثقافة نمط الحضارة وأسلوبها الفاعل في التاريخ.
وإذا كنا نرغب في جواب حول ما إذا كان ثمة تعددية ثقافية أم لا، فإنه يكفي أن نضم آذاننا ونفتح عيوننا جيداً ونرى ببصيرتنا لا برغبتنا ذلك المشهد اليومي في نمط الحياة وأسلوبها العفوي في طرابلس أو بيروت، أو نركب طائرة هليوكوبتر فنراقب الضنية والزاوية وبشري وأسلوب تعامل القوم مع الطبيعة، أو نلحظ الراعي في أعالي الجرد يركض خلف أغنامه وماعزه يحمل العصا بيده ويمسك بطرف شرواله المتدلي إذا وثب من جل إلى جل، فيلتقي راعياً من الضنية على قمة الجبل، مع الراعي القادم من سفوح الأرز وبشري فيختلف معه على المرعى والماء أو يختلط به على حل سواء، فلا تميز شروالاً من شروال ولا كوفية عن كوفية. لكليهما لغة واحدة وتقاليد واحدة في الحلال الحميدة أو العادات الذميمة ولكليهما سلوك واحد تجاه المشكلات.
أليس هذا التشابه الذي يصل إلى حد التطابق هو الذي يمنحنا وحدة الموقف بل وحدة الثقافة إزاء المشكلات اليومية والحياتية؟
إن الفروق بين المسلمين والمسيحيين ليست فروقاً ثقافية، مهما حفلت قرى كسروان والمتن بالرفاهية والثراء واللكنة الفرنسية والحضارة الإستهلاكية.
فالمسيحي الشرقي ليس جزءاً من مكونات الثقافة الأوروبية، لكنه جزء من مكونات ثقافتنا الواحدة، ولنا بالإسلام والمسيحية تراث واحد، وغنى هذا التراث بالإسلام والمسيحية معاً.
وإذا كان من فروق تعددت بتأثير التعليم ومصادره الغربية فلعلها الفروق في حماسة النظارة الجالسين في قاعة واحدة يشهدون مسرح الأحداث العالمية.
فنحن جميعاً في التخلف شركاء، ومعركتنا كما قال قسطنطين زريق هي في المستقبل ، مع التطور والتنمية، لا مع الماضي الذي لا سعي لنا فيه.
والتحلل من ثقل المصاعب التي تطرحها الصهيونية والإمتداد الإستعماري ليس بهذه السهولة، فالصهيونية حركة لاقت رواجها في مفاهيم السيطرة التي هي جوهر وعمق الثقافة الرومانية التي عبر عنها بالسلام الروماني.
فالخطر ليس على المسلمين وحدهم بل على المسيحيين والمسلمين، وعلى إمكانات انبلاج حضارة جديدة تستمد مقوماتها من عمقنا الإجتماعي مسيحياً كان أم مسلماً.
إن حضارتنا ذات نمط رسولي ينشر الصلات الاجتماعية عبر القدوة التي عبر عنها الإنجيل «هلموا وتلمذوا جميع الأمم».
ونداء الوحدة ينطلق من تلك السلسلة التي تتابعت فيها الأديان منذ دين إبراهيم عليه السلام، وهو يجد أساسه في إرادة الإنسان، فالحضارة إرادة وروح.
المصدر: الحياة




“فقه رؤية العالم والعيش فيه: المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة”

بقلم: د. معتز الخطيب* — «فقه رؤية العالم والعيش فيه: المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة» كان الإطارَ الذي جمع بحوثَ ومناقشات “ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان” (25-28 جمادى الأولى 1434هـ، الموافق 6-9 أبريل 2013م)، وهي الندوة الفقهية المتخصصة التي تقيمها سنويًّا وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في السلطنة. شارك في الندوة أكثر من مائة عالم ومفكر وباحث من أنحاء مختلفة من العالم، وقُدم فيها نحو (60) بحثًا على مدى أربعة أيام.

والعنوان الذي بحثته الندوة عنوان معاصرٌ بأكثر من معنى؛ فهو يتجاوز مفهوم “التعايش” الذي ساد في السنوات الأخيرة ليطرح بديلاً عنه مفهوم “العيش”، وهو يُحيل تشخيص المشكلة من مشكلة اختلاف بين المتعايشين إلى مشكلة العيش المتنوع والمتعدد في العالم نفسه، ولذلك كان استعمال مصطلح “رؤية العالم” دالاً هنا، وهو مصطلح جديد على اللغة والتفكير الفقهيين.

فـ”رؤية العالم” مصطلح فلسفي نَحَته الفيلسوف الألماني فلهلم دلتاي (ت1911م)، وعده بحثًا في فلسفة الفلسفة، وهو يتناول التصورات الأساسية للإنسان التي يعدها مطلقة في سَرَيانها وشمولها، وفي دلالاتها وفعاليتها في الحياة الإنسانية؛ ولكن دلتاي يشكك في إطلاقيتها؛ لأن هناك رؤى وليس رؤية واحدة.

ولكن هذا التجاوز الذي جسده العنوان لم يَقْطع مع المذاهب الفقهية وإرثها القديم والثريّ؛ بل دفع إلى إعادة استكشافها وقراءتها في مَنْحيين: الأول: المفاهيم والأصول والقواعد والأحكام المذهبية المتعلقة بمسائل العيش والتعايش كليهما. والثاني: قراءتها بوصفها انعكاسًا للتجارب التاريخية وليست منعزلة عنها، ومن هنا جاء العنوان الفرعي “المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة”.

و”فقه العيش” يُحيل إلى نوعين من المسائل الفقهية:

الأول: المسائل المتناثرة في الفقه الإسلاميّ والمتعلقة بتقسيم الفقهاء للعالم أو رؤيتهم له، وهو ما عُرف في اللغة الفقهية بدار الإسلام ودار الكفر، (وهناك دُور أو تقسيمات أخرى تَرِد لديهم أو لدى بعضهم).

والثاني: الأحكام الفقهية الكثيرة المتعلقة بما عُرف – في لغة الفقهاء – “بأهل الذمة”، وهي في الأصل مندرجةٌ داخل أبواب الفقه العام بحسب المناسَبة، فقد توزعت أحكامهم على مختلف أبواب الفقه كالجهاد للحديث عن الجزية والخراج، والبيوع للحديث عن أحكام بيعهم وشرائهم، والنكاح للحديث عن أنكحتهم وعلاقاتهم، والجنايات للحديث عن جناياتهم وعقوباتهم، وهكذا.

قدّمت الجلسة الافتتاحية تأملاتٍ وقراءات لفقه العيش بين الماضي والحاضر، في محاولة للإمساك بالرؤية الكلية قبل الدخول إلى الجزئيات والتفصيلات والمذاهب المختلفة. فقدّم د.علي جمعة ود.أحمد مبلغي قراءةً لتجربة العيش في المذاهب الإسلامية بوصفها عملية مستمرة ومستوعبة على عدة مستويات: المذاهب، والأديان، والإنسان. وقدم الشيخ رحمي يرن قراءته لتجربة العيش في المنظور القرآني. وحاول د.رضوان السيد أن يقدم إجابة على سؤال: “إلى أين يتجه الإسلام؟”، بعد تأملاته لمسار طرح مثل هذا السؤال في 1910م مع الكاتب الأمريكي ستودارد، وفي 1934م ثم في 1946م مع هاملتون جب، ثم في الستينيات مع ألبرت حوراني. وفي محاولته لتأمل السؤال من جديد يرى أن هناك ثلاثة انشدادات أو انجذابات حالية: خوفٌ على الدين وانزياحاتٌ وشعائرياتٌ متنامية في المظهر والمخبر من أجل صونه، ونفور وقلقٌ شديد من العصر وحداثته وتياراته الصاخبة وإحساس بتَفاقم الأخطار، واهتمام قوي لدى العامة بوضع قوة الدولة في خدمة الدين. ويرى أنه لا خوف على الدين، وأن إدخاله في بطن الدولة مضرٌّ به وبمستقبله.

تدور الندوة على سبعة محاور جامعة لمختلف جوانب هذا الموضوع الراهن والحيوي:

يدرس المحور الأول المفاهيم والمصطلحات، وفيه تحدث د.وهبة الزحيلي ود.حميد الأحمر عن مفهوم الخلاف، وأوضح الزحيلي أن الفقهاء لم يفرقوا بين مفهومي الخلاف والاختلاف، والظاهر أن اللغويين فرقوا، وأن الخلاف ظاهرة إيجابية؛ لأنه قائم بين المذاهب الفقهية في الفروع لا في الأصول، وأن الدعوة إلى توحيد المذاهب لا تصح، وقد جعل العلماء الخلاف عِلمًا وصنفوا فيه وراعوه، وحللوا أسبابه التي ترجع في الجملة إلى طبيعة النص الشرعي في العربية، وأسلوب فهم النصوص، ومصادر الخلاف فيما لا نص فيه.

ومن المفاهيم التي تتصل بمسألة فقه العيش: مفهوم العهد والأمان ودار الإسلام، وتحدث فيها د.مصطفى تسيريتش موضحًا الفرق بين العهد والعقد، ومبيّنًا أصول الأمان في الإسلام، وقد رأى أن أوروبا هي دار العهد والعقد والأمان، وذلك لإمكانية عيش المسلمين فيها بحرية كاملة وأداء شعائرهم وعباداتهم، ولتمتعهم بحق المساواة.

وتناول د.محمد كمال إمام مفهوم أهل الذمة، وفضَّل تعريف الغزالي في “الوجيز”؛ لأنه دخل مباشرة في مسألة الحقوق والواجبات حين عرف الذمي بقوله: “كل كتابي ونحوه عاقل بالغ حر ذكر، متأهب للقتال، قادر على أداء الجزية”، وهذا يعني أن الذمة عقد رعاية وأن الجزية بدل حماية. كما رأى أن هناك تفريقًا بين أهل الكتاب وأهل الذمة فليسا مترادفين، وقدم قراءة لعقد الذمة في المنظور الفقهي تجعل منه مواطنة كاملة تُقرأ في سياقها أحكام الجزية التي قد ينعدم حكمها بانعدام محلها في ظل دولة حديثة لا تفرق في وجوب الجندية بين المسلم وغيره؛ لأن الجزية بديل عن النصرة فلا تجب إلا على أهل القتال، ولأن الذمي محقون الدم على التأبيد كالمسلم، وكلاهما صار من أهل دار الإسلام، كما ينقل عن الزوزني أحد فقهاء الحنفية.

ودرس فايز محمد حسين “نظام الملل” – وهو تطورٌ لمسألة أهل الذمة – من خلال نشأة ازدواجية الشريعة والقانون في العصر العثماني.

أما المحور الثاني من الندوة فقد عالج ما أسماه “الخطاب التشريعي في فقه التعايش” من خلال جملة مسائل؛ كالمواطنة، والحصانات، والسياحة.

ومعالجة المواطنة اشتملت على عدة أبعاد: أثرها في إنشاء المجتمع المدني وموقف الإسلام من ذلك (د. نور الدين الخادمي)، وأثرها في التعامل مع اختلاف العقائد (د. سلطان الحراصي)، وأثرها في الأحوال الشخصية (د.جابر عبد الهادي الشافعي). وبحث د.محمد الحداد “الدين والدولة والمواطنة في الزمن الجديد”، وخلص فيه – بعد دراسة تطورات مفهوم المواطنة التي شكّلت تجاوزًا لمفهوم “الملل” – إلى أن الدين كان شريكا في قيام فكرة المواطنة بالمعنى الحديث، بمعنى مواطنة قائمة على المساواة وليس على النخبوية، في حين أن المواطنة الإغريقية كانت تنتج اللامواطنة عندما تقصر الحقوق على فئات معينة. ومبدأ المساواة الذي انتشر مع الأديان الكونية هو الذي مهد لاستعادة المواطنة بمنظور جديد يسعى إلى الإدماج بدل الإقصاء.

وختم بطرح السؤال الآتي: هل نقبل أن يشارك كل أبناء الوطن في إدارة شؤونه العامة؟ ملقيًا بالمسؤولية على المثقفين المسلمين في إيجاد صيغ توافقية لمجتمعاتهم تثري الفكر السياسي العالمي وتساعده على تجديد مفاهيمه ولا تنعزل عنه.

وتناول المحور الثالث “المدارس الفقهية وفقه العيش في العالم”، من خلال رصد واستكشاف الأحكام الفقهية الخاصة بالتعامل مع غير المسلمين في مناحي الحياة المختلفة، وتقرير الفقه الإسلامي للحقوق والواجبات الخاصة بهم. والمدارس الفقهية هنا شملت المذاهب الفقهية المشهورة، ففي المذهب الإباضي سعى جملة من الباحثين إلى تقديم خلاصات لفقه العيش عند جملة من فقهاء المذهب مثل المشايخ: ابن بركة، والوارجلاني، وأبي عمار عبد الكافي، وأبي نبهان، وأطفيش، والسالمي. وأوضح الشيخ عبد الله العزي معالم فقه العيش في المذهب الزيدي، التي رأى أنها مستندة إلى وصيّة للإمام علي جاءت في عهده لمالك الأشتر واليه على مصر: “وأَشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم؛ فإنهم صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخَلْق”.

وتعرض هلال اللواتيا للمذهب الجعفري ورؤيته لفقه العيش، مفتتحًا بحثه بالحديث عن ضرورة الاجتماع البشري، وارتباطه بالفطرة الإنسانية. وعرضَ د.عبد الحميد مدكور لفقه العيش في المذهب الظاهري ممثّلاً بابن حزم الظاهري.

وعرض د.مجدي عاشور موقف المذهب المالكي من الآخر من جهتين:

الأولى: بوصفه فردًا في المجتمع الإسلامي، وتجب له جملة حقوق كالحقوق العقدية (كحرية الاعتقاد وبناء دور العبادة) والحقوق الشخصية (كحق الإقامة والتنقل، وحق الأمان على النفس والمال والعرض)، والحقوق السياسية (كتوليه الولايات، وقبول شهادته ووكالته)، والحقوق الاقتصادية (كالعمل وتكوين الثروة، وإعطائه من القربات المالية للمسلمين).

والجهة الثانية هي كونه منفصلاً عن المجتمع الإسلامي وما يترتب على ذلك من تعاملات (كإبرام المعاهدات، والاستعانة به في الحرب، والحصانة الدبلوماسية لمبتعثيه).

ثم بحث واجبات الآخر في المذهب المالكي: الواجبات المالية (كالجزية والخراج والعشور)، وواجبات الالتزام بالأحكام والنظم العامة (ومنها الخضوع لولاية القضاء، وعدم إظهاره ما ينكره الإسلام).

وعرض الشيخ عبد الله فدعق ود.عبد العزيز العوضي للمذهب الشافعي وفقهه في العيش وموقفه من الآخر، وما يترتب على ذلك من أحكام وحقوق وواجبات.

أما المذهب الحنبلي فبحثه د.مسفر القحطاني الذي حرص على إزاحة شبهة التشدد عن الحنابلة، وأوضح معالم التعايش وفقه الائتلاف مع خصومهم من المذاهب الأخرى، وموقفهم من الشيعة والصوفية، وأنهم لم يكونوا جميعًا يتسمون بالتشدد كما يُشاع؛ بل هم ثلاثة أصناف كما قال القاضي أبو يعلى الحنبلي “الحنبلية على ثلاثة أصناف:صنف زهاد يصومون ويصلون، وصنف يكتبون ويتفقهون، وصنف يصفعون كل مخالف”، ثم عرَض لنموذج ابن عقيل الحنبلي من علماء القرن الخامس الهجري في التعايش وطلبه العلم على مشايخ من مختلف المذاهب وخصوصًا من المعتزلة.

بقي المذهب الحنفي وقد بحثه د.معتز الخطيب، موضحًا مدلول فقه العيش في كتب الفقه وتصرفات الفقهاء وإن لم يستعملوا هذا التعبير، وقد ركز في بحثه على تأريخ سياقات اهتمام الفقهاء بأهل الذمة، ففي البدء جاء بحث أحكام أهل الذمة بوصفه جزءًا من منظومة الفقهاء الشاملة لأحكام العباد ومن يُحيط بهم وتربطهم به علاقةٌ؛ لكنها تتحول مع كتب الخراج والأموال إلى جزء من منظومة الموارد المالية والاقتصادية للدولة تبعًا لمسألة الجزية وما يتعلق بها من تصرفات الدولة حيال أهل الذمة، ويتأكد الطابع السياسي للمسألة وحكم الولايات والوظائف وغيرها في كتب الأحكام السلطانية. ثم نشأت كتاباتٌ في سياق التوترات التي حصلت بين المسلمين وبعض أهل الذمة كما حصل مع اليهود في تونس والجزائر بسبب الأوضاع السياسية والاجتماعية، وكما حدث في الهند في القرن الثامن عشر. ثم جاءت كتابات الإسلاميين الحركيين الذين كانوا مشغولين بإزاحة “الشبهات” عن اضطهاد الفقه الإسلامي لغير المسلمين، وبيان صورة متسامحة للفقه معهم، واستكمال “النظام الإسلامي” والإجابة على بعض التحديات التي تواجه أطروحة “الدولة الإسلامية” في سياق الدولة الحديثة.

ثم ذهب بعد ذلك لاستكشاف المنطق الداخليّ الذي حَكَم تصورات الفقهاء الحنفية – أصولاً وفروعًا – لمسألة العيش بين المسلمين وغيرهم من أهل الذمة أو أهل الكتاب، من خلال ثلاث جهات: من جهة رؤيتهم للدين نفسه ووظيفته وعلاقته بالشرائع الأخرى، ومن جهة رؤية العالم وتقسيم الناس والدُّور، ومن جهة الحقوق والواجبات.

وتناول المحور الرابع من محاور الندوة فقه العيش المشترك وعيش الخصوصية، وقد اشتمل على معالجة عدة مسائل: كمسألة فقه الأقليات لدى علماء الصحوة الإسلامية (د.محمد المنسي)، والإعلانات العالمية لحقوق الإنسان برؤية فقهية، وقد بحثها كل من د.أحمد أبو الوفا ود.إبراهيم العناني، والبعد الجغرافي وأثره على العيش المشترك (د.أحمد الهادي)، ومسألة الاختلافات الفقهية في تحديد الدار وأثرها على رؤية العالم والعيش فيه (د.علي منصور الفرسطاني)، وأحكام اختلاف الدارين لدى الفقهاء (د.العروسي الميزوري)، وفقه الهوية والخصوصية والانفصال في الأزمنة الحديثة وبحثها د.إبراهيم البيومي غانم الذي خلص في ورقته إلى أن مجتهدي الفقه السياسي الإسلامي الحديث قد استوعبوا في اجتهاداتهم “دوائر الهوية” جميعها: الوطنية، والقومية، والإسلامية، والإنسانية، وأكدوا على أنها متواصلة غير متمانعة.

وخصصت الندوة محورها الخامس لبحث حقوق المخالف دينيًّا، وتناول بحث حقوق أهل الكتاب (د.أحمد الخمليشي)، وحقوق غير أهل الكتاب من المواطنين من منظور فقهي (د.خالد بابكر)، وحقوق الأجانب في الفقه الإسلامي والقانون الدولي (د.محمد المالكي)، وفقهاء الصحوة ومرجعية الشريعة والدساتير الإسلامية (د.عز الدين عناية)

والمحور السادس خُصص لبحث أصل العلاقة مع غير المسلمين وتأملها من جوانب مختلفة، من جهة القرآن الكريم (د.سعود الحبسي)، ومن جهة السنة النبوية (د.خلفان الشعيلي)، ومن جهة الواقع التاريخي (الشيخ أحمد السيابي)، ومن جهة المقاصد الشرعية (د.عبد القادر بن عزوز)، ومن جهة القواعد الفقهية (د.أحمد التيجاني)، ومن جهة اتجاهات الفقه الإسلامي (د.عبد السلام الطويل)، ثم أحكام العيش وأعرافه في الفقه الإسلامي (د.محمد الحسن البغا).

المحور الأخير في الندوة كان عن فقه الملاءمة والمجتمع الدولي، وتم فيه بحث مسائل التجارة الدولية من منظور فقهي (د.أشرف أبو الوفا)، واتفاقية الجات (د.هاني الدويدار)، والمسلم المواطن في الدول غير الإسلامية (د.يحيى ميسو)، والعولمة (د.سعيد بنسعيد العلوي)، والتراث الفقهي والثقافي في مسألة العيش (د.فيصل الحفيان).

وختمت الندوة مع د.رضوان السيد الذي قدم قراءة لـ”فقه العيش مع الآخر وفقه التغيير”، شرح فيها مفهوم رؤية العالم باعتبار أن فقه العيش يستند إليه، وحاول استكشاف أسس رؤية العالم في القرآن والإسلام، كما تأمل فقه العيش في التجربة التاريخية الإسلامية، واختبر التجربة الوسيطة من خلال مسألة الحريات الدينية لأهل الذمة والمرتدين، ووجد أنه في مسألة الذمة تُعتبر السلطات أولاً في المسؤولية؛ بينما يتقدم اعتبار الفقه والفقهاء في مسألة الردة. ورأى أن التغيير في الحاضر يتطلب أن يتمكن المسلمون من العيش بثقة في مجتمعاتهم ومع الآخر العالمي، بناء على القيم المشتركة والتعامل الرحب من منطلقات التعارف والاعتراف والتفاهم.

وقد أقيمت على هامش الندوة الفقهية ورشة عمل لتعميق أفكار الندوة وإفراد بعض إشكالياتها بالبحث والمناقشة، مع التركيز على الخلفيات الفلسفية والفقهية لرؤية العالم وفقه العيش، وقد تضمنت محورين رئيسين: انصرف الأول منهما إلى بحث مفهوم “رؤية العالم” في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا (د.أحمد زايد وسمير حسن)، ورؤية الوجود والعالم في الفلسفات التأويلية المعاصرة (د.عبد الله ولد أباه)، ورؤية العالم من وجهة نظر إسلامية (د.رضوان السيد). في حين ركز المحور الثاني على مسألة “فقه العيش في المذاهب الفقهية” من مداخل مختلفة، من جهة مقاصد الشريعة (صلاح الجورشي ود.سيف الدين عبد الفتاح)، ومن جهة المدخل الأخلاقي (د.مبارك الهاشمي، ود.محمد الشيخ)، ومن جهة تأمل المذاهب الفقهية ومصائرها في أزمنة التغيير (د.أحمد الكندي، ود.معتز الخطيب)، ورؤى التعدد والوحدة من منظور فقهي (د.عبد الله الهنائي، ود.مصطفى هرموش ود.عبد الله المانعي).

* باحث زائر في منتدى الدراسات عبر الإقليمية (EUME)، برلين.

المصدر: مجلة التسامح




مؤسسة “أديان” بعد عشر سنوات على انطلاقتها: تجربة رائدة في الحوار والاعتراف بالآخر

Adyan

بقلم: قاسم قصير – احتفلت مؤسسة اديان بمرور عشر سنوات على تأسيسها وانطلاقة عملها في التعريف بالاديان والبحث عن المشتركات فيها ودعم القيم الدينية والسياسية الجامعة والتركيز على الحوار والتنشئة الوطنية.

ورغم ان عشر سنوات هي فترة قصيرة في عمر المؤسسات ،فان مؤسسة اديان نجحت خلال هذه الفترة القصيرة بان تتحول الى احدى اهم المؤسسات الحوارية والناشطة في التعريف بالاديان وقيم المواطنة ليس على مستوى لبنان فقط ، بل على مستوى العالم العربي والاسلامي وعلى الصعيد الدولي.

وخلال هذه السنوات العشر انجزت المؤسسة الكثير الكثير من المشاريع الفكرية والاعلامية والتربوية واطلقت العديد من المبادرات واقامت الدورات والمخيمات والمؤتمرات وكرّمت الشخصيات الحوارية الرائدة وومنهم العلامة الشيخ عبد الله بن بية احد العلماء المسلمين الناشطين في الحوار وتعزيز السلم الاهلي والعلامة الراحل السيد هاني فحص احد رواد الحوار والمواطنة في لبنان والعالم العربي والاسلامي، والسيدة رباب الصدر والاخت مريم النور عويط وهن من الناشطات في الشأن التربوي والاجتماعي، كما انتجت عدة افلام حول قادة الحوار ومنها فيلم “عكس السير” الذي يتحدث عن الامام موسى الصدر والمطران سليم غزال وشخصيات دينية حوارية اخرى.

كما اقامت المؤسسة عددا من المؤتمرات الدولية حول الاديان والقيم السياسية والديمقراطية والحريات الدينية والمواطنة بمشاركة عدد كبير من الشخصيات الفكرية والسياسية والدبلوماسية، تناولت قضايا الحوار وكيفية تعزيز القيم الدينية والسياسية وتجربة الحركات الاسلامية في الحكم وقضايا العنف والتطرف وكيفية مواجهة هذه الظواهر.

وتسعى المؤسسة لتعميم رؤيتها الحوارية من خلال عدة شبكات ونشاطات متنوعة ، ومنها شبكة الوان المتخصصة بطلاب المدارس الثانوية ، والقسم الخاص بالعائلات ، اضافة للعمل على تعديل المناهج المدرسية بما يؤدي لتعميم ثقافة الحوار وقبول الاخر والفكر النقدي، اضافة الى اقامة يوم تضامن ديني – روحي سنوي يتم خلاله تقديم تجارب معيشية لتعزيز التضامن الروحي ، ولقاء في شهر رمضان يجري خلاله بحث احدى الموضوعات الروحية، واقامة ورش عمل للتعريف بالاديان والقضايا الدينية ، وتدريب الاعلاميين على القيم الدينية والحوارية، كما اقامت المؤسسة معهدا علميا للاديان والمواطنة القائمة على التنوع.

لكن رغم هذا النشاط المميز للمؤسسة خلال السنوات العشر الماضية والذي جعلها من المؤسسات الدولية والاقليمية المعنية بالتعريف على الاديان وقيم الحوار ، فان بعض الناشطين في اطار الحوار الاسلامي – المسيحي يضعون بعض الملاحظات على نشاطات المؤسسة ومنها تركيزها على تعميم ما يصدر عن الكنيسة الكاثوليكية وبابا الفاتيكان من افكار واطروحات فكرية ودينية ، مع عدم الاهتمام بالمستوى نفسه عما يصدر عن المرجعيات الدينية الاسلامية سواء في الازهر الشريف او قم او النجف، اضافة الى الاهتمام الدولي الرسمي او الديني الكبير الذي حظيت به المؤسسة خلال السنوات العشر الماضية والذي لم تحظ به مؤسسة حوارية عربية او لبنانية ، وهذا الدعم والتمويل بقدر ما يمكن ان يشكل شهادة واعتراف بقدرة المؤسسة والقائمين عليها وحيويتهم ونشاطهم بقدر ما يجعل البعض يتساءل عن سر هذه الاهتمام والرعاية ( والاشارة الى هذه الملاحظات لا يعني تبنيها).

كما يشير هؤلاء الناشطون الى تركيز المؤسسة على الاشكالات التي تواجهها المجتمعات الاسلامية من عنف وتطرف والعمل في هذه المجتمعات دون التركيز على ما يجري في المجتمعات الغربية من مظاهر عنصرية وتطرف ومعاداة للمسلمين والذي يحتاج الى اهتمام وتحرك مضاد.

ان ما تقوم به المؤسسة هو جهد رائع ومهم في نشر الوعي حول الاديان والقيم الدينية والسياسية والمواطنة والحوار وهذا الجهد ينضم الى جهود بقية المؤسسات الحوارية في لبنان والعالم العربي والاسلامي وعلى الصعيد الدولي، ومن هذه الجهود تجربة الفريق العربي الاسلامي – المسيحي ومجلس حوار الاديان في العراق ومركز الملك عبد الله في فيينا واللقاء اللبناني للحوار ولجنة الحوار الاسلامي- المسيحي في لبنان ومعاهد الدراسات الاسلامية – المسيحية في بعض الجامعات اللبنانية وخصوصا اليسوعية والبلمند ومركز لقاء التابع لبطريكية الروم الكاثوليك وملتقى الاديان والثقافات للحوار والتنمية وحلقة التنمية والحوار في مجدليون قرب صيدا (جنوب لبنان) والحركة الثقافية في انطلياس والحركة الثقافية في لبنان واللقاء الفكري العاملي في جنوب لبنان ومؤسسة الامام الحكيم والمجمع الجعفري للبحوث والدراسات والمركز العربي للحوار ولقاء ربانيون، اذن هناك جهود عديدة حول الحوار ولمواجهة العنف والتطرف لكن رغم ذلك لا يزال العنف منتشرا والتطرف يزداد ولذا نحتاج للمزيد من الجهود في هذا المجال.

فتحية لمؤسسة اديان ولكل المؤسسات الحوارية ولكل الناشطين في الحوار من رحل منهم ومن يستمر في خوض الصراع.

المصدر: موقع النور الجديد




التطرف الديني ليس سوى جزء يسير من حالة دينية تاريخية راسخة وعميقة

التطرف حالة تاريخية راسخة
التطرف حالة تاريخية راسخة

يبدو التطرّف الديني أعقد بكثير مما يظهر في الوهلة الأولى، ليس مجرد خطاب ديني يمكن الردّ عليه أو مواجهتــه بـخطاب ديني معتــدل، أو مواجهة أتباعه وجماعاته أمنيا وسياسيا،.. ويمكن الاستدلال ببساطة من حالة التأييد المتنامي للمتطرفين وأفكارهم في عالم العرب والإسلام أن الخطاب المتطرّف ما زال قادراً على التماسك والإقناع وجذب المؤيدين والأنصار، وأن ما بذلته المؤسسات الدينية الرسمية في مواجهة “الإسلام السياسي” لم يغير شيئا في حقيقة تأثير هذه الجماعات السياسي وهيمنتها على الشارع، بل ونجاحها في تحويل الإسلام السياسي إلى إسلام شعبي.

والواقع أن الخطاب الفكري والإعلامي المفترض أنه يواجه التطرف والإرهاب، يساهم في خدمته ونشره من حيث لا يريد، لأنه وببساطة لا يبدو ثمة فرق بين الخطاب الديني الذي تقدمه وتنشره وتعلمه المؤسسة الدينية والتعليمية الرسمية وبين خطاب الجماعات الدينية المتطرفة، والأسوأ من ذلك أن الفئة المنوط بها مواجهة التطرف لا تملك مؤهلات لذلك سوى التأييد السياسي للحكومات، ولكنها في بنيتها الاجتماعية والدينية والفكرية تمثّل حالة من الكراهية والتعصّب، .. هذا الاعتدال السياسي المصحوب بالتطرف الديني والاجتماعي والكراهية الممتدة والمنتشرة وغياب التسامح، يفشل المواجهة الفكرية والإعلامية مع التطرف، بل يحوّلها لصالحه.

والظاهرة الثالثة الأكثر صعوبة وتعقيدا في مواجهة التطرف والتعصب الديني هي أن التطرف منظومة اجتماعية وتعليمية ومؤسسية تستمدّ مواردها وازدهارها من الكراهية الكاسحة، ولا يمكن تفكيك هذه الحالة إلا بمنظومة شاملة وبديلة من الإصلاح في البيئة المحيطة بالثقافة والتعليم وأسلوب الحياة والسلوك الاجتماعي.

والظاهرة الرابعة التي يدور حولها الصراع ويستمد التطرف منها زاده الفكري والاجتماعي هي مسألة العلاقة بين الدين والدولة، حيث مازالت الدول العربية والإسلامية جميعها تنشئ سلطات دينية قائمة على تراث ديني وفكري وفي محاولتها لتثبيت الشرعية الدنية والسياسية للسلطات والنخب، فإنها تؤسس للتطرف، وينشئ ذلك صراعا أهليا واجتماعيا لا يبقي ولا يذر.

ولكن لم يعد ثمة مجال للتهرب من مواجهة المسألة الدينية وبخاصة العلاقة بين الدين والدولة ووضعها في سياق يصنع السلم الاجتماعي والاعتدال، فما يجري من حروب أهلية وهجرات واسعة وجرائم مثل تفجير المساجد ومدارس الأطفال والجنائز والأسواق أو الإرهاب الفردي الخارج عن التوقّع (الذئب المتوحّد) تصدم الضمير العربي والإسلامي والعالمي وتجعل من غير الممكن تأجيل المواجهة الحاسمة لأنفسنا والبحث عن جذور وأسباب التطرف في المنظومة الاجتماعية والسياسية السائدة والمطبقة في الدول والمجتمعات.

منظومة الاعتدال في مواجهة الكراهية

هناك إشكالات معقّدة في بناء استراتيجيات الاعتدال والتسامح ومواجهة الكراهية والتطرف، تتعلق بدور الحكومة والمجتمع ومسؤولياتهما والعلاقة والشراكة بينهما، فأن نطالب الحكومة بإصلاح المؤسسات التعليمية والدينية وتشجيع خطاب ديني وثقافي معتدل ومتسامح، يعني ذلك بالضرورة توسعة دور الحكومة الاجتماعي والثقافي والديني على حساب المجتمع وولايته على شؤونه وأولوياته، وأن نطالب بإسناد الدور الديني والثقافي للمجتمع يعني ذلك بالضرورة تمكين المجتمعات واستقلالها وقدرتها على تنظيم نفسها ومؤسساتها المجتمعية، وأن تكون لها الموارد المالية والقدرات التنظيمية، الأمر الذي يبدو أن الحكومات العربية ليست متحمّسة له، فالحكومة ألحقت المجتمع بها على مدى العقود الماضية، وأفقدته ما كان لديه من قدرات ومؤسسات اجتماعية، لأنه وببساطة يعني ذلك نشوء قيادات وقواعد اجتماعية قادرة على التأثير في الأسواق والسياسات والتشريعات في اتجاه مصالح المجتمعات، وفئات وطبقات اجتماعية واقتصادية مستبعدة من دوائر النخبة والتأثير والموارد، وتفضّل الحكومة مشاركة اجتماعية تابعة لها وليست مستقلّة، وبالطبع فإن وضع المجتمع في حالة تلقٍّ سلبي من غير مشاركة حقيقية، سيجعل برامج الحكومة وسياساتها لا تحظى بحماسة ومشاركة فاعلتين، ولن تجد الحكومات شركاء لها سوى مجموعات من الموظفين والأتباع غير المتحمّسين لمحتوى الخطاب والبرامج، وإن كانوا يشاركون فيه مؤسسياً أو احتفالياً.

هذه العلاقة القائمة اليوم بين الدين والدولة في العالم العربي والإسلامي تحتاج إلى مراجعة وتفكيك، ولا يمكن البدء بمواجهة التطرف والإرهاب وتصحيح الحالة الدينية القائمة إلا بتصحيح العلاقة بين الدين والدولة، وهناك اليوم ثلاث فئات سياسية تلحق الضرر بنفسها إلى درجة تهددها بالانحــسار، وتنشئ حالة من الصراعات والحروب الأهلية بســـبب علاقتها المضطربة بالدين، وهي النخب والسلطات السياسية التي تدير الدولة العربية الحديثة منذ تشكلها، وجماعات الإسلام السياسي التي شاركت في الحياة السياسية والعامة وطورت نموذجاً حداثوياً لعلاقة الدين بالدولة، والجماعات السلفية القتالية التي تخوض حروبا وصراعات وتدير عمليات قتل وعنف كما تؤسس لحالة من الكراهية المخيفة في المجتمعات والطوائف والمذاهب.

تعتبر الدول العربية والإسلامية الحديثة نفسها دولاً إسلامية تشكل امتداداً للتاريخ الإسلامي وأنظمة الحكم الإسلامي القائمة منذ بداية التاريخ الإسلامي، وسلكت في الوقت نفسه في بناء مؤسسات الدولة الحديثة وأنظمتها الانتخابية والقضائية والسيادية متبعة نموذج الدولة الغربية الحديثة في بنائها ونظامها الإداري والسياسي، وفي ذلك فقد أنشأت بنفسها ولنفسها مأزقاً، فأوقعت نفسها في تناقض كبير في محاولتها الجمع بين الدور الديني والحداثة السياسية، ولم تحصل أيضاً على تأييد وشرعية من الجماعات الإسلامية وقطاعات شعبية واسعة، ولم تنشئ نظاماً سياسياً حديثاً قائماً على الحريات والمواطنة.

وتواجه جماعات الإسلام السياسي مأزقاً في نموذجه الذي تقدمه وتدعو إليه فلا هو إسلامي ولا ديموقراطي، وفي الوقت نفسه فقدت كثيراً من شرعيتها وصدقيتها السياسية والدينية أمام جماهيرها التي انحازت إلى النموذج المثالي والمتطرف الذي أنشأته جماعات الإخوان المسلمين والتيارات المرتبطة بها ثم تخلت عنه.

متوالية الدين في السياسة

ولكن المتوالية الدينية- السياسية أعقد بكثير من هذا المشهد الذي قدمته، فقد تشكلت متوالية من الحالات والمؤسسات الدينية السياسية الاجتماعية الاقتصادية، والتي لا يمكن استيعابها أو تفكيكها بملاحظة الرواية المنشئة للإسلام السياسي وأطرافه الفاعلة، فقد أنشأت السلطات السياسية في تحالفها مع الجماعات الدينية بحثاً عن الشرعية الدينية السياسية ولمواجهة التيارات السياسية المعارضة والمنافسة متوالية من التطبيقات الدينية أو المرتبطة بالدين، واستطاع هذا التحالف أن يطور التراث الديني السياسي التقليدي إلى منظومة فكرية وعملية اجتذبت أعداداً كبيرة من المؤيدين، يمكن ملاحظتها في البنوك والمؤسسات الاقتصادية «الإسلامية»، وكذلك المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وفي الجماهير والجماعات المنظمة والمتعلمة، والتي انخرطت في الانتخابات النيابية والنقابية والبلدية منشئة مشاركة سياسية وعامة بقواعد وأفكار جديدة ومختلفة، .. هذا «الإسلام السياسي» تحول إلى «إسلام شعبي» مستقل عن الجماعات السياسية الإسلامية كما هو مستقل عن السلطات السياسية، وإن كان يعمل في كنفهما وبالمشاركة معهما، وصار المستفيد الأكبر من هذا المد الشعبي هو شبكة من الاستثمارات والشركات والجماعات السلفية بتياراتها المتشددة والقتالية أو تشكلات عشوائية ومجتمعية لا علاقة لها بالسلطات ولا الجماعات المنظمة، وأصبحت الظاهرة الدينية كما التطرف والكراهية والارهاب حالة خارجة عن السيطرة والمألوف، ولا يعرف حتى الآن من يمكنه أن يقودها أو يؤثر فيها، ففي الشبكية القائمة والمستمدة من تقنيات الحاسوب والاتصالات لم يعد ثمة حاجة كبيرة لجماعات منظمة أو قيادات ومؤسسات محددة … وإنه من المحير أن تكون الجماعات المنتجة للتخلف هي الأكثر استيعاباً للتقنية والمعارف الأكثر تقدماً.

التطرف تحميه منظومة سياسية اجتماعية

يُلاحَظ أن معظم إن لم تكن جميع موارد التطرف والإرهاب موجودة في بيئة آمنة ومحمية من السياسات التعليمية والدينية والاجتماعية المتّبعة في الدول العربية، وفي التراث الديني والتاريخي والفقهي المتّبع لدى الدول والمجتمعات الإسلامية. وما تدعو إليه وتنادي به الجماعات المتطرفة، ليس أمراً مختلفاً عما هو مطبّق ومتّبع في عالم الإسلام منذ قرون طويلة، ولا يختلف ما يدعو إليه المتطرفون عما تدعو إليه المؤسسة الدينية الرسمية، أو ما يُعلم للتلاميذ في المدارس وكليات الشريعة في البلاد العربية والإسلامية.

لقد أقحمت المؤسسات السياسية والفقهية منظومة من المبادئ والتطبيقات، باعتبارها جزءاً من الدين، وبذلت جهداً سياسياً وعلمياً متراكماً لتحويلها إلى الدين باستخدام الهيمنة السياسية وتأثير الفقهاء، واليوم فإن الجماعات الدينية تستند إلى التراث الفقهي والتطبيقي نفسه، الذي بذلت السلطات السياسية والدينية قروناً طويلة في إقناعنا بالقوة أو الحجة والمنطق، بأنه الدين.

فالجماعات الدينية تسوغ أفكارها وأعمالها على أساس مبدأين أساسيين هما الحكم والردّة، وهما مبدآن أضيفا إلى الدين لأغراض سياسية وسلطوية، واكتسبا مع القرون المتطاولة صفة دينية راسخة، وتؤدي السلطات السياسية أدواراً دينية كثيرة لم يطالبها بها الدين، مثل التعليم الديني وإدارة وتنظيم الشأن الديني والعبادة والإفتاء. وفي ذلك، أنشأت الحكومات بيئة آمنة للجماعات الدينية للعمل والدعوة والتنظيم، وبتمويل حكومي من الموارد العامة وأموال دافعي الضرائب.

وتمثّل الحالة الدينية السائدة وموجات التديّن والإقبال على الدين، والنشاطات والبرامج الدينية في وسائل الإعلام والفضائيات، والمحاضرات والبرامج الدينية الرسمية في التعليم والأوقاف، وعلى الرغم من أن معظمها إن لم يكن جميعها يبدو متقبلاً أو لا يخدم مباشرة التطرف والجماعات المتطرفة، فإنها تشكّل المساحة المشتركة بين المتطرفين وعموم المتدينين، وتمثل بالنسبة الى الجماعات القاعدة الأساسية للبناء عليها وتطوير نموذج خاص ومختلف في الفهم الديني.

ويمكن أن يجد المتابع مئات الأمثلة والملاحظات في المناهج التعليمية والمؤسسات الدينية والتعليمية الرسمية والتطبيقات الحكومية والتشريعية، مما يمكن اعتباره مورداً دينياً وفكرياً للتطرف، ولا يختلف بحال عما تدعو إليه الجماعات المتطرفة، ويمكن في الوقت نفسه الاستغناء عنه بلا تعارض مع الدين!

ولكنني سأعرض مثالاً واحداً صارخاً واستفزازياً، وهو الرسالة الموجّهة إلى البغدادي، خليفة «داعش»، والتي توزّعها الحكومة الأردنية بلغات عدة وعلى نطاق واسع، ما يؤكد أنها تمثل الرد الديني الرسمي على «داعش»، وقد وقّع على الرسالة عشرات العلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

من يقرأ الرسالة يتأكد له أن مصادر المتطرفين الفكرية والدينية هي نفسها المصادر القائمة والمتقبّلة لدى النخب الدينية على مدار التاريخ العربي والإسلامي، وأن المتطرفين لا يستخدمون في واقع الحال أدلة ونصوصاً مختلفة عن النخب الدينية، وأن الصراع في الحقيقة ليس حول الدين ولكنه صراع على الدين!

لقد عرضت الرسالة أفكاراً وحججاً تجعل المواطنين يخافون من السلطات القائمة في العالم العربي، مثل أو أكثر مما يخافون من «داعش»… هل كانت مشكلة «داعش» هي الخطأ في تفسير النصوص الدينية؟ وهل تعتقد الحكومات العربية والإسلامية أن بيان حكم الشريعة الإسلامية سيقضي على التطرف؟ وهل ينقص الناس في بلاد العرب والمسلمين كما المؤيدين للجماعات المتطرفة، بيان الحكم الشرعي؟ ومن يملك هذا الحكم الشرعي؟ ولماذا كان الصراع على مدار التاريخ العربي والإسلامي على السلطة، ولم تجر حروب ولا خلافات في يوم من الأيام على أركان الإسلام وأركان الإيمان، وسائر العبادات والأحكام الدينية؟

رسالة العلماء تحمل مضامين مرعبة للمواطنين والعالم أيضاً، ولا تفيد شيئاً في محاربة «داعش» والتطرّف والإرهاب. فالرسالة ترى الخلافة من الدين، وواجباً يجب أن نسعى إلى تحقيقه، وكل ما فعله «داعش» أنه أخطأ الوسيلة. كما أن قطع اليد ورجم الناس وقتلهم، أمور من الدين، وما فعله «داعش» هو عدم التحوّط، وأنه يجب قتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.

ألا يعني ذلك، وفق الرسالة، أننا مأمورون بقتال كل الأمم والدول، من الآسيويين والأفريقيين والمسيحيين أيضاً، وما يمنعنا من ذلك ليس إلا عجزنا، وأن من مصلحة العالم، بل من واجبه، أن نظل فقراء عاجزين، لأننا بغير ذلك سنقاتل العالم كله حتى يقول الناس لا إله إلا الله؟ والواقع أنه وفق رسالة العلماء، فإن اليهود فقط هم الذين لا يشملهم الأمر بالقتال، فكل من عداهم يمكن اعتبار أنهم لا يقولون لا إله إلا الله.

والرسالة تكريس للسلطة الدينية على الناس، على نحو يحرم الحريات والديموقراطية وولاية الأمة، وكونها مصدر السلطات والتشريع. وإن كانت للرسالة حسنة، فهي تأكيدها أن ثمة حاجة الى إعادة صياغة العلاقة بين الدين والدولة على نحو مختلف عما كانت عليه الحال طوال التاريخ، وأن الدولة الحديثة، بما هي حديثة، يجب أن تكون محايدة تجاه الدين. والواقع أنه توجد حسنات أخرى للرسالة، فقد أفتت بجواز حب الأوطان!

ويبدو من البداهة بالطبع أن تنشئ الدول والنخب السياسية حالة جديدة من العلاقة بالدين تكون أكثر ملاءمة للإصلاح والتقدم من دون معاداة للدين، فقد أثبتت القطيعة مع الدين أنها تزيد الحالة الدينية قوة وتماسكاً، كما أن الحالة القائمة في العلاقة بين الدين والحكم والسياسة يســتحيل الاستمرار فيها، بما تثيره من تحديات ومتاعب وتناقضات فكرية وواقعية. وأسوأ من ذلك ما أنشأته من حروب وصراعات وتهجير ومجاعات وإهدار الأمن والاستقرار والمصالح وتدمير المؤسسات والموارد.

تحرير الدين من الصراع وتحرير الصراع من الدين

ثمة فرصة كبيرة تتشكل اليوم لتيار اجتماعي قادر على تحرير الدين والصراعات القائمة في البلاد العربية من بعضهما بعضاً، ويمكن أن يكون هذا التيار ائتلافاً تعددياً من مجموعة من الأفكار السياسية والدينية، من المتدينين الذين يشاركون في الحياة السياسية والعامة على أسس وقواعد علمانية بهدف التأثير في العملية السياسية من دون إضرار بها، ومن علمانيين متدينين، يؤمنون أن العلمانية موقف ديني أو هي التطبيق والفهم الأكثر صواباً للدين، وعلمانيين غير متدينين، لكنهم لا يتخذون موقفاً عدائياً من الدين، ويؤيدون حياد الدولة الإيجابي تجاه الدين، بمعنى الالتزام بحرية التدين مع استقلال الدين والدولة عن بعضهما بعضاً.

هناك تفاوت بالطبع في نضج الفكرة ووضوحها لدى التيارات الثلاثة، فالعلمانيون غير المتدينين هم الأكثر وضوحاً وفهماً للعلاقة الممكنة بين الدين والدولة، وإن كانوا يتعرضون لسوء فهم وعداء من الإسلام الشعبي الذي تحول إلى إسلام سياسي أكثر تعصباً وأقل تسامحاً من الإسلام السياسي المنظم في جماعات وأحزاب، وأما المتدينون العلمانيون، فقد كانوا التيار الأكثر عرضة للإقصاء وسوء الفهم، واجتمعت عليهم سهام السلطات السياسية وجماعات الإسلام السياسي، وإن كانوا الأقدر والأكثر كفاءة وتجربة في تقديم رؤية فكرية ودينية واضحة وعملية للخروج بالحالة السياسية والتعليمية من التطرف والجمود الراسخ والمتغلغل في كل أنحاء ومستويات المؤسسات التعليمية والدينية الرسمية وفي الإعلام والدعوة والإفتاء، وأما المتدينون المؤيدون للمشاركة العامة والتأثير فيها بأدواتها وقواعدها فهم الأكثر غموضاً وتردداً، وما زالوا في حالة صراع مع الذات وفي اجتهاد فكري مضنٍ لأسلمة الديمقراطية أو تحويلها إلى فكرة إسلامية، وهم وإن كانوا يناقضون أنفسهم وينشئون رؤية ومواقف ليست إسلامية ولا ديموقراطية، فإنهم في واقع الحال مقتنعون عملياً بضرورة استقلال الدين والدولة عن بعضهما بعضاً، أو بعبارة أخرى أنسنة الدولة، لكنهم يواجهون أزمتين تربكهما: مع أنفسهم وضمائرهم التي تؤمن بمطالب تطبيقية دينية للدولة لا تحتملها الديمقراطية بما هي نسبية وعدم يقينية، ومع جمهورهم وقواعدهم التنظيمية المأسورة في صورة مثالية للتاريخ لا تقبل المداهنة وأنصاف الحلول، لكنها على أي حال تلتزم بعملية سياسية واجتماعية مع الاختلاف معها في الوقت نفسه.

المسألة الإيجابية في التيار الثالث، أنه واضح في مطالبه ويحدد على نحو واقعي الفرق بين ما يريده والواقع القائم، ويوضح أيضاً فكرته لتطبيق ما يدعو إليه على أسس ديموقراطية وسلمية، وهو في ذلك شريك ملائم، ويمكنه أيضاً أن يدفع ويؤثر في قطاع واسع من المتدينين سواء من أعضاء الجماعات المنظمة أو الفئات الاجتماعية الواسعة والمؤمنة بالإسلام السياسي، لكن نقطة الضعف الأساسية في هذا التيار أنه وإن كان مؤيداً للديمقراطية، فإن إيمانه بها مستمد من دوافع ومبررات دينية، وسوف يظل الدين بما هو حق نزل من السماء هو القيمة العليا المرجعية والمنظمة للحياة السياسية وليس المواطنة وولاية المواطنين على مصائرهم ومواردهم، وهي مسألة خطيرة ولا يجوز غض الطرف عنها، حتى مع الاتفاق في المحصلة مع أصحاب هذا الاتجاه، لأننا في واقع الحال سنظل في تنظيم الدولة والمجتمع وفي ممارسة المواطنة والحريات تحت رحمة فتوى دينية أو وساطة بشرية مع السماء.

… والحال أن ما نحتاج إليه، هو أن نعمل ونفكر معاً بحثاً عن الحكمة والصواب موقنين بنقص معرفتنا واحتمالات الخطأ والصواب والمصالح والأهواء فيما نفكر فيه ونخطط لأجله، لكننا نواصل حياتنا بما هي كذلك ولأجل أن نعيشها.

الكاتب: ابراهيم غرايبة

المصدر: مؤمنون بلا حدود




ملتقى الأديان” يحضّر لمؤتمره العام حول المواطنة

مؤتمر المواطنة بين الفهم الدين والقواعد الدستورية
مؤتمر المواطنة بين الفهم الديني والقواعد الدستورية

في ختام نشاطات العام الحاليّ تحت عنوان “عام الحوار والسّلم الأهلي”، يستعدّ “ملتقى الأديان والثّقافات للتنمية والحوار” لعقد مؤتمره السّنوي العامّ تحت عنوان “المواطنة في العالم العربي والإسلامي: واقع وتحديات”، وذلك يوم الخميس في 10 كانون الأوّل من العام الحاليّ، وبمشاركةٍ  لبنانيّةٍ وعربيّةٍ وإسلاميّةٍ واسعة.
وتُلقى في جلسة الافتتاح كلماتٌ لكلٍّ من رئيس الملتقى السيد علي فضل الله، الأمين العام لـ”اتّحاد الكتّاب اللبنانيين” وجيه فانوس، نعمة افرام، رئيس جمعية “المقاصد” أمين محمد الداعوق، القاضي عباس الحلبي، المفكّر العربي طيب تيزني.
وتتضمّن أعمال المؤتمر عدّة جلسات، تدور الأولى حول “المواطنة بين الدّين والعلمانية” يُديرها عبد الحسين شعبان. وهي تتناول عدّة نقاطٍ هي:
-“أزمة المواطنة في الخطاب الإسلامي المعاصر”، يحاضر فيها احمد موصللي.
-“الكنيسة – الدولة – المجتمع”، يحاضر فيها الأب باسم الرّاعي.
-رؤية إسلاميّة حول الدّين والمواطنة”، يحاضر فيها خنجر حميّة.
-التضادّ بين مفهوم المواطنة وأنظمة الإقطاع السّياسي والمذهبي ، تحاضر فيها الزّميلة الصّحافيّة نهلة الشّهّال.
أمّا الجلسة الثّانية فهي تحت عنوان “المواطنة من النّاحية القانونيّة والدّستوريّة”، يديرها جورج جبور وتتضمن الموضوعات الآتية:
-“المواطنة وإشكالاتها التّطبيقية”، يُحاضر فيها عصام نعمان.
-“المواطنة وتحدّيات السّلم الأهليّ”، يُحاضر فيها المحامي عمر زين.
-“تجارب دوليّة في تطبيق المواطنة في مجتمعٍ متعدّد”، يُحاضر فيها السّفير عبد الله بوحبيب.
والجلسة الثّالثة ستكون تحت عنوان “المواطنة والمجتمع والتّربية”، يُديرها رئيس “رابطة الشّغيلة” النّائب السّابق زاهر الخطيب، وهي تتناول الموضوعات الآتية:
-“دور المؤسّسات الأهليّة والمدنيّة في تعزيز المواطنة”، يُحاضر فيها معن بشور.
-“التّربية على المواطنة في النّظام التّعليمي في لبنان”، يُحاضر فيها الأب فادي ضو.
-“التّأسيس الفلسفي للمواطنة”، يُحاضر فيها عماد فوزي شعيبي.
-“المواطنة في إطار التّعددية والقيم المشتركة”، يُحاضر فيها عبد الله الأشعل.
أمّا الجلسة الختامية فتُخصَّص لتقديم الخلاصات والاستنتاجات، ويُديرها سركيس ابوزيد والعميد فضل ضاهر.
إلى ذلك، يعمل الملتقى على تشكيل شبكة وطنية وعربية قوامها مؤسّسات المجتمع المدنيّ والمؤسّسات الثقافية والتربوية ومؤسّسات الحوار الدّيني والهيئات الأهلية، وهدفها دعم السّلم الأهليّ والحوار. كما يتواصل المسؤولون في الملتقى مع مختلف الهيئات المدنية، وخصوصاً تلك الّتي شاركت في مؤتمر “الأونيسكو” حول الحوار والسّلم الأهلي، والّذي عقده الملتقى في شهر نيسان الماضي، من أجل تشكيل هذه الهيئة الوطنية.

الكاتب: قاسم قصير

المصدر: السفير




شيعة مغاربة يشكون “التحريض والتمييز على أساس المعتقد”

عدد من المسلمين الشيعة أثناء تشييع أحد علمائهم
عدد من المسلمين الشيعة أثناء تشييع أحد علمائهم

فيما قرر أحد أبرز أعضاء مؤسسة الخط الرسالي للدراسات والنشر، التي تضم مجموعة من الشيعة المغاربة، تجميد أنشطته داخل هذه المؤسسة، احتجاجا على عدم تنزيل الدستور بشأن منع التمييز على أساس المعتقد، شكا نشطاء شيعة مغاربة ما سموها “حملات التفسيق والتكفير” ضدهم.

وأعلن عصام حميدان الحسني، العضو القيادي في “الخط الرسالي”، تجميده لأي نشاط له في هذه المؤسسة، مشيرا إلى أن “قراره يبقى فرديا وليس جماعيا”، معزيا هذا التوجه إلى ما قال إنه تشكيك في مدى جدية النخبة السياسية بالمغرب، سواء الدولة أو حتى المجتمع المدني”.

ويشرح حميدان، في تصريحات لجريدة هسبريس، بأنه يشك في جدية هذه الأطراف كلها إزاء التعاطي مع ملف العيش المشترك والمواطنة، وتفعيل الاتفاقية الدولية المتعلقة بحرية المعتقد، أو حتى تنزيل المبدأ الدستوري المتعلق بمنع التمييز على أساس المعتقد”، وفق تعبيره.

وينص تصدير الدستور، والذي يعتبر جزء ى يتجرأ من الوثيقة الدستورية لسنة 2011، على أن المغرب يلتزم بحظر ومكافحة كل أشكال التمييز، بسبب الجنس، أو اللون، أو المعتقد، أو الثقافة، أو الانتماء الاجتماعي، أو الجهوي، أو اللغة، أو الإعاقة، أو أي وضع شخصي، مهما كان”.

وقال الحسني للجريدة إن “النخب المدنية مستغرقة فقط في قضية منع التمييز على أساس الجنس، ولا تبدي الحماسة ذاتها اتجاه مطلب عدم التمييز على أساس المعتقد، ومعنية فقط بمبدأ المناصفة في الإرث، دون المناصفة في سائر الحقوق والواجبات بين المواطنين دون تمييز” .

وأبدى المتحدث استغرابه مما سماه “الاهتمام البالغ بإدماج المتطرفين في الحياة المدنية والسياسية، بينما هناك مواطنون مسالمون مقصيون عن حقوقهم المدنية والسياسية، كما لو أن أقصر طريق للإدماج الوطني هو الاعتقال على ذمة ملفات الإرهاب”، مضيفا أن ذلك نتاج لسياسة خاطئة في تدبير الاختلاف الفكري والسياسي داخل الوطن”.

وتابع المتحدث ذاته قائلا بأن “الدولة المغربية دفعت الكثير من أموال الشعب، من أجل إرساء مبدأي الإنصاف والمصالحة في البلاد، لكن المغرب يعيد إنتاج أخطاء الماضي، وسنحتاج في كل عقد أو عقدين من الزمن لإنصاف ومصالحة أخرى “، وفق تعبير حميدان.

ومن جهته أورد الناشط، محمد الحموشي، ﺘﻌﺮﺽ شيعةٍ مغاربة ﻟما سوفه بالتحريض الممنهج ﻣﻦ ﻃﺮﻑ ﺍﻟﺘﻴﺎﺭ ﺍﻟﻮﻫﺎﺑﻲ، ﻣﺴﺘﻐﻠﻴﻦ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻛﻞ ﺍﻹ‌ﻣﻜﺎﻧﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺎﺣﺔ ﻟﻬﻢ، من مواقع ﺇﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻴﺔ، وﻣﺠﻼ‌ﺕ ﻭﺻﺤﻒ، ﻭﻗﻨﻮﺍﺕ ﻓﻀﺎﺋﻴﺔ”، مشيرا إلى أن التحريض ﻭﺻﻞ ﺣﺪ ﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﺑﺎﻟﻘﺘﻞ، ﻭالإحراق ﺑﺎﻟﻨﺎﺭ”.

وأردف المتحدث بأن “ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺾ ﻭﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﻟﻢ ﻳﺤﺮﻙ ﺳﺎﻛﻨﺎ ﻋﻨﺪ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﻣﻦ ﻳﺼﻜﻮﻥ ﺁﺫﺍﻧﻨﺎ ﺑﺤﻤﺎﻳﺔ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻹ‌ﻧﺴﺎﻥ، ﻭﻳﺘﻐﻨﻮﻥ ﺑﺎﻟﺤﺪﺍﺛﺔ ﻭﻗﻴﻢ الديمقراطية، ﻭﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﻌﺘﻘﺪ”، مشيرا إلى أن “ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﺕ ﺭﻏﻢ ﺑﺴﻄﻨﺎ ﻟﻜﻞ ﻣﻮﺍﻗﻔﻨﺎ، ﻭﻧﺸﺮ ﻛﻞ ﻗﻨﺎﻋﺎﺗﻨﺎ، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻻ‌ ﺗﺘﻮﺍﻧﻰ ﻋﻦ ﻣﺤﺎﺻﺮﺗﻨﺎ ﻭﻭﺿﻊ ﺍﻟﻌﺮﺍﻗيل ﺃﻣﺎﻣﻨﺎ” على حد قوله.

الكاتب: حسن الأشرف

المصدر: هسبريس