الحياة الروحية في مصر العثمانية

بقلم: محمَّد حلمي عبدالوهَّاب — مثَّل التصوُّف في العصر العثماني حقيقةَ الإسلام الكُبرَى، بصفته تعبيراً أسْمى عن مقام «الإحْسَان» في الإسلام، كما ورد في الحديث النَّبوي الشَّريف: «الْإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». وقد اشتُهر بالصُّوفية كثيرٌ من أئمة الإسلام وأعيان العلماء والسَّلاطين والملوك والوزراء والأمراء.

فعُرِف من الصُّوفية من أهل العلم والفضل شيوخُ الإسلام: العزُّ بن عبدالسَّلام (ت 600هـ)، وابن دقيق العيد (ت 702هـ) وبدر الدِّين بن جَماعة (ت 733هـ)، وزكريا الأنصاري (ت 926هـ)، وابن حجر الهيتمي (ت 973هـ)، وغيرهم. ومن الأئمة: بهاء الدِّين بن شدَّاد (ت 632هـ)، شيخُ صلاح الدِّين الأيوبي الذي جعل داره خانقاه للصُّوفية من بعده، وابن الصَّلاح (ت 643هـ)، وابن الحاجب (ت 646هـ)، والحافظ المنذري (ت 656هـ)، والفيروز آبادي (ت 817هـ)، صاحب القاموس المحيط، وغيرهم.

ومن مشايخ الأزهر الشريف: الشَّيخ الحِفْني الخلْوتي (ت 1181هـ)، والشيخ عبدالله الشَّرقاوي (ت 1227هـ)، والشيخ الباجوري (ت 1276هـ)، والشيخ مصطفى العروسي (ت 1293هـ)، والشيخ المهدي العباسي (ت 1315هـ)، وغيرهم.

ومن الملوك والسلاطين: النَّاصر صلاح الدِّين (ت 589هـ)، والظَّاهر بيبرس (ت 676هـ)، والظَّاهر برقوق (ت 801هـ)، والأشرف قايتباي (ت 901هـ)، وغيرهم.

ومن المعلوم تاريخياً، أنَّ مصر انضوت تحت لواء الحكم العثماني لمدة تقارب ثلاثة قرون (1517- 1805م). فقد كان قدرُ مصر- منذ عهد الطُّولونيين (254- 292هـ) وحتَّى عام 1952م- أن يتعاقب على حُكمها دائما أناسٌ- فيما عدا الفاطميين- من أصولٍ تُركية، أو تربَّوا على تقاليد الدَّولة التُّركية. وخلال تلك الحقبة الطَّويلة كان للعهد الذي دخلت فيه مصر تحت الحكم العثمانيِّ مكانة متميزة، إذ كان للثقافة التُّركية آثارُها التي تركتها في مصر، ولا تزال بعضُ مظاهرها ماثلة حتَّى اليوم.

ضمن هذا السِّياق، يعدُّ التصوّف واحداً من أبرز السِّمات والقواسم المشتركة في تاريخ البلدين، فقد كانت مصر على الدَّوام محجّاً للعديد من المتصوّفة الأتراك الذين شدُّوا الرِّحال إليها، وتتلمذوا على يد شيوخها، وتأثَّروا بالتَّيارات الفكرية والرُّوحية السَّائدة فيها. ويكفي أن نذكر منهم، على سبيل المثال: أوحد الدِّين كَرْماني (ت 635هـ) الذي استقر مدَّة من الزَّمان في مصر، وكان هو والشيخ الأكبر محيي الدِّين بن العربي (ت 638هـ) يلتقيان ويزور أحدهما الآخر باستمرار. وكذلك الأمر بالنسبة لصدر الدين القُونَوي (607-673هـ)، أَجَلُّ تلامذة الشيخ الأكبر، والذي كان بمثابة حلقة وصل في ما بينه وبين صاحب المثنوي، مولانا جلال الدِّين الرُّومي (ت 672هـ). وأيضاً شيخ الإسلام شمس الدِّين محمَّد بن حمزة الفنَاري (751-834هـ)، الذي تتلمذ على يد كلٍّ من: علاء الدِّين الأسود، شارح الـمُغْنِي في الأصول وشارح الوقاية، وجمال الدِّين أقصرائي (ت 776هـ)، ثم رحل إلى الدِّيار المصرية وتوفِّي فيها عام 834هـ.

ومع أنَّ التصوّف في الأصل هو عبارة عن ظاهرة وجدانية فردية، إلا أنَّ تصوف العصر العثماني كان ظاهرة اجتماعية تتطوَّر مع الزَّمان وتتغيَّر باختلاف المكان، كغيرها من ظواهر الحياة الاجتماعية الأخرى. فقد اتَّسم العصر العثماني بانتشار الطرق الصوفية، وسيطرتها على مناحي الحياة الدِّينية والرُّوحية، السِّياسية والاجتماعية. وذلك بفضل أن العثمانيين لم يكتفوا فقط بتشجيع التصوُّف، وإنَّما انخرطوا فيه فعلياً، فشاركوا في بناء الأضرحة والمزارات والقباب، كما شاركوا في الموالِد والاحتفالات الصوفية.

وليس أدل على ذلك من سيرة المؤسَّس الأول، السُّلطان عثمان الغازي (656-726هـ)، الذي أحاط نفسه برجال «الطريقة الآخية»، وداوم على زيارة الشَّيخ المولى إده بالي (ت 726هـ) الذي ارتحل إلى البلاد الشَّامية، وتفقَّه فيها على مشايخ الشَّام، وقرأ التَّفسير والحديث والأصول، ثم ارتحل إلى بلاده واتَّصل بخدمة السُّلطان، ونال عنده القبول التَّام، وبَنى في الدَّولة العثمانية زاوية كان ينْزل فيها السُّلطان عثمان الغازي، الذي بشَّره الشَّيخ بالسلطنة، وزوّجه من ابنته.

أيضاً أولى العثمانيون عناية خاصة بتصوف الشَّيخ الأكبر محيي الدِّين بن العربي، فالسُّلطان محمَّد الفاتح كان من أتباع مدرسته، حيث اتَّخذ شيخَه آق شمس الدِّين (ت 863هـ)، الفاتح الرُّوحي للقسطنطينية، مُستشاراً له. كما كلَّف ثلاثة علماء، على الأقل، بشرح كتُب صدر الدين القُونَوي؛ وهم: قطب الدِّين الإزنيقي والقرْمي والإلهي. ويتضمن شرح الأخير على «مفتاح الغيب» إشارات شتَّى تتعلَّق بالسُّلطان محمَّد الفاتح الذي احتفظ بنسخة من شرح الفصوص للجندي، تلميذ القُونَوي المباشر، في مكتبته الخاصة. وكان السُّلطان برهان الدِّين (ت 800هـ-1398م) من قبلُ قد كتب شرحاً لمصنّفات صدر الدِّين القُونَوي بعنوان: «إكسير السَّعادات في أسرار العبادات»، وخاض نقاشاً في شأن بعض المسائل التي وردت في كتاب «مفتاح الغيب» للقُونَوي مع الشَّيخ علاء الدِّين يار علي شيرازي.

وقد نتج عن ذلك التجاوب ما بين ممثلي التَّصوف من جهة، وممثلي السُّلطة العثمانية من جهة أخرى حركة فكرية ضخمة اتَّسمت بغلبة الرُّوح الصُّوفي، والمنزع الأخلاقي الدَّاعي إلى المجاهدة وتصفية النَّفس والتحلِّي بقيم التَّزكية الرُّوحية.

ولا يجانبنا الصواب إذا قلنا: إنه قلَّما نُصادف نتاجاً فكرياً يعود إلى تلك الحقبة – على اتِّساع طولها الزَّمني وامتدادها الجعرافي – قد نجا من حُمَّى التَّصوف، إذ كان الشُّيوخ المتصدِّرون للتدريس والإفتاء يجمعون في العادة ما بين الشَّريعة والحقيقة، وكانت الزَّوايا الصُّوفية مدارس علمية مُشْبَعة بروح الحِكَم والآداب الصُّوفية.

فقد ورث العثمانيون السلاجقة المسلمين في الأناضول، وقامت دولتهم على مبدأ الجهاد ورفع راية الإسلام والدفاع عنها في كل مكان. واعتماداً على ذلك المفهوم أو المبدأ، قام العثمانيون بالتوسُّع في نشر الإسلام في أوروبا، وإقامة وحدة إسلامية شملت أغلب الممالك الإسلامية، باستثناء الدولة الصفوية في إيران، ودولة المغول في الهند. وكان السلاجقة قد أوجدوا في شرق إيران حركة صوفية منظمة ومدارس للشريعة، وفرضت دولتهم نظامها الخاص على النشاطات الدِّينية بعد غزو بغداد، فأنشأوا «الربط» في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، التي أصبحت فيما بعد قواعد للحركة الصوفية، حيث عيَّن الخليفةُ الناصر الشيخَ عمر السهروردي شيخاً على الرِّباط للمرة الأولى عام 1234م، وبذلك تأسست الطريقة السهروردية في بغداد، وأصبح الرباط مركزاً لها، وأصبحت له فروع أخرى تضمُّ أتباع هذه الطريقة، وقد كان ذلك أول تنظيم مؤسساتي للطرق الصوفية.

وبحسب خليل اينالجيك؛ فإنه يمكن فرز الطرق الدِّينية في الامبراطورية العثمانية إلى قسمين رئيسين: القسم الأول يتضمن الطرق المعروفة التي لها تكايا تدعمها مداخيل الأوقاف المؤسَّسة من قِبَل السلطان وكبار رجال الدولة، والتي لها تنظيم واضح وشعائر محدَّدة، كالنقشبندية والمولوية والخلوتية وفروعها المختلفة. القسم الثاني يضم الطرق الباطنية التي تُعرف عادة بإسم الملامية أو الملامتية، والتي كانت تتخندق بشكل ما في موقع المعارضة للدولة، وضمن هذا القسم يتموقع الدراويش المتجولون الذين عُرفوا بالقلندرية والحيدرية والأبدال والبابائية، وأتباع الطريقة الحمزوية.

وبامتداد دور الصوفيين إلى وسط آسيا، استطاعوا نشر دعوتهم الروحية بين الأتراك، حيث تم تأسيس أول التكايا في أنطاليا. وبحلول القرن السادس عشر كانت الصوفية قد تحولت إلى عمود مهم من أعمدة المجتمع العثماني بحيث أصبحت تمثل التراث والامتداد المباشر للإسلام، الى درجة بات التصوف يشكل جزءاً أساسياً في التقاليد العثمانية، بما فيها اعتلاء العرش، والانخراط ضمن التشكيلات العسكرية.

والواقع أن التيار الصوفي أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياة المسلمين الأتراك؛ خاصة بعد الغزو المغولي للبلاد الإسلامية في وسط آسيا وإيران عام 1220م. فبحلول القرن الثاني عشر عكست الثقافة الإسلامية في أنطاليا، التي نزح إليها الكثير من التجَّار والجنود والعلماء والفنانين والحرفيين والدراويش، فضلاً عن اليهود والمسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام، صورةً مثالية لأسلمة المجتمع وتنظيمه الديني والاجتماعي. وقد أسهم هذا التحول في إعطاء الدراويش دوراً جديداً معقَّداً، ومتناقضاً أحياناً، دام حتى نهاية الامبراطورية العثمانية، إذ كان سلاطين العثمانيين يعتمدون على دعم الدراويش عسكرياً في أثناء محاولاتهم بسط هيمنتهم وتوسيع سيطرتهم على أنطاليا.

وهكذا تأسست فكرة رعاية التكايا وحمايتها تحت لواء السلطان شخصياً، وتبعاً لذلك ازدهرت الصوفية وتعدَّدت طرقُها تحت حكم العثمانيين حتى وصل عدد الطرق الصوفية إلى سبع وثلاثين طريقة، يتمركز حوالي عشرون منها في اسطنبول، وقد كان عدد سكانها في ذلك الوقت (1453م) حوالى ثلاثة أرباع المليون نسمة، وغالبية هؤلاء لهم علاقة بالتكايا، فهم: إما دراويش أو محبِّين لهم.

كما ارتبط التصوف في تركيا ارتباطاً كبيراً بالشيخ أحمد اليسوي المتوفَّي سنة 562هـ، مؤسِّس الطَّريقة اليسوية، وثالث خلفاء الشيخ خواجه قدِّس سرُّه. واليسوي لم يكن صوفياً عادياً مثل مئات الصوفيين في التاريخ التركي، بل عندما يُذكر أحمد اليسوي يُذكر اعتناق الشعب التركي للإسلام! فقد اكتسب اليسوي شهرة عظيمة وانتشاراً واسعاً، لأنه أسهم في نشر الإسلام وتوطيد أركانه وأحكامه بين جموع الأتراك، كما يعدُّ أول من أسَّس قواعد التصوف ورسَّخ أصوله بين ظهرانيهم، وظلت روح التصوف مبثوثة في حيواتهم الدينية والسلوكية على مدى أجيال متعاقبة. ولم يكن أحد قبل اليسوي تمكن من تأسيس قواعد للتصوف وآدابه التربوية والأخلاقية، ولكنه استطاع أن يؤسس أول طريقة صوفية تركية ذات طابع شعبي بين الأتراك، وتمكن من نشرها بين الناس وتقريبها إلى نفوسهم.

يتحصل مما سبق أن المنحى العملي غلب على أتباع التصوف المصري والتركي منذ نشأته بهما. وليس أدل على ذلك مما يذكره الرحالة العثماني أوْليا جلبي في القسم الخاص بالرحلة إلى مصر والسودان وبلاد الحبش من قوله: «وفي القاهرة فقراء، أي دراويش، ألف وسبع عشرة طريقة، ولهم مئة وأربعون شيخاً كبيراً، وأما دراويش الثلاث مئة والستين تكية التابعة لمئة وأربعين شيخاً، فمنهم أتباع السيد أحمد البدوي الذين لا عدد لهم ولا حساب، ويكثر في مصر دراويش الطريقة الأحمدية البدوية، فدراويش الطريقة البرهانية وعددهم الحالي لا يعلمه إلا الله».

المصدر: صحيفة الحياة




التصوف الأكبري: ابن عربي– التاريخ- النص

يأتي كتاب المسبار «التصوف الأكبري: ابن عربي– التاريخ- النص» (الكتاب الحادي والثلاثون بعد المئة، نوفمبر (تشرين الثاني) 2017) استكمالاً لاهتمام المركز بدراسات التصوف والإسلام الشعبي والتدين التقليدي والموازي، وللبحث داخل تراث المجتمعات والجمعيات المسلمة، وتاريخ أفكارها الشعبية والرسمية. ولا يمكن إكمال دراسة الإسلام الموازي والتدين التقليدي والتصوف في نسخته البكتاشية أو المولوية، دون المرور على تأثير ابن عربي ومدرسته السلوكية والفلسفية، وتأثيره على الصعد الفكرية والثقافية.

يعاد تسويق محيي الدين بن العربي ضمن جهود محاولة إعادة الإنسان إلى إنسانيته في ظل عصر بات يُسجل «انهيارات مفاجئة» في العلاقات الإنسانية، القائم بعضها على التآخي والتعاضد وملاقاة الآخر والمحبة والغيرية واحتضان الغريب؛ وهذه علاقات بتنا نفتقدها في عصرنا الراهن، ويراهن البعض على أن مثل هذا التراث الموجود والمستعاد يعيدنا إليها، مما يساعدنا على اكتساب «هويتنا» بالانفتاح الداخلي والخارجي معاً. وتعتمد هذه الطروحات على مفاهيم التسامح والغيرية. ولكن ما يلفت إليه الكتاب، هو تعزيز «الخيال» وتوظيفه لابتداع نصوص ومعانٍ «تصالحية» تعتمد على تسوية وتنازل، لتشكل عالم البرزخ الذي يتوسّط المثال والواقع. تفتح هذه المعاني البلاغية باباً لتغذية الخيال الاجتماعي والسياسي والديني، ليصبح أقوى من أن تعتقله المعاني الجامدة للنصوص. فابن عربي بكل باطنية أفكاره، يعتمد على ظاهر النص لإثبات أن النص الظاهر قادر، إذا أجيد استخدامه، على فتح أبواب غائبة، وبذلك هو يتجاوز المعالجة التقليدية للنصوص، وتتعزز أهمية الإضاءة على أبعادها وتطبيقاتها في الزمان الحديث.

تأثير ابن عربي على التصوف الطرقي يبدو في أوراده التي تمتلئ بها كتب المتصوفة، وتأثيره على التصوف الفلسفي وتأثره به، قطبا رحى يحركان بوصلة الدراسات عن ابن عربي وطريقته. ولكن قدرته على تفجير معانٍ متباينة للحب، والتسامح، والمعرفة، واللغة هي ما أعادت الأهمية لاكتشاف تراثه وفتوحاته المتنقلة بين الدين والأدب والعرفان والفلسفة.

حينما قام الإخوان المسلمون في مصر، بالدعوة لحرق كتاب الفتوحات المكية، في القرن الماضي، لم يكن ضيقهم من علم الشيخ الأكبر ينبع إلا من إدراكهم أنّ تعزيز مفهوم «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق»، وأن «تحرير الروح» من سطوة «الهوى»، يصقلان صفحة القلب من الصدأ. وهو يلغي احتكار الحقيقة والخلاص والتمثيل المطلق عن أي حزب أو جماعة. ولدواعي الإنصاف فإنّ تتبع هجوم ابن تيمية وتاج الدين البقاعي، وغيرهما ينبغي ربطهما بالسياق ذاته. فدرس الكتاب الاستشكالات المتصلة بابن عربي فكراً وتاريخًا في ثنايا الدراسات.

توخى الكتاب الإضاءة على المعاني العامة في تصوف محيي الدين بن عربي، وممارساته اللغوية والبيانية، ومن بينها قوله في «أرض الحقيقة» أو الأرض الواسعة التي هي مما تبقى من طينة آدم. لقد تأثر النص الصوفي المنثور والمقفى؛ العربي والفارسي بابن عربي، كما يتبدى في مثنوي جلال الدين الرومي وأشعار الجامي، الذي وصفته إحدى دراسات الكتاب بأنه «خاتم الشعراء». وعالج الكتاب موضوعات أخرى على اتساق بابن عربي من بينها: إشكاليات لغته ومضمون نصوصه والرموز المحيطة بها؛ ابن عربي والطريقة الشاذلية، وابن عربي في دراسات أبي العلا عفيفي، وعثمان يحيى. إن الاهتمام البحثي بالشيخ الأكبر لم يقتصر على الباحثين العرب، فقد اكتسب حضوراً معرفياً عالمياً حظي به بسبب فرادة أفكاره وإنتاجه وانفتاحه على العالم وروحيته المكثفة، وقدراته الإبداعية ومواهبه الخلاقة.

إن نظرية المعرفة (العقلية والذوقية) عند ابن عربي تقوم على خصائص وآليات محددة، و«أهم ما يميزها هو كونها تعتمد على الإدراك المباشر للحقيقة في جوهرها، وإذا كانت الحقيقة هي موضوعها الأول والأخير، فهي متماهية معه ومتطابقة تطابقاً ذاتياً مع موضوعها. فالعارف يتحقق عبر هذه المعرفة من طبيعة الحقيقة في ذاتها. فالذوق موضوعه الحقيقة ذاتها، ولذلك يعرف ابن عربي الذوق بأنه «الشهود المباشر للحقائق». وتستند آليات نظرية المعرفة إلى جملة من الوظائف: وظيفة القلب، وظيفة الخيال والتي تتضمن بدورها: عين البصيرة، العقل الجزئي، عين اليقين، نور اليقين؛ يضاف إليها المعاريج الثلاثة يفضي بعضها إلى بعض.

تناولت إحدى الدراسات حديث الشيخ الأكبر عن الفلسفة حيث «يميز بين حكمة «الفلاسفة» وحكمة «أهل الذوق» وذلك من خلال كيفيات إدراك «المفصل مجملاً» و«المجمل مفصلاً»: فأهل الحكمة الفلسفية يقفون عند معرفة «المجمل مفصلاً» وأما أهل الذوق فيتخطون ذلك إلى معرفة «المفصل مجملاً». يقول ابن عربي: «وأما الحكماء -أعني الفلاسفة- فإن الحكمة عندهم عارية، فإنهم لا يعلمون التفصيل في الإجمال، وصورة ذلك -كما يراه صاحب هذا المقام الذي أعطاه الله الحكمة التي هي عنده عناية إلهية، وهي عند الحق تعيين الأرواح الجزئية المنفوخة في الأجسام المسوّاة المعدلة من الطبيعة العنصرية، من الروح الكل المضاف إليه. ولذلك ذكر أنه خلقها قبل الأجسام، أي قدرها وعينها، لكل جسم وصورة روحها المدبر لها، الموجود بالقوة في هذا الروح الكل المضاف إليه، فيظهر ذلك في التفصيل بالفعل عند النفخ، وذلك هو النفس الرحماني لصاحب الكشف».

المصدر: موقع المسبار




الإصلاح الديني وعقلانية التصوف

بقلم: حسن محمد شافعي — تبدو حاجة الإنسان إلى الدين فطرية باعتبار أن حاجاته لا تتوقف عند حد إشباع الغرائز الطبيعة؛ بل تتجاوزها إلى البحث الدؤوب عن الأمن النفسي المستلهم من الاتصال بالذات العليا المقدسة التي يلجأ إليها في مواجهة تحديات قسوة الطبيعة المادية ونزعات الشر داخل النفس البشرية.
إن تكوين الإنسان العقلي يفرض عليه الإجابة عن بعض التساؤلات الوجودية حول العالم ومصير الإنسان؛ وهي تساؤلات ميتافيزيقية تسعى الأديان إلى الإجابة عنها. فالدين مجال الحياة الروحية التي تمثل قدراً مشتركاً بين البشر. إلا أن نمط التعبير عنها يختلف باختلاف الحضارات عبر العصور، فالدين هو القيمة المضافة إلى حياة البشر من أجل التسامي عن الطبيعة المادية للإنسان لتكريس منظومة من القيم تضفي على حياته بعداً حضارياً.
لذلك؛ يقول مالك بن نبي: «ولدت الحضارات في ظل المعابد». والحضارة الإسلامية حظيت بنصيب وافر من الاعتناء بالحياة الروحية نظراً إلى طبيعة الدين الإسلامي، إلا أنها في باكورة البعثة النبوية لم تكن في حاجة إلى تصنيف العلوم الإسلامية لوجود الرسول (صلى الله عليه وسلم) في مرحلة تأسيسها. بيد أنه مع اتساع رقعتها وتطور الزمن وما حمل من تحديات جديدة؛ تولَّدت الحاجة إلى علوم جديدة تنظم للناس أمور دينهم ودنياهم. ومن بين تلك العلوم؛ نشأ التصوف كعلم يعتني بالحياة الروحية لدى المسلمين. فالتصوف في تاريخ الفكر الإسلامي هو العلم الذي جل اهتمامه البحث عن وسائل تزكية النفس وصفاء الداخل من أجل الوصول إلى مقام الرضا الإلهي الذي يجلب السِلم الروحي والعقلي.
وفي سبيل تحقيق هذا الأمر يمر المتصوف بمراحل من المجاهدة النفسية لترتقي روحه ويصفي قلبه. وهكذا عرَّف بِشر الحافي الصوفيَ بأنه هو من صفى قلبه لله. فالوجدان أو بمعنى أدق القلب هو محل اعتناء التصوف ومعيار التقدم والتراجع. ويمثل الزهد أبرز مفاهيم التجربة الصوفية؛ إلا أنه محل اختلاف من حيث مفهومه وغايته في النماذج الحضارية. فهو عند ماكس فيبر؛ الأخلاق الكالفينية البروتستانتية التي أسست للرأسمالية الغربية. فالزهد بمعناه الإجرائي وظَّفه ماكس فيبر كوسيلة للتنظيم العقلاني للمجتمع هدف تحقيق غاية مادية، هو سلوك جيّد يدفع إلى العمل وتقديسه. والانضباط فيه هو شرط ضروري للرأسمالية العقلانية، وهذا يتسق مع رؤية ماكس فيبر للدين باعتبار أن غايته هي في الأغلب اقتصادية. الزهد بالمعني التجريبي، هو افتقاد. أما بالمعنى الديني المقاصدي، فهو امتلاك الإنسان قوة الإرادة التي تحرره من أن تمتلكه نوازع النفس أو أن يستعبده الغير.
فإلى أي مدى ينعكس هذا المنحى الصوفي على النظر العقلي في الفكر الإسلامي؟ وهل للعقل دور في التجربة الصوفية باعتبار أن الوجدان يشكل مرتكزاً مهماً لها؟ في هذا السياق طرحت مدرسة الإصلاح والتجديد رؤية نقدية لإصلاح الفكر الديني كان لروادها نزعات صوفية تتفاوت درجة تأثيرها من واحد إلى آخر؛ أمثال جمال الدين الأفغاني والسيد محمد رشيد رضا والإمام محمد عبده الذي عبر عن هذه الرؤية بأنه «يجب تحرير العقل من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف هذه الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعه الأولى، والنظر إلى العقل باعتباره قوة من أفضل القوى الإنسانية، بل هي أفضلها على الحقيقة». إلا أن سبيل تحرير العقل عند الإمام محمد عبده يستند بالأساس إلى التكوين القلبي السليم: «إن أول مبدأ يجب أن يكون أساساً لتحلية العقول بالمعلومات اللطيفة والنفوس بالصفات الكريمة هو التعاليم الدينية الصحيحة؛ أعني ترغيب القلوب في ما يرضي الخالق وإذهابها مما يغضبه».
وتعرض الإمام أبو حامد الغزالي إلى إشكالية العلاقة بين العقل والوجدان في التجربة الصوفية فرأى أن ثمة ثلاث مراحل لاستيفاء شروط المعرفة الصوفية أولاها تحصيل العلوم وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها من طريق العقل. والثانية الرياضة الصادقة. والثالثة هي التفكر، وهي ذروة التجربة الصوفية التي يجمع الصوفي فيها بين عقلانية الفكر وصوفية السلوك ويصير عالماً عاقلاً ملهَماً.
بيد أن الغزالي لا يقصر مهمة العقل في تحصيل العلوم وملكة التفكر، إذ يرى له مهمة بالغة الأهمية في التجربة الصوفية وهي الحكم النقدي على التجارب التي انحرفت عن الطريق السليم؛ وتقويمها. فالتجربة الوصفية عندما تستوفي مسارها الصحيح تولّد لدى الفرد عقلانية نقدية تعمق رؤيته الفلسفية؛ إلا أنها تتقاطع مع التفكير النقدي عندما يتم التعاطي مع القضايا العقلية بالحدس القلبي فقط. وهو ما يؤدي إلى أن تتحول الرؤية العقلية إلى انطباعات وجدانية ذاتية تفقد الجهد في التحليل المنهجي المؤسس على مقولات المنطق من أجل بلوغ رؤية موضوعية. فمثلاً؛ عندما يختزل توصيف حدث ما بمقولة الفتنة فقط هو تفسير وجداني يبحث عن حكم نهائي قيمي يفتقد التحليل الاجتماعي والسياسي وينمي نزعة العزلة التي تكرس ذلك الواقع. ومن ثم لا تبدو العزلة وسيلة للارتقاء النفسي من أجل إصلاح الواقع ومحاولة تغييره؛ بل هي ملاذ بديل لتجاوز معاناة المجاهدة الفكرية والاجتماعية التي يتطلبها الإصلاح.

المصدر: صحيفة الحياة




تعرّف على مولانا جلال الدين الرومي: حوار مع الباحث خالد محمد عبده

Khaled

حوار: عزيزة السبيني — اختتم معرض الكتاب في بيروت دورته الستين، بمشاركة 180 دار نشر لبنانية و75 دار نشر عربية. وأثناء زيارتنا لجناح دار مداد، وهي من الدور اللبنانية حديثة النشأة، والمتخصصة بالمخطوطات التاريخية، وبالفكر الصوفي، التقينا بالباحث المصري المختص بالتصوف، خالد محمد عبده، الذي وقع كتبه عن مولانا جلال الدين الرومي، وهي: مولانا جلال الدين الرومي.، وترجمة رباعيات جلال الدين الرومي، ودراسة حول أثر الرومي في الدراسات الصوفية في الهند، وأخيراً كتاب المستشرقون والتصوف الإسلامي، يتحدث عن أثر الفكر الصوفي في دراسات المستشرقين.
توجهنا إليه بجملة من التساؤلات حول جلال الدين الرومي، والإشكاليات التي أثيرت حوله، وحول تجربته الصوفية. والآتي نص الحوار:
*من هو جلال الدين الرومي، وما الأثر الذي تركه في الطرق الصوفية الشرقية، ولماذا تأخر العرب في معرفته؟

**عبده: بداية، لا بد من التعرّف على ولادة مولانا جلال الدين الرومي في مدينة بلخ، هذه المدينة التي ينسب إليها كبار العلماء والفلاسفة والفقهاء، وأبوه بهاء الدين ولد، الملقب بسلطان العلماء، عالم دين، ورجل صوفي، اضطر للهروب من بلخ أثناء الغزو المغولي الذي دمر المدينة، فتوجه بهاء الدين إلى مكة لأداء فريضة الحج، وفي نيسابور، التقى الشاعر الصوفي المشهور فريد الدين العطار النيسابوري، الذي أهدى إلى جلال الدين الرومي كتابه ( أسرار نامه)، وظلَّ الرومي معجباً بالنيسابوري طوال عمره، ويردد (لقد اجتاز العطار مدن الحب السبع، بينما لا أزال أنا في الزاوية من دهليز ضيق).
أما لماذا تأخر العرب في معرفة الرومي، فالحقيقة أن العرب تأخروا حديثاً في معرفته، لكن العرب عرفوه منذ فترة مبكرة جداً، ولو عدنا إلى كتب التراث الإسلامي سنجد في التراجم، وفي طبقات الحنفية- باعتباره فقيهاً حنفياً- الكثير عنه، وخاصة في بلاد الشام، لأنه تلقى علومه الشرعية فيها، وفي بدايات القرن التاسع عشر، أحد المريدين لمولانا وللطريقة المولوية، أعجب بالرومي، وترجم المثنوي من الفارسية إلى اللغة العربية، ومنذ العام 1920، بدأ الاهتمام بمولانا الرومي على نطاق واسع، فترجمت أقواله، وأعيدت ترجمة المثنوي غير مرة مع شروحات وتفسير، وأهم ما نقل عن الرومي، هو ما ترجمه عبد الوهاب عزام الذي ترجم مختارات من قصص الرومي، وقام بنشرها في الصحف والمجلات، ثم بعد ذلك جمعها في كتاب اسمه (فصول من المثنوي) ووضع له مقدمة طويلة عن جلال الدين الرومي.

*وفي العصر الحديث، هل ما كتب عن الرومي يليق به وبفكره؟
** هناك الكثير من الكتابات والمؤلفات عن مولانا جلال الدين الرومي، لكن هذه المؤلفات ليست على مستوى واحد من الفكر والبحث والتدقيق، ويكفي الإشارة إلى ما كتبه الأستاذ عبد السلام كفافي، الذي ترجم أجزاء المثنوي، وكتب عن الرومي وتصوفه، وشرح طريق الصوفية عنده، والفن، والسماع، والموسيقى. وبعد عبد السلام كفافي، جاء تلميذه إبراهيم الدسوقي الذي أخذ عنه الاهتمام بالمثنوي، وقام بترجمته إلى العربية في ستة مجلدات، وتتالت بعد ذلك الدراسات، هذا في مصر. أما في العراق فقد ترجم الشاعر محمد مهدي الجواهري المثنوي كاملاً، وفي سورية ترجم الشاعر الفراتي مختارات من المثنوي. أما الأستاذ عيسى علي العاكوب، فترجم كل ما كتب الرومي، وبخاصة، ديوان (فيه ما فيه) ثم ترجم (رسائل مولانا جلال الدين الرومي)، وترجم أيضاً (المجالس السبعة)، وكل ما كتبه الدارسون العرب والمستشرقون، أمثال (آن ماري شميل) و (إيفا دوفيتري ميروفتش) التي اعتنقت الإسلام بعد أن قرأت الرومي وترجمت رباعياته إلى الفرنسية.

*ماذا عن حضور الرومي في الهند؟
**لم يقتصر أثر فكر جلال الدين الرومي الصوفي على العالم العربي، بل تعدى أثره هذه الحدود ووصل إلى الهند وباكستان، وفي الرصد الذي أجرته المستشرقة (آن ماري شميل) عن حضور الرومي في العالم الإسلامي، تتحدث عن سلطان اسمه جلال الدين أكبر، الذي اهتم بالرومي، وجعل في قصره مجلساً أسبوعياً لقراءة أشعاره، وأصبح هذا المجلس تقليداً عند السلاطين الذين حكموا بعده، وكل سلطان كان يكلّف أحد رجالاته بترجمة ونسخ أجزاء من المثنوي، فأصبحت هناك شروحات كثيرة باللغة الفارسية واللغة الأوردية، وعندما نتحدث عن أول سيرة محققة ومدققة للرومي في العصر الحديث، صدرت في الهند فكانت على يد مولانا شبلي النعمان، ركز فيها على جلال الدين الرومي كمتكلم أي عالم كلام، وأشار إلى المناطق الغامضة في تراث الرومي في الوقت الذي كانت فيه معظم الدراسات تركز على الرومي كمريد صوفي. والذي كتبه النعمان أثّر في كل من جاء بعده كالشاعر محمد إقبال وأبي الحسن الندوي، الذي أدرك أن الهدف من التجربة الصوفية عند الرومي هو سيادة الإنسان، وأن يكون بالفعل سيداً على الأكوان، كما خلق في الأصل.

المستشرقون وجلال الدين الرومي

*تشير آن ماري شميل إلى ثلاث شخصيات أثّرت في مولانا جلال الدين الرومي، هي شمس التبريزي، وصلاح الدين زركوب، وأخيراً حسام الدين شبلي، هل هناك ما يثبت ذلك؟
**مرت حياة الرومي بمراحل عدة، وكما ذكرت في البداية، أن الرومي هاجر مع والده من بلخ في أفغانستان إلى قونية، ووالده رجل صوفي وله مريدون وتلامذة فنشأته كانت في بيت صوفي، وفي قونية تتلمذ على يد برهان الدين محقِّق الترمذي، ثم توجه إلى حلب للدراسة، ومنها انتقل إلى دمشق، فتلقى العلوم الشرعية وتفقه بالفقه الحنفي، والتقى بالشيخ محيي الدين بن عربي في السنوات الأخيرة من عمره، وكان بينهما أحاديث ومساجلات. ويروى أن ابن عربي رأى الرومي يمشي خلف والده بهاء الدين، فقال: “يا سبحان الله! بحر يمشي خلف بحيرة!”، يعود الرومي إلى قونية ويلتقي (شمس التبريزي) وينضم إلى حلقته، وهذه المرحلة كما يقول عنها الرومي، هي مرحلة الانصهار (ثم نضجت فاحترقت). علاقة الرومي بالتبريزي لم يفهمها الباحثون، لأنهم غير قادرين على فهم الفكر الصوفي بشكل علمي ومدروس، وعدم الفهم هذا هو سبب التشويش الذي أثير من قبل بعض الأصوليين السلفيين حول علاقة الرومي بشمس التبريزي. وتشير الكثير من المصادر إلى أن شمس التبريزي قد استحوذ على روح الرومي ومشاعره مما دفع مريديه، كما أُشيع، إلى اغتياله. وبعد اختفاء شمس، أنشأ الرومي الحفل الموسيقي الروحي المعروف بـ”السماع”، ثم نظّم ديوان شمس تبريزي، وهي مجموعة أناشيد وقصائد تمثل الحب والأسى، وإنْ كانت في جوهرها تنشد الحب الإلهي المقدس.

أما الشخصية الثانية في حياة الرومي، فهي شخصية صلاح الدين زركوب، وعلاقته به كعلاقة الرومي بوالده، وصلاح كان أحد مريدي والد الرومي، فتعلق به الرومي بعد وفاة والده لأنه جمع بين شخصية والده، وشخصية الإنسان النقي، البسيط، الأمي. ونأتي إلى الشخصية الثالثة وهي شخصية حسام الدين شلبي، هو كاتب عند مولانا، فكان الرومي يرتجل وحسام الدين يكتب الأبيات وينشدها. فهو من كتب المثنوي، وكل إلهامات الرومي.

*المستشرقون والتصوف الإسلامي، عنوان كتابك الأخير، كيف قرأت العلاقة بين الاستشراق والفكر الصوفي؟

**رحلة الاستشراق مع التصوف هي رحلة طويلة، وعلينا ألا ننكر فضل المستشرقين في نشر الأفكار الصوفية في الغرب وفي العالم العربي، وعلينا أن ندحض كل الأفكار التي تقول إن المستشرقين يدسون السم في العسل، أو أنهم يهتمون بالجانب الجمالي فقط من الإسلام.
المستشرقون اهتموا بالتصوف، وضربوا أمثلة ممتازة جداً، فلو ذكرنا الحلاج في العصر الحديث يجب أن نذكر (ماسينيون) الذي واظب لأكثر من ثلاثين عاماً على تحقيق أعمال الحلاج، ولو ذكرنا الرومي في العصر الحديث أيضاً، علينا أن نذكر نيكلسون، وآن ماري شميل، في الحقيقة هناك مدارس استشراقية اهتمت بالفكر الصوفي أكثر من اهتمامنا نحن كعرب وكمسلمين، كالمدرسة الاستشراقية الألمانية.

الطريقة المولوية
لم نشأ أن نختم الحوار دون الحديث عن الطريقة المولوية التي أسَّسها جلال الدين الرومي في تركيا، ونظَّمها بعد وفاته ابنُه الأكبر سلطان وَلَد، ومن سماتها وخصائصها التي عُرفَتْ بها الرقص المعروف أو السماع، الذي أعطى مريديها اسم (الدراويش الدوَّارين)، وأصبحت من أشهر الفنون، ذات طقس له رمزيته. فالثياب البيض التي يرتديها الراقصون ترمز إلى الكفن، والمعاطف السود ترمز إلى القبر، وقلنسوة اللباد ترمز إلى شاهدة القبر، والبساط الأحمر يرمز إلى لون الشمس الغاربة، والدورات الثلاث حول باحة الرقص ترمز إلى الأشواط الثلاثة في التقرّب إلى الله، وهي: طريق العلم، والطريق إلى الرؤية، والطريق إلى الوصال. أما سقوط المعاطف السود فيعني الخلاص والتطهّر من الدنيا، وتذكِّر الطبول بالنفخ في الصُّور يوم القيامة، ودائرة الراقصين تُقسّم على نصفَي دائرة، يمثّل أحدهما قوس النزول أو انغماس الروح في المادة، ويمثّل الآخر قوس الصعود أي صعود الروح إلى بارئها؛ ويمثّل دوران الشيخ حول مركز الدائرة الشمس وشعاعها؛ أما حركة الدراويش حول الباحة فتمثّل القانون الكوني ودوران الكواكب حول الشمس وحول مركزها.

المصدر: الميادين نت
قونية، الباحث خالد محمد عبده، مولانا جلال الدين الرومي، التصوف، رقصة الدراويش، الطريقة المولوية، الطريقة النقشبندية، ابن عربي، المثنوي،




جَدليّة الافتراق والاجتماع في الزوَايا الصُوفيّة: نظرة سُوسيُوأنتروبُولوجيّة

 عندما يكُون التّرَاث الإنسانيّ عامّة والصُّوفيّ تحديدًا، مَبْحثا فكريّا يَسْتثِيرُ العُقول، وحينمَا تكُون الطّرُق الصُوفيّة وأنشطتها أيضًا مَدَارًا للتأمّل والاستقراء، تشغلنا في هذا السياق، مُصْطلحات تتواتر في أعْمَال المتصوّفة وغيرهم، يَعْرفها العَامّة والخاصّة منهم، وصارت قاسمًا مُشتركًا بين رجال الطريقة في الزوايا الصّوفيّة. وهي عندهم لُغة تُحيل على معان ودلالات يفهمُونها بجلاء. إنّها أشبهُ ما تكُون بالخطاب الرمزيّ الذي لا يفهمه إلاّ خاصّة الخاصّة. ويمكن لنا أنْ نجد تواصلا بهذه اللغة، لا داخل الزوايا فحسب، بل بصُورة أجلى في أدبيات الخطاب الصّوفيّ كالشعر والوصايا والخطب والرسائل…

ومن هذه المفاهيم المتداولة نذكر مُصْطلح “الطريقة” و”الشيْخ” و”المريد” و”السّمَاع” و”الإنشَاد”… وهي مُصْطلحات لا تخصّ زاوية دُون أخرى، باعتبار أنّها مُتعلّقة بمجال التصوّف أصْلاً، ناهيك عن عالم الطريقة مثلا. ويَعْسُرُ أنْ نفهَمَ حقيقة الموْرُوث الصُوفيّ بغيْر فَهْمِ دَلالاتها وفكّ رُموزها.

ولعلّ أكثر المفاهيم اتّصالا بعالم التصوّف والطّرق الصّوفيّة التي يَحْتاج دَارس التّراث إلى الإلمامِ بها مُصْطلح “الزاوية”. رُبّما لأنّهُ مفتاح من مفاتيح العِلْم بخفايا الأمُور، أو لأنّ فهمه وتفكيك دلالاته يمهّد الطريق إلى إدْرَاك تلك العَلاقة الجدليّة بين النّص الصُوفيّ كخِطاب دينيّ اِيديُولوجيّ وبين الممَارسة الجمَاعيّة باعتبارها تطبيقًا عَمَليًّا لذلك التصوّر الذي يَحْمله الخِطاب.

إنّ العَزم على اقتحَام عَالم الزوايا ومُعاينَة مَا يدُور دَاخلها وخارجَهَا، من أنشطة ذات صلة بالطريقة يَجعلنا في مُوَاجَهَة مع جهاز من المفاهيم نرى أنّ استجْلاءَهُ أمْرٌ ضرُورِيٌّ جدًّا للنفاذ إلى عالم المتصوّفة ومَا يَجري فيه ولفَهم خُصُوصيّات الطريقة وما به تأتَلّفُ أو تخْتلفُ مع نظائرها في هذا المكان أو ذاك.

فلفظة “زَاوية” تبدُو أكثر الألفاظ تواترا واستعمالا كلّما تعلّق الأمر بالحديث عن الطرق والمتصوّفة. ذلك لأنَّ كلمَة “زاوية” في هذا الترَاث مُصْطلحٌ صُوفيّ بامتيَاز. ولا شكّ أنّ ضبط تعريف وَاضح لهُ يُيَسِّرُ علينا فَهْمَ جوانب مُهمَّة عَلى علاقة بالطرق الصُوفيّة وأنسَاقهَا الفكريّة وسُلوكيّاتها وخصَائص خِطابهَا.

ولئنْ كان هذا مُصْطلحًا واحدًا من تلك المفاهيم التي يَصُحّ أن نُطلق عليها مفاهيم صُوفيّة، فإنّ ما استقرَّ لدَيْنا بَعْدَ نظر في تلك الدّراسَات التي اشتغلت على المفهوم، هو أنّها مَرّت عليه مُرُورا عَرَضيّا، فلم تعمّق الدّلالة، ولم تُوضّحْ المعنى. فالذين خَاضُوا في مَعاني “الزاوية” ورَامُوا توضيحَها كانُوا مُوجِزين مُختزِلِين. ولمْ نعْثر، في مَا قرأناهُ، على نُصوص تُفصّل القول في تاريخ الزوايا ووظائفها وأبعادها العقائديّة والاجتماعيّة إلا مَا نَدَر.

1. في ماهيّة الزاوية:

مَا تُسْعَفُنَا به القوَاميس[1] حَوْلَ مَادَّة (ز، و، ي)، يبدُو شَديدَ الإيجَاز. يُقَال زَوَاهُ، زِيًّا، أبَعَدهُ فانْزَوَى. وزَوَّى فُلانًا: صَرَفهُ. وزَوَّاهُ عَن الأمر: نَحَّاهُ وأَبْعَدهُ. يُقال زَوَى السِّرَّ: طوَاهُ، وَزَوَى الشيء: جمعَهُ، كمَا يُقال: وأزوَى: جَاءَ ومعَهُ آخر، وتزَوَّى وزَوَّى وانْزَوَى: صَارَ في الزَّاوية. والزَاوية: رُكنُ البَيْت.

وفي ضوء ما يُوفره المعجم، يُمكنُنَا التنبّه إلى أنّ مَعْنى الانزوَاء هو الابتعَاد والاعْتزَال وكذلك الجَمْع والمصَاحبة. وهي دَلالات، على دِقّتهَا، تبْدُو مُتناقضَة.

أمّا مَعنَى الزَاوية فَهْو الرُّكنُ أو المكانُ أو الفضَاءُ الذي يُزَّوَى فيه الفَرْدُ، أيّ يُبْعَدُ ويُنَحَّى. ومَنْ كانَ في الزَاوية اعْتزَل النَاس وابْتعَد عن الدُنيا، وإذا ابْتعَد عن شوَاغل الناس والدُنيا صَار بإمْكانِه أنْ يَجتمِعَ بآخَر هو ذِهْنَهُ وفكرهُ يَدعُوانهِ إلى التأمّل، أو هو مَنْ زُوِيَ مِثلهُ يُؤانسَه.

يبدُو إذن، أنَّ مَا يُحيل عليه المعنى الاشتقاقيّ اللغَويّ، بمَا هُو رَدِيفٌ للاعْتزَال والانفِرَاد والصّرف والإبعَاد، تُناقضُه وَظيفة المكان الذي يَتزَّوَى فيه الشَّخص لأنّهُ في الحقيقة يُتيحُ لهُ الجَمْع والالتقَاء.

ويجوز لنا القول، حينئذ، إنّ مفهُوم الزَّاوية مفهُوم “اِشْكَاليّ” يَحْمِلُ من تنَاقضَات الدَّلالة مَا يُنْبِئُ باختلاف الوَظائف في هذا الفضَاء الفَريد بأسْرَاره.

وإذا حَكّمنَا العقل بَطُلَ العَجبُ من تنَاقض الدَّلالات، وقَدَرْنَا على فكّ أسْرَار ذاك التضَارُب في المعَاني. فالزَّاوية هي فعْلاً مَكانُ الانقطاع، ولكنَّهَا أيضًا مَكان الاجتمَاع. إنّها فضاءُ انقِطاعٌ عن الدُنيا وشوَاغلها وخُلوَة مَع الفكر وتأمُلاته واجتمَاعٍ بمَن اختارُوا هذا المكان لذات الغَرض أو ما يُشاِبهُهُ.

ولقد أدرَك البَاحث عبد الجليل الميسَاوي سِرّ هذا التنَاقض في مُصطلح “زَاوية” فأشَار إلى مَا فيه من ازدوَاجيّة في الدَلالة وتَقابُل في المعْنَى. فقال “مِنْ بين الألفاظ المشتركة في اللغة العَربيّة نجدُ كلمَة “زَاوية”، بل هِي ليْسَت فقط من الألفاظ المشتركة وإنّمَا هي أيضًا من أسمَاء الأضْدَاد، أي أنّهَا من الكلمَات التي تَدُل على المعْنَى ونَقيضِه…هذا الاشترَاك اللفظيّ وهذَا التضَادّ الدَلاليّ في كلمة “زَاوية” وفي مَادّة (ز، و، ي) التِي اشتُقت منهَا يَجْعَلان من الصَّعب الجَزم بمَضمُون مَدلولهَا الاصْطلاحيّ، هل هو يَعني “الجَامعَة” و”المركّب” أو هُو يَنصرفُ إلى الدَلالة على “الخَلوة” بمَا تعْنيهِ من انفرَاد وعُزلة وانقطاعٍ”.[2]

وإذا سَلّمنا بأنّ المصطلح بَات يُمثلُ لغزًا مُحيّرًا بمَا يتضمّنهُ من إشَارَات إلى الدّنيَويّ المَادّي والعَقائديّ الرُّوحَانيّ، صَارَ لزَامًا علينَا أنْ نَبحَث في تفَاصيل ذاك التنوّع الوَظائفيّ وأنْ نُحَدِّد تلك المرَاحل التاريخيّة التي حَوّلت الزَاوية إلى أكثر من مَكان للانزوَاء والتعبُّد.

2. الزاوية: تاريخيّة المسمَّى

أوّل مَا ينبغِي أنْ نُقِرَّ بهِ، في سيَاق هذه المقاربة النَقديّة لمكانة الزوَايا الصُوفيّة في تاريخ الإسلام القديم والمعاصر، هُو أنّ البدَايات الحَقيقيّة لاستعمَال مُصطلح “زَاوية” كانت في القرن السَابع للهجرة. ومَعنَى ذلك، أنّهُ تزَامن مَع لحظة التأسيس الفِعليّ للطّرقيّة ورَافق نَشأة الطُّرق الصُوفيّة ومرَاحل انتشَارها في المشرق والمغرب. فَلسنا نَجِدُ في كُتب الأوّلينَ من المتصوّفة مَا يُشيرُ إلى تدَاوُل هذا المصْطلح بَينهُم أو استعمَال مُصْطلح مُرَادِف لَهُ. لأنّ هَؤلاء الرَّاسِخِين في علم التصوّف لم يَعْرفُوا مِن أمَاكن العبَادة والتقرّب إلى الله غَيْر المسَاجد. ففي رحَابها كانتتَأمّلاتهِمْ، وفي أرْكَانهَا كَانت جَلسَاتهم إلى طالبِي العلم من مُريديهِم.

على أنّ الإقرَار بتزَامن استعمَال مُصْطلح “الزَّاوية” مع ظهُور الطرق الصُوفيّة لا يَعْنِي قطعًا التَسليم بوُجُود اتّفاق عليه في المشرق الإسلاميّ ومَغربه. فمَا ثبَت لدينا، بَعد نظر في كتابَات المشارقة عن التصوّف والطُرقيّة، هُو أنّهُم كَانوا يَجْهلُونَ لفظ “الزَّاوية” ولمْ يَستعملوهُ في أعمَالهم. إنّمَا تكَرّرت لديهِم مفَاهيم أخرى مُرادفة للزَاوية أو قريبَة منهَا في المعنَى. “فالشَائع لدَى المشارقة استعمَال جُملة من المُصطلحَات يَختلفُ تدَاولهَا باختلاف المَكان والزمَان. فقد استعملوُا في البداية مُصْطلح “الخَانقاة”*”[3]. وهو لفظٌ دَخيلٌ دُون شكّ وَقع تدَاولهُ رَدْحًا من الزَّمن واحتلَّ مَكانة في مُدوّنات الثقافة الإسلاميّة وبالتحديد في أدَبيّات الفكر الصُوفيّ. ثمّ “خَلفَهُ فيالقرُون التّالية وإلى اليَوم مُصطلح “مَقام” و”مَشهَد” ثم نَشِطَ في العَهد العثمَانيّ مُصْطلح رَابِعٌ هو “التكيّة” وهي مَأوَى الدّرَاويش والمتعبّدين.”[4]

على هذا الأسَاس، يُصبحُ مَفهُوم “الزَّاوية” مُصطلحًا مَغاربيًّا بامتيَاز. ففي المغرب العَربيّ كان رَوَاجُ الكلمَة، فحَملت من الدّلالات مَا بهِ تُعْرَفُ الأمَاكن التي يَرتادُها المتصوّفة ويُمَارسُون فيهَا نشَاطهُم. بَل، إنّ هذا المصْطلح كَان في تلك الرّبُوع عَلامَة مُميّزة للنَشاط الصُوفيّ، حَتى صَارَ الحَديث عن حَركة صُوفيّة وَثيق الصّلة بمَا يَجْرَي داخلَ الزوَايا وَبَات الفَصل بينهُما ضَرْبًا من التعَسّف المبْعِدِ عن الحَقيقة.

ويَنبغِي ألاَ يَقُودَنَا الاقرَار بمَغاربيّة الزَاوية كمُصْطلح إلى إنكَار وُجُودِ مُصْطلحَات أخرَى مَشرقيّة مُتدَاولة في المغرب. فكلمَة “مَقام” ليسَت غَريبَة عَنْ “أبْجَدِيَّات” الثقافَة التونسيّة مثلاً، لأننّا وَجدنا أهل هذه الرُبُوع يُطلقونهَا على أضْرحَة الأوليَاء والصَّالحين. حتى شاعَ الحَديث عن “مَقام الإمَام سَحنُون” و”مقام أبي زمْعَة البلويّ” و”مَقام سيدي بُولبابة” وغير ذلك كثير.

ويَبْدُو أنّ أهل إفريقيّة كَانُوا في اختيَارهم لمفاهيمهم الصُّوفيّة أكثر وَعْيًا وتَمييزًا من المشارقة، ففصَلوُا بين الزَاوية كمُؤسَّسة أو مُرَكّب يَأوِي الجَمَاعَات وبَيْنَ الضَّريح أوالمقام بمَا هُو مَدْفَنٌ فَرديٌّ للوَليّ قد يَستقلُّ بذَاتهِ وقد يَلْحَقُ هو الآخَر بالزَاوية فيكُون جُزْءًا منهَا. مثلما ميّزوا بينها وبين “الرباط” كمكان للحراسة والحماية وتدبير الحِيل لمقاومة العدو، زيادة على الدّلالة المألوفة وهي التعبّد والتفقّه في أمُور الدين، يقول محمد حجيّ “لم تظهر الزاوية في تاريخ المسلمين كمركز دينيّ وعلميّ إلاّ بعد الرباط، والرابطة لغة مصدر رَابَط يُرَابط بمعنى أقام ولازم المكان. ويُطلقفي اصطلاح الفقهاء والصوفيّة على شيئين: أولهما البقعة التي يجتمع فيها المجاهدُون لحراسة البلاد وردّ هجوم العدوّ، والثاني عبارة عن المكان الذي يلتقي فيه صالحوا المؤمنين لعبادة الله وذكره والتفقه في أمور الدين”[5]

وأيًّا كَانت الاختلافَات في اختيَار المفاهيم المحدّدَةِ لِفَضَاءَات الممَارسة والفكر الصُّوفيّيْنِ، فإنّ مَا يُمكنُ أنْ نَحتفظَ به هُو أنّهَا اختلافاتٌ في التسميَة لا غَير. أمّا المسَمّيات فوَاحِدةٌ، تَجُرّنَا إلى الاقرَار بوُجُود وَظائف وَاحدة لمْ تكُن ثابتة مُنذ أنْ نَشأت الزّوَايا، ولا كَانت مُحَنّطة على مَدَى سَنوَات التأسيس ثمّ الازدهَار.

3. وظائف الزاوية: من الرّوحيّ إلى الاجتماعيّ:

لَسْنَا نَجدُ في هذه الوَظائف، التي نَهَضَت بهَا الزّوَايا الصُوفيّة، مَا يَدُلُّ على وُجُود نِظامٍ دَقيقٍ حَكَم تطوّرهَا مُنذ لَحْظة النَّشأة وحَتى يَوم الناس هَذَا. لكنّ مَا يُمْكِنُ أنْ نَسُوقهُ على وَجه الاجتهَاد والتَّخمِين ووفق مَا جَادت به القرَاءَات المختلفة لتاريخ التصَوّف الإسلاميّ، هُو أنّ الزَّاوية مَرّت بمرَاحِل وأطْوَار أفرَزت وَظائف كَانت مُتشعّبَة بلا شَكّ، ولكنّهَا مَثَّلتْ الوَجه الحَقيقيّ لهَذا الفضَاء المحْسُوبِ على المتصَوّفة.

وأولَى تلك المرَاحل مَرحَلة البنَاء وبدَاية الانتشَار. وهي مَرحَلة كَانت فيهَا الزَاوية “مَكان العُزلة والانزوَاء للعبّاد والصّالحِين”[6]. وتلك هي الغَاية الأولى التي من أجْلهَا بُعِثت الزوَايا فكَانت في خُطوَاتهَا الأولى رَديفًا للمَسجد في وَظائفِه، وإنْ كَانت تَمتازُ عَنهُ بفكرَة الانعزَال والهُروب والانقِطاع. وهَكذا كَانت الزَاوية في بدَاياتهَا مَلاَذًا ومَأْوَى لِطَالبِي العُزلة أكثر مِنْهُ مفَرًّا لِطَالبي الحقّ ونَاصِري الديّن.

إنّهَا ثقافَة الانْعزَال حَكَمَتْ مَرحَلة البدايَات، فكانت فيهَا الإقامَة في الزَاوية إعلانًا عن العِصْيان الاجتمَاعيّ وتَكريسًا لِمَبْدَإ الثورَة على السَّائد والتمَرّد على مَألوف الحياة الاجتمَاعيّة، وبحثا عن مُمارسة القناعات الفكريّة والدينيّة بعيدًا عن الرقابة التي تحارب “الشُذُوذ” الفكريّ وتقمع حقّ الاختلاف.

وقد يَكُون هَذا الدّافع إلى مُخالفة الناس والقَطْعِ مَعَهُمْ هُو الذي جَعل أولى الزوَايا، في بلاد المغرب العَربيّ خَاصّة، تَسْتقرّ في أمَاكن نَائِيَة بَعيدَة عن العُمْرَان البَشريّ وتكَادُ تَخلوُ من مَظاهر الحيَاة عَدَا عُبّادٍ يَعتكفُون في مَحَاريبهِم يَعبدُون الله خوفًا وطمعًا ويتركُون النّاس احترَازًا واحتسَابًا.

غَير أنّ تلك النَزعَة إلى الاعتزَال التِي من أجلهَا بُنِيَت الزّوَايَا استحَالت رَغبة في الاجتمَاع أفرَزتهَا ظرُوف تَاريخيّة وعَوَامِل ثقَافيّة. ذلك أنّ استعمَار البلاد العَربيّة أفضَى إلى استيقاظ الحَمِيَّة الدينيّة والمشاعر الوَطنيّة. وانتشرَت بالمقابل مَظاهر الفَقر والأميّة، فكانَ أنْ تَغيّرت وَظائف الزَوايا وتجَاوزَت أبعَادهَا الدينيّة العَقائديّة لتُعَانِق أبعَادًا أرْحَبَ وأعْمَق حَتى عدَّهَا الكثير من الدّارسين “مُؤسَّسة دينيّة واجتمَاعيّة وثقافيّة”[7].

وأولى تلك الوَظائف التي صَارت مَنُوطَةً بعُهْدة الزوَايا وَظيفة تعليميّة تَربَويّة. فقد بَاتت فضَاء لتحفيظ القرآن الكَريم ونشر تعَاليم الإسْلام التي حَاوَل الاحْتلال الأجنبيّ طَمْسَهَا، بَل إنّها سَاهَمت في تَعزيز الحِسّ القوميّ وتَقويَة الإحْسَاس بالانتمَاء إلى العُرُوبَة حَتى ذَهب البَاحث فتحي زغنده إلى القول: “وقدلَعبَت الزوَايا دَوْرًا لايُستهَانُ بهِ رَغم كُلّ ذلك في الحِفاظ على الشَخصيّة القوميّة في بلاد المَغرب الاسلاميّ وإنّ انتشَارهَا يُعَدُّ رَدّ فعل ضِدّ الغَزو الثقافيّ الأجنَبيّ”.[8]

ومن دَلائل هذا الانفتَاح على مَشاغل النَاس وهمُومهم في رحَاب الزوَايا، أنْ صَارَت مَكانًا لإيوَاء المحتاج وعَابر السَبيل ولإجَارَة المستجير من ظلم ظالم أو كَيْدِ حَاقِدٍ. ذلكَ أنّ الناس صَارُوا عَلى مَرّ الزَّمَان يَعتقدُون في شيُوخ المتصوّفة ويَلْتَمِسُونَ عندَهم الحمَاية ويَطمحُون في البَركة.

وأفْضَى انعِقادُ حَلقات الذكر دَاخل الزوَايا إلى تَعْزيز رُوح التضَامُن وإغنَاء مَشاعر الانتمَاء. وطَالَ هَذا التطوّر مُدن البلاد وأريَافهَا على حَدِّ سَوَاء فَحدَّ الاجتمَاعُ في الزَاوية من خَطر النَزعَة القبليّة والانتمَاءَات “العُرُوشيّة” واسْتحَال التناحُرُ تقارُبًا وآلَ العِدَاءُ إلى أخويّة في حَضْرَةِ شيُوخ الصُوفيّة.

لقد أصْبَحت الزَاوية “نَادِي المريدِين وبَاتَتْ المسجد ومَكان العبَادة والصَلاة والاعتكَاف. وصَارَت المدرسَة التي تنشُر العلم والثقافة وتمزّق غيَاهِبَ الجَهل والأمّيّة، والفُندُقَ الذي يَأوي إليه الغُربَاء وعَابرُو السَّبيل فهي مَركز القيَادة والتوجِيه.”[9]

إنّهُ التعَدّدُ والاختِلاف أفضَيَا بالزَاوية إلى أنْ تَتَحرَّر من وَظيفتهَا الفَرديّة الضيّقة لتُلْقِيَ بظلالهَا على الحَياة الاجتمَاعيّة بخصُوصيّاتهَا ودوَافعهَا السيَاسيّة وأسبَابها التاريخيّة. وهَكذا كان التَحوّل من ثقافة الانعِزَال إلى ثقافة الانفتَاح ومِن سُلطة الفرد إلى سُلطة الجَمَاعة. هَذا التطوّر الذي شهدَتهُ الحيَاة في الزوَايا جَعَل الأستاذ توفيق بنعَامر يَرى أنّ “نشُوء فضَاء الخَانقاة والرّبَاط والزَّاوية لمْ يكن استجَابة للحَاجَة النفسيّة والرُّوحيّة التي اقتضَاهَا النشَاط الصُوفيّ فقط، بَل كَان أيضًااستجَابة للحَاجات الاجتمَاعيّة التي أفرَزت ذلك النَشاط واتّخَذت منهُ شكلاً من أشكَال التَعْبير الدينيّ. وانطلاقا من تلك الحَاجَات اكتسَى ذلك الفضَاء طابعًا اجتمَاعيًّا. فكَانت الزَاوية مَكانًا مَفتوحًا لقَاصديهِ دُون تَمييز، وكانَتْ مَجالاً لإرسَاء عَلاقات اجتمَاعيّة من طرَاز جَديد عِمَادُها “التآخِي في الصّحبة”.[10]

4. الزاوية: بين المقدّس والمدنّس

إنّ تَحوّل الزَاوية مِنْ مُجَرّد مَكان للانعِزَال إلى مُؤسَّسَة ذَات نظام، جَعَل هَذا الفضَاء يُمثلُ في بلاد الاسلام وحَتى زَمَن مُتأخرٍ سُلطة حَقيقيّة تُضَاهِي سُلطة الدّولة. وهي بلا رَيبْ سُلطة رَمزيّة يَنتزعُهَا الشيُوخ المتصوّفة ويَنسبُهَا إليهم مُريدُوهُم من المؤمِنين بالطريقة والمقدّسِين لكرَامَات أربَابهَا من ذَوِي السُلطان الأعظم، أولئك الذين صَارُوا رُمُوزًا للتْقوَى والصَّلاحِ والسُلوك الحَسَنِ وقُدوةً للأتبَاع من ذَوِي الحَاجَة إلى مُضَاعفة الجُهْدِ لبلُوغ مَرَاتب الطريقة والحُلول في الذَات العَليّة.

ولما كَانت الغَاية من الاجتمَاع بالشيُوخ هي بالأسَاس غَايَةً عَقائديّةً رُوحيّة، ولما كانت الطريق إلى الحُلول في الله هي الذِكْرُ ومُدَاومَتُةُ، فقد نَشأت في الزوَايا الصُوفيّة ظوَاهر أخرَى لمْ تكنْ لهَا في مَرحلة البدايَات. ومن هذه الظوَاهر الاحتفَال والسّمَاع وإنشاد المدائح والأذكَار، وهي ظوَاهر تُرَاوحُ بين الدّنيَويّ والعَقائديّ وبين الحِّسّي والرُوحَانيّ فتنْضَافُ وَظائف أخرَى منهَا الاستمَاع والترويح عن النفس من ضِيق العَيش وشَظَفِ الحيَاة.

تُصبحُ الزَاوية إذن فَضاء للاحتفَال فَضْلاً عَن التعبُّدِ والاجتمَاع. وهذه الوَظيفَة التي لحقَتْبوَظائفَ أخرى على امتدَاد تاريخ الزّوَايا الصُوفيّة، في المغرب العَربيّ خَاصّة، جَعلت منهَا قِبْلة للبَاحثين في اختصَاصَات مُختلفة، فكَان منهم المؤرّخُون وعلمَاء الاجتمَاع والانترُوبُولوجيّون والاثنومُوزيكولوجيّون… هَكذا فالزَاوية بمَا تَتضمّنهُ من أبعَاد مُختلفة لمْ تَعُد مُجرّد مَكان للانزوَاء بَل صَارت حَدثا اجتمَاعيّا لهُ قيمَتهُ. فالممَارسَة الجمَاعيّة لنشَاط مُعيّن دَاخل مَكان مَا تَصنعُ الحَدث فتختزنهُ الذاكرَة الجمَاعيّة ليُصبحَ جُزءًا من ثقافة مُجتمَع بأسْره.

إنّها إذن مُؤسّسة تواصل بين الأفراد والجماعات، لذلك يذهب الباحث قسطاني إلى اعتبارها “المتنفس الثقافيّ والأمنيّ والدينيّ للأفراد والجماعات صعودًا، وهي تعريف الساسّة المخزنيّة نزولا. وتلعب الزاوية هذا الدور نظرا لطبيعتها المزدوجة، ثقافة عالمة فقهيّة سنيّة مرنة وثقافة شعبيّة رمزيّة طقسيّة صوفيّة عجائبيّة تؤثّر في العقل المستعد للانقياد وفي الوجدان”[11]

بَيْدَ أنّ الاقرَار بتنوّع الوَظائف في الزَوايا وتَحوّلهَا إلى حَدث ثقافيّ واجتمَاعيّ، لا يَنبغِي أنْ يَحْجُبَ عَنّا ظوَاهر أخرَى آلت إليهَا فأفْقَدَتْ كَثيرًا منهَا ذلك البُعد الرّوحَانيّ الذي بُعثَتْ من أجلهِ. فالذِي يَتأمّل مَا صَارَ يَحدثُ في تلك الفضَاءَات التي اتّخذهَا شيُوخ المُتصوّفة بيتَ صَلاةٍ وعبَادَةٍ ومَركزًا للدّعوة إلى تعَاليم الطريقَة يُدْرِكُ أنّهَا مَجالات لإحيَاء المدَنَّسِ، فشَاعَت في أركَانها مَظاهر الشعْوَذة واختلط الرّوحَانيّ الغَيبِيّ بالسِّحريّ الدّنيويّ حتى ذهب عبد الجليل الميسَاوي إلى القول: “يَتضَح بجَلاء أنّ الزوَايا بَعد التَربيَة والصَّلاح وبَعد السُموّ بالانسَان رُوحًا وَوجدَانًا… أخذ بَعضهَا مُنذ وَقت مُبكرٍّ وبالتَحديد مُنذ القرن السَابع الهجريّ يَتجّهُ نَحو نَشر الغمُوض والشَعْوذة والخرَافة والتَفكير الأسْطوريّ وكلّ مَظاهر التَخلف الاجتمَاعيّ والثقافيّ والانحرَاف العَقائديّ والسُلوكيّ”.[12]

ولا يَختلفُ هذا الرَّأي عَمّا ذهب إليه مُحمد لحول في مَقاله الزوَايا والطّرق الصُوفيّة بالبلاد التونسيّة. فقد رَأى أنَّ “مِمَّا يَسترعِي الانتبَاه ذاك الاختِلاطُ الغريب في الزيَارَات بين المقدّس والدُّنيَويّ…. لقد أصْبَحَت الزوَايا تُؤمُّ في الغَالب لمَآرب دُنيويّة تخرج تَدريجيًّا من الزيارَات الرّوحيّة إلى المهرجَانات الفلكلوريّة”.[13]

هذه الظوَاهر جَعلت بعض البَاحثين، على اختلاف اختصَاصَاتهم، يَرَى أنّ زوَايا هذه الأيام فقدَت جَانبا كبيرًا من إشعَاعهَا وانْحَدرَت إلى مَرحلة الانهيَار والانحِطاط بَعد أنْ شهدَت أوْج تَألّقهَا في فترَات الاحتلال الأجنبيّ وفي عُقوُدٍ لاحِقة من تَاريخ الاستقلال.

ويَعْمَدُ “الميسَاوي” إلى تعليل لحظة الانهيَار فيقول: “لقد كَان في مُقدّمة العوَامل المساعدة على تسريع انحِطاط الزوَايا والطّرق الصُوفيّة وعلى تَنكرّهَا للأهدَاف التي أُسِّسَتْ من أجلهَا ظهُور نظام توَارث الولاية والصلاح بحيث تنتقل المَشيَخة وقيَادة الزَّاوية أو الطريقة من الشيخ إلى أحَدِ وَرَثَتِهِ من رجَال أسْرَتهِ، وكثيرًا مَا يكون المُرشَّحُ لذلك أحَد الأبناء أو الإخوَة. وكأنّمَا الأمْرُ يَتعلّقُ بإمَارة أو مَمْلكة حَقيقيّة”.[14]

يُمكن القول إذن، إنّ قانُون الورَاثة الذي صَار يَحْكُمُ ظاهرَة تناقلِ المشيَخة بين المتصوّفة أفرَز حَالة من الجَهْل بتعَاليم الطّرق الصُوفيّة فأفضَى ذلك إلى ترَاجُع في التأطير والتوجيهِ ولم تعُد العَلاقة بين الشيْخ ومُريدِه على مَا كانت عَليه من قدَاسَة ووُثوقٍ. فكان أنْ تَزعْزَعت أركَان العَقيدَة، وتاهَت السُّبل إلى الطَّريقة. عَلى أنّ الظاهرة التي أشَار إليها الباحث الميسَاوي، لا تُلْغِي وُجُود ظوَاهر أخرَى أفرزَت بَدْورِهَا هذا المصير الذي آلت إليه الزَّوَايا. من ذلك، أنّ تَغيّر المجتمَع وتطوّر دَرجة الوَعْي أفْضَيَا إلى ضُعْف الإيمَان بالأوليَاء الصّالحِين وبَركة الشيّوخ من الطُّرُقيّين. فكَان أنْ قلَّ الإقبَالُ على الزَاوية وتقلّصَ زمَنُ الإقامَة فترَاجَعَت به الأنشطَة والممَارسَات داخل هذا الفضَاء.

ولقد أدْرَك البَاحثُ عبد الحكيم أبُو اللّوز حَقيقة هذه الظاهِرة فقال عنهَا “.. وعلى عَكس مَا كان مَعمُولاً به في المَاضي، فقد فقدَت الزَّوايا والأضْرحَة دَورهَا في استقبَال الزائرين وتوْفِير المَأوَى والمَأكل والمَشرب لهُمْ. وأصْبَحَت زيارتهَا لا تستغرقُ سوَى دَقائق مُتعدّدة يَستغرقهَا الزَائرُ في الجُلوس قبَالة مَرقد الوَليّ والدّعَاء لهُ قبل أنْ يهُمّ بالانصرَاف مِمَّا لا يُوفرّ فُرصة لمُسَيِّري الزوَايا وحَفدَة الأوليَاء وخُدّام ومُريدي الأضرحَة من إشاعَة قدرَات أجدَادهم في إنجَاز المعْجزَات، والدِّعَاية لقدرَاتهم على الاستجَابة لرَغبَات الزُوّار”.[15]

إنّهَا إذن لحْظة ترَاجُع لا يُمكنُ إنكارُهَا، ولكنّنَا نَرَى أنّهُ من السَّابق لأوَانهِ الحَديث عن “مَوت الزوَايَا” واندِثار الطُّرقيّة. والحجّة على ذلك، أنّ القراءات والمقاربات للتراث الصوفيّ، صارت الآن مُغريّة للانتروبُولوجيين والدارسين والباحثين في اختصاصات عدّة يعكفُون على النظر في التراث ومنه الزوايا الصوفيّة بالبحث والتَمْحيص. وتلك حجّة على أنّ الاندثار لم يحن بعْدُ.

ثمّ أليس ظاهرة الهجوم على الزوايا والأضرحة والمقامات اليوم، حُجّة على استهداف الذاكرة الجماعيّة للشعُوب المقدّس فيها والمدنّس؟

أليس هذا في حدّ ذاته مبحثا جديرًا بالاهتمام للحسم في ما إذا كان تراثنا عُمومًا قد اندثر تمامًا أمْ هو مُحصّن لأنّه ساكن فينا؟!.

 

المصادر والمراجع:

– ابن منظور (جمال الدين)، لسان العرب، م. 7، دار صادر، بيروت، 1997

– أبو اللوز (عبد الحكيم)، تراجع الزوايا والأضرحة… أزمة التديّن التقليدي في المغرب، تقرير حول أطروحة الدكتوراه تحت عنوان “الحركات السلفيّة في المغرب 1971- 2004″، جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق، الدار البيضاء، نشر بمجلة علوم إنسانيّة WWW.ULUM.NL، العدد 39، 2008

– الدكالي (محمد)، الرباطات والزوايا في تاريخ المغرب، منشورات كليّة الأداب، الرباط، 1997

– العجيلي (التليلي)، الطرق الصوفيّة والاستعمار الفرنسي في البلاد التونسيّة، منشورات كليّة الآداب بمنوبة، 1992

– الفيروز أبادي (مجد الدين)، القاموس المحيط، ج. 4، دار الجيل، بيروت، 2004

– المساوي (عبد الجليل)، القصرين والوسط الغربي: حقائق وأحداث لم تدون، ط.1، دار نهى للطباعة والنشر والتوزيع، صفاقس، 2006

– بن محمد (القسطاني)، فكر ونقد، ملف اللغة العربيّة، العدد 24، 1999

– بنعامر (توفيق)، مدخل إلى نشأة الطرقيّة في الإسلام، مقال نشر بموقع الناقد المغربي مُحمدالداهي،مقالات ودراسـَات علميّة. http://www.mohamed-dahi.net

– حجي (محمد)، الزاوية الولائيّة ودورها الديني والعلمي والسياسي، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الثانية، الدار البيضاء، 1988

– لحول (محمد)، الزوايا والطرق الصوفيّة بالبلاد التونسيّة (منطقة دوز عيّنة)، ج. 2/3، بتاريخ 16جويلية 2010، مقال بموقع مرصد الذاكرة الشعبية، http://marsad.blogspot.com/2010/07/3.html





مقدمة إشراقيّة نحو أنسنة وجودية – الثقافة والحوار

Orient-magic

بقلم: الشيخ ابراهيم رمضان* — مقدمة إشراقيّة نحو أنسنة وجودية:

مسكين أنت أيّها الإنسان، فأنت الحاضر الغائب، حولك يدور كلُّ البحث وفيك تختبئ كلُّ الحقائق؛ وكلُّ من لا ينظر في داخل نفسه، فعبثًا يحاول الحصول على أجوبة؛ مصداقًا لشهادة جدّنا أمير المؤمنين عليه السلام:

دواؤك فيـك و مـا تبصرُ وداؤك منـك و مـا تشعرُ

وتـزعم أنـك جرم صغيرٌ وفيك انطوى العـالم الأكبرُ

فلو استنطق كلٌّ منَّا ذاته وألقى سمع قلبه إلى كينونته؛ لتكشّفت له المعرفة الحقّة، لا أقول بأبهى حُلة بل أقول كلّيَّة العُرْي.
لكن هذا الظهور غير المحتجب للمعرفة له مهر، وهو التجرّد والموضوعيّة، وما دام فيك شعرة من حبّ النفس الأَنَوية، فلن يُبْديَ لك الحق وجهه، ولن تبلغ حقيقة الحقيقة التي تجعل منك مرآة الإنسان كلّ الإنسان، فاهمًا للكل، ومُتَّحدًا في الكلّ، ومعبِّرًا عن الكلّ، ولا يبقى للاختلاف بين الكلّ معنًى إلاّ في حدود أطياف الألوان المتقابلة في جوهر مرآة ملونة.
أمّا مكْنَةُ هذا المقام فكونه ينطلق من بحث الأنسان إلى أنسنة البحث، فيعي الآخر بأن يكونه، مُشاهدًا معانته، ومُراقبًا آماله، وعائشًا آلامه، يُعاين تطلعاتِه، ويُعاني خيباتِه. إنّ إنسان الكلّ هو كلّ إنسان من أولئك الأفراد الذين لم تحجبهم انتماءاتهم عن إنسانيتهم، ولا نِسَبُهم عن حقيقتهم، ولا شخصانيتهم عن موضوعيّتهم، هؤلاء هم من نحتاجهم لتصحيح مسار الإنسانيّة وإنسانيّة المسار.

الإنسانية والقيم:
اتفقت الثقافات الإنسانيّة على أهميّة القيم، وكان أجلَّ الأشخاص في المجتمعات أولئك الساعون لترسيخ القيم والحضّ عليها، من الحكماء والأنبياء والعارفين والمصلحين إلى المُقتفين بآثارهم المتنوِّرين بأنوارهم، الذين بذلوا جهدهم ووقفوا عمرهم على ترسيخ القيم التي تسمو بالفرد، وتخدم استقرار المجتمع وتطوره. وكانت هذه القيم هي المكوِّنَ والمُلوِّنَ الأهمَّ للهويّة الإنسانيّة، وإذا كانت النظرة إلى الآخر على أنه المختلف في الإرث الثقافي؛ فلا مهرب من الإقرار بأن الآخر ما هو إلا الأنا متلبِّسًا بمفاهيم ثقافوية أُخَرَ لا تختلف عن مفاهيم الأنا، من حيثُ كونُها مفاهيمَ، بقليل أو كثير، لا سيما في منظومة القيم التي تحكم سلوك الأفراد والمجتمعات. إلاّ أنّها قد تتباين في ترتيب سلّم القيم وفق تصنيف الأهميّة.

الصدق، العدل، الحق، الخير، الجمال، النجدة، التسامح، الإخلاص، المحبّة، الرحمة، العطاء، الإنصاف، الحريّة، الاحترام، الوفاء، الأمانة .. عناوين تتفق عليها الثقافات، وما الاختلاف في ترتيبها إلاَّ لاختلاف ظروف تطوّر الثقافات، فكان التركيز على المهدَّد أو المفقود لحمايته أو استعادته.

وفق منظومة القيم يمكن تفسير سلوك الإنسان، فالإنسان هو الإنسان سواءٌ في الشرق أو في الغرب، وما يُحرِّكه هنا هو ما يُحرِّكه هناك، وما يُفرحه وما يؤلمه وما يؤذيه واحد. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس: “لمَ يتصرّف الشرقي بهذه الطريقة، ويتصرف الغربي بتلك الطريقة؟” بل هو: “لمَ يتصرف الإنسان في الشرق بهذه الطريقة، ويتصرف الإنسان في الغرب بتلك الطريقة؟”.[1]

الشرق والغرب:
إن لقاء بوذا الشرقيّ وزوربا الغربيّ، الذي لامس الواقع دون أن يمسسه، إن كاد ليكشف عن اتّفاق شبه تامّ في معالجة قضايا الإنسان فردًا ومجتمعًا. أمّا النسخ المشوَّهة عن بوذا وزوربا فهي التي تتخاصم وتتصارع، وتعيش وهم صراع الحضارات القاتل والمدمّر. هذا الوهم الذي إذا استمرّ النفخ فيه على الوتيرة المشهودة اليوم سوف يتعاظم، وقد ينالنا من تشظيات انفجاراته إحَنٌ ومِحَن. وعلينا جميعًا أن نستفيد من سير التاريخ وعبره، متى أردنا تقليل الخسائر أو سترجة المواجهة. ولعلّ أبرز الرموز الحاضرة في أذهان من يروِّجون لفكرة الانتخاب بين الثقافات، الإسكندر الكبير الذي حاول فرض ثقافته وتعميمها، ورغم كلّ ما أُوتيه من قوّة وجيوش، وحضارة وغلبة، لا أحسب أن تكرارها في يد غيره سهل، فقد أخفق دون ضرب المحال هذا، وإذا كان هذا المثال لا يكفي دعاة صراع الحضارات فلا أحسبهم سيتوقفون عما يضرمون ويضمرون قبل أن تذوق البشرية الكأس المُرَّةَ مرَّةً بعد مرَّة.

وعندي أنّ الكلام عن صراع الحضارات هو ضرب من الهَوَس في الحديث عن النهايات التي يلهج بإشاعتها أولئك المهندسون لنهاية الكون وفق معطيات سيّالة لا ترتكز إلاّ على ضرب خيال، سيُبدي ما تعيشه منطقتنا الشرقيّة أنه سراب بقيعة.

وليت أولئك المفتونين بالحديث عن النهايات، من أمثال صموئيل هنغنتون وفوكوياما، فرّغوا مجهودهم لبحث أسطورة البدايات. فإنها أكثر تشويقًا وجمعًا للتراث الإنسانيّ المشترك. ثمّ أيّ نهايات مع القول بأُسطورة العود الأبديّ في الهندوسية وما انفرع عنها.

ولهؤلاء يوجَّه السؤال: ما الضير في أن تتكافل هذه الحضارات ويسعى كل فريق للكمال الذي يرتئيه بطريقته الخاصة، دونما عداء واحتراب؟.

إن التعاون لتحقيق أمن وأمان المجتمع البشري أجدى وأنفع من التصارع على حكمه والتسلط عليه. وإن حاجة الإنسان لأخيه واستفادته من وجوده أكبر بكثير ممّا يغتصبه منه، أو يرثه إن تمكّن من إلغائه.

قيمة الإنسان أهم وأسمى وأثمن من كل قيمة أخرى عرف ذلك من عرف، وانحرف عن ذلك من انحرف[2].

الحريّة والدين:
الحريّة قيمة إنسانيّة نادت بها جميع التعاليم في عموم الثقافات. والقرآن الكريم أثبت حريّة الإنسان وأكّدها في سائر اختياراته، حتّى القضيّة المحوريّة في الدين التي هي الإيمان والكفر، تُركت لاختيار الإنسان، قال الله تعالى: “وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”. كما أكّد القرآن الكريم أن الجبر لا يمكن أن يكون أسلوبًا مقبولاً لدفع الناس نحو الدين؛ فقال سبحانه: “لا إكراه في الدين”. وبيّن القرآن أنّ التنوّع الإنسانيّ، وتباين المعتقدات والأفكار أمر مقصود من الخالق جلّ جلاله: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم”. أي: خلقهم ليكونوا مختلفين؛ فالاختلاف سُنَّة الطبيعة ولوحة الوجود، وهو اختلاف تنوّع يتوحّد عند العارف الربَّانيّ الذي يُحقِّق في وعيه الكونيِّ المطلقِ وحدةَ الكثرة، ويُترجم عن هذه الحالة بقوله على لسان الشيخ ابن عربي:

عقد الخلائق في الإله عقائدًا وأنا عقدت جميع ما عقدوه

والإسلام لم يُقيِّد حريّة الإنسان بشئ من القيود، إلاّ أنّه جعله مسؤولاً عن تبعات قراراته، وبذلك أعطاه الحافز للتفكير فيما يفعله، والتنبّه للعواقب، الأمر الذي قد يُربك الفرد ويضيِّق أمامه مساحة الاختيار، ولكنّه في الوقت عينه يعود على المجتمع بالمنفعة العميمة، ويتلاقى تمامًا مع القاعدة الاجتماعية: “تتقاطع حرية المرء حيث تبدأ حرية الآخرين” ولولا هذا الحد لاستحالت نعمة الحرية إلى نقمة فوضوية، ولصارت حرية الفرد تنغيصًا على الباقين، وتعديًا على مصالحهم واختياراتهم.

ولا بدّ أن ننبِّه إلى الفرق بين حريّة الرأي وحريّة التعبير، فالأولى: من أعمال القلوب، وهذا حقّ محفوظ لكلّ واحدٍ واحدٍ بالكامل ولا يمكن لأحد أن يمنعه أو يحدّه.

أما حريّة التعبير فتجاوز تموضعات الشخص الذاتيّة إلى الإذاعة والإشاعة، وبذلك يخرج الرأي من دائرة المعقول إلى دائرة المحسوس، وبالتالي يتعدّى أثرها إلى الغير. لكن يبقى ثمّة حدٌّ لا ينبغي أن يتجاوزه الفرد أو المجتمع وهو الإهانة والتجريح.

وبين النقد الموضوعي (الإيجابي) أي: المشاهدة ومحاولة الدرس، والنقد الذاتي (السلبي) أي: التجريح والإهانة والدسّ؛ ينشأ النقاش وتتباين الآراء. إذ ليس من السهل وضع حدٍّ فاصل بينهما لا سيما أن الأمر نسبيٌّ، ويختلف من ثقافة لأخرى، ومن بيئة لأخرى، ومن ظرف لآخر. ومع هذا التباين والنسبيّة لا يمكن لقاعدة :”أحبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك[3]” أن تفي بالحال وتحلَّ الإشكال، فما هو مقبول في ثقافة قد يكون مرفوضًا تمامًا في ثقافة أخرى.

وإذا كنا متفقين على أن القيمة الإنسانيّة واحدة من أهمّ القيم، فمن المُجدي والمهم أن يتعرَّف الإنسان على ثقافة أخيه قبل أن يُخاطبه بما قد يسوؤه ويؤذيه، ليتمكّن من إيصال أفكاره دون أذيّة أو إهانة.

وإذا عرفنا أن الدين شكّل ويشكّل قيمة أساسيّة في منظومة القيم المتحكّمة في سلوك الأفراد والمجتمعات وبالتالي مكوِّنًا أساسيًّا للهويّة، فسنعرف ضرورةً أن التعرّض له أو لرموزه وطقوسه بالإهانة والتجريح لن يكون مقبولاً عند أتباعه بشكل من الأشكال.

لقد أثار التعرّض لرموز الدين والثقافة الحفيظة في أكثر من مناسبة؛ فقد رفض الهندوس عن قريبٍ، تجسيد الأفتار (الأوتار) في الفيلم الذي شاهدناه بإعجابٍ، ولا سيّما مشهدُه الأخير حيث تنتصر الآلة البدائية، على ثقافة التكنولوجيا الجديدة. ولعلّ موقفهم نابع من كون الأفتار معنًى يُشخِّص المطلق إلى حدود الخلاص النهائيّ؛ بحيث يتلاقى فيه قوسا الصعود والهبوط[4] في نسقيّة الفكرة الخلاصيّة. فاستنكروا أن يتحوَّل إلى فكرة هوليوديّة، خاضعة لمزاجيّة الإخراج السنمائيّ ومتطلّباته.

كما رفضت الكنيسة في أكثر من مناسبة التعرّض لرموز الدين المسيحيّ بدءًا من مسرحيّات فولتير ومولير إلى شيكسبير وملتون حتى كولن ولسون ونيكولاس كازنتساكس لا سيّما في كتابيه: “المسيح يُصلب من جديد” و”الإغواء الأخير للمسيح” الذَيْنِ حرّمتهما الكنيسة وحرمت كاتبهما، ولعلّها كانت الضاغطة وراء حجب جائزة نوبل عنه. هذا فضلاً عن روايات دان براون المثيرة للجدل اللهوتيّ بكلّ عمق وعنف.

كما يرفض رجال الدين المسلمون في الشرق التعرّض لرموز دينهم وطقوسه، انسجامًا مع ما سبق. فلماذا النظر إلى الظواهر بعين مفتوحة وعين مغمضة؟ ولماذا لا نكون في هذا ظاهراتيّين (فينومينولوجيّين) على حدّ ما يُعلِّمه أدموند هوسْرل ومارتن هايدغر. وهو يتقاطع مع تعاليم الفيدا والأوبانيشاد والكيتَّا تحت شعار: راقب .. شاهد .. اصمت .. تأمّل. ويتقاطع مع تعاليم الصوفيّة العرفانيّة تحت شعار “من صمت نجا” وشعار “التصوّف هو أن تجلس لحظة متبطِّلاً”، أي من دون ذكر ولا فكر، على حدّ تعليم حضرت أميرنا داراشـگـوه.

قد يُطرح سؤال في هذا المقام وهو: “لم تكون ردود الفعل تجاه النقد، سلبيًّا كان أم إيجابيًّا، في الشرق المسلم أقسى وأعنف بكثير مما تكون في الغرب المسيحي؟. وقد يصل السائل إلى ما يشبه الاستنتاج: ألا يدّل ذلك على أن الغرب أكثر تسامحًا من الشرق؟ وبالتالي أن المسيحيّة أكثر تسامحًا من الإسلام؟.

وقبل الإجابة عن ذلك؛ أقول: حذار من هفوة منهجيّة، تؤدّينا إلى الوقوع في هوّة مفارقة تاريخيّة، لجهة إسقاط الحدث التاريخيّ على الواقع مع إغفال الزمن الفاصل، وهو المحدّد للتغيُّرات، والشاهد على التحوّلات. ولذا يجب أن نُقارن بين ردّات الفعل بوضع الفعل ونتيجته في نفس السياق الزمني. لا أن نتغاضى عن هذا لنحكم أو نحاكم ردّات الفعل بمعزل عن سياقاتها، وبالتالي فإن الإنصاف مقارنة ردّات الفعل الآن بردّات فعل القرون الوسطى في أوروبا، وحينها سنخرج بنتيجة مُفادها أنّ تلك القروسطيّة الغربيّة، كانت أقسى وأمرّ ممّا نشهده في الشرق.

وبعد هذا التحذير والنذير، أعطف لبيان المفارقات التالية:

أولاً: لعلّ الشرق لم يعتد طريقة الغرب في التخاطب، فهو قد أبقى على الكثير من مظاهر الاحترام والتوقير والمجاملات حتى في محادثاته اليوميّة ما لو تركه الشرقيّ لعدّ عند أهله مارقًا عن حدِّ الأدب ومجاوزًا لقواعد التخاطب الأساسية؛ فالشرقيّون على سبيل المثال لا الحصر، متمسّكون بمنادة الأبّ والأمّ بصفتيهما، ويعتبرون أنّ الولد الذي ينادي أباه باسمه أو أمه باسمها مجانبًا للأدب والذوق، ومرتكبًا لفظيعة. أمّا الغرب ومقلدوه فلا يرون في ذلك بأسًا والأمر عندهم لا يستحقّ أن يُتوقّف عنده. ولا يمكن لأحدى الثقافتين أن تفرض على الأخرى مجاراتها.

من هذا المثال يتبيّن لنا أنّ الغربيّين ألذع في نقدهم من الشرقيّين وأبعد عن مراعاة خاطر المخاطب، ولذا نجد معظم الانتقادات التي أثارت الحفائظ أتت من الغربيّين أو ممن تأثّر بالثقافة الغربيّة. الأمر الذي زاد من انزعاج المجتمع الشرقيّ؛ لأنّ تقبّل النقد من القريب أسهل من تلقيه من الغريب.

ثانيًّا: عرف الغرب بعد الثورة الصناعية، انحسارًا لدور الكنيسة ورجال الدين، وتعاظمًا في دور العلمانيّين واليبراليّين، وما تُبديه الكنيسة اليوم من ليونة ليس ناتجًا عن سعة صدر وتقبّل للنقد، بقدر ما هو تسليم بالأمر الواقع وابتعاد عن معارك قد تكون خاسرة. وفق مشهور المثل: “مكرهٌ أخاك لا بطل”.

أما المجتمع الشرقيّ فلا يزال يعيش المرحلة القروسطيّة، وإن بدا أن هناك صراعًا متناغمًا بين رجال السلطة وسلطة الدين.

ثالثًا: لا يزال المجتمع الشرقيّ يعاني عقدة الانهزام والتخلّف إزاء المدّ الغربيّ في أبعاده: الاستعماريّة،والتكنولوجيّة، والتسويقيّة المتوحّشة. ولذلك فهو يرى في الانتقادات استعداءً واستعادةً لتظهير صور الهزيمة، وخطرًا أكيدًا على هويّته ووجوده، ومع هذا الشعور تزداد الحاجة لتفهّم المجتمع الشرقيّ والأخذ بيده، بدل توسيع الهوّة، واصطناع المعارك معه، إلى حدّ استحضار دون كيشوت.

رابعًا: الإحباط والفراغ بحيث يسعى المحبط والفارغ إلى ديناميّة تملأ عليه فراغه الموهوم، وبالتالي فإنه سيبادر ألى ردّة فعل تجاه ما يعانيه بقوة وعنف. ومن الأدلّة على ذلك حادثة حرق المصحف التي لم تحظَ بردّات فعل، على خلاف سابقتها التي لم تحصل أصلاً. وكانت ردّات الفعل آنذاك تبرق وترعد وتمطر بالويل والثبور وعظائم الأمور، وما ذلك إلاّ لكون المجتمعات الشرقيّة آنذاك محبطة فارغة، فبادرت إلى إثبات وجودها والتصالح مع إحباطها. أمّا اليومَ المجتمعات الشرقيّة مشغولة بعدوى الثورات، فلم ينبت أحدٌ منهم ببنت شفة، بالرغم من تحقّق ما ترصّدوا له كلّ مرصد.

خامسًا: لعلّ الأهمَّ من كلِّ ذلك انطباع الشرقيّ بقطع النظر عن ديانته وتديّنه، بالروحانيّة الغنوصيّة والعرفانيّة الإشراقيّة، وإذا كان لكلّ شيء من اسمه نصيب على حدّ ما جاء في المثل والحكمة الشائعة، فلا استغراب من كون الشرقيّ كذلك، ومن عنده تُشرق شمس الوجود على دنيا الناس. وأين الشرق من الغرب؟ وأين “حكمة الإشراق” من “الغربة الغربيّة”[5].

ورغم كل ما قيل ويقال، لا بد من التنبّه إلى أن ردود فعل العامّة التي أوقعت قتلى وجرحى، لم تخدم أبدًا موقف المسلمين؛ فالغالبيّة الساحقة لضحايا الاحتجاجات والاستنكارات هي من المسلمين المنددين. زوابع في فناجين.

لقد كان الأجدى أن يُترك للسلطة التي تمثل الأفراد وهي المسؤولة عنهم وواجبها الدفاع عنهم أمام أي اعتداء خارجيّ، أن يُترك لها تقدير طريقة التعامل مع الموقف، وفق معاييرها للحفاظ على صورة الدين والثقافة، ووفق قواعد مصلحة الدولة وعلاقاتها الأمميّة، وتعقيدات البروتكولات الدبلوماسيّة. ولعلّ غياب السلطة في الشرق عن هموم الشعوب، وعدم ثقة هؤلاء بالسلطة[6] سببٌ إضافيٌّ لعدم انضباط الشارع وخوض العامة في ما لا يفيد.

والأسوء من هذا الغياب، مسارعة بعض الأجهزة إلى استغلال هذه المواقف من أجل حسابات خاصّة لا تمت إلى مشاعر الشعوب بصلةٍ، ولا لتوقير الهويّة الدينيّة والثقافيّة بوُصْلة.

هل الغرب يسعى لفهم الشرق؟
لا بد أن نحفظ للغرب الدور الذي أدّاه في حركة التعرف على ثقافة الشرق، ما عرف تحت عنوان الاستشراق. في وقت كان الشرق ولا يزال متلهيًا عن هموم الثقافة بهموم العيش والصراع على السلطة وتقاسمها.

فحفظت مكتبات الغرب عيونًا من مخطوطات التراث الشرقي عامة والعربي خاصة. مخطوطات كان العديد منها ليضيع أو يندثر لولا جهد المستشرقين، كما أن عددًا من علماء المستشرقين لمع وأجاد وتعمق في قراءة الثقافة الشرقية فاستفاد وأفاد وأسهم وخدم الثقافة بما لم يخدمها به بعض أبنائها.

ولسنا بصدد محاكمة النوايا، لنناقش من يقول إنهم فعلوا ذلك بهدف خدمة الاستعمار أو تشويه الإسلام.

غير أنّ ما وصل اليوم من الصورة العامّة للشرق في الغرب لا يسرُّ، ولا سيّما المثقّف الشرقيّ عند ذلك المنظّر الغربيّ، ففي الغرب بات المثقف الشرقي مقسومًا إلى معسكرين:

الأول: مستلب بالثقافة الغربية ومواكب لها. يسهل التواصل معه لكنه لا ينقل صورة المجتمع الشرقي ولا ينتمي إلى تارخه فضلاً عن حاضره.

والثاني: معادٍ رديكالي. لا يمكن التواصل معه، وهو الصورة النقية للمجتمع الشرقي؛ ولا سيّما الشطر الإسلاميّ منه.

والحق أن الغرب سيبقى قاصرًا عن فهم المجتمع الشرقي إذا لم يتواصل مع مثقفين لبراليين دون اغتراب، ومحافظين دون جمود؛ عنيتُ أولئك الذين يمثلّون الوسط الذهبيّ بين طرفي الإفراط والتفريط، وهو الوسط السقراطيّ والبوديّ والتاويّ والمسيحيّ فضلاً عن الوسطيّة في الثقافة الإسلاميّة.

من هو المثقّف؟
لطالما طرحتُ هذا السؤال في محافل الفكر وندوات الحوار من أجل وضع رسم تقريبيّ يحدّد المثقّف من وجهة نظر موضوعيّة تساهم في تلوين المشهد الثقافيّ بين معسكري الشرق والغرب.

وعندي أن المثقّف هو ذلك الشخص الذي أخذ من كل تلافيف الثقافات وتضاعيفها، المتاحة له والمتداخلة أو المتلاحمة مع معارفه بحيث بإمكانه أن يجمع قطع البزل (puzzle) المتناثرة بين عامّة الثقافات فيرى المشهد الثقافيّ من فوق قمّة الجبل، لا من لحف أسفل الوادي حيث تختلط آسنة السيول بهشيم العصف المأكول.

بقي أن أعترف هنا بنقد ذاتيّ فيما يخصّ المثقّف الدينيّ بصورة خاصّة، ذلك المثقّف الذي كان يُعَدّ طليعيًّا في القرون الوسطى لما كان يتمتّع به من اطّلاع واسع على معارف زمانه، بينما بات اليوم متأخّرًا عن أقلّ مثقّف عامّ في المجتمع بسبب تراجع أداء المؤسسات التعليميّة الدينيّة تراجعًا حادًّا متقهقرًا.

المسلمون في الغرب[7]:
إنني أدعو أن يكون المسلمون في الغرب مندمجين في مجتمعاتهم على أساس المواطنة من غير تمييز بين مواطنين ورعايا أو مواطنين من الدرجة الثانية.

إن فكرة الاندماج تظهر خطيرة جدًّا في الفكر الكلاسيكي للفقه التقليدي بحجة الحفاظ على الهويّة.

وعندي أن الهويّة حجاب الأنويّة كما أن الشخصيّة حجاب الهويّة، ويكفي أن يكون الشخص محتفظًا بذاكرته الجمعيّة ثمّ لا بأس باندماجه في مجتمعه على الأساس المنوّه به؛ وهو المواطنة.

فليس للمسلم المقيم في الغرب أن يطرح وشروعه الخاصّ على مجتمعه، محاولاً أسلمة الكون، وهو الهمّ الذي يحمله المسلم بإيحاء علماء الفقه والفتوى التقليديّين. وليت شعري لم يقيم المسلم في مجتمع غربيّ مستفيدًا بامتيازات اللاجئ السياسيّ أو المواطن، ثمّ مستعدًّا للثورة عليه باسم الدين، أو الصحيح باسم الأدلجة الدينيّة.

المهمّ عندي حفظ الذاكرة الجماعيّة لكلّ ثقافة إنسانيّة لما في ذلك من إضفاء الألوان الزاهية الباهيّة على لوحة الوجود الكونيّ أو على حدّ تعبير شيخ شيخنا: تناغم السمفونية الكونيّة.

وإذا كان لنا من موقف من الحداثة وما بعد الحداثة، فأختصره في تخوّفي من ضياع أجزاء من الذاكرة الإنسانية الشاملة الكونيّة، ممّا يضطر الأجيال المقبلة إلى فكّ أحاجي تلك الثقافة المفقودة أو المفتقدة بعد عدّة قرون على حدّ تفكيك أحاجي الهروغليفيّة والمسمارية.

الدين وسيلة اتصال:
الدين؛ ذلك الظاهرة الحيّة الفاعلة والمتفاعلة في المجتمع الإنسانيّ بدءًا من عصر ما قبل التاريخ إلى يوم أن كان الدين سبب اجتماع على الخير العامّ والروح الخالدة.

لعلّ من أكثر المشاكل المنهجية التي تعتري الباحث في الثقافة الشرقيّة عامّة هو تحديد المفاهيم الاصطلاحية، أو الأفهومات الموضوعية للعناوين ذات الصلة.

إن فوضى المفاهيم جرّ إلى سوء تفاهم والتباس حادّ بين أصحاب الثقافة الواحدة في هذا الشرق. ولعلّ الثقافة الإسلاميّة تُعَدّ من أكثر تلك الثقافات اختلاطًا للمفاهيم على أساس منهجيّ واضح؛ فيضيع المفهوم الواحد بين مشترك لفظيّ إلى جدل فقهيّ أو كلاميّ (لاهوتيّ) إلى اضطراب اصطلاحيّ (تخصّصيّ = تِقْنيّ).

وإذا أردتُ أن أستعيرَ تعريفًا للدين من خلال خبرة شيخنا الذاتية؛ فإنني سأقول: بأنّ الدين هو تجربة روحانية للكائن بمعناه المقيّد في علاقته مع الكائن بمعناه المطلق[8].

وهذه العلائقيّة الجدليّة تحدّد طبيعة الموقف من “الأنا” و”الأنت” وهما مع “الآخر”.

وبهذا يغدو الدين أرحب مساحة، ومساحة أرحب للالتقاء بين “الأنا” و”الأنت” و”الآخر” بما يحقّق وحدة الكثرة أو وحدة التنوّع.

إنّ المحاولات الدائبة عند أصحاب الهويّات القاتلة لتثبيت “الأنا” و”الأنويّة”، دفعتهم إلى تحويل الدين من الوسط الساذج البسيط كتجربة روحية، وأنظومة مجتمعية، إلى إيدولوجيا متطرّفة لا يمكن إلاّ أن تتشظّى في اتّجاهات دائرية، تبدأ من المركز، وتنتهي إلى الأطراف. أو على حدّ التعبير القرآنيّ “لا تبقي ولا تذر”.

التصوّف عصارة عرفانيّة: ل
لقد آن أوان عودة العرفان الصوفيّ الذي يمثّله الكبار الكبار، من أمثال: البسطاميّ وحمدون القصّار والحلاّج وعين القضاة والشهاب السهروردي، المعروف بالشهيد، إلى الحكيم سنائي وفريد الدين العطّار وحضرت مولانا جلال الدين الرومي والشيرازيّين سعدي وحافظ، فضلاً عن ابن عربي وابن سبعين والشُشْتَري والنَسيمي والشِبِسْتَري ونعمة الله وليّ وشمس الشموس الداغستاني.

لا أريد أن أترجم لأحد من هؤلاء في آخرين وآخرين، وإنّما أريد الإلماع إلى ضرورة عودة التصوّف العرفانيّ القائم على اختبار تجربة الآخر واختمارها في وعي الفرد الكونيّ على حدّ ما جاء في كلام ابن عربي:

لقد كنت قبل اليوم أُنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

وقد صار قلبي قابلاً كل صـورة فمرعًى لغزلان وديـر لرهبان

وبيت لأوثان وكـعبة ُ طـائف وألواح توراة ومصحف قرءان

أدين بدين الحـبّ أنّى توجّهت ركـائبه فالحبّ ديني و إيماني

————————————————————————

(1) هذا الكلام الخارج من مَعين جدّنا أمير المؤمنين يتلاقى مع وصية بوذا الأكبر حيث يقول: “كونوا مشعال أنفسكم”.

(2) يُسجّل لابن مسكويه سبق في شرح مضامين هذه الفكرة، من خلال رسالته الموسومة “في اللذة والألم”، مقارنةً مع الإبيقورية وبعض المذاهب الفلسفية المتأخّرة.

(3) ودعك هنا من أفكار مكيافللي وهوبس، فالإنسان آنية إلهيّة مملؤة بخمرة الأبد، وليس الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان.

(4) وهي القاعدة التي تلاقى فيها قول يسوع الصالح مع قول محمد بن عبد الله، لتتأكّد وَحدة النبعة بين الديانتين؛ كما وحدة الهدف بين التعليمين.

(5) يقارن في المسيحية والإسلام معنى الكلمة الأزلية والكلمة القرآنية.

(6) “حكمة الإشراق” و”الغربة الغربية” اسمان لكتابين من تأليف شيخ الإشراق السهروردي، المعروف بالشهيد. الذي قُتل ظلمًا بأمر السلطان صلاح الدين الأيوبي.

(7) آثرنا استعمال مصطلح “سلطة” بدل مصطلح “نظام” أو مصطلح “دولة”. ولا شكّ أن فوارق الاصطلاحات تحدّد سبب ما آثرناه.

(8) للتوصّل إلى سبك متماسك لمفهوم الاغتراب المزدوج، وهو اغتراب المثقف الحقيقيّ أو العارف المرشد (الغورو) بلغة المتصوّفة، ينبغي الوقوف على نصوص هيرقلطس وشلر وهيغل.

(9) لتوسّع في هذا المفهوم والوقوف على نظرة متكاملة في هذا المبحث الهامّ، يراجع كتاب شيخنا العلاّمة عبد الرحمن الحلو “مرآة المثنوي”.

نبذة عن الكاتب
الشيخ ابراهيم محمد رمضان
الإجازة العالية في الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة بجامعة بيروت الإسلامية
دبلوم في الفقه المقارن من كلية الشريعة بجامعة بيروت الإسلامية.
حاصل على إجازات علمية من العديد من مشايخ الفقه والحديث والأصول واللغة وسائر الفنون الإسلامية من لبنان وسورية والحجاز ومصر والهند
عضو مؤسس لجمعية مركز بيروت للدراسات والتوثيق
محاضر في الجامعة الأنطونية في مادة الموسيقى الإسلامية منذ العام 2003 وحتى العام 2005
من مؤلفاته المطبوعة: كتاب “التبيان في أحكام الموسيقى والألحان” الصادر عن مركز بيروت
لديه العديد من المقالات في الصحف المحلية ووالصحف الأجنبية حول الاسلام.

المصدر: موقع Heinrich Boell Foundation




قونية في أغاني بزي

aghani-Konia

حوارات نت — بقلم: إيمان شمس الدين — قونية تلك المدينة الوادعة في وسط الأناضول في تركيا، تحمل في جوفها قلبا نابضا بالعشق الإلهي هو قلب جلال الدين الرومي ذلك الإنسان المتأله الذي أذابه عشق الله وذاب به كل عاشق لله،

هي موطن حوى حياة جلال الرومي الروحية، كما حوى مرقده الذي جسد خاتمته في لقائه لمعشوقه في رحيل أبدي خالد.

غنى الدكتور محمد حسين بزي قونية في أشعاره التي ضمنها ديوانه الأخير ” أغاني قونية” ، فاختصر مساحة قونية الجغرافية وأهميتها التاريخية بنبض قلمه الذي غرد يترجم نبض قلب الرومي .

أنشد قائلا :

مَنْ لَيْس َ لَهُ عَيْنٌ يَسْتَبْصِرُ عَنْ غَيْبٍ

فَلْيَأْتِ على شَوْقٍ في خِدْمَةِ مَوْلانا

ثم نصح :

مَنْ كانَ لَهُ هَمٌّ يُفْنيهِ ويُرْديهِ

فلْيَشْرَبْ ولَيَسْكَرْ مِنْ قَهْوَةِ مَوْلانا

وسبح قائلا في ترنيماته الجمالية الذائبة عشقا :

فَدَيْتُكَ يا ذَا الوَحْيِ آيتُه تَتْرى

تُفَسِّرُها سُرًّا وتُكَنٍّي به جهراً

وأَنْشَرْتَ أَمْواتًا وَ أَحْيَيْتُهُمْ بها

فَدَيْتُكَ ما أَدْراكَ بالأمرِ ما أَدْرى

فعادوا سُكارى في صِفاتِكَ كُلُّهم

وما طَعِموا إثمًا ولا شَرِبوا خَمْرًا

ولكنَّ بريقَ القربِ أَفنى عُقولُهم

فسُبْحان من أَرْسى وسُبْحان من أَسْرى

وكأنه يحاكي بها كلمات مولانا حين قال :

نسكَرَ،

لا الآلاتِ وقصفِ الغناءِ حتى ننتهي مجاذيبَ.

لا مُنشدينَ، لا مُرشدينَ، لا شدوَ،

بل نثبُ حول بعضٍ جامحينَ تمامَ الجّموحِ.

وكأن بزي في أغانيه يرد على مولانا قائلا:

سلامٌ على قَوْمٍ تنادي قُلوبُهُمْ

بأَلْسِنَةِ الأَسْرارِ شْكْرًا لَهُ شُكْرًا

لقد رسم بزي بريشته الشعرية في أغاني قونية، أسرار العاشقين التي طالما أرقت مولانا، حيث جَسّر بشعره بين زمانين ، زمان مولانا الرومي وزماننا الراهن ، فطاف كعاشق حول أستاذه ، ثم نهض من أعماقه العقلية المعتقدة بالإشراق كفلسفة، إلى أعماقه القلبية المتعلقة بتلابيب صوفية مولانا.

وفي وَجْدٍ صدح بصوت جَلْجلَ بيروت في عام ٢٠٠٧ حيث أقر معترفا :

أَحْرَقَ الوَجْدُ العُطاشى كَاحتراقِ الياسمينْ

عِنْدَما فاضَتْ مَرايا بِدماء العاشقينْ

وطالما انتظر بزي الحلاج ذاك الملهم العارف لكل المتطلعين للقاء فخاطبه في انتظار الحلاج :

أَنْتَظِرُ حَلاّجاً كان أخبَرَني

أَنْ يَصْحَبَني

مِنْ موتي وَعْداً

شِعْراً

حُبّاً

حَيّاً

مِنْ بعدِ موتِ الأَيّامْ

ورغم موت الأيام استطاع الدكتور بزي أن يحييها بشعره الذي بث الروح مجددا في صوفية الرومي وعرفان الحلاج ، كأنه سكرٌ ينشد سلاماً في زمن غارق بالدم حتى الثمالة. فاختياره للجغرافيا ” قونية” اختيار أعاد به الماضي للحاضر، وربط بينهما بأغانيه الشعرية التي رقصت على ألحان صوفية الرومي وإشراقية بزي ، مازجا بين العقل والقلب مزجة فلسفية بروح صوفية لإنسان سعى للتأله.

لا أدعي أنني شاعرة، فأنا مجرد عابرة سبيل تتذوق جمال الشعر، خاصة ذلك الغارق في العشق ، وحينما رست سفينتي على شاطيء أغاني قونية ورشفت من قهوتها وشرابها، ما لبثت أتمتم من شعرها الذي يقول :

أُناشِدُكُم بِاللهِ تَعْفونَ إِنني

لقدْ ذُبْتُ بالأشْواقِ وَالحُبِّ والوَلا

لِمَوْلَى ترى في حُسْنِهِ و جَمالِهِ

أَماناً مِنَ الآفاتِ والمَوْتِ والبلا

سَقَى الله أرْضًا شَمْسُ دينٍ يَدوسُها

كَلا الله تَبْريزاً بأحْسَنِ ما كَلا

في إشارة واضحة لشمس التبريزي الأستاذ الذي تتلمذ على يديه جلال الدين الرومي.

في أغاني قونية اعترف شاعرها أنها بدء أساطيرُ نشوره، حيث رماده صفوة خلقه القادم، الذي ننتظر صفوته القادمة من رماده أن تجود علينا شعرا يلهب القلوب المتعطشة للعشق، ويروي ظمأ عابري السبيل من واحة الأحدية الزلال.

أغاني قونية محطة شعرية تجذب إليها الباحثين في ذاتهم عن الله، والهاربين من صخب العنف وصراخ الدم، ليجدوا في بحرها وعلى شواطئها حروفا نابضة بالسكر في عشق الله، وتائهة في صحراء قلبها تبحث عنه.




تحولات الخطاب في أفريقيا من الصوفية الإصلاحية إلى «بوكو حرام»

Sufi-dance_roumi

موقع حوارات — بقلم: كرم سعيد — صدر حديثاً عن «مركز الأهرام للنشر» في القاهرة كتاب «تحولات الخطاب الإسلامي في أفريقيا» الذي يتناول فيه الدكتور حمدي عبد الرحمن الظاهرة الدينية في أفريقيا التي تشهد تعدداً في الأديان والمعتقدات، وتداعياتها على الحياة السياسية والاجتماعية التي تشهدها القارة. فبالإضافة إلى الديانات السماوية، وفي الصدارة منها الإسلام والمسيحية تموج القارة السمراء بمئات الديانات الوضعية المحلية، ولكنها خلافاً للمعتقدات التقليدية تبدو محدودة الأثر والتأثير، إذ إنها لا تتعدى نطاق الجماعة العرقية المؤمنة بها ناهيك عن أنها تخلو من أي رؤى تجديدية ولا تتضمن سطورها ما يجعلها قادرة على التطويع والتطبع إزاء الواقع الأفريقي.
ويرتكز الكتاب على محاور عدة، منها دراسة الظاهرة الإسلامية استناداً إلى دراسة النموذج السوداني والسنغالي والنيجيري. كما يسعى إلى تقديم حصر للإشكاليات وقضايا خطاب التجديد والإصلاح الإسلامي في الواقع الأفريقي مع تقديم إجابة حول حقيقة الأسباب والدوافع التي تفسر ظهور الخطاب التجديدي في بعض المجتمعات الأفريقية، وكيف استجاب هذا الخطاب من جهة وتجاوز من جهة أخرى تحديات مشروع الحداثة الغربي، وبخاصة ما يتعلق بواقع التخلف والتبعية التي ما زالت قطاعات أفريقية واسعة غارقة فيها. ولم يغفل الكتاب الذي يقع في 398 صفحة من القطع الكبير الإشارة إلى أنماط الخطاب الإصلاحي وتنويعاته الفكرية والمعرفية.
توصف أفريقيا بأنها قارة الإسلام، فهو يسبق كل ما عداه من أديان، وهو في الوعي الجمعي يعد ديناً أفريقياً انتشر بقوته الذاتية وخصائصه الدفينة، كما أنه أكثر الأديان صلاحية وارتباطاً بالواقع الأفريقي. والأرجح أن ثمة عوامل عدة مثلت أهمية كبرى في انتشار الإسلام في القارة منها الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا وتحول مجموعاته السكانية إلى الإسلام، والدور الحركي على الأرض للتجار والعلماء المسلمين الذين زاوجوا بين الاقتصاد والعلم في رحلاتهم الأفريقية، فعرضوا بحرفية ومهارة بضائعهم التجارية بجوار أفكارهم العقائدية. وراء ما سبق لعبت تحركات القبائل وهجراتها جنباً إلى جنب الطرق الصوفية دوراً بارزاً في الترويج للإسلام.
ويمضي الكتاب في الحديث عن الحركات الإسلامية في أفريقيا التي لا تعبر في جوهرها عن تجانس فكري، على رغم أنها نهلت من روافد فكرية مشتركة، فتأثرت على سبيل المثال بأفكار الجماعات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي، وفي الصدارة منها جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر الذي أسسها «حسن البنا» في العام 1927، وأيضاً الحركة الوهابية في السعودية وقيم ودساتير الجماعة الإسلامية في آسيا. والمتابع لنشأة وتطور الحركات الإسلامية في أفريقيا يدرك أنها انتقلت بسرعة من مرحلة التركيز على الجوانب العقائدية والإيمانية إلى الغوص في أوجه النشاط الإنساني كافة لا سيما القضايا التي تمثل فرس رهان لتقدم المجتمعات وتطورها، وبخاصة السياسة والاقتصاد والتعليم. ولعل ذلك يفسر حرص عدد من الحركات الإسلامية في أفريقيا على تقديم تفسير عملي للنصوص المقدسة، وترجمتها على الأرض عبر بناء نموذج اقتصادي ومعرفي يتسق وروح الإسلام باعتباره منهج حياة ومعتقداً بالغ التأثير في حركة المجتمعات.
ويحلل الكتاب في فصله الثاني مفهوم الخطاب الإسلامي بدلالاته المعرفية وأبعاده الإيديولوجية وسياقاته المجتمعية باعتباره المدخل الأساسي لفهم الخطاب الإصلاحي التي تطرحه الحركات الإسلامية في القارة. ولا يغفل الكتاب الإشارة إلى دوافع تجديد الخطاب الإسلامي الذي أصبحت الحاجة إليه ملحة مع تصاعد موجة التعليم الغربي الذي وسع البون بين الشرائح المجتمعية في القارة وخلق ازدواجية ثقافية لا تخطئها عين. وتمثلت أهم الدوافع التي وقفت وراء طرح الخطاب الإصلاحي في ظهور جماعة الإخوان المسلمين، والتي تأسست أول شعبة لها في جيبوتي عام 1932 ناهيك عن خفوت وتراجع الأطروحات الأيديولوجية التي ظهرت عقب الاستقلال، وقادها نكروما في غانا مع تصاعد موجات التحرر الوطني من الاستعمار. كما ظهرت رؤى إصلاحية إسلامية وطرحت قضايا مهمة تدخل في صلب خطاب التجديد. أيضاً مثلت الثورة الإيرانية وغياب الديموقراطية وتنامي روائح الفساد عاملاً مهماً في تغذية التوجهات الإصلاحية للخطاب الإسلامي في القارة، والذي وجد بيئة خصبة مع فشل نموذج النهضة الأفريقية الذي ارتكز على أسس علمانية.
على صعيد ذي شأن شهدت أفريقيا جنوب الصحراء طوال الأعوام التي خلت تنوعاً واضحاً في أنماط الخطاب الإسلامي، بدءاً بخطاب الحركة الإسلامية في السودان التي اشتبكت منذ نشأتها فكرياً وأيديولوجياً مع التيار الشيوعي السوداني، واتسم خطاب الحركة السودانية في جوهره بغلبة الطابع السياسي على الديني والتربوي، بل تبنت الحركة الإسلامية بعد تمكينها من السلطة في العام 1989 خطاباً أممياً. وإلى جوار الخطاب الحركي للحركة الإسلامية في السودان برز الخطاب الصوفي، بالنظر إلى تغلغل الطرق الصوفية وتشعب مسالكها في القارة السمراء، وكان بارزاً، هنا، استلهام الخطاب الإسلامي في تجديده لروح الصوفية وتقاليدها في السنغال ونيجيريا وغيرها من بلاد القارة.
ويشمل الكتاب تحليلاً مهماً للخطاب السلفي الذي كان أقرب لرد الفعل على الخطاب الصوفي الغارق بحسب خصومه في البدع والخرافات. وبرز التيار السلفي الحركي وهو يقدم قراءة مغايرة للدين وكاشفة للجوانب العملية لقواعد الدين الإسلامي ونصوصه، وليأخذ بذلك مسافة بعيدة من الطرق الصوفية مثل القادرية والتيجانية.
وبرز الخطاب الإصلاحي السلفي في أفريقيا، وبخاصة في نيجيريا من خلال ثلاثة تنظيمات أولها «جمعية الطلاب المسلمين» و «جمعية الدعوة» و «جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة».
ويلمح المؤلف إلى أن مصطلح السلفية ازداد غموضاً وتعقيداً على تعقيده في السنوات الأخيرة عندما تحولت السلفية وخطابها المضطرب إلى ظاهرة مؤثرة وفعالة في المشهد السياسي والديني في العالم الإسلامي، وبخاصة أفريقيا.
ويمايز المؤلف بين تيارات ثلاثة داخل السلفية، وهي السلفية الأصولية والسلفية المسيسة والسلفية الجهادية.
وفي جانب خامس من الكتاب ينتقل المؤلف إلى مناقشة خطاب الحركة المهدية في السودان، والتي تعد واحدة من أهم الحركات الثورية التقدمية في الواقع الأفريقي التي حملت بين جنباتها مضامين سياسية ودينية تقدمية. وكانت للحركة لمستها في عملية تشكيل وتطور الدولة الحديثة في السودان.
ويلقي الكتاب الضوء في الفصل السادس على الخطاب الديني الجهادي في القارة، والتي تمثله جماعة» بوكو حرام» التي تقص مضاجع نيجيريا ودول جوارها. واشتهرت هذه الجماعة بمعاداتها للتعليم الغربي، فعرفت إعلامياً باسم «بوكو حرام» التي تعني بلغة الهوسا التعليم الغربي حرام، لذلك، حرصت «بوكو حرام» دوماً على تقديم غطاء أيديولوجي لأعمالها الإرهابية.
المصدر: صحيفة الحياة




الرومي- دين الحب لليلي أنفار (الجزء الأول)

الاسلام دين الحب
الاسلام دين الحب

حوارات.نت ـ عائشة موماد

 

تستهل ليلي أنفار كتابها عن مولانا جلال الدين الرومي “الرومي – دين الحب” ببيت شعري من ديوان شمس تبريز:
غرق محيطي في ذاته…
مذهل أنا، ذلك المحيط من غير شاطئ
كأنها تدعونا إلى دخول ذلك المحيط الشاسع، إلى عوالم مولانا جلال الدين الرومي من غير رجعة، حيث تقول: “أولئك الذين قرؤوا ودرسوا وأحبوا أعمال الرومي زهاء 800 سنة، مروا بتجربة الدخول إلى محيط من غير شاطئ، تصعب العودة منه”
اعتمد في إعداد هذا العمل على مجموعة من الأعمال السابقة، بغية إعطاء لمحة عن حياة مولانا، وكيفية تأثير سيرته في تكوين أفكاره وصياغة أعماله، حيث اهتمت الباحثة بأعمال كل من:
– بديع الزمان فروزانفر، الذي نشر جميع أعمال مولانا جلال الدين الرومي.
– فرانك ليويس، الذي دون كل ما قيل عن مولانا جلال الدين الرومي في مؤلفه: “الرومي ماضيا وحاضرا، شرقا وغربا”
– الأستاذ علي موحد خوارزمي، الذي نشر كتاب مولانا شمس الدين التبريزي “مقالات”
– الأستاذ محمد استعلامي، الذي نشر ووثق “المثنوي
بالإضافة إلى مراجع فارسية، ترجمت مادتها إلى اللغة الفرنسية:
– كتاب”فيه ما فيه“و”كليات شمس“أو”الديوان الكبير“لفروزانفر
– كتاب”المجالس السبعة“لتوفيق سبحاني
– كتاب”مناقب العارفين“لأحمد شمس الدين أفلاكي
– كتاب”معارف: مجمع المفايز وكلمات السيد برهان الدين محقق الترمذي“
– رسائل سبهسالار لفريدون بن أحمد سبهسالار
– كتاب”معارف“لبهاء الدين ولد
– كتاب”ولد نامه“لسلطان ولد
تؤكد ليلي أنفار على استحالة تقديم جميع جوانب حياة مولانا، حيث فضلت التركيز على الجانب الروحي الذي كان محط اهتمام مولانا جلال الدين الرومي، لذلك كان من الواجب التعريف بالشخصيات التي أثرت في حياته ثم تقديم أعماله ومؤلفاته الرئيسية.
تقول ليلي أنفار:”يجب التأكيد من الآن على أنه من الضروري تناول أعمال مولانا من زاوية روحية صرفة، فلأي مقاربة أخرى تعتبر تفسيرا خاطئا، ومن أجل ذلك علينا الخروج من دائرة التصورات المعاصرة. لقد عاش الرومي في عالم حيث يتآلف الروحي والمقدس واللا طبيعي من أجل تشكيل الحياة“
فالتصورات والتأويلات المعاصرة تغلب عليها المادية بخلاف الوضع أيام مولانا جلال الدين الرومي، حيث كانت الجماهير تتجه إلى تأويل الواقع من خلال نظرة أكثر روحانية رغم احتياجاتها المادية بالطبع، و”كانت الجوانب الدينية والروحية تعطي معنى للحياة وتكون بنية الوجود“ل.أ.
حاول مولانا إيصال كلامه حيث يعجز اللسان عن الكلام، فعالم الروح لا يمكن التعبير عنه، وجماله ينير كل أنحاء الكون. فكان لا بد من خلق لغة للروح تجلت في أشعاره التي جابت العالم وعرفت صدى كبيرا في الغرب، لبعدها الروحي أولا، دون إغفال البعدين الاجتماعي والديني. ف” لتجاوزه الضوابط والبنى التقليدية، قد وصل إلى الكونية“ل.أ، وشيد عالما جميلا، كان”انعكاسا للحب الذي يسكنه“ل.أ.
قدمت الباحثة مؤلفها في جزأين رئيسيين مرفقين بانطولوجيا. تتعمق من خلال الجزء الأول في حياة وسيرة مولانا منذ الولادة حتى الرحيل، وتبرز كل المراحل والرموز التي ساهمت في تكوينه وتغيير منحى حياته، أما الجزء الثاني، فإنه يشكل قراءة معمقة لأعمال مولانا جلال الدين الرومي الشعرية والنثرية ورسما متقنا لعالمه البديع.
اعتمدت ليلي أنفار في خطها لسيرة مولانا جلال الدين الرومي على مجموعة من المصادر، اعتبرتها متكاملة ومتناسقة، وتمكن من تتبع مسيرة الشيخ الصوفي والشاعر المتميز (قد تم ذكر كل المصادر في المقدمة)، وتؤكد أن تعدد هذه المصادر يشكل منجما ثمينا للباحث بالرغم من قولها أن بعضها ذو طابع قداسي وتختلط فيه الحقائق بالخرافات. فشخصية مولانا المشرقة جمعت حوله كثيرا من الباحثين عن الحقيقة وحتى بعض المتطفلين، أناس من كل التوجهات الدينية والانتماءات الاجتماعية التي ساهمت في خلق”أسطورة الرومي“على حد تعبيرها.
فمن أجل ذلك كان من الواجب لدى المؤلفة تحقيق كل المتن على قدر المستطاع ومقارنة الأساطير على ضوء المعطيات التاريخية والنصية، وتقبل بعض السرد الخرافي لأنه يخبرنا بمعطى أساسي، ألا وهو نظرة معاصري مولانا لشخصه وكيفية تلقيهم لتعاليمه وقراءتهم لأعماله.
منا، لن يبقى سوى اسم
إن الاسم الكامل لمولانا هو جلال الدين محمد ابن سلطان العلماء بهاء الدين ولد ابن الحسين ابن أحمد خطيبي، ولهذا الاسم دلالات كثيرة حول آبائه، حيث كان والده سلطان العلماء وهو الذي أطلق عليه لقب”جلال الدين“، وكان جد والده خطيبا.
كما أن للموقع الجغرافي نصيبا من اسم مولانا، فقد لقب ب”الرومي“لانتمائه إلى منطقة الأناضول وقد كانت تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية آنذاك، وسمي كذلك ب”البلخي“نسبة إلى”بلخ“مسقط رأسه وهي مدينة في أفغانستان الحالية، لكن الإسم الشائع والذي أطلقه عليه مريدوه هو”مولانا“في كل بلاد فارس وتركيا.
لا من الشرق ولا من الغرب
عبر مولانا عن لانتمائه لذلك العالم الذي مزقته الحروب وسفكت فيه دماء ملايين البشر تحت قوة الجبروت والغطرسة، في أبيات من الديوان الكبير:
داخل الحرب والدماء…قد دمر التتار العالم….أعلم ذلك
لكن الخراب يخفي كنزا…أي مكروه يستطيع إصابته؟
قد دمر العالم….اعلم ذلك…لكن، ألست صديق ذوي الحياة المحطمة؟
من كان ثملا بك…كيف يلحقه الدمار؟
”هذا العالم الدامي والذاهب نحو الهاوية ليس سوى معبر للوصول إلى بعد آخر. وفي نفس الوقت، كل إيقاع، كل لحظة جمال، كل نظرة تأمل في وردة، في وجه، في الشمس أو المحيط، كلها شهادات على عظمة الخلق، ما وراء كل الآلام“. ل.أ
معلومة جديدة تشير إليها المؤلفة من خلال دراستها لأعمال”فريتز ميير“و”ف.ليويس“، هي أن مولانا لم يولد ب”بلخ“بل ب”فاخش“وهي مدينة صغيرة بعيدة عن”بلخ“في طاجيكستان الحالية. لكن”من أجل رجل عشيرته من عالم ما وراء الأكوان، ويرنو إلى فضاء ما وراء اللامكان، فهذا ليس بالأهمية الكبرى“ل.أ
قد أشار مولانا إلى أهمية الحركة في العالم الطبيعي والعالم الروحي الذي يقابله، فكل الأشياء في حركة دائمة، وتكوين أكبر الصوفية كان من خلال الترحال والسفر، فمن المستحيل أن يكون هناك عالم ثابت وإلا فإن مصيره الهلاك والموت.
فكيف لنا أن نتصور مصير عدد من الرسل والأنبياء دون حركة وسفر: غياب يوسف عن أبيه ورحلته نحو مصر، فراق موسى لأمه، تنقل عيسى وإحياؤه للموتى، هجرة محمد من مكة ثم عروجه إلى سدرة المنتهى للقاء ربه.
يمكن أن نقيس على ذلك هجرة مولانا مع أسرته من مسقط رأسه الذي دمر وأحرق من طرف جيوش جنكيز خان.”الحركة جسمانية كانت أم روحية، فهي مرادف للحياة، للتطهر، للعروج وللنور“.ل.أ
وكما يقول مولانا في كتاب مناقب العارفين لأحمد الافلاكي:”الإنسان الحقيقي هو ذلك الذي ينمو و يرتقي كل يوم. …التشبث بشيء ما أو الوقوف يؤدي بك إلى الموت“.

المصدر: صحيفة الفكر

 




أنا ماري شيمل .. ديانة المؤلف

بقلم: خالد محمد عبده —

annemarie-schimmel2

أكدت شيمل باستمرار على أنها نصرانية الدين، بروتستانتية المذهب، إلا أن تناولها للثقافة الإسلامية بشكل عام، ومواضيع اختصاصها انطوى على الحرارة والقوة اللتين لا يتوقعهما المرء عادة إلا من مسلمة قوية الإيمان، وفيما اعتبر البعض أن أمر تديّنها بينها وبين ربّها، جزم البعض بإسلامها، والبعض ترك الأمر لحدس القارئ وذكائه، كان ذلك من خلال تركيزهم على ما كتبته أنا ماري شيمل عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم مما اعتُبر (دفاعًا عنه ضد تشويه الصورة الغربية) أو ما كتبته عن الإسلام مظهرة عظمته، ومدافعة عما نُسب إليه من أفكار خاطئة في الغرب.

فكرة تديّن الباحث فكرة هامة عند العرب، ويعوّل عليها كثيرًا ربّما أكثر من بحثه وما ناقشه من أفكار، وما ساهم به في مجال الدّرس العلمي، وإن كان بعض قرّاء اليوم قد تجاوزوا ما عُلّمناه في المدارس والجامعات، فأصبح المتدين يقرأ لـ(العلماني) ولمن هو على غير دينه، ويفاد مما كتب في درس الإسلاميات، ويترجم بعض هذه الكتابات إلى اللغة العربية لأنها تساعد في تثقيف الآخرين وإفادتهم في بحوثهم، مع تنبيهه بالطبع على أن هذا الكتاب أو ذاك مفارق للمعتقد أو يبحث من خارج الفكر الديني ولا ينتسب إليه، ومن المعتاد أن نسمع في مناقشات المهتمين بالعلم في الندوات والمؤتمرات عن تناول لباحث (هو علماني) لكنه قارئ جيد للتراث وأمهر من غيره في الإلمام به وتحليله!

شاغلٌ كبيرٌ للقارئ المسلم، لماذا يكتب فلان عن الإسلام أو تكتب بشكل جيّد ولمّا يدخل الإسلام بعد؟! وأوّل سؤال يواجه القارئ العربي به الكتّاب الغربيين المنشغلون بالروحانيات والتصوف: هل أسلمت؟ لماذا لم تسلم بعد؟ وكأن جهود الباحث في مسألة معينة إن وصل في نهاية الأمر إلى ما يوافق فيها جمهور المسلمين تقتضي منه الإذعان والتّسليم للدّين! هذا الشاغل يصرف الكثيرين عن بقية جهود المؤلّف، التي ربّما كانت أهم وأوسع من اقتصارها على ما ركز عليه المسلم.

في إطار اهتمام الباحثين بما كتبت أنّا ماري شيمل نعثر في الكتابات العربية على تصنيفها في دائرة المستشرقين المنصفين للإسلام، وحينما تُحاور شيمل فإن حوارها يتحول من إجابات على بعض الأسئلة إلى (محاكمة الغرب) كما فعل ثابت عيد في عنوانه للفصل الخاص الذي اشتمل على إجابات شيمل على أسئلته ، وشيمل لم يُعرف عنها يومًا أنها حاكمت الغرب، بل إن إدانة الغرب لها لموقفها من سلمان رشدي، جعلها تلتمس الأعذار كما هو دأبها مع كل مخالفيها، والمستشرقون من الألمان وغيرهم، هم محل تقدير شيمل، صرف النظر عن آرائهم في الإسلام أو الأديان، وإن كنا عربيًا ننظر إلى بعضهم أنهم أصحاب شبهات وأغراض ليست حسنة في درس الإسلام وعلومه!

هل بالفعل تلخص شيمل في كونها (مؤمنة آل فرعون) كما هو عنوان إحدى المقالات العربية التي كُتبت عنها؟ هل من يعمل على تاريخ المماليك من الباحثين يوصف بهذا الوصف؟ أو من يكتبون عن التصوف ينالون صفة الإيمان؟ وهل هم محل رضا من الجمهور المتدين؟ هل مولانا جلال الدين الرومي له حضور ومبجّل في الكتابات العربية؟ وهل تصنّف البكتاشية على أنها طيف من أطياف الإسلام المقبولة والمرضي عنها؟ وهل الحُروفيون الذين رفضوا في المجتمعات الإسلامية وأُعدم رؤساؤهم يمكن أن نصفهم بالمؤمنين الصالحين؟!

هذه أمور اهتمت بها شيمل ولا يمكن تلخيص سيدة ألّفت أكثر من مئة كتاب وبحث ونشرت مئات المقالات وحاضرت شرقا وغربًا في موضوع بعينه، أو النظر إليها باعتبارها جزءًا من مواطني البلاد الإسلامية كونها عاشت جزءًا من تراث الإسلام.

لا تختلف البحوث العلمية كثيرًا عن المقالات الصحفية، فإذا صُنّفت شيمل في جملة المؤمنين في المقالات، فهي في البحوث حاضرة كمنصفة للإسلام، تتم المقارنة بينها وبين صاحبة شمس العرب تسطع على الغرب، وتسجّل ورقة علمية عنها في مصر تبحث في إنصافها للإسلام هي وزيجريد هونكه، وهي من الأوراق العربية القليلة عن شيمل، كذلك يتكرر الأمر في المغرب، فأحد الباحثين يشارك في مؤتمر بورقة عن دفاع شيمل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الطريف أن المقال العلمي يخلو من أي إحالة أو قراءة لكتاب شيمل (وأنّ محمدًا رسول الله) ويذكر اسمه في المراجع بالإلمانية فحسب، والمقالة هي بمثابة تعريف مختصر لأعمالها على عكس ما يقوله العنوان.

وتقدّم باحثة تونسية عرضًا لكتاب شيمل تعدّ مقالاً مترجمًا (يتحدث عن شيمل وإنتاجها) مؤلفًا من مؤلفاتها، ولأنها لم تتطلع على أعمالها، فتكرر أسماء فصول في كتاب على أنها كتب أخرى لشيمل، وإحدى الدور العربية تطبع كتابًا لشيمل بعنوان: (الجميل والمقدّس) وتصنع ما ليس جميلاً، بادعاء ناشر الكتاب وهو باحث من الكويت أنه حقق وترجم هذه المقالات، والمقالات قد نُشرت منذ عشرات السنين من قبل في نسخة عربية في مجلة فكر وفن التي أسستها شيمل صحبة ألبرت تايلا، وظلت طيلة أعوام ولا تزال مصدر معرفة راقية فيما يخص الأدب الإسلامي والثقافة عربية كانت أو فارسية أو أوروبية.

وحتى لا يظن أننا نسعى في هذه المقالة لتأثيم كل تعريف بشيمل، فسنذكر جملة من الأسماء العربية ممن عرّفت بشيمل وقدّمتها بشكل جيد حتى يفاد القارئ الكريم:

– مصطفى ماهر – مصر (ترجمة وتعريف)

-محمد عوني عبد الرؤوف – مصر (تعريف)

-عبد السلام حيدر – مصر (ترجمة لرحلتها شرقًا وغربًا) وهو من أمتع الكتب للتعرف على رحلتها.

-محمد أبو الفضل بدران – استفاد منها كثيرا في كتابه عن الكرامة وتكلم عن جهودها وكتب مقالا عنها.

-لميس يحيى- مصر ترجمت لشيمل: (روحي أنثى ، ويسوع ومريم في التصوف الإسلامي).

-سامح مصطفى – مصر ( يعدّ ترجمة لاحد الأعمال شيمل لم تنشر بعد).

-محمد التهامي الحراق – المغرب (تقديم لكتاب (وأن محمد رسول الله)..) تقديم محبّ وعاشق، وهو قارئ للكتاب ليس كغيره ممن قدّموا ورقات عمل في مؤتمرين سابقين في المغرب تحدثوا عن شيمل وكتابها ولم يقرأوا الكتاب ولم يحل عليه أحدهما ولو مرّة.

-حفيظ هروس – المغرب ..خصص فصلاً في أطروحته الماتعة عن التصوف والاستشراق عن شيمل وله جزيل الشكر أن أهداني كغيره ما لم ينشر بعد، وقد تركّز فصله على كتاب شيمل الذي يعتبر ثمرة حقيقية لاهتمامها بالرومي (الشمس المنتصرة) ..والشكر مجددا له بأن خصّني بجملة من نتائج بحثه ننشر بعضًا منها في حوار قريبًا أجريته معه.

-عبد الملك هيباوي – المغرب .. يعدّ كتابًا عن شيمل قيد النشر ومن ثمار معرفته بكتاباتها أتى بحثه عن صورة النبي مختلفًا عن بقية المقالات المكتوبة في هذا السياق. وهو من الأساتذة الذين يستحقون الاهتمام بما يقدّمه في هدوء بعيدًا عن صخب الإعلام .

-أحمد زكي يماني – السعودية – من أصدقاء شيمل وهو صاحب مؤسسة ثقافية شهيرة هي (الفرقان-لندن) كانت ابنته صديقة للمغفور لها شيمل وهو كذلك يقدّر شيمل تقديرًا كبيرًا وذكرته شيمل في سيرتها وأثنت عليه، بفضله حصلنا على كتيبين بالعربية والإنجليزية كانا في الأصل محاضرات لها في المؤسسة أولهما عن إقبال وثانيهما عن جغرافية الشعراء .

– خالد المعالي -دار الجمل – العراق – ألمانيا – بيروت : وفّر ترجمتين لكتابين من كتب شيمل أبرزهما بالنسبة لي أبعاد صوفية في الإسلام، وهو الكتاب الذي ترجمه من بعد الأستاذ الخلوق عيسى علي العاكوب.

-عيسى علي العاكوب – سوريه حفظ الله أهلها وحرسهم وأعاد من اغترب إليها- وفّر العالم الجليل ثلاثة من الأعمال لشيمل :

-كتاب عن الرومي

-كتاب عن تبجيل النبي صلى الله عليه وسلّم في الأدب الصوفي

-كتاب عن التصوف في الإسلام

أنا ماري شيمل مستشرقة ألمانية، تخصصت في الثقافة الهندية الإسلامية، والتصوف الإسلامي، وهبت حياتها للدرس واكتشاف تراث الإسلام، فأعادت الحياة إلى شخصيات كانت ولا تزال مجهولة في الثقافة العربية، انتقلت من ألمانيا إلى أمريكا، وظلت فترة تلقي محاضراتها وتعلّم الطلاّب في هارفرد، كما قضت شطرًا من حياتها في تدريس الطلاب في تركيا وألقت عشرات المحاضرات عن التصوف والإسلاميات في باكستان والهند وبخارى وسمرقند وأوروبا وإيران، وزرات البلدان العربية، لمزيد من التفصيل عنها: يمكن الرجوع إلى كتاب سيرتها الذاتية الذي ترجمه عبد السلام حيدر ونشر في القاهرة، كما يرجى الرجوع إلى ما كتبه عيسى علي العاكوب في كتابه (مرآة الروح) عنها، فهو وعبد السلام حيدر من أهم من قدّموا هذه الشخصية العظيمة بالشكل اللائق بها علميًا.

: راجع: ثابت عيد، نّا ماري شيمل نموذج مشرق للاستشراق، نشرة دار الرشاد، القاهرة، ص 49-73.

: راجع: أنا ماري شيمل، الشرق والغرب (حياتي الغرب-شرقية)، ترجمة عبد السلام حيدر، نشرة المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2004م.
المصدر: مجلة الفلق