كربلاء.. معركة استعادة روح الإسلام

خاص موقع “شجون عربية” — بقلم البرفيسور عبد العزيز ساشدينا* — أصبح “روح الإسلام” في خطر. بدأ ذلك فقط بعد عقود عدة من رحيل الرسول الأعظم(ص) عن هذا العالم في 632 قبل الميلاد. عندما أصبح لدى المسلمين شعور بالرضا عن البعد الداخلي للالتزام بعقيدتهم وهو البعد الذي يتطلب يقظة مستمرة للحفاظ على مقدرتهم الروحية والأخلاقية، أي التقوى. مات ضمير المسلمين مع ظهور الازدهار والثراء الفاحش الذي جاء نتيجة للفتوحات والغزوات الإقليمية لمناطق ما بين نهري النيل وجيحون، كذلك وصل الخدر الأخلاقي إلى روح الإسلام- إلى الكتاب المقدس والقرآن وإلى الدعوة والسنة النبوية.
وقد لاحظ بعض أصحاب النبي الورعين الأزمة القادمة حتى أنهم قاموا بتحذير الحكام من تلك الكارثة الوشيكة التي من الممكن أن تطيح بروح الإسلام. لكن من الجدير بالذكر أن القرن الأول للهجرة كان فترة الانتصارات العالمية للأمة، إلا أنه كان لهذا النجاح الكبير في توسيع نطاق المكاسب الإقليمية على الأرض أثراً سلبياً على القادة السياسيين الأوائل للامبراطورية الإسلامية. ومع مرور الزمن، بدأ يقاس الإسلام بنسبة نجاحه الدنيوي على حساب جوهره. لاسيما وأنه كلما قام المسلمون بقياس الإسلام بنجاحه المادي قاموا بإضعاف أساسه الروحي والأخلاقي. إذ تم تلفيق عدد من الأحاديث النبوية وتم طرحها للتداول وذلك لتبرير هذا الميل تجاه مادية الجاهلية أي عصر الجهل والذي كان الهدف الرئيسي من البعثة النبوية في مكة والمدينة.
وبكل الأحوال كان ذلك القرن الأول هو الفترة التكوينية الأولى في التاريخ الإسلامي، إذ تم فيه تحديد صيغة التطورات اللاحقة في القانون والعلاقات الإنسانية. وليس من المبالغة القول بأنه تاريخياً كان مرحلة حرجة من الاختبارات الصعبة والتمحيص الدقيق وذلك من أجل التمييز بين شكل ومضمون الحياة كما علّمنا النبي(ص). ومما لا شك فيه أن “الشكل” هو مظهر الشيء من الخارج؛ أما “المضمون” فهو الحقيقة الداخلية غير المرئية. لذلك تحتاج الحقيقة اللامرئية للإسلام إلى قلب مخلص ومؤمن أي تحتاج إلى الضمير لكي يشهد على جوهره الخالص أي على روح الإسلام. ولهذا انتقد القرآن الكريم الناس لعدم استخدامهم لقلوبهم أي ما تمليه عليهم ضمائرهم من أجل فهم المعنى الحقيقي “للخضوع” لإرداة الله أي (للإسلام) حيث جاء في (سورة الحج الآية 46): {فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. وبذلك يكشف القرآن الكريم عن خلل رئيسي في عموم الناس الذين لا يعون أن ما يرونه هو مجرد حجاب فوق الحقيقة فالكون ليس كما يبدو عليه. وفي هذ السياق، يتوجب على المرء تنمية رؤية بعيدة المدى لكي يدعو كما دعا النبي(ص) بقوله: “إلهي، أرني الأشياء كما هي!”، خاصةً وأن المسلمين عادةً ما يقومون بأداء الأعمال العبادية من دون التأمل في عواقبها الروحية والأخلاقية. وبالطبع مثل هكذا إهمال سيؤدي أيضاً إلى عدم الاكتراث بالمظالم السياسية والاجتماعية التي تحدث في المجتمع. واستمر ذلك إلى أن وصلت تلك التطورات المحبطة إلى ذروتها في سنة 61 للهجرة أي (680 للميلاد).

نشأة الحسين بن علي
نشأ حفيد الرسول الأعظم(ص)، الإمام الحسين بن علي عليهما السلام في بيت النبوة، حيث الاهتمام على الشكل والمضمون معاً، أي شوهدت الأمور على حقيقتها، خاصةً وقد تحلّت العائلة النبوية المؤلفة من النبي الأعظم محمد والإمام علي وفاطمة الزهراء (سلام الله عليهم أجمعين) بجميع السمات البارزة التي يجب أن يتمتع بها قائد الأمة المستقبلي. إذ لطالما سجّل التاريخ الكثير من المظالم التي تعرّضوا لها من أجل ترسيخ الجوهر الداخلي للإيمان، أي روح الإسلام كما جاء به القرآن الكريم والرسالة النبوية الكاملة والسنة النبوية.
وفي أعقاب وفاة الرسول الأعظم، بدأت عملية تعريض روح الإسلام للخطر، لاسيّما وأن المجتمع آنذاك لم يولِ اهتماماً كبيراً للأمثلة الحية لأهل البيت الذين يمثلون الإسلام الحقيقي، إذ مع مرور السنين بدأت مرآة الضمير الحي للإسلام تُصاب بالصدأ.
الإمام الحسين(ع) قد تحلّى بتلك الرؤية الحساسة التي تحلّى بها أبوه الإمام علي(ع) وأخوه الإمام الحسن(ع)، والتي لاحظوا من خلالها الوضع الحرج آنذاك، لكنهم وُوجِهوا من قبل المجتمع في فترة ما بعد النبوة. لكن بحلول العام 60 للهجرة (679-80 م) كان الخطر قد وصل إلى مرحلة لا يمكن للإمام الحسين(ع) أن يتجاهلها بسهولة، وقد عبّر عن ذلك في واحدة من خطبه التي ألقاها أثناء رحلته إلى العراق وحتى آخر يوم من حياته وهو يوم عاشوراء. إذ علّق على الوضع الذي يواجهه الإسلام من خلال كلمته أمام جيش الحر بن يزيد الرياحي الذي جاء لاعتقال الإمام الحسين(ع) ومنعه من الوصول إلى الكوفة حيث عبّر بقوله:
“وَإِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ، وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ، وَحَرَّمُوا حَلالَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ من غير”(تاريخ الطبري، المجلد الخامس، الصفحة 229)
وذلك تحوّلت كربلاء إلى النموذج عن تلك المعركة التي من الممكن أن تخوضها بقصد إحياء ضمير المسلمين الذي أصبح بعيداً عن روح الإسلام. وبالفعل، وفي مثل هذه الأيام من سنة 61 للهجرة كان القرآن الكريم في خطر وتم التخلّي عن الرسالة النبوية بسبب العادات الجاهلية. لذلك لا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن الإمام الحسين(ع) ضحى بنفسه من أجل الدفاع عن روح الإسلام في العام 61 ه، والآن جاء دورنا لنسير على نهجه لكي نحارب اللامبالاة تجاه الأهداف الروحية والأخلاقية للإسلام. فالإسلام يحيا مع كل إحياء لكربلاء.

*البروفيسور عبد العزيز ساشدينا أستاذ في جامعة جورج مايسون، ومؤلف لعدد من الكتب والدراسات أبرزها: “المسيانية في الإسلام: نظرية الإمام المهدي لدى الشيعة”، و”السلطان العادل”، و”الجذور الإسلامية للديموقراطية التعددية”.

نقل النص الى العربية: عبدالله شحادة




آمنتُ بالحُسين

بقلم الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري —

فِداءٌّ لَمثواكَ مِن مَضْجَعِ تَنَوَّرَ بالأبلَج الأروَعِ
بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنانِ رَوحاً ، ومن مِسكِها أضوع
ورَعياً ليومِكَ يومِ ” الطُفوف” وسَقياً لأرضِكَ مِن مَصْرَع
وحُزناً عليك بحَبْسِ النُفوسِ على نهجِكَ النَّيِّرِالمَهْيَع
وصَوتاً لمجدِكَ مِنْ أنْ يُذالَ بما أنت تأباهُ مِن مُبّدع
فيا ايُّها الوِتْرُ في الخالِدينَ فذّاً ، إلى الآنَ لم يُشْفَع
ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ للاهينَ عن غَدِهمْ قُنَّع
تعاليتَ مِن مُفْزِعِ للحتُوفِ وبُورك قبرُكَ مِن مَفْزَع
تلوذُ الدُّهورُ فمِنْ سُجَّد على جانبيه . ومِنْ رُكَّع
شَممتُ ثراكَ فهبَّ النسيمُ نسيمُ الكرامةِ مِن بَلقع
وعفَّرتُ خدي بحيثُ استراحَ خدٌّ تفرَّى ولمْ يَضرَع
وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُغاةِ جالتْ عليهِ ولم يَخشع
وخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ بروحي إلى عالمٍ أرفَع
وطُفْتُ بقبرِكَ طوفَ الخَيالِ بصومعةِ المُلْهِمِ المُبْدع
كأنَّ يداً من وراءِ الضريحِ حمراءَ ” مَبتُورَةَ الإِصْبَع ”
تَمُدُّ إلى عالمٍ بالخُنوعِ والضيمِ ذي شَرقٍ مُتْرَع
تَخبَّطَ في غابةٍ أطبَقَت على مُذئبٍ منه أو مُسْبِع
لِتُبدِلَ منه جديبَ الضمير بآخَرَ مُعَشوشِبٍ مُمرِع
وتدفعَ هذي النفوسَ الصِغارَ خوفاً إلى حَرَمٍ أمنَع
تعاليتَ مِن صاعِقٍ يلتظي فانْ تَدْجُ داجيةٌ يَلمع
تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ لم تُنْءِ ضَيراً ولم تَنْفَع
ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ وقد حرَّقَتَهُ ولمْ تَزرع
ولم تُخلِ أبراجَها في السماء ولم تأتِ أرضاً ولم تُدْقِع
ولم تَقْطَعِ الشّرَّ مِن جِذْمهِ وغِلَّ الضمائرِ لم تَنْزع
ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُمُ عليهِ من الخُلُقِ الأوضَع
تعاليتَ من ” فَلَكِ ” قُطْرهُ يدورُ على المِحوَرِ الأوسع
فيابنَ ” البتولِ ” وحَسْبي بها ضَماناً على كلْ ما أدَّعي
وبابنَ التي لم يَضَعْ مِثُلها كمِثلِكَ حَملاً ولم تُرْضِع
ويابن البطينِ بلا بِطنةٍ ويابن الفتى الحاسرِ الأنْزَع
ويا غُصْنَ ” هاشِمَ ” لم ينفَتِحْ بأزهرَ منكَ ولم يُفْرِع
ويا واصِلاً مِن نشيدِ ” الخُلود” خِتامَ القصيدةِ بالمطلع
يَسيرُ الورى بركاب الزمانِ مِن مستقيمٍ ومن اظلع
وأنتَ تُسيِّرُ ركْبَ الخلود ما تستَجِدّ له يَتْبَع
تَمثَّلتُ ” يَومكَ ” في خاطري وردَّدت ” صوتَكِ ” في مَسمعي
ومَحَّصتُ أمرَكَ لم ” أرتَهبْ ” بنقلِ ” الرُّواة ” ولم أُخدَع
وقلتُ : لعلَّ دويَّ السنين بأصداءِ حادِثِكَ المُفْجِع
وما رتَّلَ المخلِصونَ الدُّعاةُ مِن ” مرسِلينَ ” ومن ” سُجَّع ”
ومِنْ ” ناثراتٍ ” عليكَ المساءَ والصُبْحَ بالشَعْرِ والأدمُع
لعلَّ السياسةَ فيما جَنَتْ على لاصِقٍ بكَ أو مُدَّعي
وتشريدَها كلَّ مَنْ يدَّلي بحبلٍ لأهلِيكَ أو مَقطع
لعلَّ لِذاكَ و ” كونِ ” الشَّجيِّ وَلُوعاً بكلِّ شَجٍ مُولع
يَداً في اصطباغِ حديثِ ” الحُسين ” بلونٍ أُريدَ لهُ ممتِع
وكانتْ ولمَّا تَزَلْ بَرْزَةً يدُ الواثقِ المُلْجَأ الألمعى
صَناعاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً وكيفَ ومهماً تُرِدْ تَصنع
ولمَّا أزَحْتُ طِلاءَ ” القُرونِ ” وسِتْر الخِداع عنِ المخْدع
أُريدُ ” الحقيقةَ ” في ذاتِها بغيرِ الطبيعة لم تُطْبَع
وجدتكَ في صُورةٍ لم أُرَعْ بأعظمَ منها ولا أرْوَع
وماذا ! أأروعُ مِنْ أن يكونَ لحمُكَ وَقْفاً على المِبْضَع
وأنْ تَتَّقي – دُون ما ترتائي – ضميرَكَ بالأسَلِ الشُرَّع
وإنْ تُطْعِم الموتَ خيرَ البنينَ مِنَ ” الأكهلينَ ” إلى الرُّضَّع
وخيرَ بني ” الأمِّ ” مِن هاشمٍ وخيرَ بني ” الأب ” مِن تُبَّع
وخيرَ الصِّحاب بخيرِ الصدورِ كانوا وِقاءكَ ، والأذْرع
وقدَّسْتُ ” ذكراكَ” لم أنتحِلْ ثِيابَ التُقاةِ ولم أدَّع
تَقَحَمْتَ صدري وريبُ ” الشكوكِ ” يَضِجُّ بجدرانِه ” الأرْبَع ”
ورانَ سَحابٌ صَفيقُ الحجاب عليَّ من القَلَقِ المُفزع
وهبَّتْ رياحٌ من الطيّبات و ” الطيبينَ “ولم يُقْشَع
إذا ما تزحزحَ عن مَوضعٍ تأبَّى وعادَ إلى مَوضع
وجازَ بيَ الشكُّ فيما معَ ” الجدودِ ” إلى الشكِّ فيما معي
إلى أن أقمتُ عليه الدليلَ من ” مَبدأ” بدمٍ مُشْبَع
فأسلَمَ طَوعاً إليكِ القِياد وأعطاكَ إذعانهََ المُهْطِع
فنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِن فِكرتي وقِّوْمتَ ما اعوجَّ مِن أضلُعي
وآمنتُ إيمانَ مَن لا يَرى سِوى ( العقل) في الشكِّ مِن مَرْجع
بأن ( الإِباء ) ، ووحيَ السماء وفيضَ النبوَّةِ ، مِن مَنْبع
تجمَّعُ في ( جوهرٍ ) خالصٍ تَنَّزهَ عن (عَرَضِ ) المَطْمَع




مراسم عاشوراء تثير سجالاً بين الشيعة في لبنان

لا تزال ظاهرة التطبير في مراسم عاشوراء تثير جدلاً بين علماء الشيعة سنوياً فيتحول ذلك السجال إلى خلاف بين أتباعهم.

Ashura rituals

خاص “حوارات نت” – بقلم: د. هيثم مزاحم* — في كلّ عام، يثار جدل بين الشيعة مع إحيائهم ذكرى عاشوراء حول صحّة بعض الشعائر وجوازها، والتي يتّخذ بعضها طابعاً عنيفاً كالتطبير وضرب السلاسل، حيث يرفض بعض العلماء والمثقّفين الشيعة هذه المظاهر التي قد يكون فيها إيذاء للجسد وتشويه لثورة الإمام الحسين وأهدافها. كما يرفضون مبالغة بعض قرّاء مجالس العزاء في رواية أحداث كربلاء، من دون مراعاة دقّة النصوص التاريخيّة والدينيّة.
ويحيي الشيعة سنويّاً في الأيّام العشرة الأولى من شهر محرّم الهجريّ، ذكرى عاشوراء التي تعيد التذكير بمعركة كربلاء، حيث قُتل إمامهم الرابع الحسين بن عليّ بن أبي طالب، حفيد النبيّ محمّد، مع نحو سبعين آخرين من عائلته وأصحابه، على أيدي جيش الخليفة الأمويّ يزيد بن أبي سفيان عام 61 للهجرة (680 م)، بسبب رفض الحسين بيعة يزيد بعد موت أبيه معاوية، بسبب انحرافه عن الدين، فقام الحسين بثورته بهدف الإصلاحين السياسيّ والدينيّ.
وهكذا، اعتبر المسلمون قتل الحسين، الذي قال النبيّ محمّد عنه وعن أخيه: “الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة”، و”حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسين”، جريمة عظيمة بحقّ إبن بنت النبيّ فاطمة الزهراء. ولذلك، يقيم الشيعة عدداً من المراسم لإحياء هذه الفاجعة، تقوم على قراءة السيرة الحسينيّة أيّ رواية أحداث كربلاء على مدار عشرة أيّام، يتخلّلها بكاء ولطم من جهة، وشعائر تتضمّن التطبير أيّ شقّ بسيط للرأس لإخراج الدمّ منه من جهة أخرى.
وكان عدد من مراجع الشيعة قد حرّم عادة التطبير هذه، أبرزهم المرجعان اللبنانيّان الراحلان محسن الأمين ومحمّد حسين فضل الله، ومرشد الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران آية الله علي خامنئي.
وفي هذا الإطار، قال رئيس المجمع الثقافيّ الجعفريّ في لبنان الشيخ محمّد حسين الحاج لموقع “حوارات نت”: إنّ كبار مراجع الشيعة في النجف وقم لم يفتوا بحرمة هذه الشعائر، لا سيّما التطبير والضرب بالسلاسل، لأنّ التطبير جائز بحسب فتاوى المراجع الكبار، وخصوصاً الإمام الراحل أبو القاسم الخوئيّ والمرجع الأعلى آية الله علي السيستاني.
وأشار إلى أنّ التطبير والضرب بالسلاسل جائزان طالما لا يؤدّيان إلى أيّ إضرار بالنفس، أيّ أنّ كلّ شخص يقدّر بنفسه إن كان ذلك يصيبه بأذى أو بضرر فعليّ.
من جهته، هاجم الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصر الله ما وصفه بـ”البدع” في عاشوراء، ولعلّ أكثر ما أثار غضبه بعض الممارسات في مدينة كربلاء خلال عاشوراء، حيث يضع البعض جنازير في أيديهم وأرجلهم ويعوّون كالكلاب. وسأل نصر الله: “أيّ دين أو شرع أو مذهب يسمح بذلك؟”، واصفاً إيّاهم بأنّهم أعظم المسيئين “لمذهب أهل البيت وبأنّهم بسلوكهم هذا “بأنهم يذبحون الحسين في كلّ يوم”.
وخاطب نصر الله هؤلاء المتشدّدين، متسائلاً أيضاً: “لماذا لا نجدكم عند الدفاع عن المقدّسات والسيّدة زينب؟”، في إشارة إلى القتال ضدّ الجماعات التكفيريّة في سوريا والعراق التي تريد تدمير مقامات أهل البيت فيهما.
وفي هذا الإطار، أشار الباحث اللبنانيّ قاسم قصير لـ”حوارات نت” إلى أنّ الجدل حول شعائر عاشوراء “ليس جديداً، بل هو صراع قديم بدأه في العقود الأولى في القرن الماضي المرجع اللبنانيّ محسن الأمين (1865-1952)، واستكمله الشيخ مرتضى مطهري (توفي 1979) وعلي شريعتي (توفي 1977) في إيران والمرجع محمّد حسين فضل الله (توفي 2010) وآية الله خامنئي، الذي أصدر قبل سنوات فتوى بحرمة التطبير، ولكن يبدو أنّ هذه السنة تصاعدت هذه الممارسات، وقد تكون زيادة الحضور الشيرازي أدّت إلى زيادة حجم الخلافات والسجالات”.
أمّا عن سبب تدخل نصر الله وانتقاده لهذه الممارسات فلفت قاسم قصير إلى أنّ ذلك “يعود إلى تعاظم خطر هذه الظواهر وانعكاسها على صورة التشيّع في العالم وتداخل العوامل السياسيّة والاستخباراتيّة مع العوامل الدينيّة”.
وكان نصر الله قد أشار سابقاً إلى ظاهرة “التشيّع البريطانيّ” في اتّهام لبعض رجال الدين الشيعة المقيمين في لندن، والذين يقومون بشتم الصحابة، بأنّهم يعملون على إثارة الفتنة بين السنّة والشيعة بتوجيه استخباراتيّ بريطانيّ. وقد ردّ عدد من خطباء الشيرازيّين على نصر الله، وخصوصاً الشيخ ياسر حبيب بطريقة مسيئة.
واعتبر قصير أنّ التيّار الشيرازي المعادي لولاية الفقيه والنظام الإيرانيّ يدعم التطبير وينشط من خلال مجالس العزاء والقنوات الدينيّة، وقد تعاظم دوره في لبنان، وخصوصاً مع حضور أحد خطبائه الشيخ عبد الحميد المهاجر خلال عاشوراء إلى مدينة النبطيّة في جنوب لبنان، وصدور مواقف منه تنتقد “حزب الله” ومرشده خامنئي.
ورأى قصير أنّ هذا الصراع بين “حزب الله” والشيرازيّين هو “صراع له بعد فكريّ ودينيّ، ولكن تدخل فيه العوامل السياسيّة والاستخباراتيّة والصراع على اكتساب الشعبيّة”، مشيراً إلى وجود تخوّف كبير من أن يكون الهدف من دعم هذه الظواهر تشويه صورة التشيّع في العالم وإحداث انشقاق شيعيّ وإيجاد تيّارات في لبنان معادية لـ”حزب الله” وإيران، وتحويل هذا التوتّر إلى صراعات شعبيّة.
إنّ مأساة عاشوراء ذات أبعاد إنسانيّة عالميّة لا تقتصر على الشيعة، بل هي لمست وجدان كلّ حرّ وثائر في العالم، وأثبتت مقولة “انتصار الدمّ على السيف”، بينما يحاول بعض المتشدّدين الشيعة تحويلها إلى أسطورة ومادّة للفتنة المذهبيّة.
ولعلّ أفضل ما قِيل في ثورة الحسين كتبه غير الشيعة، فالمهاتاما غاندي محرّر الهند من الاستعمار البريطانيّ قال: “تعلّمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر”، بينما قال الفيلسوف البريطانيّ توماس كارليل: “أسمى درس نتعلّمه من مأساة كربلاء هو أنّ الحسين وأنصاره كان لهم إيمان راسخ بالله، وقد أثبتوا بعملهم ذاك أنّ التفوّق العدديّ لا أهميّة له حين المواجهة بين الحقّ والباطل…”.
أمّا المستشرق البريطانيّ إدوارد براون فقال: “هل ثمّة قلب لا يغشاه الحزن والألم حين يسمع حديثاً عن كربلاء؟ وحتّى غير المسلمين لا يسعهم إنكار طهارة الروح التي وقعت هذه المعركة في ظلّها”.
ومن جهته، قال الأديب المصريّ عبد الرحمن الشرقاوي: “الحسين شهيد طريق الدين والحريّة، ولا يجب أن يفتخر الشيعة وحدهم باسم الحسين، بل أن يفتخر جميع أحرار العالم بهذا الاسم الشريف”.
أمّا الأديب اللبنانيّ العالميّ جبران خليل جبران فقال: “لم أجد إنساناً كالحسين سجّل مجد البشريّة بدمائه”.
يشهد التشيع اليوم، على غرار التسنن، صراعا بين الإصلاحيين، الذين يسعون لتشذيب الإسلام من البدع والتطرف، وبين السلفيين والتقليديين الذين يشددون إلى على إحياء الطقوس التقليدية التي تؤكد الهوية الشيعية لتمييز أنفسهم عن السنة. لكن الحفاظ على الهوية الشيعية لا ينبغي أن يتم على حساب التخلي عن قيم الإسلام وفقدان وحدة الشيعة والمسلمين.

*د. هيثم مزاحم رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط




شرعية القيادة بين الإسلام المحمدي والإسلام الأموي: الإمام الحسين(ع) نموذجاً

بقلم: أســـعـــد تـــركـــي ســـواري* — ليس لي ولا لأمثالي الرُقيّ إلى هذا المقام السامي وهو الحديث عن المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين ، لأن الحديث عن أمرٍ ما يستلزم الإحاطة وأنّى لنا الإحاطة بالمعصومين ، ولولا الواجب من ذِكْرِهم لَنَزَّهْتُهُم عن ذِكري إيّاهم ، على أنَ ذِكْري لهم بقدري لا بقدرِهم ، ومِنْ نِعَمِ الله علينا جريان ذِكرهم المُقَدَّس على ألْسِنَتِنا القاصرة والمُذنِبة .

شرعية القيادة /

تحتاج القيادة إلى الشرعية لضمان الولاء والطاعة والإنقياد الإختياري لتجنب وسائل العنف والإرغام في ممارسة سلطة القيادة ، فمصدر شرعية القيادة ووسائل ممارسة القيادة وطريقة إنتقال القيادة من المسائل الأساسية في الإستقرار السياسي ، ولذا أوجد الحكام القادة على مرّ التـأريخ معتقدات لتبرير سلطانهم لضمان إلإنقياد الإختياري للأتباع المحكومين ، وتباينت شرعية القيادة بحسب التطور الفكري والثقافي والقناعات السائدة في المجتمعات عبر الزمن وبحسب المنظومة الفكرية والعقائدية والقيمية التي يعتنقها القابضون على السلطة ، فتارة يروجون لنظرية ومعتقد الحق الإلهي في الحكم حيث يكون القائد إلهاً أو إبناً للإله أو منفّذ المشيئة الإلهية ، وتارة يتبنّون النظرية الديمقراطية حيث يحكم القائد برضا غالبة الأفراد المحكومين في المجتمع ، فالشرعية ضرورة للقيادة لإيجاد مبرّر الإنقياد والطاعة عند أفراد المجتمع المحكومين ، والأفراد المحكومين يحتاجون مبرّراً لخضوعهم مثلما أنَّ القادة يحتاجون المبرّر لتولّيهم القيادة ، فالمجتمع يقرّ بحاجته إلى القيادة لضمان أمنه ومصالحه ولكن التفاعل مع هذه القيادة وتنفيذ ما يصدر عنها يتطلّب الحصول على قناعة ورضا الأفراد بالقيادة وذلك ما يصطلح عليه بالشرعية .

القيادة ما بين الشرعية والمشروعية /

إختلف الفلاسفة والمفكرون حول مصادر شرعية قيادة الحكم السياسي ، فمنهم من يرى إقتصار الشرعية على الإرادة الإلهيّة ، ومنهم من يعتقد بشرعية الإرادة الإنسانية ، ومنهم مَنْ يرى بأنّ الشرعية تتجسد من خلال التزاوج ما بين الإرادتين الإلهية والبشرية في مساحات متباينة ومحددة تضمن مواكبة تطوّر الحياة المعاصرة للمجتمع الإنساني مع الإستنارة بقيم السماء .
ولذلك تباينت مصادر الشرعية بحسب تباين الآيديولوجيات والمرتكزات الفكرية والعقائدية التي تعتنقها القوى السياسية الحاكمة والمعارضة ، ولكنها إجمالاً تتراوح ما بين الشرعية الإلهية والشرعية الإنسانية ، وقد تتوافق الشرعيتان الإلهية والإنسانية من خلال الأهداف الرامية إلى تولّي مسؤولية الحكم السياسي من حيث تحقيق الحرية والعدالة الإنسانية والأمن الإجتماعي والإستقرار السياسي والإزدهار الحضاري بما يكفل السعادة البشرية ، ولكن الإفتراق ما بين الشرعيتين يكمن في آليات ومناهج تحقيق تلك الأهداف .
تتجسد المشروعية من خلال علاقة القيادة بالقانون ومدى مطابقة القواعد القانونية الدنيا التي تشمل القوانين واللوائح والتعليمات والقرارات التي تصدرها سلطات القيادة للقواعد القانونية العليا المتمثّلة بالدستور ، فشرعية القيادة تتعلّق بمصدر سلطة القيادة وآلية تولّي وممارسة سلطة القيادة وطريقة إنتقال سلطة القيادة ، أما المشروعية فتتجسّد من خلال ممارسة سلطة القيادة في ظل النظام القانوني ومدى مطابقة سلوك القيادة للمنظومة القانونية ، ببيانٍ آخر ، إنَّ الشرعية ذات مرجعية فكرية وعقائدية تنبثق منها آيديولوجية سياسية ، أما المشروعية فإنها ذات مرجعية قانونية ، بمعنى أنَّ ما يحكم الشرعية هي المرجعية السياسية ، وأنَّ ما يحكم المشروعية هي المرجعية القانونية ، وبذلك فإنَّ الشرعية فكرةٌ فكرية عقائدية سياسية ، وأنَّ المشروعية فكرةٌ قانونية ،
وبذلك يتضح بأنَّه يتجسد مِلاك الشرعية بالدستور والمنظومة القانونية التي يرتكز عليها الحكم السياسي ، فيما يتمثَّلُ مِلاك المشروعية بمدى مطابقة سلوك القيادة للمنظومة القانونية ومدى رضا الجماهير والتأييد الشعبي العام ، وبذلك يمكن أنْ نرى أربعة صور للحكم السياسي بلحاظ الشرعية و المشروعية ، وهي :
1 – سلطة شرعية ومشروعة ، بمعنى إرتكازها على سند قانوني وحيازتها للتأييد الشعبي العام .
2 – سلطة شرعية وغير مشروعة ، بمعنى إستنادها على مرتكز قانوني ولكنها فاقدة لرضا غالبية الجماهير .
3 – سلطة غير شرعية ولكنها مشروعة ، وتتجسد عندما تتولّى القيادة في ثورة شعبية مسؤولية الحكم السياسي بعد الإطاحة بالنظام السابق وقبل التوافق والتباني على دستور ينظم العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم وما بين السلطات العامة .
4 – سلطة غير شرعية وغير مشروعة ، ويتمثل ذلك في حالة الإنقلاب على نظام الحكم من دون حيازة التأييد الشعبي العام وقبل الشروع بكتابة دستور جديد يمثّل آيديولوجية الحكام الجدد .
ولكنَّ ذلك لا يعني بالضرورة بأنَّ مفهوم المشروعية لا يمتُّ بصلة لكل ما يرتبط بالدساتير والأنظمة القانونية ، بل أنَّ المشروعية تمتلك سنداً قانونياَ مستمدٌّ من الحقوق الطبيعية لأفراد المجتمع الإنساني الذي أعلنته جملة من المواثيق والإعلانات الأممية ، كما في العهد الأعظم ( الماكنكارتا ) لعام 1215 م المسمى بالميثاق الأعظم للحريات الأساسية ، والإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 م والذي كان مناراً لكل الدساتير اللاحقة بعد قيام الدولة الحديثة ، فضلاُ عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 م .

الشرعية الثورية وفقدان المشروعيَّة /

تقترن الشرعية الثورية بفقدان مشروعية النظام السياسي الحاكم بعد خسارته للتأييد الشعبي العام ، ويتحقَّق ذلك عند تزايد الفجوة مابين الحاكم والمحكوم فيعيش النظام حالة الإغتراب السياسي ، حيث ينشأ السخط الشعبي وتتزايد نقمة الجماهير في حالتين ، هما :

1 – مخالفة القابضين على السلطات العامة للدستور والأنظمة القانونية .
2 – عجز الدستور والأنظمة القانونية ذاتها عن تلبية متطلبات الحياة المعاصرة للمجتمع الإنساني وعدم القدرة على مواكبة طموحات الأجيال المتجددة للمجتمع ، مع أنَّ ذلك الدستور ومنظموته القانونية قد يكون مقبولاً في مرحلة معينة تتناسب مع ظروف نشأته الطارئة بحكم كتابته العاجلة حذراً من عودة النظام الذي تم الإطاحة به حينذاك ، كما أن من يكتبه عادة غير المتخصصين الذين يسبغون عليه آيديولوجيات الحكام الجدد من دون النظر إلى المصالح الإستراتيجية للمجتمع بل وحتى المصالح الإستراتيجية النظام الجديد .
وبذاك يتضح بأن فقدان النظام السياسي لمشروعيته سيكسب الحراك الشعبي والهيجان والغضب الجماهيري صفة الشرعية الثورية وفقا لمبدأ الجماهير مصدر السلطات .

تنازع الشرعية بين المرجعية الدينية والمرجعية السياسية /

يمكن حدوث لقاء بين شرعيتين أو أكثر في المجتمع ينتج عنه صراع بين الأفراد والقوى الفاعلة في المجتمع وتبلغ درجة تنازع الشرعيات بحسب التباين في قوة الشرعيات المتنازعة ومدى إعتقاد المجتمع في كل شرعية ، والصراع التأريخي بين المرجعية الدينية المتجسدة بقيادة البابا والكنيسة والمرجعية السياسية بقيادة الملوك والأباطرة الذي يحدثنا عنه تأريخ الفكر السياسي خير شاهد على ذلك ، فيظهر الفساد وتضعف طاعة القوانين في الدولة بعد أنْ تسقط الحواجز بين المباح والممنوع ويفقد المجتمع ثقته بالقرارات الصادرة عن سلطة القيادة المشكوك بشرعيتها ، حيث لم تعد القواعد القانونية تؤثر في المجتمع فيدّعي كل فرد بالحق في كل شئ ويعمّ الصراع والفوضى ، ولذلك تعتبر أزمة تنازع الشرعية من أخطر الفترات التي تمرّ في حياة الشعوب .

الإمام الحسين ( ع ) بين الشرعية والمشروعية /

لمّا كان الهرم القانوني في كل الأنظمة الدستورية يتشكّل من أربعة مستويات حيث يتربّع على قمته الدستور وتليه القوانين الدستورية في المستوى الثاني فيما تحلّ القوانين الإعتيادية في المستوى الثالث وأخيراً تقع اللوائح والتعليمات والقرارات الإدارية في المستوى الرابع الذي يُمثّل قاعدة الهرم القانوني ، فإنّه يمكن القول بأنّ القرآن الكريم هو مَنْ يُجسّد دستور الدولة الإسلامية ويتربّع على قمة هرم المنظومة القانونية الإسلامية ، فيما تأتي السُنَّة النبويَّة المطهَّرة الواردة بصحيح السند عن النبيّ الأعظم محمد صلوات الله تعالى عليه وآله لتُمثّل القوانين الدستورية التي لا يحقّ لها مخالفة الدستور القرآني ، فيما تحلُّ الأحاديث الواردة عن الأئمة المعصومين ( ع ) بمرتبة المستوى الثالث لتمثّل القوانين الإعتيادية التي تُستنبط من القوانين الدستورية النبويَّة ولا يجوز لها مخالفة نصوص الدستور القرآني ، وأخيراً تستقر اللوائح والتعليمات والقرارات التي تصدر من الفقهاء في عصر غيبة القائد المعصوم والولاة في عصر حضوره لتُمثّل المستوى الرابع من الهرم القانوني .
ممّا تقدَّم يمكن القول بأنَّ الإمام الحسين ( ع ) إكتسب شرعيته في قيادة الحكم السياسي للأمة من الدستور الإسلامي المتجسّد بالقرآن لا سيّما في الآيات المتعلّقة بالإمامة ، ومن القوانين الدستورية النبويّة التي وردت على لسان النبيّ الأعظم محمد صلوات الله تعالى عليه وآله والتي حدَّدت مصاديق مسؤولية موقع الإمامة بدأً من الإمام أمير المؤمنين ( ع ) ومروراً بالإمام الحسن ( ع ) ووصولاً إلى الإمام الحسين ( ع ) ثم ثمانية أئمَّة وختاماً بالإمام الثاني عشر القائد المعصوم المنقذ المنتظر ( ع ) ، بل وإكتسب الإمام الحسين ( ع ) شرعيته في قيادة الحكم السياسي حتى من شروط صلح الإمام الحسن ( ع ) مع معاوية الذي نصَّ على أنَّ القيادة من بعد معاوية تكون للإمام الحسن ( ع ) ومن بعده للإمام الحسين ( ع ) ،
أما مشروعيَّة الإمام الحسين ( ع ) فقد تجسَّدت بلحاظين هما :
1 – مطابقة سلوك الإمام الحسين للمنظومة القانونية والقيمية للدستور الإسلامي وذلك محلّ إجماع الأمّة ، من جهة ، ومخالفة سلوك الحاكم الأموي يزيد لأبسط المعايير القانونية والقيمية للدستور الإسلامي وذلك ما يكاد يجمع عليه المؤرخون .
2 – اللحاظ الثاني يتمثّل برسائل أهل العراق التي جسَّدت حيازة الإمام الحسين ( ع ) لرضا الجماهير والتأييد الشعبي العام .

أيُّها الأحِبَّة :

أُثيرَتْ و لا زالت تُثار بعض التساؤلات حول الملحمة الحسينية الخالدة ومنها :
التساؤل الأول /
ما هو الموجِبْ الحقيقي الذي دعى بالإمام الحسين ( صلوات الله عليه ) إلى الإقدام على نهضته المباركة ؟
وقد طَرَحَ المؤرخون ثلاثة تفسيرات رئيسية للإجابة على هذا التساؤل ولكن لم تكن تلك التفسيرات مُنْصِفة وموضوعية بل كانت تحمل بين طَيَّاتها دوافع سياسية مُغْرِضة الهدف منها تشويه الصورة الناصعة للثورة الحسينية الخالدة والتعتيم على أبعادها الإنسانية ، وهذه التفسيرات الثلاث هي :

1 – التفسير القبائلي ( العشائري ) /
على إعتبار أن أبا سفيان هو من قاد معسكر الكفر ضد رسالة الإسلام التي قادها رسول الله صلوات الله عليه وآله ، ثم جاء بعد ذلك معاوية بن أبي سفيان الذي قاد الإنحراف وخرج على سلطان زمانه والحاكم الشرعي للأمة المتمثِّل بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ، ثم جاء بعد ذلك يزيد بن معاوية ليكمل مسيرة الكفر والإنحراف التي قادها جدُّه وأبوه ليجابه المسيرة الإصلاحية التي قادها الإمام الحسين صلوات الله عليه ، فبدا الأمر وكأن الصراع هو بين بنو هاشم وبين بنو أميَّة وليس صراعاً بين معسكر الكفر والإيمان وبين الحق والباطل .

2 – التفسير السياسي /
على إعتبار أنَّ الإمام الحسين صلوات الله عليه إنما تحرَّكَ لإستلام زمام الحُكم في الكوفة وحتى قال الكثير من المتخاذلين عن نُصرة الإمام الحسين في تلك الفترة ما نصُّه ( مالَنا والتنازع بين السلاطين ) أي أنَّ هذه الحرب هي صراع بين أطراف سياسية متنازعة حول إستلام زمام الحُكم .

3 – التفسير الغَيْبي /
أيْ أنَّ الإمام الحسين صلوات الله عليه لديه أمرٌ إلهي كان قد أوصاه به جَدّه رسول الله صلوات الله عليه وآله بالخروج إلى كربلاء ، والقائلون بهذا التفسير يستشهدون ويستدلّون ببعض النصوص التي وردت عن الإمام الحسين صلوات الله عليه وآله قبل خروجه إلى كربلاء وهو في المدينة حينما سأله بعض إخوته وأصحابه كمحمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس فقالوا له إنَّ أهل الكوفة قد غدروا بأبيك وأخيك وإنْ كُنْتَ عازماً فما شأنُ العيال والأطفال فأجابهم صلوات الله عليه (( شاء الله أنْ يراني مقتولاً وشاء الله أنْ يراهُنَّ سبايا )) أو كقوله صلوات الله عليه (( خِيرَ لي مصرعٌ أنا لاقيه ، وكأنَّ أوصالي تُقًطِّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء )) ،
وحقيقة الأمر أنَّ هذا التفسير لا ينفع المجتمع الإسلامي ولا الإنسانية بشئ ، إذْ أنَّ معرفة الإمام للنتيجة الحتمية لنهضته المباركة إنما كانت علاقة خاصة بينه وبين ربِّه كإمام معصوم وخليفة لرسول الله صلوات الله عليه وآله ، ولا تنفع المجتمع بشئ ولا يمكن أنْ تفسَّر الموجب الحقيقي الذي دعى بالإمام الحسين صلوات الله عليه أنْ يُجَسِّد هذه الحضارة الإسلامية العملاقة والملحمة الإنسانية الخالدة ، نعم إنَّ معرفة الإمام مُسبقاً بإستشهاده خلال هذا التحرّك والمعرفة المسبقة بما سيجري عليه وعلى إخوته وأولاده وعياله وأصحابه إنما يُسلِّط الضوء على عظمة التضحية التي أقدم عليها الإمام في سبيل الإسلام والإنسانية والأمة مع علمه المسبق بالنتائج .

ولمعرفة الموجب الحقيقي لنهضة الإمام فإنني أستطيع أنْ أُرَكِّز الإجابة بثلاث موجبات أطرحها على شكل ثلاث مستويات :

1 – المستوى الأول ( الموجب الأول ) /
وهو صُلْح الإمام الحسن صلوات الله عليه ، حيث لم يتبقى من بنود صُلْح الإمام الحسن (ع) مع معاوية بن أبي سفيان لعنة الله عليه سوى البند الأخير الذي نَصَّ على أنَّ الخلافة الدنيوية تكون بعد رحيل معاوية إلى الإمام الحسن فإنْ لم يكن فللإمام الحسين صلوات الله عليهما ، ولَمَّا مات معاوية وتَسَلَّم يزيد مقاليد الخلافة الدنيوية بعده وبدأ يُرسل مَنْ يأخذ له البيعة من الولايات والأمصار فإنه كان بذلك قَد دَقَّ المسمار الأخير في نعش الصُلح ، وَلمّا كانت الأمَّة تعيش حالة الضبابية وعدم الوضوح في الرؤيا في زمن معاوية بن أبي سفيان لعنة الله عليه وخصوصاً في الفترة الأولى لحكمه ، بينما في أواخر حُكم معاوية وبداية حكم يزيد لعنة الله عليهما كانت لدى الأمَّة رؤية واضحة وبصيرة نافذة تستطيع من خلالها أنْ تُمَيِّز بين معسكر الكفر والإيمان وبين الحق والباطل ، إلا أنها كانت مسلوبة الإرادة وتحتاج إلى صوتٍ مُدَوِّي يَهزُّ ضميرها لتنتفض ضد الباطل ، فكانت ثورة الحسين صلوات الله عليه هي ذلك الصوت الإلهي الهادر الذي أقَضَّ مضاجع الطغاة وضَلَّ نبراساً لكل الأحرار والثائرين على مدى التأريخ لتنهل منه الإنسانية بأسرها على مختلف مشاربها وإنتمائتها الفكرية والعقائدية ، وبذلك فإنَّ قيام الإمام الحسين صلوات الله عليه بثورته الخالدة في هذا الوقت بالتحديد إنما كان إلتزاماً منه بآخر بند من بنود صلح أخيه الإمام الحسن صلوات الله عليه ، فالمؤمنون عند شروطهم وعهودهم ومواثيقهم فكيف بأئمة المؤمنين ، ولكي لا تبقى أية ذريعة للأمة للوقوف ضد الإنحراف والظلم ، وليسقط آخر قناع من أقنعة الباطل فينقشع الظلم والظلام لتشرق شمس الحق والعدل الإلهي .

2 – المستوى الثاني ( الموجب الثاني ) /
رسائل أهل العراق التي بلغت ثمانية عشر ألف رسالة التي دعته لتنضوي تحت قيادته لمجابهة الإنحراف والظلم الذي قادته السلطات الأموية ، والحسين هو بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه الذي لم يتصدَّى بعد إقصائه عن موقعه الإلهي الذي نصَّتْ عليه السماء إلا بعد أنْ زحفت إليه الأُمَّة طالبة الإنقاذ ، حينها قال صلوات الله عليه (( لولا حضور الحاضر ولزوم الحُجَّة بوجود الناصر ، ولولا أنْ تداككتم عليَّ دكَّكً دَكَّا لألقَيْتُ حابلها على غاربها ، ……… ألا إنَّ خَصْفَ نَعلي هذا أحَبُّ إلَيَّ مِنْ إمْرَتِكُم إلا أنْ أُقيم حَقَّاً أو أدفع باطلاً )) ، وبذلك يكون أهل العراق قد ألزموا الإمام الحسين صلوات الله عليه الحُجَّة بإرسالهم تلك الرسائل والعهود والمواثيق ، فلقد ورد عن أئمَّة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين (( نحن قومٌُ إذا دعوا لَبّوا )) .

3 – المستوى الثالث ( الموجب الثالث ) /
هو أنَّ الإمام الحسين صلوات الله عليه أراد أنْ يُظهر الوجه الناصع والحقيقي للإسلام المحمدي الأصيل ، لأنَّه لو إستمرَّت الإنسانية على معرفة وجهاً واحداً للإسلام والمتمثّل بالسلطات الظالمة التي تعاقبت وتسلطَّت على رقاب الإنسانية قسراً وقهراً كالدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية ، لسقط الإسلام بنظر الإنسانية بعد سقوط الدولة العثمانية ، إلا أنَّ الإمام الحسين صلوات الله عليه بثورته الخالدة والثورات المتلاحقة لأصحابه وأتباعه قد أظهرت للإنسانية وبشكل جَليّ بأنَّه هنالك إسلاماً حقيقياً آخر غُيِّبَ عن الساحة الإنسانية وقد تَجَسَّدَ بالملحمة الحسينية المباركة .

التساؤل الثاني /
مَنْ قَتَلَ الحسين صلوات الله عليه ؟

بطبيعة الحال قد يُجيب البعض بأنَّ شِمر بن ذي الجوشن لعنة الله عليه هو مَن قتل الإمام الحسين صلوات الله عليه ، على إعتبار أنه هو مَنْ حَزَّ رأسه المُقَدَّس ، ويَصْدُق هذا الجواب،
ويجيب البعض بأنَّ عمر بن سعد لعنة الله عليه هو مَنْ قتل الإمام الحسين صلوات الله عليه ، على إعتبار أنَّه القائد الميداني المباشر الذي قاد معسكر الكفر في واقعة الطَفّ ، ويَصدُق هذا الجواب ،
ويُجيب البعض بأنَّ عبيد الله بن زياد وبن مرجانة لعنة الله عليه هو مَنْ قَتل الإمام الحسين صلوات الله عليه ، على إعتبار أنَّه يُمَثِّل الحاكم السياسي الفدرالي لولاية الكوفة في تلك الفترة وهو مَنْ أمر عمر بن سعد ، وكذلك يَصدُق هذا الجواب ،
ويُجيب البعض بأنَّ يزيد بن معاوية لعنة الله عليهما ، هو مَنْ قتل الإمام الحسين صلوات الله عليه ، على إعتبار أنَّه يُمَثِّل الحاكم الأول للسلطة الأموية الظالمة ورئيس الدولة ، وكذلك يَصدُق هذا الجواب ،
أما الفَيْضُ المُقَدَّس محمد محمد صادق الصدر قَدَّسَ الله خَفِيُّه يَطرح رؤيا أخرى للإجابة على هذا التساؤل ، حيث يُجيب : بأنَّ الدولة البيزنطية هي مَنْ قتلت الإمام الحسين صلوات الله عليه وذلك من خلال عملائها المندسّين في الدولة الأموية والتي دفعت بيزيد وزبانيته على الإقدام على هذه الفاجعة الكبرى التي أدمَت قلوب الإنسانية بأسرها ، وكذلك يَصدُق هذا الجواب ، وإلى العصر المتأخّر والماضي القريب رأينا كيف أنَّ قوى الإستبداد والإستعباد والإستكبار والإستهتار كانت هي مَنْ تُدير الطاغية المقبور صدام اللعين وذلك من خلال ميشيل عفلق ومن ثم طارق عزيز وأصبح ذلك واضحاً لكل لبيب .

إلا إنَّني أستطيع أنْ أطرح رؤيا أخرى للإجابة على هذا التساؤل :

وهو أنَّ الأُمَّة التي تخاذلتْ عنْ نُصرة الإمام الحسين صلوات الله عليه هي مَنْ قَتَلَتْ الحسين حقيقةً ، فإنَّ فرعون لم يَقُل أنا ربُّكم الأعلى إلا بعد أنْ وجد مَنْ يسجد له ويمَجّده ،
لأنه وكما ورد في الحكمة والمنطق بأنَّ العِلَّة الفاعلية على الشئ لا تَتم إلا بعد أنْ تتم العِلَّة القابلية على ذلك الشئ ، أي أنَّ القابلية على الإستعباد تسبق الإستعباد ، وببيان آخر ؛ أنَّ الأُمَّة حينما تخاذلت عن نصرة الإمام الحسين صلوات الله عليه ورضخت للظلم والطغيان الأموي تكون بذلك قد أعطت الضوء الأخضر ليزيد وزبانيته للإقدام على قتل الحسين صلوات الله عليه وهيأت الأرض الخصبة لإستعبادها من بعد ذلك ، وأدعم أطروحتي هذه بما ورد في زيارة الحسين صلوات الله عليه و الواردة عن المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين والواردة في زيارة وارث تحديداً ، حيث ورد ما نصُّه (( فَلَعَنَ الله أُمَّة قتلتكَ ولعنَ الله أُمَّةً ظلمتك ولعنَ الله أمَّةً سمعت بذلك فرضيت به …….)) ،
إذن ؛ هنالك أمَّة قتلت الإمام الحسين وليس فرداً واحداً أو عدة أفراد وهذه الأُمَّة هي التي تخاذلت عن نصرة الحسين وبالتالي هي مَنْ قتل الحسين حقيقةً ،
بل ؛ وليس الأمَّة الحاضرة في زمان الحسين صلوات الله عليه وإنما كل أمَّةٍ تتخاذل عن نصرة المنهج الحسيني تكون مصداقاً لقتلة الحسين صلوات الله عليه .

التساؤل الثالث /
لماذا تقام المجالس الحسينية إلى يومنا هذا بعد أنْ مَرَت على الملحمة الحسينية أكثر من أربعة عشر قرن ؟

أنا سأكتفي بإجابة العلاّمة الأميني صاحب موسوعة الغدير رضوان الله تعالى عليه الذي حينما سُئلَ بهذا السؤال فأجابهم بقوله :
(( لكي لا تُنسى كما نُسِيَت بيعة الغدير )) .

التساؤل الرابع /
لماذا تعادل زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه أكثر من مئتي حجَّة وعمرة وغزوة كمن حَجَّ وإعتمر وغزا مع رسول الله صلوات الله عليه وآله ؟

ولقد أجاب البعض بأن الإمام الحسين صلوات الله عليه قد ضَحّى بكل ما يملك فيكون مقتضى العدل الإلهي ، أنَّ الله تعالى يمنح الحسين كل ما يملك !!!
وهذه الإجابة يترتب عليها إشكال واضح ، وهو أنَّ الإمام الحسين صلوات الله عليه قد وهَب ما لا يملك ، إنما هو فَيْضٌ مِنْ نور الله وقُدسه ،
وأنا أجيب : بأنَّ الله تعالى إنما جعل هذه المنزلة العظيمة للإمام الحسين صلوات الله عليه وهذا الثواب العظيم في زيارته لكي يتسلَّط الضوء على المنهج الإسلامي المحمدي الواقعي و الأصيل فينجلي الغبار وينزاح الستار وينكشف النقاب ، فترى الإنسانية بشكل واضح وجليّ مَنْ هو الممثّل الحقيقي للإسلام ومَنْ هو الإمتداد الطبيعي للنبوة ومَنْ هو المُجَسّد الواقعي لقيم السماء ، و ليحثّ البارئ عزّ وجل الإنسانيةَ فتهتدي إلى النبع الصافي والنقي لرسالته الخالدة التي تكفل السعادة الأبدية ، ليحيى مَنْ يحيى بعد ذلك عن بيّنة ويهلكُ مَنْ يهلك عنْ بيّنة ،
ومع بالغ الأسف والأسى أننا نرى ونسمع الكثير من الخرافات والأساطير في بعض الأطروحات التي يقدمها البعض لتفسير وسرد الملحمة الحسينية الخالدة ، فيحاول البعض منهم إستدرار الدموع وإستقطاب الأنظار حول شخصه وأطروحاته ، فيطرحون الكثير من الخرافات التي ستؤثر على مصداقية وقداسة الملحمة الحسينة الخالدة مع مرور الزمن وتطور وإرتقاء البشرية في معارفها وعلومها ، وبذلك فإنني أرى بأنَّ البعض من أحبّاء الحسين صلوات الله عليه قد أضَرّوا بالثورة الحسينية أكثر من أعدائه ، لذلك أنا أنصح كل مَنْ يريد أنْ يستقي وينهل من النبع الصافي للملحمة الحسينية المباركة فعليه أنْ يَطَّلع على كتاب ( موسوعة الملحمة الحسينية / 3 أجزاء ) للفيلسوف الشهيد مرتضى مطهَّري رضوان الله تعالى عليه ، وكتابي ( أضواء على ثورة الحسين ع + شذرات من فلسفة تأريخ الإمام الحسين ع ) للفيض المقدس السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس الله خَفيّه ، وكتاب ( دروس من الثورة الحسينية ) للسيد محمود الهاشمي الذين غربلوا وحقَّقوا ودقَّقوا فأزاحوا كل ما لحِقَ من غبار وتشويه بهذه النهضة المباركة .

التساؤل الخامس /
لماذا يخشى الطغاة ويمنعون زيارة الحسين صلوات الله عليه ؟

فلقد طرق مسامعنا بعد سقوط الطاغوت المقبور صدام اللعين أنَّ عوام الجماهير يتسائلون مستغربين ، ها نحن نزور الحسين صلوات الله عليه مسالمين ، فلماذا كان الطاغية المقبور يمنع الزيارة ؟!!!
الطغاة لم يكونوا من النوع الساذج بحيث لا يعرفون ما معنى زيارة الحسين (ع)،
أنْ تذهب إلى الحسين يصنع منك ثائراً ،
الجميع يعرف بأنك حينما تذهب إلى الإمام الحسين (ع) عارفاً بحقّه فإنك ستستلهم وتستمد كل قيم الكبرياء والشموخ والعزة والإباء والإيثار والشجاعة والتضحية ورفض الظلم والطغيان من ذلك المثوى الطاهر .

التساؤل السادس /
منْ هو المعني بتثبيت معايير الشرعية وتحديد مصاديق الشعائر الحسينية ؟

ج / بحسب ما نعتقد في الفكر الإسلامي الإمامي الإثنى عشري فإنه في حالة غياب الإمام المعصوم تكون المرجعية الدينية الجامعة للشرائط والتي تمثل النيابة العامة للمعصوم في غيبته هي المسئولة عن وضع المعايير الشرعية للموضوعات وتحديد مصاديق الشعائر الحسينية ، ومن أهم المعايير التي وضعها الفقهاء لتحديد مصاديق الشعائر الحسينية هي :
1 – أنْ تكون الشعائر ضمن الضوابط والموازين الشرعية الإسلامية .
2 – أنْ تكون الشعائر منسجمة مع الأهداف الحسسينية ولا تتناقض معها بل تسعى إلى تحقيقها .
3 – أنْ يُراعى في إقامة الشعائر مستوى وعي الإنسانية والذوق العام للبشرية لتجنّب إنتهاك حرمة القضية الحسينية .

التساؤل السابع /
هل الإضرار بالنفس يجمد الشعيرة الحسينية ؟

ج / ليس كل إضرار بالنفس محكوم بالحرمة فيستدعي تجميد الشعيرة ، فمَنْ أُقيمت من أجله الشعيرة كان قد أقدم على الموت مع سبق الإصرار والتصميم وتحمَّل أعلى درجات الإضرار بالنفس في سبيل عقيدته وذلك بقوله (ع) : (( كأنَّ بأوصالي تقطعها الفلوات بين النواويس وكربلاء )) وقوله (ع) للمعترضين على خروجه برفقة النساء من أهل بيته (( شاء الله أنْ يراني قتيلا وأنْ يراهنَّ سبايا )) .

التساؤل الثامن /
هل السخرية من الشعائر الحسينية تستلزم منعها ؟

ج / لطالما كانت السخرية والإستهزاء هو منهج الطغاة والمستكبرين في مواجهة الأنبياء والمصلحين كما يصوّر لنا القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى:(( كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ (54)))
( سورة الذاريات ) ويتضح من الآية الأخيرة الأمر الإلهي إلى نبيّه الأعظم (ص) بتجاهل هذه السخرية والإستهزاء، ولذا فالسخرية من الشعيرة لا تستلزم منعها ما لم تؤدي إلى هتك مضمون الشعيرة الحسينية وقدسيّتها ورمزها .

التساؤل التاسع /
هل إضفاء صفة الخرافة على بعض الشعائر الحسينية يستدعي تجميدها ؟

ج / الخرافة هي الاعتقاد أو الفكرة القائمة على مجرد تخيلات دون وجود سبب عقلي أو منطقي مبني على العلم والمعرفة ، وترتبط الخرافات بفلكلور الشعوب ، حيث أن الخرافة عادة ما تمثل إرثًا تاريخيًا تتناقله الأجيال ، وهو معتقد لا عقلاني أو ممارسة لا عقلانية. والخرافات قد تكون دينية، وقد تكون ثقافية أو اجتماعية ، أما الشعائر الحسينية منبثقة من واقعة ملحمية إنسانية ولها مرجعية تخصصية تشرف عليها عبر الأجيال كانت و لازالت تمثّل الحصن الواقي لها من الخرافات فيصبح إقتران الخرافة بالشعيرة الحسينية سالبة بإنتفاء الموضوع كما يعبرون في علم المنطق .

التساؤل العاشر /
هل الشعائر الحسينية واجبة أم مستحبة ؟

ج / إنَّ الشعائر الحسينية بالعنوان الأولي من المستحبات الأكيدة في الشريعة بحسب تعبير الفقهاء ، وكما جاء في قول الإمام الصادق (ع)(( أحيوا أمرنا رحم الله مَنْ أحيا أمرنا )) ، ولكنها قد تكون واجبة ، كما أنها قد تكون محرّمة بالعنوان الثانوي وبالأمر الولائي وذلك يعتمد على المصالح العليا للدين والمذهب التي تحددها المرجعية الدينية المتخصصة كأنْ يلحظ الفقيه جانب التقية أو غيرها .

التساؤل الحادي عشر /
هل النقاش الدائر حول الشعائر الحسينية تخصّصي أم ثقافي ؟ وإذا كان تخصّصي فمن هو مرجعية هذا التخصّص ؟ أما إذا كان ثقافي فما هي دائرته ومساحاته ؟

ج / إنَّ النقاش الدائر حول الشعائر الحسينية هو نقاش تخصّصي تكون فيه الكلمة الفصل للمرجعية الأساسية التي تحدد معاييره ومصاديقه والمتمثلة بالمرجعية الدينية الجامعة للشرائط ، وأية عناوين أخرى تكون متطفلة على التخصّص وتحاول مصادرة صلاحيات المرجعية المتخصصة بغير وجه حق وإنْ كانت هذه العناوين قد تبدو هي المسرح الرئيسي التي تتحرك عليها ومن خلالها هذه الشعائر وذلك إمتثالا لقوله تعالى : (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ))( الأحزاب / 36 ) ) وهذا الحكم شاملُ للمعصوم ونيابته في غيبته بحكم وحدة المِلاك .

التساؤل الثاني عشر /
هل يمتلك الفكر الإسلامي في عقائده وتعاليمه خطابان أم خطاب واحد ؟

ج / يمكن لنا أنْ نتلمّس من أحاديث المعصوم (ع) بأنه هنالك أكثر من خطاب في الفكر الإسلامي ، وذلك بما يروى عن النبي الأعظم (ص) أنه قال (( نحن معاشر الأنبياء أُمِرنا أنْ نكلّم الناس على قدر عقولهم )) ، وما ورد عن أمير المؤمنين (ع) قوله : (( لكل مقام مقال ))، فضلا عن الأجوبة العلمية الفكرية والفقهية التي كان يجيب بها الأئمة المعصومون على مختلف التيارات الفكرية والعقائدية كلّ بحسب فهمه وطاقة إستيعابه وبحسب البديهيّات التي يؤمن بها الآخر ، ولذا فهنالك من الشعائر قد تكون مناسبة وفاعلة ومؤثرة في بيئتها ولكنها مضرة في بيئة مخالفة ، ولذا إقتضت الحكمة تعدد الخطاب فلكل مقام مقال .

أيها الأحبة :
ها نحن اليوم نستلهم من بطلة كربلاء الحوراء نصر الحسين ذلك الموقف التأريخي المُشَرِّف الذي هَزَّ عروش الطغاة ، لنخاطب اليوم كذلك قوى الإستعباد والإستبداد والإستكبار والإستهتار العالمي المتمثلَّة بالإدارة الأميركية والصهيونية وأذنابها من الطغاة المحليين الذين تسلّطوا على رقاب شعوبنا قسرا وقهرا ، فنقول لهم :
أظَنَنْتَم أيها الطغاة والعملاء حين أَخَذْتَم علينا أقطار الأرض وآفاق السماء ، أنَّ بكَم على اللهِ تعالى كرامةً وأنَّ بنا عليه هواناً ، فما حكمكَم إلا عدد وما جَمْعُكَم إلا بَدَد فَكِيدوا كَيْدَكم وإسعَوا سَعْيَكم وناصِبْوا جَهْدَكم ، فوالله لن تمحوَ ذِكْر وفكر محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين ،
نعم ؛ أيها المتغطرسون المتجبّرون المستكبرون قد تستطيعون قتلنا ولكنكم لن تستطيعوا هزيمتنا ،
ونستطيع مقاومة غزو جيوشكم الظلامية ولكنكم لن تستطيعوا مقارعة فكرنا الذي يتناغم مع الفطرة الإنسانية ويرتقي بها ،
وإلى الرأس المُقَدَّس الذي رفعوه على الرماح فكان حَيَّاً ومَيّتاً أعلى رؤوسهمُ ؛ إلى ثأر الله وخلود دينه ؛ أقول :

والعصر والنونِ والقلم وما يسطرونِ
لولا أبا الأحرار ما بقى ليَ ديني
يا أستار الكعبة وحِبْرَ القُرآنِ
أنتَ في الإسلام كالقلبِ والوتينِ
أنت مع الزهراء كروضةٍ بجنانِ
أنتَ مع الحسنِ كالعيْنِ والعيْنِ
أنتَ مع الكرار كمسجدٍ وآذانِ
أنتَ مع المصطفى كسفينةٍ ورُبّانِ
أنتَ إلى الله كعاشقٍ لولهانِ
دمُك َسِراجُ الله وصوتُ الثائرينِ
رضيعُكَ أرْضعَ الخُلْدَ للأديانِ
سيدي المُفَدّى بالأرواح والأهلين
تُقَدِّمُ الأُضْحيات بالإخوانِ والبنينِ
مولايَ ما أبقَيبْتَ لنا مِنْ جزاءٍ بإحسانِ
وكأنَّ القلوب تنبض حُسَيْنٌ حُسَيْنِ

نسألُ الله العلي القدير أنْ يَتقَبَّل منا ومنكم أيّها الأحبَّة وأنْ يُلْهمنا ويرشدنا لكل ما يُعزّ الإسلام والإنسانية والوطن ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .




“مؤتمر عاشوراء تضحية من أجل الإنسانية”: الإمام الحسين ليس لفئة معينة

Ashura2

“حوارات” – بيروت — دعا رئيس المجمع الثقافي الجعفري الشيخ محمد حسين الحاج، الى “إعادة تأهيل مجالس عاشوراء لإخراج المدسوسات منها، وعدم استغلالها مذهبيا، لأن عاشوراء ليست لفئة أو مذهب أو طائفة، وإنها للانسان والإنسانية”.

وقال:”من مظلومية الإمام الحسين ان نعتبره شخصية طائفية أو مذهبية أو دينية أو لفئة معينة”.

جاءت دعوة الحاج خلال افتتاحه مؤتمر “عاشوراء تضحية من أجل الإنسانية” عقده المجمع الثقافي الجعفري، في مطعم الساحة، في سياق برنامجه السنوي حول عاشوراء، وضمن سياق نشاطاته الشهرية المتنوعة. قدمت المؤتمر الزميلة زينب إسماعيل في حضور فاعليات دينية وثقافية وإعلامية وتربوية وسياسية، اضافة الى ممثلين عن الأحزاب، ومن بينها حزب الكتائب.

وشدد الحاج على طرح موضوع الإصلاح عند الامام الحسين و”عدم الركون الى الباطل، في ظروف تشبه في كثير من الوجوه أيامنا الحاضرة”. واعتبر “البكاء وإقامة العزاء واللطم والتطبير، وغيرها من مظاهر الإحياء ليست بالطريقة الوحيدة او الأحسن، بل هناك طرق متعددة للتعبير عن الفاجعة”.

وتمنى على “المرجعيات الدينية على المستوى الإسلامي في كل من النجف وقم والأزهر، وعلى روما، وعلى جميع الأقطاب الدينية التوحيدية ان تجهز مؤتمرا عالميا يدعو ويدرس الأسباب العلمية والفكرية والإنسانية لحركة الامام الحسين، وأبعادها وأسباب استمراريتها الى يومنا هذا”، لافتا الى أهمية “إعادة تأهيل مجالس عاشوراء لإخراج المدسوسات منها وعدم استغلالها مذهبيا”.
وقال: “ان عاشوراء ليست لفئة او مذهب او طائفة، انها للإنسان والإنسانية. من مظلومية الإمام الحسين ان نعتبره شخصية طائفية او مذهبية او دينية لفئة معينة”.

وقد تناول مؤتمر “عاشوراء تضحية من أجل الانسانية” عناوين عدة في جلساته كالفداء، والتضحية من منظورهما الإنساني والعالمي عند الإمام الحسين، حيث تحدث كل من رئيس القضاء الدرزي السابق الشيخ مرسل نصر، والأب الباحث نعمة صليبا، بمشاركة الإعلامي محمد شري. وقد شدد المنتدون على البعد العالمي للثورة الحسينية، اضافة الى “كون الحسين والمسيح عليهما السلام يشكلان رمزين عالميين للفداء في سبيل الإنسانية”.

وتناول المؤتمرون “كيفية إخرج ثورة الإمام الحسين من أبعادها المذهبية الى أبعادها الإنسانية”، من خلال بحثين لكل من الدكتورة مهى خيربك، ورئيس هيئة علماء لبنان الشيخ يوسف الغوش، اضافة الى كلمة للصحافية منى سكرية. وأكد الجميع “عدم حصرية الثورة بالشيعة، بل أهمية وضرورة اعتبار الإمام الحسين ثائرا لكل الأديان”.

واختتم المؤتمر بقصيدة شعرية عن الإمام الحسين للشاعر العراقي نزار النداوي.

المصدر: الوكالة الوطنية للإعلام