الدونمة بين اليهودية والإسلام والعلمانية: الأسطورة والتاريخ

بقلم: محمد م. الأرناؤوط — يرتبط اسم الدونمة بسالونيك، التي كانت حتى نهاية الحكم العثماني (1912) تمثل أكبر تجمع لليهود. حتى أن عددهم فيها كان يوازي تقريباً عدد اليهود في فلسطين آنذاك، ولذلك اشتهرت باسم «أورشليم البلقان»، وغدت معروفة بمدارسها وصحافتها ومفكريها الذين لعبوا دوراً مهماً في الأحداث المصيرية التي ميزت العقود الأخيرة للدولة العثمانية (المطالبة بحكم دستوري وبروز جمعية الاتحاد والترقي وصولاً إلى عزل السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) ونفيه إلى سالونيك بالذات. ومن هؤلاء اليهود الذين كانوا يمثلون غالبية السكان في المدينة برزت طائفة «الدونمة» في العقد السابع من القرن الثامن عشر التي اتبعت الحاخام شبتاي زفي (1626-1675) بعد أن أعلن نفسه المسيح المنتظر في 1648 ثم تبعته مع اعتناقه الإسلام واتخاذه اسم محمد افندي حتى ينجو من حكم الإعدام بعدما مثل أمام السلطان مراد الرابع في حضور شيخ الإسلام والعلماء.
ومع أن هذه الطائفة الجديدة (التي كانت تجمع بين الانتماء الظاهري الى الإسلام واتخاذ أسماء مسلمة وممارسة الشعائر وبين الإيمان الداخلي الذي ترتبط به شعائر وسلوكيات أخرى) كانت تمثل أقلية بين يهود سالونيك، إلا أن دورها تعاظم مع بروز قوتها الاقتصادية ومكانتها الثقافية ثم الدور السياسي لها خلال الأحداث المفصلية في السنوات الأخيرة للدولة العثمانية وتأسيس الجمهورية الكمالية في 1923 على أنقاض الدولة العثمانية.
ولهذا، «تضخم» دور الدونمة في المخيّلة الشعبية سواء في أواخر الدولة العثمانية أم في السنوات الأولى للجمهورية الكمالية وتحول ذلك إلى تركيب أسطورة ارتبطت بها وتجلّت في الدراسات أو الكتب التي صدرت في التركية وترجمت إلى العربية أو تلك الدراسات والكتب العربية التي أُلفت تحت تأثيرها. ومن هنا يأتي كتاب أستاذ التاريخ الأميركي في جامعة كاليفورنيا مارك د. باير M.D.Baer «الدونمة: مرتدون يهود وثوريون مسلمون وأتراك علمانيون»، الذي صدر في طبعته الأولى عام 2010 وصدرت طبعته الثانية في 2016.
كتاب مهم لأنه يعكس العمل الدؤوب على مدى سنوات طويلة وبمنهجية مميزة للوصول إلى كنه هذه الطائفة التي برزت فجأة من قوقعتها واختفت خلال خمسين سنة تقريباً (1890-1940) واختلطت حولها الأسطورة بالتاريخ. ومن هنا يمكن القول إن كتاب باير نجح إلى حد كبير في تفكيك الأسطورة وإبراز التاريخ الأقرب إلى الواقع لهذه الطائفة.
وينطلق باير في مقدمته من أن الأسطورة حول هذه الطائفة ما زالت متوهجة حتى الآن في تركيا، ويضرب المثل في ذلك بكتابي المؤلف التركي سونر يالتشين S.Yalçin «الأفندي: السر الكبير للتركي الأبيض» و «الأفندي 2: السر الكبير للمسلم الأبيض» اللذين بيع منهما مئات آلاف النسخ في السنوات الأخيرة . وتتغذى الأسطورة على نظرية المؤامرة التي تلقى قبولاً شعبياً إلى حد أن كل شخص مهم في تركيا أصبح يعتبر أنه من أصول يهودية وأنه يقوم بتنفيذ دوره في المؤامرة المتواصلة. ومن ذلك مثلاً كتاب ارغون بويراز E.Poyraz « أولاد موسى: طيّب وأمينه» الذي كانت على غلافه صورة طيب اردوغان وزوجته مع النجمة اليهودية، وأصبح على رأس الكتب الأكثر مبيعاً في 2007. فهذا الكتاب يعتمد على أسطورة أخرى تقول أن اردوغان ليس سوى يهودي متخف يقوم بدوره لنسف الجمهورية العلمانية في تركيا.
في هذا الوضع لا يعد عمل المؤرخ سهلاً في تفكيك الأسطورة، بخاصة أن الدونمة مثل بعض الطوائف في بلاد الشام تعتمد السرية في عقيدتها وطقوسها وهو ما يغذي أكثر المخيلة الشعبية المعادية لها. فقد شكا المؤلف من أن بعض أحفاد الأفراد المعروفين في هذه الطائفة الذين بقوا متفرقين في العالم (اليونان وتركيا والولايات المتحدة…) كانوا إما يرفضون الحديث أو يشترطون عدم ذكر أسمائهم الحقيقية. ولذلك عاد المؤلف إلى مصادر التاريخ العثماني والتاريخ الشفوي والمراسلات الصادرة عن القنصليات والسفارات الأوروبية في سالونيك واسطنبول وغيرها، كما اعتمد على شجرة الأسر المعروفة في الدونمة ليتقصى ماضيها ويتابع مصيرها لاحقاً.
الأطروحة الرئيسية لدى المؤلف تقف على عكس ما هو موجود في الأسطورة أو المخيلة الشعبية التي لا تزال حية في تركيا: الدونمة ليسوا يهوداً متخفين، ربما هم بدأوا كذلك ولكن انتهوا إلى طائفة متميزة تحت تأثير القبالا اليهودية والصوفية الإسلامية، أي أنهم لم يعودوا يهوداً مثل بقية اليهود ولم يصبحوا مسلمين مثل بقية المسلمين.
في هذه الحالة حدث مع هؤلاء الدونمة، التي تعني المتحولين أو المرتدين عن دينهم في التركية بينما هم يطلقون على أنفسهم «المؤمنون»، ما حدث مع المسيحيين البروتستانت في ألمانيا وهولندا وغيرها الذين أصبحوا يهتمون بالتعليم والاقتصاد وأصبحوا يمثلون القوة الاقتصادية الصاعدة المنفتحة على العالم الجديد في أوروبا. ومن هنا رأوا أن مصلحتهم تكمن في خروجهم من القوقعة التي انغلقوا فيها نحو قرنين والمشاركة في تحديث النظام العثماني ليصبح قائماً على الدستور والمساواة وحكم القانون، كما كانت تطالب المعارضة الصاعدة. ومن هنا فقد تولى بعض أفراد هذه الطائفة المناصب الجديدة (رئيس بلدية سالونيك التي كانت غالبية سكانها من اليهود) وشارك بعض الأفراد في المعارضة الجديدة التي تمثلت في جمعية الاتحاد والترقي.
وهنا يبين المؤلف، في سعيه لتفكيك الأسطورة، العلاقة بين الدونمة والماسونية والمعارضة الجديدة (الاتحاد والترقي). فنظراً إلى انفتاح سالونيك التي كانت تجمع بين الشرق والغرب فقد افتتحت فيها أوائل المحافل الماسونية التي انتمى إليها بعض أفراد الدونمة كما هو الأمر مع الأتراك المسلمين واليهود الخلّص. وبعد أن كانت جمعية الاتحاد والترقي تتمركز في باريس رأت أن تؤسس فرعاً لها في الداخل فاختارت سالونيك في 1902، واستفادت هناك من تجربة الماسونية في العمل السري وأصبحت تعقد اجتماعاتها في المحافل الماسونية بعد أن انضم بعض أعضائها إلى الماسونية. وهنا يؤكد المؤلف أن نظرة الأتراك المحافظين إلى جمعية الاتحاد والترقي كانت ترقى إلى وصفها بالإلحاد ومحاربة الإسلام مع اعتناق مؤسسيها (أحمد رضا وغيره) للوضعية Positivism التي تحلّ العلم محل الدين، على حين أن الأمر لم يكن كذلك مع الدونمة التي كانت محافظة دينياً ومنفتحة اجتماعياً، وهو لم يحل دون انضمام بعض الشباب من الدونمة الى جمعية الاتحاد والترقي وبروزهم فيها (محمد جاويد الذي أصبح لاحقاً وزيراً للمالية وغيره). وبعبارة أخرى يرى المؤلف أن هناك مصلحة مشتركة ربطت بين كل الجهات المعارضة (بعض الطرق الصوفية وعلى رأسها البكتاشية وجمعية الاتحاد والترقي والدونمة والماسون) لمطالبة السلطان عبد الحميد بإعادة العمل بالدستور المعلق من 1878 والدعوة إلى انتخابات للبرلمان لوضع حد لسلطته المطلقة.
ولكن ما إن تم عزل السلطان عبد الحميد في 1909، بعد المحاولة الفاشلة لأنصاره التخلص من وجود الاتحاد والترقي في اسطنبول، وانتخاب أحد أفراد طائفة الدونمة رئيساً لبلدية سالونيك، تعرضت هذه الطائفة إلى ضربة كبيرة نتيجة لحرب البلقان في 1912-1913، التي أنهت الحكم العثماني في البلقان، بخاصة مع الحرب التركية- اليونانية 1920-1923. فقد كان أفراد طائفة الدونمة مع الهوية العثمانية الجامعة القائمة على التعددية والمساواة التي تناسب هويتهم ومصالحهم الاقتصادية الكبيرة، بينما أصبح عليهم بعد أن غدت سالونيك جزءاً من اليونان أن يتكيفوا مع الواقع الجديد: دولة قومية لشعب واحد – اليونان. وما أن صحوا من هذه الصدمة حتى تعرضوا إلى ما هو أسوأ في 1923. فقد نصّت معاهدة لوزان التي أنهت الحرب التركية- اليونانية على تبادل السكان، وهو ما كان يعزز الأيديولوجية القومية هنا وهناك (مصطفى كمال في تركيا الجديدة وفنزيلوس في اليونان الجديدة). وبناء على ذلك، اقتُلع مئات ألوف اليونانيين من الأناضول وأرسلوا إلى اليونان، مع أن بعضهم لم يكن يعرف اللغة اليونانية ولا تربطه علاقة باليونان، كما اقتلع مئات ألوف المسلمين من المناطق التي توسعت فيها اليونان وأرسلوا إلى تركيا. وقد شمل هذا المصير أفراد طائفة الدونمة في سالونيك باعتبارهم من المسلمين، ولم يشمل اليهود الذين بقوا يمثلون غالبية السكان في المدينة.
وعلى رغم هذه الضربة القاصمة التي أنهت وجود الدونمة في سالونيك، إلا أن أفراد هذه الطائفة الذين رُحّلوا إلى تركيا شاركوا في المسار الجديد: تأسيس دولة علمانية في تركيا. ويتشابه هنا موقف الدونمة مع الطائفة العلوية في تركيا، التي ترى ولا تزال في العلمانية ضمانة لاستمراها كطائفة لها خصوصيتها في المجتمع.
كتاب باير عن طائفة الدونمة يقدم جديداً بالاستناد إلى المنهج الذي اتبعه، أي أنه لا يبدأ من الأسطورة بل من المصادر العثمانية ومراكز الوثائق الأوروبية والتاريخ الذاتي للطائفة، ليصل أخيراً إلى مقاربة مختلفة تقدم صورة مختلفة عما هو سائد وشائع عن هذه الطائفة. ومن هنا أهمية ترجمة هذا الكتاب إلى العربية لمقاربته مع ما هو موجود، والاستفادة من منهجيته في دراسة بعض الطوائف التي تلفها الأسطورة أيضاً.

المصدر: الحياة




كيف اختلف اسم الله بين الديانات الإبراهيمية الثلاث؟

بقلم: محمد يسري* — برغم التشابه الشديد الذي يجمع ما بين الديانات الإبراهيمية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، فيما يخص التفسير المشترك لأصل الوجود وخلق الكون والكثير من المعتقدات والأفكار المرتبطة بهما، فإن تلك الديانات توجد فيها أيضاً العديد من أوجه الاختلاف والتمايز، وفي الصدارة منها يأتي الاختلاف حول اسم الرب.

اسم الرّب في اليهودية

يهوه وإلوهيم وأدوناي في اليهودية عُرف الرب بعدد كبير من الأسماء والتوصيفات التي وردت في التناخ وهو الكتاب المقدس عند اليهود، وكذلك في التلمود والقصص الدينية. ففي بعض المواضع يأتي اسم إله اليهود بشكل مبهم أو غامض.

ومن ذلك ما يخبرنا به سفر الخروج، أن النبي موسى عندما شاهد نار العليقة فوق جبل سيناء، صعد ليستقصي الأمر، فسمع صوت الله الذي أمره بالذهاب لبني إسرائيل في مصر ليخرجهم منها إلى الأرض الموعودة، وعندما سأل موسى عما يقوله لقومه إن سألوه عن اسم الذي كلمه، أخبره الله أن يقول لهم (أهيه أشير أهيه) وهي جملة عبرية تعني “أكون الذي أكون”.

أما أشهر أسماء الرب عند اليهود، فهو يهوه، وهي كلمة عبرية مختلف على أصلها، وقد وردت في مئات المواضع في كتب اليهود المقدسة، منها ما ورد في سفر الخروج عندما قال الله لموسى (هكذا تقول لبني إسرائيل يهوه إله أباءكم إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم، هذا اسمي للأبد).

وفي نفس الوقت فإنه وفي الكثير من الأحيان، يتم تسمية الرب في اليهودية بـ(إلوهيم)، ويرى الكثير من الباحثين أنها مقتبسة من اسم الإله إيل الذي ورد اسمه في منقوشات عدة على ألواح أوغاريت التي ترجع للقرن الثالث عشر أو الرابع عشر قبل الميلاد على أرجح تقدير، وقد كان إيل معروفاً عند الكنعانيين وكان من أهم المعبودات عندهم في سوريا وفلسطين فيما قبل دخول العبرانيين إليها.

ويرى أستاذ الدراسات اليهودية في جامعة جورجيا الأمريكية، ريتشارد إليوت فريدمان في كتابه المهم بعنوان: من كتب التوراة؟ أن الاختلاف في اسم إله اليهود ما بين يهوه وإلوهيم، ليس مجرد اختلاف في المسمّى وحسب، بل أن الكلمتين لهما معنيان ودلالتان مختلفتان تماماً، فاسم إلوهيم كان يتم استخدامه في مرحلة تعدد الألهة عند العبرانيين، أما يهوه فتم استعماله للإشارة للإله الواحد الأحد.

ويستخدم اليهود أيضاً كلمة أدوناي للإشارة إلى إلههم، أدوناي والتي تعني السيد في اللغة العبرية، يتم نطقها بواسطة قارئ التناخ عندما يأتي موضع فيه ذكر ليهوه، والسبب في ذلك هو التخوف من نطق اسم الرب المقدس بشكل خاطئ، فقد ورد في سفر الخروج (لا تنطق باسم يهوه إلهك باطلاً، ‏لأن يهوه لا يترك الذي ينطق باسمه باطلاً دون عقاب).

ولما كان النطق الصحيح لاسم يهوه قد ضاع مع مرور الزمن وتعاقب القرون، فقد صار من الأسلم ألا يتم نطقه خشية الخطأ، ويستثنى من ذلك حالة وحيدة، وهي أنه من المسموح به لرئيس الكهنة في صلوات وأدعية عيد الغفران أن يذكر اسم يهوه بشكل مباشر وصريح.

اسم الربّ في المسيحية

أسماء الأقانيم الثلاثة يؤمن المسيحيون بالإله الواحد يهوه، ولكن من خلال ثلاثة أقانيم مختلفة، وهي الآب والابن والروح القدس.

بالنسبة لاسم الأقنوم الأول الآب (بمد الألف) فهو لا يعني الأب أو الوالد كما قد يتبادر إلى ذهن السامع، بل هي كلمة ذات أصل سرياني، دخلت اللغة العربية بمعنى الأصل أو الأساس، واختصت بالأقنوم الأول من الثالوث. أما الأقنوم الثالث، الروح القدس، فقد ذكر عدة مرات بصيغ مختلفة في الكتاب المقدس، منها روح القداسة، روح الله، روح الله القدس، روح الحق، روح المسيح، وروح الرب، الباراقليط.

أما أكثر الأقانيم الثلاثة إثارة للجدل فيما يخص أسمائه فهو الاقنوم الثاني، الابن، فهناك الكثير من الأسماء والألقاب التي عُرف بها السيد المسيح. وأشهر تلك الأسماء هو اسم المسيح أو الماشيح أو المسيا، وهو اسم يهودي عبراني الأصل، وكان يشير إلى ملك او كاهن أُدخل إلى هذا المركز رسمياً عن طريق مسح رأسه بالزيت المقدس، ويؤكد الحاخام اليهودي (روبن فايرستون) في كتابه (ذرية إبراهيم) أن اليهود كانوا يعتقدون أن أحد أبناء داود الملك، سوف يظهر ويحررهم من الظلم والجور الواقعين تحته، وأنه سوف يقيم ملكاً عظيماً، وأنه قد تم تخليد تلك الفكرة في كل من التلمود والمدراش.

ولما كان المسيحيون يعتقدون بأن (ابن مريم) هو نفسه ذلك الموعود الذي بشرت به كتب اليهود المقدسة، فأنهم خلعوا عليه لقب المسيح. الاسم الثاني لأقنوم الابن، هو يسوع الناصري، وهي تسمية معروفة ومستخدمة عند كل من اليهود والمسيحيين بينما لا يتقبلها المسلمين. وقد وردت تسمية المسيح بيسوع في الكثير من المقاطع في العهد الجديد، ومن ذلك ما ورد في إنجيل لوقا (وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى).

وكلمة يسوع مشتقة أصلاً من كلمة يشوع، والتي تسمى بها عدد من شخصيات العهد القديم مثل يشوع بن نون خليفة موسى في قيادة بني إسرائيل. ويشوع هي الكلمة الناتجة من إضافة مقطعين، وهما (يهوه) والتي تشير إلى اسم إله بني إسرائيل، و(شع) وهو فعل يعني يخلص، معنى ذلك أن كلمة يشوع أو يسوع هي (الله المخلص).

ومن يسوع جاءت كلمة (إيسوس) في اللغة اليونانية، والتي انتقلت بعد ذلك إلى العديد من اللغات الأوروبية الحديثة عبر اللغة اللاتينية. أما الناصري، فهي نسبة مكانية إلى مدينة الناصرة التي ولد فيها المسيح، والناصرة هي إحدى المدن التاريخية في فلسطين، تقع في منطقة الجليل وتبعد عن القدس ما يقرب من 105 كيلومتر.

أما التسمية الثالثة للابن، فهي (عمانوئيل)، وهي كلمة عبرية تعني (الله معنا)، وقد وردت في العهد القديم في سفر أشعياء في سياق جدال ما بين النبي أشعياء وأحاز ملك يهوذا، حيث بشر أشعياء بأنه سوف يأتي اليوم الذي تلد فيه العذراء طفلاً يُعرف بعمانوئيل، وبعد وقوع تلك الحادثة بما يقترب من 750 عاماً، ولد السيد المسيح، فأعتبر المسيحيون أنه هو المقصود من تلك البشارة، وأنه هو نفسه عمانوئيل المذكور في سفر أشعياء.

اسم الله في الإسلام

ما بين اسم الله الأعظم والأسماء الحسنى يُعرف المسلمون إلههم باسم الله، وهناك الكثير من الأقوال والنظريات التي تحاول أن تفسر أصل ذلك الاسم، منها ما أورده الدكتور كمال صليبا في كتابه المثير للجدل خفايا التوراة، من وجود علاقة ما بين اسم الله، والمعبود الكنعاني القديم إيل، وأن كلمة إيل قد تطورت لتتحول إلى الله.

وبالطبع يرفض بعض المسلمون ذلك الرأي، ويرون أنه وبفرض وجود أصل مشترك للكلمتين، فإن هذا لا يعني اشتراكهما في المعنى أيضاً، ذلك أن إيل كان إله وثني يُعبد في مناخ جاهلي تعددي، بينما كان الله ومنذ اللحظة الأولى في الإسلام هو إله واحد أحد لا شريك له.

وبحسب ما أورده العديد من العلماء المسلمين في كتاباتهم، ومنهم ابن القيم الجوزية وعبد الرحمن السعدي، فإن كلمة الله تعود في أصولها لكلمة إله، والتي تعني المعبود، وأنه قد تمت اضافة ألف ولام التعريف إليها، فأصبحت الإله، ثم حُذفت بعد ذلك الهمزة تخفيفاً، وحور اللفظ، حتى انتهى إلى كلمة الله.

على أن الله ليس هو الاسم الوحيد للرب عند المسلمين، فقد جاءت العديد من الآيات في القرآن الكريم، لتؤكد على أن لله مجموعة من الأسماء وصفت بالحسنى، ومن ذلك ما ورد في سورة الأعراف، آية 180، في قوله تعالى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه).

ولم يرد في القرآن تفصيل لتلك الأسماء، بل نجد أن بعض كتب الحديث المعتبرة، ومنها سنن الترمذي وسنن ابن ماجة، قد أوردت بعض الروايات التي تسرد تسعة وتسعين اسماً لله عزّ وجل، وعُرفت تلك الاسماء بأسماء الله الحسنى.

وعلى الرغم من شهرة تلك الأسماء عند المسلمين، إلا أن الكثير من العلماء المعتبرين اعتبروا الروايات والأحاديث النبوية التي وردت فيها “ضعيفة”، فعلى سبيل المثال يقول شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في مجموع فتاويه “وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين ليستا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كل منها من كلام بعض السلف”.

وفي الوقت نفسه، فقد وردت العديد من الأحاديث النبوية التي يشير فيها الرسول الكريم، إلى أن للّله اسم أعظم، وأنه إذا دعي به أجاب.

وبحسب ما يؤكد الإمام ناصر الدين الألباني، في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فإن العلماء قد اختلفوا في تحديد ذلك الاسم للكثير من الآراء المختلفة، منها الرب والحي القيوم.

ولكن يذهب أكثر علماء الإسلام، إلى أن الاسم الأعظم المقصود في الأحاديث النبوية، هو الله، وذلك لأنه اسم يدل على جميع أسمائه وصفاته تعالى، وهو اسم لم يُطلق على أحد غيره عز وجل.

المراجع: القرآن الكريم؛ الكتاب المقدس؛ من كتب التوراة؟ ريتشارد إليوت فريدمان؛ خفايا التوراة، كمال صليبا؛ الفتاوى، ابن تيمية؛ سنن ابن ماجة؛ سنن الترمذي؛ سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، الألباني؛ ذرية إبراهيم روبن فايرستون.

*باحث مصري

المصدر: رصيف22




صـورة الإســلام والمسلمين فـي المتخيّـل الأوروبـي فـي القرون الوسطى

download

 

مقدمة

اختزنت الثقافة الغربيّة منذ القديم تصوّرات عن الإسلام والمسلمين تعود إلى بداية ظهور الدعوة، وما تبعها من تمدّد الدين الجديد في الشرق البيزنطي (مصر وبلاد الشام) ومن ثمّ إلى القارة الأوروبية، بعد اكتساحه لشبه الجزيرة الأيبيريّة وتهديده ببسط النفوذ على جنوب أوروبا.

وإنّ استشعار الخطر القادم من الشرق قد دفع مؤرّخي الغرب الأوروبي إلى الترويج لفكرة تقوم على اعتبار ظهور الإسلام، غضبا إلهيّا مسلّطا على عالم مسيحي لم يعد متمسّكا بدينه، وقد نهض المؤرّخون البيزنطيّون بالخصوص، بمهمّة التسويق لهذه الفكرة، حيث قاموا بدور بارز في تدعيم الجهل بالإسلام وعقيدته، وعملوا على تغذية المخيال الأوروبي – على المستوى النفسي- بكمّ كبير من التشويه عن الإسلام ونبيّه[2]

ولعلّ تأصّل هذه الفكرة في الذهنيّة الغربيّة قد أوجد سيكولوجيّة عامّة كارهة للإسلام وأهله، تراه عدوّا لا سبيل إلى التعامل معه، باعتباره دين عنف وقسوة ودمويّة[3].

هكذا، ومنذ البدء يتضح أثر التراكمات التاريخيّة في تشكيل طبيعة العلاقة بين المسلمين والنصارى، وفق صور نمطيّة رسمها كل طرف للآخر، تعود جذورها إلى فترات زمنيّة سابقة بلغت مداها مع الصليبيّات، وعبّرت عن نفسها بوضوح أكثر من خلالها.

وإنّ استقراء هذه الصور النمطيّة وتفكيك أبعادها قد مكّن من فهم لحظة الصراع بين الطرفين، وهي لحظة فارقة في التاريخ الوسيط، بحكم ما ترتّب عليها من نتائج، لعلّ أهمّها تراجع الحضارة العربية الإسلامية وانحراف مسار التطور الحضاري منها إلى الغربي المسيحي من جهة، كما مكّنت من النبش في الذاكرة لربط هذه الصور (لدى الجانب الأوروبي تحديدا) بالمرجعيات والروافد التي منها تغذّت من جهة ثانية.

1- الصورة النمطيّة للإسلام والمسلمين في المخيال المسيحي:

لقد وجد الغربيون على مدى العصور الوسطى في الإسلام والمسلمين مادة خصبة، حبّروا في شأنها الكثير، كثرة ساهمت في إيجاد نموذج نمطيّ متخيّل، بات من ثوابت التوجّه المسيحي لا يتزحزح عنها، وقد يعود هذا إلى أنّ الأوروبي، كما صرح برنارد لويس Bernard Lewis “هو الأكثر تعصّبا تجاه المسلم”[4]. وحَسْبُنا قراءة متأنية لمدوّنات المؤرّخين والرحّالة المسيحيين ممّن عاصروا الحروب الصليبية لنقف على استنتاج مهم، وهو أنّ هذه المدونات أو أغلبها، صادرة عن شعور بالعداء للطرف المسلم، فجاءت متخمة بالنعوت المنفرة من المسلمين من قبيل وصفهم بـ”الجنس الشرير” و”أعداء الله” و”البرابرة الوثنيين” و”القتلة” و”سفاكي الدماء” و”أتباع الشيطان”[5] و”الأمم النجسة”[6] وغير ذلك من العبارات التي زخرت بها قواميس القذف والشتم في تلك المرحلة.

إن هذه اللهجة المتشنجة لا يمكن أن تكون وليدة الفترة الصليبية وحدها، بل هي رجع لصدى الماضي الذي يعود بنا إلى بداية تشكّل الظاهرة الإسلامية، وصور التعامل المسيحي معها. فعندما تحوّل العرب من الوثنية إلى الإسلام في القرن السابع الميلادي لم تكن أوروبا في بادئ الأمر، تلحظ ذلك التحول، ويبدو أنه لم تطرح إلا أسئلة قليلة عن هذا الدين الجديد وأتباعه الذين اعتبرتهم المسيحية غير مختلفين عن بقية الشعوب البربريّة الأخرى، وأن دينهم لا يتجاوز كونه تعبيرا عن “هرطقة”[7] مسيحية جديدة، ولذلك، فليس ثمة حاجة تدعو إلى المزيد من المعلومات عنهم في هذا الوقت المبكر[8].

لقد اختزلت خطبة البابا “أوربانوس الثاني”Urbanus II (1042-1099) في مدينة “كليرمونت” الفرنسية سنة 1095م[9] الصورة التي يحملها المخيال المسيحي عن الإسلام والمسلمين، وهي صورة تشكلت بالتدريج عبر الزمن حتى اكتملت أبعادها عشية الحادثة الصليبية، وقد كان من الضروري تبسيطها وإعطاؤها طابعا نمطيا عدائيا، مع تنامي الحاجة إلى إشباع نفسي لدى الشارع الغربي الذي وقعت تعبئته بشكل أصبح معها راغبا في صورة تبيّن الصفة الكريهة للإسلام، عن طريق تمثيله بشكل فجّ على أن تكون في نفس الوقت مرسومة بشكل يرضي الذوق الأدبي الميّال إلى كل ما هو غريب مستهجن.

وهكذا، حدث أن الكتّاب اللاتينيين الذين أخذوا على عاتقهم بين العام 1100 والعام 1140م إشباع هذه الحاجة لدى الإنسان الغربي، قد عمدوا إلى توجيه اهتماماتهم نحو إطلاق أوصاف عدائية على المسلمين، تنتمي كلها إلى معجم القذف والشتم والسخرية مثل “السراقنة[10] Saracens” و”الوثنيين Pagans” و”الكفار Infidelss” و”المحمديين Mouhammadanss” … إلى غير ذلك من النعوت والأوصاف التي لم يرد ضمنها على الإطلاق لفظ “المسلمين Musulmans”.

و لقد قدّر لهذه الصورة أن تتجاوز حدود التدوين التاريخي، لتصبح مادة مطلوبة لكثير من الأعمال الأدبية الفلكلورية والقصص البيزنطيّة، هدفها الوحيد إثارة اهتمام القارئ بالعرض المشوّه للعقيدة الإسلامية، بل إن الملاحم قد وصلت – في علاقة بهذا الهدف – إلى أعلى ذرى الابتكارات الخياليّة، فقد اُتُهم المسلمون بعبادة الأوثان، وكان محمد في عرف تلك الملاحم صنمهم الرئيسي، واعتبره معظم الشعراء البيزنطيين كبير آلهة المسلمين، تقام له تماثيل ضخمة تصنع من مواد غنية وذات أحجام هائلة[11] ولدينا وصف معبّر للمسلمين، رسمته كلمات المؤرخ الصليبي فوشيه دى شارتر Foucher De Charters (1055/1060-11277) الذي كان شاهد عيان لمعظم أحداث الحملة الصليبية الأولى، وهو وصف معبر عن رؤية المصادر الغربية عموما في ذلك الوقت المبكر من أدوار الصراع الصليبي الإسلامي، يقول: “كانوا (ويقصد المسلمين) يبجّلون معبد الرب تبجيلا عظيما ويفضّلون تلاوة الصلوات فيه، غير أن هذه الصلوات كانت تضيع سدى لأنها تقدّم إلى صنم أقيم هناك”[12].

والثابت أن هذا المؤرخ قد خلط بين الاحترام الذي كان المسلم يكنّه لمسجد قبة الصخرة (معبد الرب في التسمية الصليبية) وبين العبادة فيه بإقامة الصلوات، وتلك مغالطة، الغاية منها التشويه الذي جاوز حدّه، بتعمد الطرف المسيحي الترويج لفكرة أن المسلمين لم يكن لهم دين يدينون به، من ذلك إشارة فوشيه دي شارتر سالف الذكر والذي ردد في أكثر من موضع في كتابه “يا له من عار على المسيحيين أن يلومنا مَنْ لا دين لهم على ديننا”[13] كما نستحضر قوله في حيّز آخر “يا له من عار إذ قام جنس خسيس مثل هذا الجنس (يقصد المسلمين) جنس منحلّ تستعبده الشياطين بهزيمة شعب يتحلّى بإيمان عظيم”[14].

إن هذه القسوة التي تميز بها المسيحيون في الأدوار الأولى من الحروب الصليبية تعبير عن المستوى الحضاري المتعصب الذي عاشه مجتمع أوروبا في تلك المرحلة، حيث تمّ شحذ أذهان الناس بأن المسلمين ليسوا أهل دين وما محمد نبيهم إلا “ذاك الشخص المثير للجنون، وعد أصحابه بالملذات الحسية من مأكل وجنس…وحتى كلامه عن قوى روحيّة لم يستند إلى وقائع برهانية قويّة، بل هي ثرثرات يفندها العقل البشري البسيط…ما هو إلا شخص جاب بسيفه كاللصوص ربوع الصحراء، حيث خشيته الشعوب هناك، مستهزئا بقصص وثرثرات ما قبل النوم المأخوذة من حكايات العهد القديم”[15].

ولم تكتف المخيلة المسيحية بتضخيم عقيدة المسلم وتشويه سلوكه ونمط حياته، بل أضافت إلى ذلك اعتبارات سيميولوجية تتعلق بلونه وهيأته، إلى درجة كثفت فيها صورة المسلم في العصر الوسيط مخاوف اللاوعي الجمعي المسيحي لإنتاج ردود فعل رافضة للإسلام في كليته، وخلق شروط التعبئة النفسية لمحاربته.

تلك تصورات نراها مزيجا بين العنصرية والانغلاق على الذاتية تجاه الآخر، معتنقي عقيدة محمد وقد تم تصويرهم على أنهم أناس أغبياء يعيشون في الفيافي يتقاتلون فيما بينهم، جاهلين بعقيدة الرب المسيحي.

والواقع أن هذه الصورة التي تمثلتها أذهان العامة من المسيحيين رجع صدى للدعاية المحمومة التي قادتها البابوية أثناء الحروب الصليبية، على أن أخطر ما فيها إسهامها في تأبيد الموقف النافر من الإسلام والمسلمين حتى أيامنا هذه. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأن مرجعياتها اعتبارات دينية محضة، أو مدّ وجزر عسكريين فقط، لأن المدى الزمني الطويل الذي تشكلت فيه هذه الصورة لم يكن خاضعا لحسابات المؤسسة الكنسية وحدها وهو ما يفسّر عدم قدرة المخيلة الغربية، وربما عدم رغبتها في تجاوز الأحكام المسبقة عن الإسلام والمسلمين، رغم الاقتناع بحجم التشويهات التي اتصفت بها.

2- الروافد والمرجعيات:

في العصور الوسطى، استثمر الغرب المسيحي كل الوسائل الكفيلة بتكوين متخيل جمعي يعلي من شأن الذات، ويقدم الآخر في أشكال منتقصة شيطانية، محفزة على الإيمان بعدوانيته وشراسته إلى الدرجة التي يصل فيها الاعتقاد بأن مواجهة الإسلام “حرب على الظلام قصد إشاعة الأنوار”[16].

وسواء أكانت هذه العملية “إيديولوجيا” أو “دعاية” فإن ما أثار الانتباه عند الباحثين المهتمين، استعمالهم الكبير لقاموس المتخيل أو المخيلة، أو الإدراك، أو الصورة النمطية، وهو ما يضعنا مباشرة في قلب الإشكالية التي تحركنا منذ البداية باعتبار ما للمتخيل من دور حاسم في تشكيل النظرة الغربية القروسطية للإسلام والمسلمين. فإذا كانت الحضارات تنتصر – كما يزعم فرنان بروديل Fernand Braudel (1902-1985) لأنها تعرف كيف تمارس كراهيتها للآخرين، فهل يصحّ القول حينئذ، بأن التشويه الذي تعرض له الإسلام من طرف الأوروبيين عبّر عن حاجة ضروريّة “للتعويض عن شعورهم بالنقص”[17]. بمعنى هل أن التعبئة المسيحية حين قرنت الإسلام بالظلام والمسيحية بالنور، زرعت في الوجدان المسيحي الشعور بضرورة الانتصار على النقص لهزم الظلام الإسلامي؟ الجواب في هذه الحالة، أنه مهما كانت قوة الإسلام والمسلمين فإن المسيحيين من جهتهم قد ترسّخت لديهم القناعة بتفوقهم بفضل دينهم[18] ومن ثم فإن الصورة المشوهة عن الإسلام يتعين النظر إليها بأنها “إسقاط للجانب المظلم في الشخصية الأوروبية”[19].

إن التصور المسيحي للإسلام، أو ما يمكن لنا التعبير عنه بالوعي الضدّي بالآخر جاء نتاج الأدبيات التي وضعها رجال الكنيسة، وعلماء الكلام، والمؤرخون، والدعاة، لسبب بسيط وهو أن الرهبان والكهان وموظّفي الكنيسة الكبار هم الذين يدعون امتلاك مفاتيح المعرفة، وبعهدتهم وحدهم تناط تربية المؤمنين بكتاباتهم ودعواتهم[20].

في هذا السياق يشير “أليكسي جورافسكي Alex Georavsky” إلى أن تعرّف أوروبا على الكتابات الدينية والجدليّة المناهضة للإسلام قد مرّ عبر النموذج البيزنطي بالدرجة الأولى[21]، أي أنه مهما كان دور المسيحيين الشرقيين في التمهيد لعناصر الصورة المسيحية عن الإسلام فإن الوساطة البيزنطية أعطت لكثير من هذه العناصر بعدا ينشّط المخيلة ويحرّك الوهم أكثر مما يستدعي النظر العقلي الهادئ. وإن الإطار المرجعي لهذه الوساطة البيزنطية تمثله الأعمال التي تركها يوحنا الدمشقي John de Damas Jean Damascéne /(676م – 749م)[22] وكان الإسلام موضوعا لها.

● مقولات يوحنا الدمشقي رافدا من روافد المتخيّل:

لئن كانت نشأة يوحنا الدمشقي في بيئة عربية بيزنطية وإسلامية، فإنه ساهم بقدر مهم في إثراء الجدل الكلامي بين الإسلام والمسيحيّة، وإضفاء نوع من “العقلنة” على نمط المناظرة الذي دار حول قضايا لاهوتية بين علماء الكلام المسلمين وعلماء اللاهوت المسيحيين.

غير أننا نشير إلى أن يوحنا الدمشقي ساهم بشكل تأسيسي في رسم بعض ملامح المسلم، ذلك أنه حاول التشكيك بكون الإسلام دين إبراهيم من خلال وصفه المسلمين على نحو لا يخلو من مخاتلة بـ “السرااقنة”، فهو أول كاتب بيزنطي استخدم هذا التشويه الإيتمولوجي لأغراض الجدل العنيف وتحفيز الذاكرة، كما وصف المسلمين بـ “المفسدين”، وصوّر من جهة ثانية النبي محمدا على أنه واحد من “أتباع بدعة أريان” وبأنه استقى من الآريانية[23]Arianismee العقيدة التي تفيد بأن “الكلمة” و”الروح” لا يعدوان كونهما مخلوقين لله، واقتبس من النسطوريّة Nestorianisme[24] ما يتعلق بعدم تأليه الابن المتجسّد[25]، كما اعتبر يوحنا القرآن نتاجا “لأحلام اليقظة” والنبي محمدا “شخصا مضللا” وينتقد بقوة ما يعتبره “معاملة لا تليق بالنساء من قبل المسلمين”[26] ثم ينتهي معددا أهم الممارسات والمحظورات في الإسلام على الشكل التالي: الختان، عدم اتخاذ يوم السبت للراحة والعبادة، إلغاء المعمودية، إحداث تغيير في محرّمات الطعام ومنع شرب الخمر[27]. وبغض النظر عن التأثير الذي كان ليوحنا الدمشقي على المناخ الجدلي الكلامي الإسلامي، أو عن انتمائه “السامي” و”ثقافته السوريّة” أو حتى الاحترام الذي تمتع به من قبل المسلمين والمسيحيين، فإن هذا الرجل في نظر بعض الباحثين قد ناقش الإسلام “باعتباره بدعة”[28] بل إن “التصورات المتكونة عن الإسلام كبدعة مسيحيّة مرتدّة ومنشقّة، وعن محمد كنبيّ مزيّف انتقلت من سوريا إلى البيزنطيين ومنهم إلى الأوروبيين عبر شخصه”[29].

إن المتخيّل المسيحي في الزمن الوسيط قد بلور الصورة التالية عن الإسلام: “إنه عقيدة ابتدعها محمد، تتسم بالكذب والتشويه المتعمد للحقائق، إنه دين الجبر والانحلال الخلقي والتساهل مع الملذات والشهوات الحسية، إنها ديانة العنف والقسوة”[30].

يُرجع الدارسون عنف الأحكام المتخيلة على الإسلام إلى طبيعة الشغف الإسلامي وما تولد عنه من إرادة القوة المتطلعة إلى انتزاع مناطق شاسعة من السيطرة المسيحيّة. ولم يمنع احتكاك المسيحيين الشرقيين بتحولات الواقعة الإسلامية وبنصوصها التأسيسيّة حرص الوساطة البيزنطية على تنشيط متخيل عدائي للإسلام أفضى إلى تكوين الصور النمطية المؤسسة للوعي واللاوعي المسيحي طيلة الزمن الوسيط”[31]

لقد خضعت هذه الصور النمطية إلى تطور خاص، تبعا لسيرورة المد الإسلامي، ولطبيعة النزاع الذي شهدته المنطقة المتوسطية وما جاورها بين الإسلام والمسيحيّة. ويجمع الباحثون على أن الإدراكات والصور الأولى التي كونتها المخيلة المسيحية عن الإسلام كانت باهتة وغامضة ولا تستند – باشتثناء حالات قليلة محددة مثل حالة يوحنا الدمشقي – إلى اطّلاع ومعرفة كافية بأصول الإسلام ونصوصه التأسيسيّة.

وفي كل الأحوال، فإن المسلمين شكلوا – ولمدة طويلة – بالنسبة إلى الغرب المسيحيّ “خطرا قبل أن يصبحوا مشكلة”[32]. وضمن جدلية المد والجزر هذه، والاحتكاك العنيف أحيانا، بدأت الصور المسيحية عن الإسلام تتحدد أكثر، دون أن يعني ذلك اقترابها أو مطابقتها للوقائع. فكلما توغّل الإنسان عميقا للبحث عن الأصول المباشرة لهذه الصور إلا صعب عليه التمييز بين ما هو واقعي وما هو متخيّل، بل إن البعد الأسطوري لهذه الصور يغدو حاسما في إعادة إنتاجها وتكريس معانيها في أعماق اللاوعي الجمعي، خصوصا أنها تعلقت بمنظومة دينية وثقافيّة تحمل كل عناصر الضدية بالنسبة إلى المسيحيّة.

إن ارتباط نمط الإدراك بالخلفيّة الدينية ينشّط لا محالة آليات المتخيل، ويجعل البعد الأسطوري يعيش حياة خاصة يغدو فيها الواقع بعدا يصعب القبض عليه، بل تصبح للأسطورة وظيفة تفسيرية لا يهم فيها إن كانت صائبة أو خاطئة، تعكس الواقع أو تشوّهه “مادامت قدرتها على التمثل تفرض ذاتها على الذاكرة الجمعيّة، وتجثم بكل ثقلها الواقعي على المستقبل.

هكذا، تساهم الأسطورة في تأسيس سلوكات في العمق، وبهذه الصفة تغدو مشاركة في الواقع[33].

3- مضامين الرؤية المسيحيّة القروسطية للإسلام:

نشير بدءا إلى أنّ العنف المتخيل والقسوة في الحكم على الإسلام والمسلمين قد استدعته شروط تنظيم الهجوم المضاد المسيحي على المد الجارف للتوسع الإسلامي، وهو تمدد كاسح شكل أكبر تهديد للوجود المسيحي في البحر الأبيض المتوسط، بل إنه أحدث قطيعة حاسمة بين المرحلة الرومانية التي كانت ترى في المتوسط مركز العالم والفضاء الاستثنائي للمسيحيّة وبين واقع جديد أعطى للعلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي أبعادا عميقة في العقل والوجدان، مما جعل المؤسسة الكنسيّة تشعر بحسرة لا متناهية على فقدان وحدتها الجغرافيّة والروحيّة.

وضمن هذا السياق، تندرج الحرب الرمزية والنفسية من خلال الانتقاص من كل مظاهر الواقعة الإسلامية نصوصا ونبيّا وحضارة وإنسانا، لإعادة بناء الوعي المسيحي بالذات، في سياق خلق صور قدحيّة للآخر، قصد التعويض عن الفقدان الكبير الذي أحدثه الإسلام في منطقة تعتبرها المسيحية مجالا حيويا منذ القديم. ولذلك عملت الظاهرة الصليبية بمراحلها المختلفة على “تكثيف الصور الأولى التي كونتها المسيحيّة الأوروبية عن الدين المنافس”[34]، وقد نجحت في ذلك إلى أبعد مدى لصدورها عن تأويلات وأخبار مغرضة ضد الواقعة الإسلامية تعكس بشكل ما، ذلك الشعور العميق بما سماه فرنان بروديل الكراهية.

إنّ أبعاد الصورة النمطيّة المشوّهة تمتدّ لتلامس أفقا تخييليا رحبا لم يضق به الوجدان المسيحي، بل استوعبه وتَمثَّله بشكل أرضى في داخله نزعة الحقد والتشفي. ونقتصر في عرضنا لهذه الأبعاد المشكلة لتلك الصورة على المسلّمات التالية:

  • الإسلام دين الوثنية: نسج الغرب المسيحي في الزمن الوسيط خطابا حول الإسلام تداخلت فيه المعلومة المنتزعة من سياقها وواقعها بالخيال المتدفق بالميل المقصود إلى التشويه، وتقديم الإسلام بكل الأشكال المتناقضة مع ماهيته وأصوله. ففي الوقت الذي نجد فيه الإسلام يتأسس على التوحيد قاعدة دينيّة ثابتة، نجد الخطاب المسيحي مراهنا على الترويج لما هو مناقض لهذه القاعدة بالذات، من خلال الادعاء بأن الإسلام ديانة وثنية تدعو إلى التعدد، ومؤسسها دجال وساحر ومنشقّ، وفي كل الأحوال لا يمكن أن تنطبق عليه صفات النبوة المشكوك فيها أصلا، لأن القول بأن محمدا أرسل إلى الناس لتصحيح التحريف الذي طرأ على اليهوديّة والمسيحيّة، وبأن كل ما هو جيّد في الإنجيل موجود في القرآن قول باطل لأن ذلك ينمّ عن “ادّعاء وجنون أكيد”[35].
  • الإسلام دين العنف: هو دين شعاره السيف والحرب والقتال، وهي صفات تمثل النقيض المباشر للمسيحيّة، إذ المسلم يتقدم إلى مساحة الإدراك المسيحي الأوروبي باعتباره رجلا محاربا، شرسا، متوحشا، يقوم بكل أنواع النهب والتنكيل خالقا بذلك وراءه تعاسة وشقاء لا يوصفان، فيصبح المسلم ممثلا لكل التعبيرات العدوانية، يحركه ميل قويّ للقتل حتى أصبحت القوة عنده، وعلى نطاق عام تقريبا، عنصرا مؤسسا للديانة الإسلامية وعلامة بديهية على الضلال[36].
  • الإسلام دين الشبقيّة: عمل رجال الكنيسة المسيحيين على بناء سيرة ذاتية للنبي محمد خاصة بهم، لعبت فيها المخيلة دورا حاسما في إنتاج الصور واختلاق الأخبار بدمج بعض التفاصيل القريبة من الصحة في قالب متخيل يجعل من التهويل والتضخيم قاعدة له، ومن توليد النفور والرفض غايته. فالنبي محمد عندهم رجل “شبقي” ينغمس في عوالم اللذة بشكل عبثي، يقول بتعدد النساء وبالتمتع بالحياة معهن، وفي العرف المسيحي الداعي إلى الورع والتقشف والتعالي عن اللذات والامتناع عن الزواج يمثل هذا السلوك قمة التفسخ والانحلال الأخلاقي، وهو ما استغله المسيحيون في كتاباتهم للتشكيك في نبوة الرسول، من منطلق إدراكهم بأن التحامل عليه، بما لم يثبتوه فيه بالدليل، أحسن وسيلة لنسف الإسلام، وتدمير صدقية رسالته، وزرع الشك لدى معتنقيه الذين يبقى الأمل في مشروعا تبشيريا قائما.

ولاستكمال المشهد، التجأت المخيلة المسيحية الغربية إلى استثمار كل أشكال التجريح والدعاية، وفي هذه الصورة كما في الصورتين السابقتين ينشط المتخيل بشكل لا حدود له قياسا إلى واقعيّة الأمور.

لقد نُعت المسلمون بكونهم يمارسون الشذوذ الجنسي، ولا يتورعون في جعل الجنس مسألة حيوية في علاقاتهم ووجودهم، وهذا ما يعبّر عن ضعفهم وعجزهم أمام غرائزهم وأهوائهم، فكيف لنبي ولمن اتبعه أن يدّعي الإتيان بمشروع إلهي وهو غير قادر على الترفع عن غرائزه البسيطة، والتحرر من إغراءات اللذة والحياة العابرة؟

خاتمــة:

إن الخطاب المؤسس للنظرة المسيحيّة للإسلام في القرون الوسطى ارتهن بقاموس لفظي كان فيه للوهم والمتخيل دور حاسم، فالوعي الضدّي بالآخر والإدراك القويّ للمنافسة، وما يفترضه ذلك من الاحتفاظ بالوجود ولّدا لدى المؤسسة الكنسيّة الشعور بضرورة القيام بردّ الفعل، فالتجأت من أجل تحقيق ذلك إلى كل الوسائل لشحن المتخيل الجمعي بالصور المضادّة للحقيقة المسيحية، سواء أقدمت هذه الصور في أشكال متخيلة تشوّه الإسلام باعتباره عقيدة، أو صورا كاريكاتوريّة تضخّم بعض الجوانب الواقعيّة، وتصوغها في قالب لا أخلاقي منفّر أو في صور انتقائيّة تجعل من بعض المواقف الإسلاميّة، ولا سيما في موضوع الجنس فرصة للتهويل لإنتاج ردود أفعال رافضة لهذا الدين، وخلق شروط التعبئة النفسية والمعنويّة لمحاربته.

 


([1]) نشر في ملف بحثي بعنوان “الاسلام في الغرب”، إشراف بسّام الجمل، تنسيق أنس الطريقي.

[2] محمد الدعمي: “تحيّز الغرب لتصوراته في قراءة الإسلام” مجلة الكلمة، العدد23، السنة السادسة، 1999. (من الموقع الإكتروني للمجلة).

[3] أليكسي جورافسكي: “المسيحيّة والإسلام” ترجمة: خلف محمد الجواد، سلسلة عالم المعرفة، طبعة الكويت 1996، ص 87. وتعتبر الدراسة من أفضل ما كتب عن تطور الرؤية الأوروبية للإسلام في العصور الوسطى.

[4] برنارد لويس: “اكتشاف المسلمين لأوروبا” ترجمة وتقديم: ماهر عبد القادر محمد، المكتبة الأكاديمية، القاهرة 1996، ص 49

[5] منى حماد: “صورة المسلمين في المصادر اللاتينية للحملة الصليبيّة الأولى” مجلة أبحاث اليرموك، سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، مجلد13، عدد1، 1997، ص 259

[6] وردت هذه العبارة في خطبة البابا أوربانوس الثاني في مؤتمر كليرمونت المدينة الفرنسية سنة 1095، وهي خطبة اكتست بعدا حماسيا لاهبا الغاية منها تعبئة المسيحيين وتحفيزهم على محاربة المسلمين تخليصا للقبر المقدس/ للمزيد: أحمد الشامي، تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى، ط11، دار النهضة العربية، القاهرة 1985، ص 192

[7] الهرطقة: يطلق عليها أيضا لفظ الزندقة، وهي تغير في عقيدة أو منظومة معتقدات مستقرّة وخاصة الدين بإدخال معتقدات جديدة عليها أو إنكار أجزاء منها بما يجعلها بعد التغيير غير متوافقة مع المعتقد المبدئي الذي نشأت فيه هذه الهرطقة، وقد نشأت الهرطقة مفهوما في السياق المسيحي لكنها تنطبق في سياقات مختلف العقائد الدينية منها أو غيرها، وفي الإسلام تستخدم الزندقة أو البدعة للدلالة على ذات المعنى في سياق الجدل الكلامي بين مختلف الفرق.

[8] أول من بحث في هذا الموضوع هم المسيحيون الإسبان، وهي ريادة تحسب لهم لأسباب بديهية وهي أن سيطرة المسلمين على شبه الجزيرة الأيبيريّة دفعت هؤلاء الباحثين إلى إخضاع هذا الدين ومعتنقيه إلى الدراسة والتمحيص.

[9] اجتمع المجلس التاريخي بمدينة كليرمونت في مقاطعة أوفرني الفرنسية في نوفمبر من العام 1095م، وألقى البابا أوربانوس الثاني خطبة حماسية لاهبة عدّها بعض المؤرخين الأعظم في تاريخ العصور الوسطى، غايتها التعبئة والحشد لزحف صليبيّ مقدّس قصد تحرير أماكن الحج المسيحي من سيطرة المسلمين، ونقتطف من كتاب “قصة الحضارة” بعض ما جاء في هذه الخطبة: “على مَنْ إذن تقع تبعة الانتقام لهذه المظالم، واستعادة تلك الأصقاع إذا لم تقع عليكم أنتم، أنتم مَنْ حباكم الله أكثر من أي أقوام آخرين بالمجد في القتال وبالبسالة العظيمة وبالقدرة على إذلال رؤوس مَنْ يقفون في وجوهكم، ألا فليكن من أعمال أسلافكم ما يقوّي قلوبكم، أمجاد شارلمان وعظمته وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم…فليثر همتكم ضريح المسيح المقدّس، ربَّنا ومنقذنا، الضريح الذي تمتلكه الآن أمم نجسة، وغيره من الأماكن المقدّسة التي لُوّثت ودُنِّست …” لمزيد الاطلاع على ما ورد في نص الخطبة آنظر: وول ديورانت: “قصة الحضارة”، طبعة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، بيروت/ تونس 1998

[10] كثرت الآراء والاجتهادات في العصر الحديث حول تفسير معنى السراقنة والمقصد منها، فقد أرجعها البعض إلى أنها تعني “عبيد سارة” في إشارة إلى أن المسلمين هم من نسل هاجر زوجة النبي إبراهيم الثانية وكانت أَمَةً لدى السيدة سارة زوجته الأولى.

[11] محمد مؤنس عوض: “الرحالة الأوروبيون في مملكة بيت المقدس الصليبيّة”، ط1، شركة دار الإشعاع للطباعة، القاهرة 1992، ص 57

[12] المرجع السابق، ص 103

[13] محمد مؤنس عوض: مرجع سابق، 104

[14] المرجع نفسه والصفحة نفسها.

[15] أحمد الشامي: “تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في القرون الوسطى”، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة 1992

[16] W.Montgomery Watt; L’Influence de L’Islam Pour L’Europe Médiévale, Ed. Librairie Orientaliste Paul Genthmer; Paris 1974; P97.

[17] Ibid; P97.

[18] Ibid. P97.

[19] ibid. P97

[20] Simon Jargy, Islam et Chrétienté; Ed, Labor et Fides, Géneve 1981, P9.

[21] أليكس جورافسكي: “المسيحيّة والإسلام” ترجمة خلف محمد الجراد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1996، ص 71

[22] يوحنا الدمشقي الملقب بـ” دقاق الذهب” لفصاحة لسانه، ولد باسم يوحنا منصور بن سرجون عام 676م وتوفي سنة 749م، يعتبر آخر آباء الكنيسة الشرقية بإجماع الباحثين، شكلت مؤلفاته مرجعا مهما لجميع لاهوتيّ القرون الوسطى، قضى حياة رهبانية نسكيّة طويلة وشاع نبأ قداسته في المسيحيّة الشرقية مبكرا. لمزيد الاطلاع على حياته وآرائه وآثاره، اُنظر: فيليب حتّي “تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين” ترجمة كمال اليازجي، دار الثقافة بيروت 1983، ص 116

[23] الآريانية، مذهب مسيخي ظهر في القرن الرابع الميلادي على يد كاهن من الإسكندرية اسمه آريوس (256م – 336م) يرى أن يسوع كائن فانٍ، وليس إلها بأي معنى وليس شيئا آخر سوى كونه معلما يوحى إليه، ومن الطوائف المسيحيّة التي تأثرت بهذه العقيدة “الوحدويون” طائفة منشقّة عن المعتقدات التقليدية في الديانة النصرانية، حيث لا تؤمن بألوهية المسيح ولا بالثالوث. ويعدّ آريوس من وجهة نظر الكنيسة الأرثودكسية هرطقيا أو زنديقا شكّل خطرا على العقيدة المسيحيّة طوال القرون العشر الأولى من تاريخ المسيحيّة. لمزيد الاطلاع، اُنظر: نهاد خيّاطة: “الفرق والمذاهب المسيحيّة حتى ظهور الإسلام”، دار الإوائل، دمشق 2002، ص 81

[24] النسطوريّة: نسبة إلى “نسطور” بطريرك القسطنطينية، وهي العقيدة القائلة بأن يسوع المسيح مكوّن من جوهرين يعبّر عنهما بـ “الطبيعتين” وهما جوهر إلهي هو الكلمة وجوهر إنساني بشريّ هو يسوع نفسه، وحسب النسطوريّة لا يوجد اتحاد بين الطبيعتين البشريّة والإلهية في شخص يسوع المسيح، بل هناك مجرد صلة بين الإنسان والألوهيّة. لمزيد الاطلاع، اُنظر: عبد الملك خلف التميمي: التبشير في منطقة الخليج العربي، دراسة في التاريخ الاجتماعي والسياسي، 1982، ص 81

[25] دانييل ساهاس: الشخصيّة العربيّة في الجدال المسيحي مع الإسلام” مجلة الاجتهاد، العدد28، 1995، ص ص 126- 127

[26] المرجع السابق، ص 128

[27] المرجع السابق، ص 129

[28] أليكس جورافسكي، مرجع سابق، ص 71

[29] المرجع السابق، ص 73

[30] المرجع السابق، ص 75

[31] لم تكن الكنيسة المسيحية منسجمة ولا موحّدة، حيث كانت هناك فوارق عقائديّة ومؤسسية كبرى بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الأوروبية إلى درجة أن زوج “شرق/غرب” كان يعبر عن المسيحية نفسها قبل أن تنهض شروط التعارض بينها وبين الإسلام، ولأن تأويلات مختلفة كانت تعتمل داخل العقيدة المسيحيّة، فإن ما يهمنا نحن هنا هو الصور المشتركة التي أنتجتها المخيلة المسيحية حول الإسلام.

[32] Maxime Rodinson: La Fadcination De L’Islam; Ed. La decouverte, Paris 1989, P35.

[33] تييري هنتش: “الشرق المتخيل، رؤية الغرب إلى الشرق المتوسطي”، ترجمة غازي برّو وخليل أحمد خليل، الطبعة 1، دار الفارابي، بيروت 2004، ص 14

[34] تييري هنتش: مرجع سابق، ص ص 35-39

[35] Norman Daniel: Islam et Occident , traduit par Alain Spiess, Ed Du Cerf,Paris 1993, P49.

[36] Ibid. P 151.

 

المصدر: مؤمنون بلا حدود




المهدي الموعود بين الأديان المشرقية والأساطير الغربية

download

 

محمد يسري

 

سوشيانت.. المسيح.. المنتظر.. الموعود.. المهدي

كل تلك المسميات المختلفة، هي في حقيقة الأمر بمثابة تجسيد لفكرة واحدة، وهي تلك التي تؤمن بأن هناك شخصًا ما سوف يأتي في آخر الزمان ليصحح الأوضاع وينصر أهل الحق على أعدائهم من أهل الباطل.

ونستطيع أن نجد تواترًا عجيبًا لتلك الفكرة على امتداد التاريخ الإنساني في العديد من الأديان الأرضية والسماوية على السواء.

فالكثير من الأديان الشرقية الأسيوية القديمة تبنت فكرة المهدوية وانتظار الشخص الموعود في أدبياتها الأصيلة وكتبها المقدسة، فعلى سبيل المثال تواترت تلك الفكرة في الأديان البوذية والهندوسية والمزدكية، ولعل التجلي الأكبر لتلك الفكرة قد حدث في الديانة الزرادشتية التي انتشرت في بلاد فارس منذ ما يقرب من أربعة آلاف عام، حيث نجد الزرادشتية تبشر أتباعها بمقدم المخلص المعروف بـ «سوشيانت» الذي سيخلص البشرية من الكبت والحرمان ومن ضغوط الحكام الذين يسعون في الأرض فسادًا[1]، وقد تمت الإشارة إلى ذلك الموعود في عدد من  كتب الديانة الزرادشتية المقدسة، ومنها (كتاب أوستا – كتاب زند – كتاب رسالة جاماست).

أما في الديانة اليهودية، فإن الدارس للعهد القديم سوف يلاحظ أنه لا توجد إشارة واحدة واضحة أو صريحة تشير إلى انتظار مخلص منتظر عند اليهود في أسفار التوراة الخمسة[2]، وان كان هناك عدد من التأويلات المسيحية التي ترى أن عددًا من النصوص في العهد القديم ترمز إلى المخلص، ومن ذلك ما ورد في سفر التكوين حول «شيلون» الذي سيأتي وتخضع له شعوب، حيث تم تفسير كلمة شيلون بمعنى حاكم السلام[3].

وكذلك فقد وردت بعض الإشارات في سفر إشعياء[4] تلمح إلى أنه سوف يأتي زمن يقضي الله فيه على كل الجور والظلم الموجودين في العالم[5].

ومع مرور الوقت وازدياد الاضطهاد الواقع على شعب بني إسرائيل من القوى العظمى التي احتلت فلسطين وأخضعتهم مجبرين لسلطانها، ظهرت فكرة ترى أن أحد أبناء داود الملك سوف يظهر ويحرر العبرانيين من الظلم والجور الواقعين تحته، وأنه سوف يقيم ملكًا عظيمًا، وتم تخليد تلك الفكرة في كل من التلمود والمدراش[6].

ويرى العديد من الباحثين أن فكرة انتظار ملك مخلص من نسل داود هي فكرة فارسية الأصل، وأن اليهود قد اقتبسوها من الديانة الزرادشتية[7].

وبما أن اليهودية لم تهتم بالحياة الأخروية أو مسألة البعث والنشور بعد الموت، فإننا نجد أن المسيح المنتظر في العقيدة اليهودية كان يتم تخيله باعتباره ملكًا قويًا بيده سلطان يستطيع به أن يحقق السعادة والخير لبني قومه على الأرض في حياتهم، ولذلك السبب لم يتقبل اليهود أي شخص يدعي أنه المسيح دون أن تكون معه قوة كافية لتحقيق الملك والسيادة.

ولعل حالة (المسيح عيسى بن مريم) من أكثر الحالات التي تدل على ذلك، فقد رفض اليهود تصديق كونه المسيح المنتظر فناصبوه العداء واتهموه بالكذب، ذلك لأنهم كانوا ينتظرون ملكًاً قويًا يقيم دولتهم ويعيد بناء هيكلهم، فإذا بهم يجدون رجلا مسالما ينزع الى الإصلاح والتطهر دون أن يتخذ مسالك القوة والعنف.

وعبر التاريخ اليهودي الطويل، نجد أن الكثير من اليهود قد ادَّعوا أنهم هم أنفسهم المسيا أو المسيح المنتظر، ومنهم: ثيوداس – يهوذا الجليلي – بركوكبا – شبتاي صبي – يعقوب فرانك[8].

أما بالنسبة للدين المسيحي، فهناك اعتقاد بأن السيد المسيح سوف يعود مرة أخرى إلى الأرض حتى يقوم بمحاسبة البشر على ما ارتكبوا من أفعال؛ فكما ورد في إنجيل متى:

إن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته. وحينئذ يجازَى كل واحد بحسب عمله.[9]

وتعرف تلك العقيدة بـــ «باروسيا»، أي المجيء الثاني أو الظهور الثاني للمسيح. وكما هو واضح، فإنها تختلف كثيرًا عن فكرة قدوم المسيح في اليهودية، فبينما ترى اليهودية في مقدم مسيحها سبيلا لتحقيق السيادة والملك في الدنيا، فإن المسيحية تعتقد أن مقدم المسيح ما هو إلا مقدمة لنهاية العالم.

فإذا ما تركنا الأديان المشرقية بكل ما تحمله من طقوس مبطنة ورموز غامضة، وولينا وجهنا ناحية الغرب الأوروبي، فإننا لا نستطيع أن نزعم أن فكرة المهدية قد ظهرت فيه بشكل كامل أو واضح، ولعل ذلك بسبب ميل الشرق إلى الروحانيات والبواطن في الوقت الذي اتجه فيه الغرب للعكوف على دراسة الماديات والظواهر، ولذلك نجد أنه بينما كانت الفلسفة والمناهج العلمية التجريبية منتجات غربية صرفة، كانت الحكمة والتصوف والعرفان، في الوقت ذاته، ثمار أصيلة للحضارات المشرقية.

ويشرح الدكتور أحمد أمين سبب عدم ظهور فكرة المهدية عند الغرب، بقوله:

إن فكرة المهدية قد سادت الشرق أكثر مما سادت الغرب؛ لأن الشرقيين أكثر أملا وأكثر نظرًا للماضي والمستقبل، والغربيين أكثر عملا وأكثر نظرًا إلى الواقع، فهم واقعيون أكثر من الشرقيين؛ ولأن الشرقيين أميل إلى الدين، وأكثر اعتقادًا بأن العدل لا يأتي إلا مع التدين.[10]

ولكن على الرغم من ذلك، فإن بإمكاننا أن نجد بعض الأفكار والإشارات والإرهاصات الغربية التي ظهرت فيها بعض الجوانب المكونة لنظرية المهدية المشرقية؛ من أهم تلك الإشارات، ما تواتر في الميثولوجيا الإغريقية القديمة عن تنبؤات وتوقعات مستمرة بظهور عدد من الأبطال الذين سوف يغيرون من مصير مدنهم وشعوبهم، وارتباط مصير تلك الشخصيات بإقرار حالة من السلام والهدوء عقب تغلبهم وانتصارهم على قوى الشر، من تلك الشخصيات البطل بيرسيوس الذي استطاع قطع رأس ميدوسا، وأقر حالة من الرخاء بعد وصوله للملك.

كما أن العصور الوسطى في أوروبا، قد ذاعت بها العديد من القصص والنبوءات عن الشخص الموعود الذي سيقوم بفعل معين لا يستطيع شخص آخر أن يفعله، ومن ذلك أسطورة سيف الملك آرثر التي انتشرت بشكل كبير في معظم البلاد الأوروبية، وادَّعت أن المنقذ الموعود سوف يكون قادرًا على نزع سيف الملك آرثر من الصخر، وأنه سوف يحكم بعد ذلك ويقود شعبه للنصر.

وكذلك تسربت تلك القصص إلى كتاب «قرون»، الذي يعد أهم كتب ومؤلفات المنجم الفرنسي الشهير نوستراداموس، فقد ورد في ذلك الكتاب في النبوءة التاسعة والعشرين أنه سوف «ينطلق الزعيم الأسيوي من بلده ليعبر ابينين ويدخل فرنسا، وهو سيعبر السماء والأنهار والجبال ويرغم كل بلد أن يدفع الضريبة»، وفي موضع آخر من الكتاب يقول: «من الشرق، سيأتي القلب الأفريقي لإثارة القلق لهادري وورثة رومولوس».

بل إن تلك الفكرة قد بلغت من القوة والتأثير ما جعلها تخرج من حدود الإطار الديني التقليدي، وتقتحم الفكر الحداثي المادي الغربي، حتى أن السينما الغربية قد تناولتها في واحد من أشهر أفلام الخيال العلمي، وهو فيلم «ماتريكس matrix» الذي جسد فيه الممثل الشهير كيانو ريفز، دور (نيو) الذي هو المعادل الموضوعي لشخصية المسيح أو المهدي في الأديان السماوية.


[1] عباس محمود العقاد، توحيد وأنبياء، ص757.

[2] د. حسن ظاظا، الفكر الإسرائيلي (أطواره ومذاهبه)، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1971م، ص113.

[3] متى المسكين، تاريخ إسرائيل، ص370.

[4] إشعياء، 1:11-16.

[5] روبن فايرستون، ذرية إبراهيم، ص36.

[6] المرجع نفسه، ص37.

[7] د. أحمد شلبي، اليهودية، ص211.

[8] د. حسن ظاظا، الفكر الإسرائيلي، ص131-151.

[9] إنجيل متى 16: 27.

[10] د/أحمد أمين، المهدي والمهدوية، دار المعارف للطباعة والنشر، القاهرة،1951م، ص6.

 

المصدر: اضاءات




رؤية الإمام الصدر للتنوّع الطائفي في لبنان

الإمام موسى الصدر عند البطريرك الماروني انطونيوس خريش على فنجان قهوة وسيجارة في 5-شباط 1975
الإمام موسى الصدر عند البطريرك الماروني انطونيوس خريش على فنجان قهوة وسيجارة في 5-شباط 1975

“حوارات نت” — بقلم: د. هيثم مزاحم – من المسائل التي لفتتني خلال متابعتي لسيرة الإمام المغيّب السيد موسى الصدر هي لقاءاته مع زعماء “الجبهة اللبنانية” المسيحيين خلال الحرب الأهلية، وهم الذين وصفوا في تلك الفترة باليمين الانعزالي وغيرها من التسميات التخوينية. كان مصدر تعجّبي ينبع من كيف أن الإمام الصدر يهادن هؤلاء القادة “الانعزاليين” الذين تحالف بعضهم لاحقاً مع إسرائيل. لكن بعد مرور نحو عقد من الزمن، وانتهاء الحرب الأهلية ضمن تسوية اتفاق الطائف، أدركت حكمة الإمام ورؤيته الثاقبة في إبقاء التواصل مع جميع اللبنانيين وعدم تخوين أو مقاطعة أحد منهم، وذلك لسببين، أثبت التاريخ تحقّقهما. الأول هو أن مقاطعة “الجبهة اللبنانية” آنذاك قد دفع قادتها أو برّر لهم التحالف مع العدو الإسرائيلي. أما السبب الثاني فهو أن انقطاع التواصل والحوار بين أطراف الصراع في لبنان قد ساهم في تعميق الخلافات وتسعير الحرب الطائفية، ما سمح للأطراف الخارجية في التدخل في الصراع لمصلحة هذا الطرف أو ذاك وبالتالي إطالة الحرب، ومنع اللبنانيين من التوصّل إلى تسوية داخلية. لم يكن الامام الصدر زعيماً سياسياً ودينياً تقليدياً للطائفة الشيعية، بل كان مفكراً اسلامياً ومجتهداً مجاهداً وناشطاً ضد نظام الشاه، حيث لعب دوراً كبيراً في نصرة الثورة الاسلامية في ايران، والدفاع عن الامام الخميني حين اعتقله الشاه وقرّر اعدامه.مع ذلك فان السيّد موسى الصدر الذي جاء من ايران الى لبنان في أواخر العام 1959 كعالم دين خلفاً للامام الراحل السيّد عبد الحسين شرف الدين، قد فهم مبكراً فرادة التركيبة اللبنانية، من النظام السياسي والاجتماعي الى تنوّع لبنان الطائفي وأبعاده الحضارية والدينية. ورغم مطالبات الامام بتغيير النظام الطائفي وقيام دولة الانسان والمؤسسات في لبنان، ورغم حركته الاحتجاجية على الحرمان والفقر والظلم الاجتماعي لبعض المناطق في الجنوب والشمال والبقاع، الا أنه لم يدعُ يوماً الى قيام دولة اسلامية في لبنان، كما ذهب لاحقاً بعض الأحزاب والحركات الاسلامية، ومن ثم تراجعوا عن هذه الدعوة بعد ادراكهم قصورها وعدم واقعيتها.
هذه المسألة كانت تؤخذ على الامام الصدر من قبل بعض العلماء والاسلاميين في لبنان وايران الى أن توصل هؤلاء الى قناعة الامام بخصوصية النظام اللبناني وأهمية تعدديته الدينية وتنوّعه الطائفي والمذهبي، وذلك بعدما اصطدموا بالواقع وأدركوا تعقيداته وخصوصية لبنان وموقعه كملتقى للديانات السماوية وكجسر للحوار بين الشرق والغرب.

يقول الامام الصدر في محاضرة ألقاها في مدرسة القديس يوسف في عينطورة في 20 نيسان 1970: “نحن في لبنان أمام واقع أرادهُ الله لنا ذلك هو وجود طوائف، ولكن الذي ما فرضه الله علينا وتركه نتصرف فيه أنه ما فرض نظامًا باسم الطائفية في لبنان. الطوائف موجودة في لبنان ولكنها هل تحتاج الى الطائفية؟… الطوائف في مجتمع ما تتمكن أن تكون مصدر خير وغنى؛ بامكان الطوائف أن تكون تنوعًا هو طبيعة الخلق في العالم، ومقصود الأديان بصورة خاصة. علينا أن نستفيد من وجود الطوائف في المجتمع ونجعل الطوائف وسيلة خير لا بديل عنها…”.

ويعتبر السيّد الصدر أن وجود التنوع بين الأفراد هو السبب الأصيل في تكوين التفاعل بين الأفراد، وبالتالي في تكوين المجتمعات، ويخلص الى أن وجود طوائف مختلفة، بما للطوائف من تجارب ومنجزات، “معنى ذلك وجود ينابيع مختلفة في مجتمع واحد. كل ينبوع له تجارب ومكاسب ودراسات وحضارات تسهّل مهمة التعاون يعني تسهّل مهمة العطاء للآخرين والأخذ من الآخرين، وبالتالي تتمكن الطوائف المختلفة أن تقوي علاقات مجتمع واحد من دون خطر.. ولذلك الطوائف المختلفة غنى حضاري واسع لخدمة الانسان في كل مكان…”.

ويستدل الامام الصدر بآية خاطب الله بها جميع الأنبياء تقول: ﴿لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات﴾ [المائدة، 48].

وفي رد على سؤال يقول الامام ان “وجود المسيحية في لبنان بما لها من العلاقات الحضارية والدينية في العالم ثروة كبرى للبنان لا يمكن أن نتنكر لها اطلاقًا، ثم وجود المسيحية في لبنان يسهّل كون لبنان مفتاحًا وبابًا للتمازج بين الشرق والغرب”. ويخلص الى أن المسيحيين هم “ثروة كبرى للبنان وثروة كبرى للعرب وثروة كبرى للشرق“.

*د. هيثم مزاحم رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط

المصدر: مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط




عقبات الحوار الإسلامي – المسيحي

Interfaith-dialog

خاص “حوارات نت” — بقلم: د. هيثم مزاحم* — شهد الحوار الإسلامي – المسيحي مئات المؤتمرات واللقاءات خلال العقود الستة الأخيرة، لكن النتائج التي تمخض عنها لا تزال تعتبر قليلة وغير فاعلة. فما يصدر من قرارات وتوصيات عن هذه المؤتمرات واللقاءات غير ملزمة للحكومات في العالمين الإسلامي والمسيحي الغربي. مع ذلك ساهمت هذه الحوارات في كسر جليد العداء بين المسلمين والمسيحيين، الذي كرّسته الفتوحات الإسلامية والحروب الصليبية ومن ثم الغزوات الاستعمارية الغربية للدول الإسلامية.
ولا شك أن قرار المجمع الفاتيكاني الثاني الذي أقرّ “عقيدة خلاص غير المؤمنين” في تشربن الأول – أكتوبر 1965م، قد أكد على “أن جميع الشعوب يؤلفون جماعة واحدة، حيث تمت مناقشة النظرة إلى الأديان الأخرى، وأشار إلى الإسلام معتبراً أن أتباعه يعبدون الإله الواحد ويسعون بكل قواهم للخضوع لقراراته، أما الذين لم تبلغهم رسالة الإنجيل فهم مُوجَّهون نحو الله. لقد أقرت وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني عقيدة خلاص غير المؤمنين، فاعتبر أن غير “المؤمنين” المسيحيين يدخلون في تعداد شعب الله سواء اليهود أو المسلمين أو الوثنيين وإن الخلاص في متناول أيدي الجميع.
وتعتبر هذه الخطوة تطوراً مهماً رؤية الكاثوليكية المسيحية لعقيدة الخلاص التي كانت سابقاً لا تجد أي خلاص للإنسان إلا في الإيمان بالمسيح كمخلص، حيث رأى الفاتيكان أن الخلاص هو في متناول جميع من هم من ذوي الإرادة الحسنة، وأن أولئك الذين ينتمون إلى الديانات غير المسيحية، “هم أيضًا يملكون حقائق وعندهم كنوز.. وهناك أناس يتجهون صوب الله من نواحي شتى..، وأيضاً أولئك (المسلمون) الذين يعترفون بالخالق ويؤمنون إيمان إبراهيم، ويعبدون الإله الواحد الذي سيدين البشر في اليوم الأخير”.
ولا شك أن المسيحية لم تكن تعترف بالإسلام كديانة سماوية قبل العام 1965، بينما إعترف الإسلام باليهودية والمسيحية كديانتين سماويتين، من أهل الكتاب، منذ بداية نزول الوحي على الرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن صحح القرآن بعض عقائدهم في ألوهية المسيح وصلبه ووحدانية الله.
لكن ثمة اتجاهاً لدى بعض الكنائس البروتستانتية الأنغليكانية للإعتراف بوجود الوحي الإلهي عند غير أنبياء العهد القديم، مثل الوحي الذي نزل على النبي محمد(ص).
لا شك أن لا تأثير للجدل اللاهوتي الإسلامي – المسيحي في الحوار بين ممثلي الديانتين، فهو لن يقدم ولن يؤخر حيث أن كل طرف مؤمن بعقائده ومتمسك بها ولن يقنع الطرف الآخر بتغييرها. وليس هذا هو الهدف من الحوارات، إنما الهدف هو خلق مساحات التفاهم والتعاون والتعايش بين المسلمين والمسيحيين حيث اجتمعوا سواء في الشرق أو الغرب.
وأساس هذا العيش المشترك والتعاون لمصلحة المواطنين جميعاً والبشرية جمعاء، أساسه الاعتراف بالآخر وعدم شيطنته والقبول به شريكاً في المواطنة وأخاً في البشرية، وعدم اللجوء إلى العنف والاضطهاد والقمع والتمييز العنصري والديني ضد أي من أتباع الديانتين في أي بلد مسلم كان أم مسيحياً.
ولعل تطور الحوار الإسلامي – المسيحي في الشرق بين المسيحيين العرب والمسلمين العرب أهم وأولى من الحوار مع مسيحيي الغرب، برغم ضرورة الحوار الأخير. فالعالم العربي هو مهد الأديان السماوية والحفاظ على المسيحيين فيه ضرورة وواجب، انطلاقاً من التعاليم القرآنية والنبوية التي منحت الآمان لأهل الكتاب في العيش في كنف الخلافة الإسلامية، يقومون بممارسة عباداتهم في كنائسهم وأديرتهم ويعيشون مع المسلمين في القرية الواحدة والزقاق الواحد.
وإذ ينبغي منع استهداف المسيحيين العرب والمشرقيين من قبل التنظيمات الإرهابية المتطرفة كتنظيم داعش والقاعدة وغيرهما وحماية كنائسهم وأديرتهم ورهبانهم في العراق وسوريا ولبنان ومصر وفلسطين، يجب على المسيحيين وخصوصاً في الغرب المسيحي، رفض أي شكل من أشكال اضطهاد المسلمين وقتلهم وغزوهم من قبل الدول الغربية، كما حصل في أفغانستان والعراق، لعدم خلق مادة للتحريض الطائفي.
كما ينبغي على المسيحيين العرب والمشرقيين رفض أي محاولة غربية أو إسرائيلية لتحريضهم على الانفصال عن المسلمين في كيان خاص سواء في مصر أو العراق أو سوريا أو لبنان. فهذه الدعوات تؤجج العداء لهم وتبرر للمتطرفين المسلمين استهدافهم بذريعة تقسيم البلدان الإسلامية والتعاون مع المؤامرات الغربية.
ولا شك أن مسيحيي الشرق وخصوصاً العرب منهم يعتبرون أنفسهم السكان الأصليين لهذه البلاد قبل الفتح الإسلامي، ويذهب بعض المتطرفين منهم إلى اعتبار المسلمين غزاة ومحتلين، برغم أن معظم المسلمين في الدول التي دخلها الإسلام قد دخلوه طوعاً وإيماناً، إذ لم يفرض المسلمون الإسلام على أهل الكتاب، بل اكتفوا منهم بدفع الجزية. بل ذهب بعض الولاة إلى تفضيل بقاء أهل الكتاب على دينهم وعدم إسلامهم حتى يدفعوا الجزية وذلك لدوافع مالية واقتصادية نفعية وليست دينية.

*باحث في الفكر العربي والإسلامي، رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، له الكثير من المؤلفات والدراسات.




“رسالةُ سلام مذهبيّ” .. من أجل إنقاذ الإسلام من الصراعات المذهبيّة

IMG

حوارات نت –بقلم: قاسم قصير — العالَمُ الإسلاميّ الذي يتخبّط اليوم – ومن أقصاه إلى أقصاه – في خضمّ صراعاته المذهبيّة والطائفيّة، هو فعلاً، بأمسّ الحاجة إلى رسائل سلامٍ، تهدف إلى انتشاله، من لجج الفتنة الدموية، لترسو به على برّ الأمان. من نوع الرسالة التي يضمّها الكتاب الجديد، للعلاّمة الشيخ حيدر حب الله.
وكتابه هذا الموسوم بـ”رسالة سلامٍ مذهبيّ”، هو كتاب صادر عن “مؤسسة الانتشار العربي”، (في بيروت، في طبعة أولى 2015). ومما يختم به حب الله رسالته هذه بالقول: “إننا نُرحِّب بكلّ الملاحظات النقدية العلميّة الهادئة على هذه الرسالة من الداخل أو الخارج، ونأمل أن تجد لها أصداء حقيقيّة في أوساطنا، وأن تشكِّل ورقة بسيطة يمكن البناء عليها، وأن تترك ولو أثراً إيجابياً صغيراً في واقعنا المرير. ويضيف مشدّداً القول: فـ”نحن نتمنى أن تُسمع لهذه الرسالة المتواضعة أصداء في المذاهب المختلفة عند المسلمين، فَيُقْدِمُ المستنيرون في المذاهب المختلفة، على عرض رؤيتهم وهواجسهم ونقدهم الذاتيّ الجريء، وملاحظاتهم البناءة على أنفسهم وعلى الآخرين، علّنا في ظل هذا التعاون المعرفيّ، نصل إلى رؤية أكثر عمقاً وبصيرة ونضجاً إن شاء الله تعالى”، كما ويضيف مؤكّداً: “هذا هو أملنا، وهذه هي قناعاتنا، وهذا هو منطق تفكيرنا، وهذه هي، رؤيتنا للمستقبل الأفضل، وهذا هو إيماننا الدِّينيّ الذي ندين الله به، والله على ما نقول شهيد، وهو الموفِّق والمعين”.
وإلى مقدمته، يتمحور هذا الكتاب حول المسائل التالية: “الشِّيعة والمعتقد الديني: (تعريف موجز بالمذهب الإماميّ”؛ “إذن، لماذا الاختلاف؟ أي (الخلاف اليوم بين الإماميّة وبعض المسلمين، لا جميعهم)”؛ “الشيعة والسُّنّة و..هواجس متبادلة وقضايا عالقة”؛ “إدارة اختلافنا (المبادئ والسُّبل والآليات)”؛ “ما هي الخطوات المطلوبة إذاً؟”؛ و”كلمة أخيرة (ما قيمة رسالة من هذا النوع؟!)”.
وتفيد مقدِّمة الكتاب بأنه: “عندما انطلق فجر الإسلام، كان المسلمون يلتفون حول نبيهم(ص)، يأخذون منه التعاليم وما نزل عليه من الوحي السماوي، وكانت الرسالة الإسلاميّة تشق طريقها بجهود المحيطين بالنبي(ص)، إلى جانب التأييد الإلهي والرعاية المحمدية..
كانت الجماعة المسلمة صغيرة في حجمها، أقلية مقموعة، تواجه الظلم والعدوان والبغي، وكانت ملتفة حول نفسها يُعين أفرادُها بعضهم بعضاً، لتشكّل أعلى مظاهر الإعانة والتكامل والتعاضد والتضامن في حادثة المؤاخاة، تلك الحادثة التي تركت بصماتها على مسيرة الدعوة الإسلامية، ورسّخت الوحدة والألفة بين مسلمي اليوم، من الذين كانوا – ولزمن قصير مضى – يتصارعون ويتقاتلون.
قال سبحانه: “هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين* وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم إنه عزيز حكيم” (الأنفال: 62 – 63).
لقد كان التأليف بالإسلام وقيمه وتعاليمه، وكانت هذه التعاليم تشق طريقها في القلوب والنفوس لتصنع جيلاً جديداً، ما يلبث أن يغيّر وجه العالم خلال مدة زمنية بسيطة نسبياً.
كان من الطبيعي أن تقع خلافات شخصية أو غير شخصية هنا وهناك بين المسلمين، وكان حضور الرسول والضخّ الروحي الهائل لقيم الإسلام وتعاليم القرآن كفيلين بتذويب الكثير من هذه المشاكل، لكن البشرية لا تتوقف حالها الطبيعية في اختلاف بني البشر، فكان قانون الحياة ومبدأ الاختلاف سارياً على المسلمين في تاريخهم الطويل.
لسنا الآن بصدد تحديد منطلقات وأسباب هذه الاختلافات والتي تنامت وتكاثرت بعد وفاة الرسول الأكرم(ص)، وهل كانت أسبابها مصانة أخلاقياً أو كانت اجتهادات بين المسلمين أو كانت هناك مؤامرة وصراع سلطة أو غير ذلك؟
ما يعنينا هو أن اللحظة التي فارق فيها رسول الله(ص) الحياة شكّلت بداية حركة في عقارب ساعة الزمن الإسلامي، سرعان ما كوّنت كرة الثلج المتدحرجة، ليشهد الإسلام انقساماً كبيراً بين أبنائه، إلى فرق ومذاهب وتيارات تتناحر فيما بينها ويسفك بعضها دماء بعضها الآخر و..
لسنا نهدف تحميل مسؤولية التشظّي الإسلامي لأحد، بقدر ما نهدف الخروجَ من هذه الحال، فأن نختلف في فهم نصوص الكتاب والسنّة، ويجتهد بعضنا في هذا النص فيفهم منه وجوب شيء، فيما لا يفهم منه الآخر هذا الوجوب، أو يفهم بعضنا من آية معينة شهادة لصالح فلان، فيما لا يرى فيها الآخر هذا القدر من الشهادة.. هذا كله أمر طبيعي، لا يوجد في تاريخ الإسلام فحسب، بل نراه في تاريخ الأديان كافة، وتفرضه محدودية العقل الإنساني في اكتشاف الحقيقة.
لكن المشكلة ساءت عندما صار هذا الاختلاف (الطبيعي) أساساً لخلاف (غير طبيعي)، يتنابذ فيه الناس، ويتباعد فيه المسلمون عن بعضهم، بل وتُسفك فيه دماؤهم، ويسيء كل واحد منهم الظنّ بأخيه، فيتمزّق المجتمع الإسلامي، ويضعف حال المسلمين في تنازعهم وتناحرهم.
والأنكى من ذلك أن كثرة الجدل والنقاش في هذه الخلافات المذهبية وتوسعة رقعتها، سيحدثان المزيد من الاضطراب، بدل أن يوفّرا المزيد من التحوّلات العلمية والنهضوية! فلا قيمة للاضطرابات والحراكات الفكرية دون أن ينجم عنها تحولات معرفية نهضوية.
هذا كله يستدعي اليوم وقفة أمام ضمائرنا، وأمام ديننا، وأما التاريخ وأمام الإنسان كله.. ما الذي يجب علينا فعله؟ نشهد تناميها المطّرد يوماً بعد آخر في عصرنا الحاضر؟
كيف نحصّن الأمة والوطن إزاء فقاقيع الطائفية ومناخاتها هنا وهناك، ونمنحهما وعياً يتعالى بهما عن السقوط في الهاوية والانجرار خلف المثيرات المذهبية وخلف الغرائز الطائفية؟
ففي كل يوم نشهد سفك السملمين لدماء بعضهم بعضاً بإسم الدفاع عن الدين والمذهب والطائفة والفرقة، حتى لقد بات صراع المسلمين فيما بينهم أشدّ وأعنف وأقسى وأشرس وأوجع من الكثير من صراعاتهم التي مرّت عليهم مع سائر الأمم الأخرى! لقد تصارع الشيعي الموالي لعلّي مع السنّي الموالي لأبي بكر بما لم يقع مثله بين علي وأبي بكر نفسيهما! وتصارع الحنبلي والحنفي و.. مع الجعفريّ بأشدّ مئات المرّات من اختلاف الإمام جعفر بن محمد الصادق مع الإمام أبي حنيفة النعمان!
في الوقت نفسه، كيف نحفظ لكل إنسان في هذا الدين هويته وخصوصيته وعقائده وأفكاره، فنجمع بين علاقته الوطيدة والعميقة بأخيه، واحتفاظه الوثيق بقناعاته ومعتقداته الكلامية والفقهية التي نحترم اجتهاده فيها أيا يكن؟!
للجواب عن هذه الأسئلة قد نحتاج للكثير من الكلام، لكن واحدة من الخطوات هي أن نتعرّف أكثر فأكثر على بعضنا، وندرك بعضنا بذهنية واعية فاحصة، وفي المقابل يعرّف كل واحدٍ منا نفسه لأخيه، حتى لا تذهب الأفكار بأخيه يميناً ويساراً.
ومن هذه الخطوات أيضاً، أن يمد كل واحد منا يده للآخر لنتلاقى على الاختلاف الإيجابي وننبذ الاختلاف السلبي، لنوقف نزف الدم في الأمة، ونكف عن المزيد من نكئ الجراح، عنيت جراح التاريخ النازفة منذ قرون. لنوقف تحول حاضرنا إلى تاريخ، فنكف عن الرجوع إلى الوراء، ونصنع من تاريخنا – بقراءة جديدة واعية – مستقبلاً وحاضراً أفضل، فنكتشف فيه عناصر التلاقي والمحبة، بدل أن نُدمن اكتشاف عناصر البُعد والفُرقة، أو نغرق في التاريخ وللتاريخ فقط.
من واقع الإحساس بهذه المسؤولية الجسيمة، ومن صرخة الضمير الكامن في أعماقنا، ومن حجم المأساة التي نعيشها جميعاً، ومن القلق الكبير الذي يلفّ مستقبلنا كأمّة، ومن الشعور بالمخاطر التي تهدّد الوجود الإسلامي عامة.. كان هذا الكتاب/ الرسالة، لنبلّغ ما أمرنا الله به، ونضع عن كاهلنا بعض المسؤوليات الملقاة على عواتقنا نحو مسلمي العالم ونقول كلمة الحق في الزمن العسير.
إن هذا الكتاب المتواضع رسالة مفتوحة لكل المسلمين في العالم شيعة وسنّة وإباضيّة وصوفيّة و.. رسالة حبّ ومودة، رسالة إخاء وقرابة، رسالة صدق وإخلاص، رسالة مصارحة ومكاشفة، رسالة نقد للذات واللآخر، رسالة صفحة جديدة، رسالة نجلي فيها بالتعريف بمذهب أهل البيت النبوي وأتباعهم، بالمذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري، نكشف فيها عن الأفكار والتطلعات والمسؤوليات والآمال والرؤى والاجتهادات والهواجس التي يختزنها أبناء هذا المذهب أو تقع على عاتقهم، نعرّف موجزاً بعقائدهم وفقههم ومسلكياتهم وعلاقتهم بالآخر واتجاهاتهم ومنجزاتهم، وما يقع على عاتقهم من مسؤولية تاريخيّة.
إنها رسالة للآخر – كل الآخر – في الداخل الإسلامي الكبير، نتصارح فيها ونبدي هواجسنا ونفصح عن رأينا في هواجس غيرنا، لنضع أنفسنا والآخرين على المسار الصحيح.
إننا نعيش في لحظة تاريخية مصيرية من عمر الأمة المسلمة، ولا نريد بهذا الكتاب إلا أن نستجيب لهذه اللحظة، ونكسر حصار التاريخ، وننطلق نحو وعي جديد للدين والمذهب، ونمدّ أيدينا إلى سائر مذاهب المسلمين، لنبني معاً مجد أمةٍ لطالما شكّلت مفصلاً من مفاصل تاريخ الحضارات البشرية.
إننا – بوصفنا شريحة كبيرة في مذهب أهل البيت – نعلن اليوم وبصراحة عن رسالتنا المفتوحة للعالم، ولإخوتنا المسلمين من أبناء المذاهب الأخرى. رسالة تدعو إلى اللقاء والتواصل والأمن والسلام وعيش المواطنة، ومنح بعضنا بعضاً الحقوق والمزايا والاحترام والتقدير وحسن الظن، لنبني جميعاً أوطاننا بناء محصّناً من الداخل، لا تهزه الرياح، ولا تطيح به عواصف الشرّ والموت والفتنة.
هي رسالة ستعجب الكثيرين، لكنها قد تغضب بعضاً أيضاً هنا وهناك، ونحن إذ نعبّر فيها عن قناعاتنا التي قد يختلف معنا فيها حتى بعض الشيعة، فإننا نريد بذلك أن نموضع أنفسنا وقناعاتنا في ظل هذه الاصطفافات القائمة اليوم.
هي رسالة محبّة بإذن الله، هي رسالة سلام مذهبي، هي رسالة وطن وأمة ومجتمع وحضارة، والله على ما نقول شهيد.
ويقول حب الله في كلمتة الأخيرة في هذا الكتاب: “وفي نهاية المشوار معك أخي القارئ الكريم، من الطبيعي أن تأتي إلى ذهننا جميعاً الأسئلة التالية: ما قيمة رسالة من هذا النوع؟ وما الذي سنجنيه من كتابة مثل هذه الكلمات؟ هل سيستجيب أحد؟ هل سيكون لها وقع أو ستكون بنفسها مادة سجالية لتغذية الوعي الطائفي؟ أسئلة مشروعة بحقّ، ولا أخفيك – قارئي العزيز – أنني فكرت بذلك، وعشت هم هذا الموضوع، ولكن في نهاية رسالتنا هذه يجب أن نوضح بعض الأمور:
رسالتنا بين صوت الضمير ومسؤولية الواقع
قبل كل شيء نحن امام مسؤوليات يفرضها علينا الدين والقيم والضمير، لا نسكت عما يحصل، وأن نشارك في تغيير الوضع القائم، وأن نقول الحق ولو على أنفسنا أو الوالدين أو الأقربين كما علمنا القرآن الكريم نفسه.
فهذه الرسالة لها قيمة ذاتية من وجهة نظري المتواضعة، وأعني بالقيمة الذاتية هي إبراء ذممنا أمام الله والتاريخ والإنسان، أننا فعلنا ما يمكننا فعله، وذلك أضعف الإيمان، فلا نترك الإيمان كله عندما لا نقدر على أتمّه، بل نأتي ولو بأضعفه كي نستشعر راحة الضمير، حيث لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها.
وإذا خرجنا من الحالة الذاتية “الضميرية” هذه، فسوف نرى أننا – موضوعياً – أمام خيارين: إما الاستسلام التام للواقع القائم، وإما الإقدام على أبسط ما يمكن أن نقدم عليه. وعندما يجد كل واحدٍ منا نفسه أمام هذين الخيارين فمن الطبيعي أن يذهب خلف خيار العمل والإقدام والمساهمة؛ لأن الاستسلام لن ينتج سوى القضاء على ما تبقى من وعي وسلام في هذه الأمة.

كل شيء ممكن، فلنمارس أدوارنا في نطاق التأثير
قد لا يقع ما نصبو إليه في هذه الرسالة، لكن بإمكان كل واحدٍ منّا أن يقوم بدوره في نطاق تأثيره، فلنمارس أدوارنا في نطاق التأثير، وإذا لم نتقدّم على هذا الصعيد، فيكفينا فخراً أن نكون قد ساعدنا على وقف التدهور في حال الأمة ولو بنسبة معيّنة، فأستاذ المدرسة أو الجامعة، وعالم الدين، ورجل الإعلام، والكاتب، والأب والأم و.. لهم جميعاً قدرة التأثير ولو بدرجة بسيطة، ومطلوب منا جميعاً أن نراكم الجهود لنصل إلى نتيجة مرضية أو لنوقف تدهور الأوضاع على الأقل.
نقاط الماء الصغيرة عندما تتراكم سوف تُحدث سيلاً، ومنطق العمل والتغيير يقول: شارك ولو في نقطة واحدة، إذ من دونها لا يكون السيل، فلو فكّر كل واحدٍ منا بحقارة نقطة الماء التي سوف يقدّمها فلن يقدّم أحدٌ شيئاً، ومن ثم لن يكون هناك سيل يحدث التغيير ويصلح الأمور.

القرآن الكريم ومنطق الأمل بالمستقبل
هذا هو منطق القرآن الكريم أيضاً، وهو منطق الأمل بالمستقبل؛ لأن الأمل يترك أثراً، فيما اليأس يجعلنا بلا طاقة ولا حضور، قال تعالى: {ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسرا} (الانشراح: 1 – 6).
وقال سبحانه: {فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} (البقرة: 249)
وقال تبارك اسمه وتعالى جدّه: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران: 173 – 175)
هذه الرسالة – كما أشرنا في المقدمة – لا تمثل الشيعة بأجمعهم، ولا السنّة ولا غيرهم، إنما هي – حتى لو كتبها شخص واحد – تعبير عن قناعة شريحة واسعة من الشيعة والسنّة وغيرهم، من علمائهم ومثقّفيهم ومتعلّميهم ومفكّريهم وباحثيهم وناشطيهم وإعلامييهم وكتّابهم وسائر الشرائح الاجتماعية الأخرى. هي تعبير عما يؤمن به فريق كبير في الأمة، قُدّر له في هذه الأيام أن يُعزل، وأرادت المسؤولية الشرعية والأخلاقية والإنسانية له أن يكون حاضراً.
نحن هنا لا نتكلم بإسم طائفة او دولة أو حزب أو تيار سياسي، ولا ندّعي أن ما كتبناه يمثل رأي مراجع الشيعة أو كل فئاتهم، ولا رأي المجاميع الفقهية لأهل السنّة، بل هو يمثل رأي شريحة كبيرة من أهل العلم والعمل والوجاهة والموقع الاجتماعي في هذه الأمة وفي هذه الطائفة، وأنهم يفصحون عن قناعتهم وإيمانهم بما ينبغي أن يُفعل، ويمدّون أيديهم للمذاهب الأخرى – لا سيما كثير من المثقفين وأهل الرأي، من الذين يشتركون معنا في هذه القناعات أو أغلبها على الأقل – كي تقوم بما ينبغي القيام به كما يمدون أيديهم أيضاً لأبناء مذهبهم، كي يفعلوا ما يفترض فعله في هذه اللحظة التاريخية الصعبة، وإلا فلسنا نصادر رأي مذهب ولا فئة من الناس، وإنما نعبّر عن أنفسنا، ونزعم أننا شريحة كبيرة في المسلمين، وفي المذهب الإمامي أيضاً.

رسالتنا إنقاذ الدين بوقف المبررات المذهبية في صراعاتنا
وليست هذه الرسالة بالتي تحل كل الأمور، ولم ولن نزعم ذلك، بل هي ورقة للتداول، كي نبدأ بحل الأمور بطريقة أفضل، ونفكّر في وضع صيغ تفصيلية للقضايا المتنازع عليها، وبذلك نكون قد ساهمنا في وضع مدماك بسيط في صرح الوئام والتوافق الإسلامي.
ولا تدّعي هذه الرسالة أنها ستحلّ المشاكل السياسية العالقة في بلاد المسلمين، فهذا شأن السياسيين ووظيفتهم، إنما تُعنى هذه الرسالة بالإضاءة على الجانب الديني والقيمي والفكري من موضوع العلاقة بين المذاهب، وتقدم رؤيتها فيه، مع علمها بأن هذا الجانب ليس هو الجانب الوحيد للمشكلة، لكنه جانب مهم، فنحن لا ندّعي أن مشاكل المسلمين اليوم هي مشاكل دينية ومذهبية، أو أن هواجس الشيعة والسنّة التي تكلّمنا عنها سابقاً هي السبب الوحيد لأزمات المسلمين، بل ندّعي – وأرجو التنبّه – أن القوى السياسية في بلاد المسلمين تستعين بالملفات المذهبية لتجعلها والمذاهب وقوداً لمشاريعها، ووظيفتنا السعي لتجفيف هذا الوقود ووقفه، حتى لا يستعمله من يريد سوءاً بالمسلمين، علم بذلك أم لم يعلم.
وقيمة هذا الموضوع هي قيمة دينية عالية؛ لأن أي صراع يقوم على وقود ديني أو مذهبي، يمكن اليوم أن يرتد سلباً على مكانة الدين وقيمته وسمعته ومصداقيته في العالم، وسيسمح ذلك للتيارات الإلحادية واللادينية و.. ان تتقدم خطوة نحو الأمام، وتأخذ المزيد من شباب المسلمين وفتياتهم نحو اللادينية أو نحو العبثية والعدمية، فإلغاء البُعد الديني والمذهبي من صراعاتنا القائمة اليوم هو ضرورة عليا لمصلحة الدين في عالمنا المعاصر، هذه أيضاً رسالتنا وغايتنا التي نطمح إليها.




القرآن الكريم وعلومه في الموسوعات اليهودية

بقلم: محمد عويس – الحياة –
ينطوي موضوع كتاب «القرآن الكريم وعلومه في الموسوعات اليهودية» (مركز «تفسير» للدراسات القرآنية- السعودية) على أهمية كبيرة، فهو لا يمثل التزاماً دينياً وعلمياً فقط لكونه إحدى وسائل الدفاع عن الدين الإسلامي الحنيف ومصادره في شكل أكاديمي وعلمي يتسم بالموضوعية، بل يمثل أيضاً التزاماً قومياً ووطنياً نظراً إلى خطورة ما تهدف إليه هذه المقالات الموسوعية من تشويه صورة الإسلام والمسلمين بغرض تحقيق مصالح دينية وسياسية. كما أن تزايد الاهتمام بدراسة الموضوع وما يتعلق به من الممكن أن يؤدي، وفق المؤلف أحمد صلاح البهنسي، إلى توضيح الصورة الصحيحة للإسلام ومقدساته وربما حدوث صحوة في مجال الدراسات الإسلامية الأكاديمية المهتمة بالرد على الفرضيات الاستشراقية بعامة، والفرضيات الاستشراقية اليهودية والإسرائيلية بخاصة. يُشير الكتاب إلى أن «المدرسة اليهودية في الاستشراق»، ظهرت وتكونت في العصر الحديث وأهم مجالاتها الدراسات الدينية المقارنة بين اليهودية والإسلام، بهدف رد القرآن الكريم إلى العهد القديم. ومن أبرز المؤلفات في هذا الصدد كتاب الحبر اليهودي الألماني أبراهام جايجر «ماذا أخذ محمد عن اليهودية؟»، والذي ترجمه إلى الإنكليزية ف . م يونغ عام 1898. أيضاً قام المستشرقون اليهود والإسرائيليون، بنشر أفكارهم وإيديولوجياتهم الاستشراقية عن القرآن الكريم في مؤلفات ومجلدات ضخمة، إضافة إلى نشرها في موسوعات ودوائر معارف كبيرة كُتبت بالإنكليزية والعبرية. ووردت مقالات عدة في الموسوعات اليهودية عن القرآن الكريم وما يتعلق به حملت عنوان «القرآن»، أو «قرآن»، ورد بعضها منسوباً إلى محرر أو مؤلف معين، وبعضها لم يتحدد مؤلفها أو محررها.
وحصر الباحث النقاط الأساسية التي تناولتها تلك المقالات في ما يلي: التعريف بالقرآن ومكانته لدى المسلمين، محمد ( صلعم) والقرآن الكريم، طبيعة «الوحي القرآني»، وكيفية نزول القرآن؟ ألفاظ القرآن الكريم، البناء الأدبي للقرآن الكريم وتقسيمه إلى مكي ومدني، الشرائع والمعتقدات في القرآن الكريم، قصص القرآن، ترتيب وتدوين القرآن الكريم وجمع المصحف وترقيم آياته، تفاسير القرآن الكريم، علاقة القرآن الكريم باليهودية والنصرانية، ترجمات القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية لاسيما الترجمات العبرية منها.

Quran_jewish_textsوتناولت الدراسة التعريف بالموسوعات اليهودية التي وردت فيها مقالات عن القرآن الكريم، من حيث نشأتها وتاريخ كتابتها وطبعاتها المختلفة والظروف التي ظهرت فيها، والمؤسسات التي أصدرتها وتبنت نشرها، وجمع وحصر وترجمة المقالات الموسوعية بالعبرية والإنكليزية عن القرآن الكريم في هذه الموسوعات، وحصر ووصف وتصنيف المطاعن والفرضيات المتعلقة بالقرآن الكريم بها، ونقد المطاعن والفرضيات المتعلقة بالقرآن الكريم في هذه المقالات من خلال استعراض ووصف الفرضية الواردة في الموسوعة اليهودية حول القرآن الكريم، والمقارنة بين النص القرآني والنص اليهودي أو النصراني أو الوثني المردود له بغية الوقوف على أوجه التشابه والاختلاف، ومعرفة إذا كان هذا التشابه حقيقياً وكاملاً ويتعلق بالمضمون، أم أنه تشابه ظاهري وسطحي ومنقوص. وتكمن أهمية ذلك في أن معظم الكتابات الاستشراقية حول القرآن تعتمد وجود تشابه بينه وبين مصادر دينية يهودية ونصرانية ووثنية أساساً لما يعتبرونه تأثيراً وتأثراً، أو اقتباساً من هذه المصادر. لدرجة أن البعض اعتبر أن الكتابات الاستشراقية تتخذ منهج التأثير والتأثر أساساً لها في فرضياتها حول القرآن الكريم والاستعانة بالأدلة والشواهد التاريخية والعلمية، إضافة إلى الآراء العلمية لعدد من المستشرقين الذين يمكن وصفهم بـ»الموضوعيين»، أو «العلميين»، أو «المنصفين»، واعتماد وتفعيل نظرية «الفهم» الخاصة بعلم تاريخ الأديان التي يتجاهل المستشرقون استخدامها، في حين يطبقونها في دراسة أديان الشرق الأقصى (البوذية، الكونفوشيوسية، البراهمية الخ)، والتي تقضي بضرورة فهم الدين (الإسلام) داخلياً أي كما يفهمه أصحابه، وليس فهماً استشراقياً منفصلاً عن الواقع ومتأثراً بإيديولوجيات متحيزة غير موضوعية.
أما في ما يتعلق بالفرضيات اللغوية حول رد عدد من الألفاظ القرآنية إلى ألفاظ تنتمي للديانة اليهودية (العبرية، الآرامية- اليهودية)، فإن الباحث اعتمد على تأصيل اللفظة القرآنية مباشرة وتأصيل وجودها أو شبيه لها في لغات أخرى لاسيما اللغات السامية، لمعرفة إذا كانت عربية أصيلة، أم سامية مشتركة، أم أعجمية دخيلة. وتوصل الكاتب إلى النتائج التالية: اتسمت المقالات في الموسوعات اليهودية عن القرآن الكريم، بـ «الازدواجية اللغوية»؛ إذ لم تُكتب بـ»العبرية» فقط وهي اللغة التي ارتبطت باليهود واليهودية، كما أنها اللغة الرسمية والأولى في إسرائيل، بل كُتبت بالإنكليزية أيضاً. وهي سمة لا تخص المقالات الموسوعية اليهودية عن الإسلام والقرآن الكريم وحسب، بل إنها تسم معظم الكتابات الاستشراقية الإسرائيلية: اعتماد «التشابه اللفظي- السطحي» أساساً لفرضية التأثير والتأثر في ما يتعلق بالقصص القرآني، وجود اختلافات في الجوهر والمضمون والمقاصد بين المادة القرآنية والمصادر الدينية اليهودية المردودة لها تمنع إمكانية الاقتباس أو التأثر القرآني من مصادر دينية يهودية، اللجوء إلى مصادر دينية يهودية «متأخرة» (الأجادا) لرد المادة القرآنية إليها، وهو ما يعبر عن «عجز» إيجاد شبيه لها في مصادر العهد القديم. وهو ما عكس من جانب آخر «خطأً منهجياً»؛ إذ يُظهر تناقضاً مع المنهجية الاستشراقية التي ردت القرآن إلى العهدين القديم والجديد، على أساس رد اللاحق إلى السابق وفق نظرية التأثر والتأثير. في حين أنها ترُد القرآن الكريم الذي هو سابق للأجادا التي هي لاحقة عليه في التاريخ والتدوين، وهناك عدد من الأدلة الموضوعية المتعلقة بالتحليل الفيلولوجي للأجادا يثبت أنها هي التي تأثرت بالقرآن الكريم، لا سيما على مستوى القصص وليس العكس، ووجود قرائن علمية ولغوية تدحض إمكانية وجود كلمات ذات أصول يهودية في القرآن الكريم، واستحواذ قصص القرآن الكريم على الجزء الأكبر من فرضيات الموسوعات اليهودية حول رد المادة القرآنية لمصادر غير أصلية، واستحواذ رد القرآن الكريم إلى مصادر يهودية عن رده إلى مصادر نصرانية ووثنية، وهو ما يعكس واحدة من أزمات الكتابات الاستشراقية عموماً؛ إذ يلاحظ أن المستشرقين اليهود يردون القرآن الكريم إلى مصادر يهودية، في حين يرده المستشرقون النصارى إلى مصادر نصرانية، ما يعني سيطرة إيديولوجية ذات خلفية دينية على كتاباتهم.




صدام القيم … هل يقود تحولات الزمن المقبل؟

بقلم: مسفر بن علي القحطاني – صحيفة الحياة –
تناولت في مقالات سابقة سيناريوات التحولات الحضارية التي يشهدها العالم المعاصر، ويعيشها في حاضره، ولكن الأثر التغيري سيبلغ مداه في المستقبل القريب من خلال التحوّل نحو الجزئي (الفردانية) أو التحوّل نحو الكلي (الشبكية). ويمكن الرجوع إلى تفاصيل هذه السيناريوات في مقالاتي السابقة، وفي هذا المقال أرصد حالة فريدة من التحول الحضاري وهو في حقيقته سير نحو النهاية الوجودية، وهذا الأمر يعتبر تغيراً هائلاً في حالة المجتمع، حيث يذهب المجتمع ويعقبه غيره، بسبب الكوارث أو النهايات السُننية المدمرة، وهذا التبدل نحو الفناء هو أسوأ التغيرات التي تصيب المجتمعات، والتأريخ قد حصل فيه الكثير من تلك المآلات الزائلة، ولا يزال التاريخ أيضاً يسجل أمماً ومجتمعات فنيت وقام على انقاضها آخرون، لكن هذا قليل الوقوع في عصرنا الحاضر، إلا في حالة الحروب الحضارية التي لم تحصل لأكثر من مئة عام، ولكن قد تحدث ارهاصات ذلك الوقوع والاصطدام الذي يورث فناء الآخر في شكل قطعي في حال عاد حلم الإمبراطوريات خصوصاً الدينية منها، وهنا يمكن أن تظهر للباحث صورتان للفناء الحضاري، صورة الصدام مع حضارات أخرى، وصورة التحلل والزوال الذاتي للحضارة. وسأعلق على الصورة الأولى في النقاط التالية:
أولاً: صورة الفناء من خلال الصدام الحضاري بين المجتمعات، ويمكن التمثيل عليه بما توقعه صموئيل هنتغتون في كتابه المثير الذائع الصيت «صدام الحضارات»، حيث طغت حال الخوف من الصدام على حال الحوار القائم بين المجتمعات والأديان، وعلى غرار ذلك خرجت أصوات ودراسات كثيرة تنادي الغرب بالاستعداد للمواجهة الحضارية المقبلة وعلى وجه الخصوص مع العالم الإسلامي، للأسباب التي ذكرها هنتغتون عندما حرر كتابه «صدام الحضارات»، وذلك لأنه يرى أن السياسة الكونية المعاصرة تتمثل الآن في عصر حروب المسلمين، فالمسلمون يحاربون بعضهم بعضاً كما أنهم يحاربون غير المسلمين وذلك بمعدل أكثر بكثير مما تقوم به شعوب الحضارات الأخرى، وأن حروب المسلمين احتلت مكانة الحرب الباردة كشكل أساسي للصراع الدولي، وهذه الحروب تتضمن حروب الإرهاب، وحروب العصابات والقرصنة، والحروب الأهلية، والصراعات بين الدول. وقد يتخذ هذا العنف وهذه الحروب ابعاداً تصل بها إلى صراع رئيسي وحيد بين الإسلام والغرب أو بين الإسلام وبقية العالم.
وقد شرح هنتنغتون نظريته بذكر عدد من الحقائق يراها كافية لبلوغ العالم هذا الصدام، مثل تقريره أن المسيحية تنتشر أساساً من طريق التحول، والإسلام ينتشر من طريق التحوّل والتناسل، وعلى المدى الطويل يرى أن محمداً سينتصر ديموغرافياً، من خلال كثرة تناسل المسلمين، ويرى أيضاً أن في الإسلام الله هو القيصر، وفي الصين واليابان القيصر هو الله، وفي الأرثوذكسية الله هو الشريك الأصغر للقيصر، في الغرب ما لقيصر لقيصر وما لله لله.
كما يعتبر الدين عند المسلمين هو من يتولى زمام الإيديولوجية والقومية الدينية ولا يقبل بالقومية العلمانية، لذلك العلاقات دائماً عدائية بين المسلمين وشعوب الحضارات الأخرى.
ويستشهد هنتغتون باستطلاع رأي أجري في أميركا تناول 35000 مثقف أميركي لديهم إلمام بالشؤون الخارجية، وكان السؤال: هل الصحوة الإسلامية خطر على الغرب؟ وجاءت الإجابة بنعم من 61 في المئة ممن شاركوا في هذا الاستطلاع.( انظر: كتاب صدام الحضارات، ترجمة طلعت الشايب وصلاح قنصوه، دار سطور، الطبعة الثانية 1999م)، والحقيقة أن المهدي المنجرة هو أسبق في الحديث عن نظرية «صدام الحضارات» في كتابه: «الحرب الحضارية الأولى»، (طبعة المركز الثقافي العربي 2005م).

Mosque_traditional

وهذا المعطى التوقعي للصدام الحضاري بقي أحتمالاً لمدة عقدين من الزمن، ثم توارى هذا الاحتمال عن الوقوع، من خلال هيمنة غربية ناعمة وخانقة، وخضوع إسلامي لا سابق له في التاريخ، ومع ذلك سيبقى احتمالاً من ضمن الاحتمالات المتوقعة منطقياً وتاريخياً، ومؤشرات تنامي التطرف الديني الإسلامي والعلماني قد تنذر بإمكان هذا الصدام خصوصاً مع سهولة نشر العداء والإثارة الدينية للمواجهة عبر الوسائل المعاصرة للاتصال والتواصل.
ومن وجهة نظر أخرى تختلف عما قاله صموئيل هنتغتون وغيره من احتمالية وقوع صدام الحضارات ببعده الأيديولوجي والديني، هناك احتمال أكبر – من وجهة نظري – وهو وقوع صدام قيمي يقسم المجتمعات إلى فسطاطين ويلهب الصراع بينهما، وهو ما سأبينه في النقطة التالية.
ثانياً: إن نظرية صدام القيم، كمجال للتداول الحضاري، أصبحت معطى واقعياً اليوم، ولكن قبل البدء ببيان احتمال وقوع الصدام القيمي بين المجتمعات، أود أن أبيّن أن الساحة الثقافية العالمية في مجال نظريات التداول الحضاري قامت على ثلاثة أشكال، أولها: المجال الحواري والتفاهمي، وهو يثري جانب التعارف والتعاون، وعليه غالب عمل المؤسسات الأهلية والرسمية والدولية، وثانيها: شكل نهاية التاريخ (فوكوياما) وصدام الحضارات (هنتغتون وبرنارد لويس) وقد سبقت الإشارة إليه، لكن هناك بوادر لشكل ثالث من التداول، وهو صراع وصدام القيم ويختلف عن سابقيه بما يلي:
1- صدام القيم لا يُعنى بالخلفيات الدينية والحضارية، ويهتم بالقيم العالمية التي تشترك فيها أكثر شعوب العالم، كالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة وغيرها، فعندما تُهمّش تلك القيم وتُحارب بالطرق الخبيثة الملتوية، تتصاعد أصوات الفئة القيمية والتي تدافع عن تلك القيم، في مقابل الفريق الآخر الذي يدّعي زوراً وبهتاناً أنه يعمل لأجل تلك القيم ولكن بتأويله المدني الخاص ووفق منهجيته المصلحية، مخفياً صوراً من الاستبداد ومزيّفاً في إعلامه حالة من الغواية العقلية يتهم فيها الفريق القيمي المناضل بالضلال والسعي للفتنة وغير ذلك من التهم المعلبة، ما جعل هناك حالة من التصادم تظهر في الشارع وفي المواقع العنكبوتية، يتّخذها القيميون وسيلةً للكشف عن هذا النفاق والزيف الذي يُغرّر به البسطاء من الناس، ويقومون أيضاً بتحذير المجتمع من فقد قيمه بسبب هذا الاحتيال المسيّس.
2- الحالة الصدامية في صراع القيم، وهي ليست حالة بين فريقين متضادين بلونين نافرين كما في صدام الحضارات؛ بل هي مواجهة بين من لبس قناعاً وتخفّى من ورائه، وبين من يريد كشف القناع لفضح المؤامرة، أو لنقل بين من يريد تمرير أجندته الشخصية والمصلحية والاستبدادية، وبين فريق يرى نفسه المعني بالحفاظ على المجتمع والضامن لحقوقه والواقف ضد خصومه المستبدين. ومع نمو الوعي الفردي وانتشار المعلومة والصورة والخبر الواقعي البعيد من تزييف المؤسسات الرسمية أو التابعة لها، أصبح للفريق القيمي قدرته على المواجهة والتصدي لتلك المحاولات التي تضرب المجتمع في قيمه، وقد ظهرت مواجهات صدامية بين أنصار العولمة من أصحاب الشركات العابرة للقارات، ومن أعداء العولمة المنتصرين لحقوق الفقراء والعالم الثالث، وكذلك برزت في المواجهات مع مستبدي الديموقراطيات المزيفة والانتخابات الاستعراضية المسرحية، وبين انصار العدالة والحق والمطالبين بالشفافية والنزاهة السياسية، كما هي الحال في بعض المجتمعات العربية وروسيا وفي بعض دول أميركا اللاتينية، ويمكن وصف مطالبات وتظاهرات الحقوقيين وأنصار البيئة في العالم ضد بعض الأنظمة الحكومية والشركات الكبرى بمثال آخر على هذا النوع من الصدام القيمي.
3- إن أدوات الصدام القيمي ليست تقليدية بين الفريقين؛ بل يستعين أنصار الدفاع عن القيم بالمعطيات التقنية الحديثة في النقل للأخبار والنقد للمواقف والأحداث، بالإبداع في تطوير المواقع الإلكترونية الجاذبة، وبرامج التواصل الاجتماعي المؤثرة في شكل كبير جداً على فئة الشباب، أكثر من أدوات الخصوم المعتمدة على هيمنتهم على الإعلام والصحافة الرسمية التقليدية التي يغلب عليها تغيير الوقائع وتزييف الحقائق بما يتناسب مع الموقف الرسمي، ناهيكم عن امتلاكهم للقوة الأمنية الضاربة لأي حراك مجتمعي ولو كان قيمياً في مبادئه.
4- أن صدام القيم، بدأ ينتشر ويفتح مساحات جديدة ودوائر أوسع للمواجهة، تتجاوز محيط دول العالم الثالث أو الدول ذات الاستبداد المقنّع، من خلال نقد السياسات والتوجهات حيال أي قضية إنسانية كبرى، كما حصل في مجاعة الصومال في عام 2012، وما حصل في العدوان الإسرائيلي على غزة في عام 2008، وعام 2012 وفي هذا العام 2014، حيث خرجت غالبية عواصم العالم كلندن ونيويورك وواشنطن وباريس وبرلين وغيرها من العواصم الكبرى في تظاهرات مليونية حاشدة ضد هذا القمع اللاقيمي واللاإنساني، حتى أصبح يظهر للعيان أن هناك مواقف متباينة بين أنصار الحق والحرية والكرامة، وبين من يقف مع مصالحه ولو في صف الباطل رغم قتامته وعدائيته.
هذه الحال من صدام القيم، هي التحوّل الحضاري المتوقع نحو مواجهة قيمية واسعة الجغرافيا تتنامى مع الأحداث وتتواصل في ما بينها بطرق سريعة، تجعل مواقفها شبه متضامنة ومتّحدة إزاء العمل المطلوب مواجهته، وهذا التنسيق العالي ما كان ليحدث في كل حقب التاريخ لولا هذه التقنية المتطوّرة والسهلة والمتوافرة لدى كل شخص، والربيع العربي في2011، هو أنموذج عملي لسيناريو هذا الصدام التحوّلي والجديد.




أفضل ما صُنع في الغرب عن الإسلام

شاهد الفيديو