الرئيسية / من نحن؟ / هويتنا / هل تنظيم “داعش” استمرار لحركة الخوارج؟

هل تنظيم “داعش” استمرار لحركة الخوارج؟

image_pdfimage_print

بقلم علی معموري – موقع المونيتور –

لقد شاع كثيراً في الفترة الأخيرة وصف تنظيم الدولة الإسلاميّة بخوارج العصر، مشيراً إلى مجموعات من المسلمين الأوائل الذين تمرّدوا على السلطة في القرون الإسلاميّة الأولى. ومن الملفت للنّظر إلى أنّ هذا الوصف تطلقه الجماعات السلفيّة الأخرى التي تشارك الدولة الإسلاميّة في مبادئها الدينيّة الأساسيّة، ولكنّها اختلفت معها لأسباب سياسيّة، أهمّها عدم رغبتها في البيعة لأبي ‌بكر البغدادي الّذي فاجأ الجماعات السلفيّة الأخرى بفرض نفسه خليفة للمسلمين أجمعين. ولذلك، لم تصدر مخالفة جديّة مع الدولة الإسلاميّة من قبل الجماعات السلفيّة، إلاّ بعد إعلان الخلافة في حزيران من العام الماضي.

لقد أصدر مفتي السعوديّة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ بياناً في آب من العام الماضي، اعتبر فيه تنظيم الدولة الإسلاميّة امتداداً لجماعة “الخوارج” الّتي كانت “تستحلي دماء المسلمين”، وقال: “لأنّ حسبهما على المسلمين”. واستمرّ الرّفض للدولة الإسلاميّة لكونها من الخوارج ليشمل القاعدة نفسها، الّتي كانت منذ زمن غير بعيد أخطر تنظيم سلفيّ جهاديّ في العالم. لقد أعلنت “جبهة النّصرة” في كانون الأوّل من العام الماضي حرب استئصال ضدّ من أسمتهم بـ”الخوارج”، في إشارة إلى الدولة الإسلاميّة، وجاء في تسجيل صوتيّ للمسؤول الشرعيّ في “جبهة النّصرة” سامي العريدي: “السيوف الّتي أمرنا الله تعالى باستخدامها هي أنواع، وأحدها هو السيف المسلّط على الخوارج، وهذه الفئة (الدولة الإسلاميّة) ثبت بالدليل القاطع أنّها خوارج. لذلك، فإنّ قتالها واجب شرعاً، ولا مجال للتورّع عن ذلك، لأنّ من يتساهل في قتالها، فإنّه يتساهل بدماء أهل السنّة”.

من هم الخوارج؟

تعني كلمة الخوارج لغويّاً “من خرج عن الانتماء إلى الجماعة”، ويقصد بها مجموعة متنوّعة من الفرق الإسلاميّة الّتي خرجت ضدّ نظام الحكم في عهد الخلفاء الرّاشدين، ومن خلفهم من حكّام بني أميّة والعبّاس. وأطلقت التّسمية من قبل معارضيهم ليتمّ اتّهامهم بأنّهم قد شقّوا عصا الجماعة، وخرجوا من طائفة المسلمين، ولكنّهم يعدّون أنفسهم المسلمين الحقيقيّين ويسمّون أنفسهم بالمحكمة أو أهل التّحكيم.

لقد ظهرت هذه الجماعات، للمرّة الأولى، في عهد عثمان بن عفّان الخليفة الثالث بعد النبيّ محمّد في ردّ فعل ضدّ انفراد فئة محدودة من قريش بالسلطة وموارد الدولة الماليّة. وكانت تلك الجماعات تدعو إلى المساواة ورفع التّمييز بين الحاكم والرعيّة. لذلك، جاءت بآراء مساواتيّة مثل صلاحيّة تسلّم الخلافة لأيّ فرد، ولو كان عبداً. وقامت بثورات عدّة ضدّ حكّام زمانها، ومال بعضها إلى استخدام العنف المفرط من قتل الأطفال والنساء وغير ذلك.

ولقد انقرض معظمها ولم يبق منها سوى الأباضيّة في سلطنة عمان وبعض مناطق شمال إفريقيا، وخصوصاً الجزائر. وينتمي هؤلاء إلى التيّار المعتدل للخوارج، ولم يعرف عنهم استخدام العنف والقيام بأعمال الشغب، كما كانت عليه الطوائف المتشدّدة من الخوارج في القديم.

لماذا تنسب الدولة الإسلاميّة إلى الخوارج؟

تطلَق هذه التّسمية نظراً لوجود مشابهات بين بعض فرق الخوارج وتنظيم الدولة الإسلاميّة، منها: تكفير المسلمين والقيام بقتل الأطفال والنساء في شكل مرعب، وأيضاً لجهة أنّها شَقّت صفوف الجماعات السلفيّة الجهاديّة وقاتلتها لتثبت الأمر لنفسها فقط. لقد خصّص التّنظيم قسمأ كبيراً من نشاطه في السنوات الأخيرة في سوريا لمقاتلة “جبهة النّصرة” والجيش الحرّ وغيرها، رغم اشتراك الجميع في معارضة النّظام السوريّ،

في حين أنّ هناك فوارق رئيسيّة تجعل الدولة الإسلاميّة مختلفة تماماً عن ظاهرة الخوارج في القرون الإسلاميّة الأولى، إذ لم يثبت عنهم موقف عدائيّ تجاه غير المسلمين ولم يضطهدوا الأقليّات مثل ما صدر عن تنظيم الدولة الإسلاميّة وأصبح ذلك من سياساته الرئيسيّة.

لم تعرف عن الخوارج اتّجاهات سلفيّة، بل على عكس ذلك، كانوا يعارضون الاحتكام إلى الصحابة والتابعين بوصفهم الجيل الأوّل والسلف الصالح. ولم يقدّس الخوارج السلف، ولم يعتبروا أنّ لهم أولويّة في فهم الدين وتطبيقه، بل كانوا على خلاف ذلك يقولون بالمساواة الشاملة بين الجميع وعدم التّمييز بين من أسلم سلفاً أو التحق بالإسلام أخيراً. كما أنّ التّشابه بين الفكر السلفيّ والتّنظيمات الجهاديّة السلفيّة من حيث تكفير المسلمين هو أوسع بكثير من التّشابه بفرق الخوارج في الماضي البعيد.

Militant Islamist fighters take part in a military parade along the streets of northern Raqqa province

وتعدّ هذه التّسمية نوعاً من عمليّة الإسقاط التي يقصد بها أصحابها أهدافاً سياسيّة ذات وجهين: أوّلاً، تطهير السلفيّة من الصورة السلبيّة الّتي انطبعت على تنظيم الدولة الإسلاميّة، وثانياً ردّ فعل تجاه الإقبال الواسع الذي حصل عليه التّنظيم أخيراً في سياق التّسويق للجهاد العالميّ. لقد انصدمت الجماعات السلفيّة الجهاديّة بالتطوّر الكبير الذي حصل عليه التّنظيم في وقت قصير جدّاً، إذ سالت أفواج المقاتلين من أقصى نقاط العالم لتلتحق بالتّنظيم، تاركة التّنظيمات السلفيّة الأخرى. وسيطر التّنظيم على أراضٍ شاسعة وموارد ماليّة كبيرة في فترة قصيرة جدّاً، هذا مضافاً إلى التّهديد الّذي بدأ التّنظيم يطلقه في شكل مباشر وكبير ضدّ المملكة العربيّة السعوديّة بوصفها الرّاعية الأولى للتيّار السلفيّ العالميّ. لقد أصبحت حاجة ملحة للنّظام السعوديّ أن يبرّئ نفسه من أعمال التّنظيمات السلفيّة المتشدّدة من جهة، وأن يحمي نفسه من تهديدات هذه التّنظيمات باستخدام تعابير دينيّة تجعلها خارجة عن الإسلام وغير مشروعة دينيّاً. وهنالك نوعان من التّعامل مع تسمية “خوارج العصر” من قبل التيّارات السلفيّة المعارضة لتنظيم الدولة الإسلاميّة، ويركّز الخطاب الرسميّ للمملكة العربيّة السعوديّة على اعتبار كلّ الحركات السلفيّة الجهاديّة المعارضة لها ضمن عنوان الخوارج، ومنها القاعدة والدولة الإسلاميّة في سياق واحد، في حين أنّ القاعدة نفسها وتوابعها أيضاً تستخدم التّسمية نفسها لتشويه سمعة الدولة الإسلاميّة بين أتباع الإتّجاه السلفيّ الجهاديّ.

وإنّ الحقيقة هي أنّ تنظيم الدولة الإسلاميّة ليس سوى التّطبيق الكامل والنهائيّ للسلفيّة الجهاديّة التي تربّت وترعرعت بحماية المملكة العربيّة السعوديّة منذ عقود، وخصوصاً في فترة حروب أفغانستان ضدّ الاتّحاد السوفياتيّ. كما أنّه نتاج لمزيج بين تيّارين متشدّدين في العالم الإسلاميّ، هما: التيّار السلفيّ السعوديّ والحركة الإخوانيّة العالميّة. ولقد التقى التطرّف السلفيّ الوهابيّ مع الإسلام السياسيّ الإخوانيّ لينتج ظاهرة القاعدة والدولة الإسلاميّة ونظائرهما.

(Visited 4 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

azhar35

إعلان الأزهر في مؤتمر … المواطَنة والعيش المشترك

إعلان الأزهر في مؤتمر ... المواطَنة والعيش المشترك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification