الرئيسية / مقالات / جزية أهل الكتاب … قراءة تاريخية للموروث الديني

جزية أهل الكتاب … قراءة تاريخية للموروث الديني

image_pdfimage_print

بقلم: هشام منوّر صحيفة الحياة –
أثار قرار ما تسمى «الدولة الإسلامية» أو «داعش» إجبار مسيحيي الموصل على دفع الجزية، أو القتل، أو التهجير، جدلاً كبيراً. هو مفهوم إسلامي لم ينجح الموروث الفقهي التقليدي في فك طلاسمه حتى الآن، واستأنف نقاشاً وجدلاً كبيراً يتنازعان دعاة المشروع الإسلامي بأطيافه المتعددة، حول كيفية التوفيق بين قوانين الدولة الإسلامية ونظيرتها الوطنية ومعاصرة التبدلات السياسية التي طرأت منذ انهيار الخلافة العثمانية.
بصرف النظر عن خلفية التنظيم الذي تمدد في كل من العراق وسورية مستغلاً أوضاع البلدين الداخلية، وربما التسهيلات اللوجيستية والعسكرية المقدمة من نظامي العراق وسورية، وما يقال عن خلفية التنظيم المخابراتية، فإن استغلاله مفهوم الجزية يأتي ليعيد فتح النقاش حول هذا المفهوم، وتسليط الضوء على أحد المفاهيم الذي لم ينجح الفقه الإسلامي في كشف ثناياه وتطبيقاته.
بداية وقبل الخوض في نقد المفهوم الفقهي التقليدي للجزية، تسترعي المتابع والمدقق حقيقة تاريخية ناصعة لا لبس فيها، وهي أن النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، لم يفرض الجزية المأمور بها في القرآن الكريم، وفق ادعاء الفقهاء، على أي من اليهود أو النصارى الذين قاتلهم! فاليهود الذين كانوا يشاركون المسلمين المدينة المنورة، كانوا أولى الناس بتطبيق هذا «الواجب» الإسلامي، بخاصة أن آية الجزية كانت مدنية بالاتفاق، فهل يتهم الفقه التقليدي الممارسات النبوية من حيث لا يدري؟!
مفهوم الذمة ذاته الذي تنبني عليه كل التصورات الخاطئة لدى الفقه الإسلامي، نابع من موقف أولي يميز بين الناس على أساس الدين، فيما كانت الوثيقة النبوية التي صاغها الرسول الكريم لسكان المدينة تقوم على الولاء للدار «أي الوطن» والالتزام بكل الحقوق والواجبات المترتبة عليه، من دون تمييز بين الناس إلا في ما يتعلق بمجال تعبدهم ودينهم.

كنيسة المهد في القدس
كنيسة المهد في القدس

أصل شرعة الجزية في الفقه الإسلامي يستند إلى قوله تعالى: «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» (التوبة: 29)، وأول ما نلحظه أن الآية خطاب إلى المسلمين يأمرهم بأخذ الجزية من جميع أهل الكتاب، لكن الممارسة الفقهية خصت الأخذ بمن يقاتل فقط، وثبت تاريخياً وفقهياً أن الجزية لا تؤخذ من غير المقاتلين من النساء والأطفال، على رغم أن النص القرآني عام وشامل لكل المكلفين، فكيف يمكن تخصيص النص من غير دليل من كتاب أو سنّة بالنسبة إلى من يتبنى مفهوم الجزية؟! يقول الإمام مالك في موطئه: «مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم، وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زروعهم ولا مواشيهم صدقة». وقال ابن حجر: «لا تؤخذ من شيخ فانٍ ولا زمِن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا من أصحاب الصوامع والديارات في قولٍ. والأصح عند الشافعية الوجوب على من ذكر آخراً [أي أصحاب الصوامع]». وقد كتب عمر بن الخطاب بذلك إلى أمراء الأجناد: «لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي» أي ناهز الاحتلام، وهو من يقدر عادة على حمل السلاح.
التفاوت في أخذ مقدار الجزية من النصارى واحد من العوامل التي تثير التساؤل، إذ لا نص في السنّة النبوية على تحديد مقدارها، على رغم أنها مبدأ إسلامي أصيل كما يقول الفقهاء، وترك لكل حاكم مسلم أن يفرض مقدارها بمقدار الحاجة وتقديرها، فهل تترك مقل هذه الأمور على عواهنها من دون تحديد، والسنّة النبوية كانت حريصة على شرح القرآن الكريم وبيانه للناس؟
يبرر الفقه الإسلامي فرض الجزية على أهل الكتاب بأنها مقابل واجب الحماية لهم، فإن عجز المسلمون عن ذلك، وذلك حصل مراراً في التاريخ، سقطت الجزية عن أهل الكتاب، أو حتى إن التزم أهل الكتاب الدفاع عن أنفسهم، سقطت كذلك، فكيف ينسجم هذا الفهم مع إلزام «الصغار» لمن يدفعها منهم، وأن الغاية إظهار مدى قوة المسلمين أمام أهل الكتاب؟ فقد كتب خالد بن الوليد لأهل بعض النواحي في العراق: «فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم»، وقال الباجي معلقاً: «وذلك أن الجزية إنما تؤخذ منهم على وجه العوض لإقامتهم في بلاد المسلمين والذب عنهم والحماية لهم». وقال الماورديّ: «ويلتزم، أي الإمام، لهم ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين».
يبرر الفقه الإسلامي المعاصر تحت وطأة المساءلة مفهوم الجزية بأنه ما يشبه الزكاة عند المسلمين تارة، وأنها ضريبة مالية تفرض على أهل الكتاب، كما تفرض الزكاة على المسلمين، لكن حقيقة الجزية وتطبيقاتها مختلفة تماماً عن الزكاة كما هو واضح من حيث إنه واجب مالي تعبدي في الإسلام، ويلجأ البعض أحياناً أخرى إلى تشبيهها بالبدل النقدي العسكري مقام أداء المسلمين لواجب الجهاد والذود عن الأوطان، لكن تطبيقات الجزية وظروف أخذها «عن يد» و «هم صاغرون» لا تشي بأنها ضريبة مالية مقام الدفاع عن الوطن أو القيام بواجب الجهاد على المسلمين، فالسياق القرآني لنص الجزية يشير إلى أنها في حال الاشتباك والقتال مع أهل الكتاب، أي أنها تفرض في حال الحرب لا السلم، كما يحاول الفقه التقليدي تلبيس ذلك، ما دفع البعض إلى القول إنها أشبه ما تكون بالغرامات المالية التي تفرض على الدول بعد انتهاء الحروب كضريبة إعادة الإعمار والخراب الذي تسببت به هذه الدولة في حق المسلمين، ووجه الاختلاف والتناقض أن ذلك أمر جماعي أو على مستوى الدول، ولا نظير لمثله في الإسلام، ولا يمكن أن يكون إلزاماً فردياً كما تقول التطبيقات التاريخية.
جل ما يستطيع فيه الفقه الإسلامي تبرير ممارسات الجزية وتطبيقاتها العملية كونها حدثاً تاريخياً موجوداً بين الدول والأمم منذ الأكاسرة، وأن المسلمين اتبعوا ذلك بناء على مقتضيات العصر إلا أنهم حاولوا أسلمة هذه الممارسات وضبطها بمعايير العدل والتسامح ما أمكن، «فالصغار» الذي تردد الفقهاء والمفسرون في تفسيره، وحرصوا على نفيه في ممارساتهم خلافاً للنص القرآني وفهمهم له، بحسب زعمهم، يعني كما يقول الإمام الشافعي أن تجري عليهم أحكام الإسلام، أي العامة منها، فالجزية علامة على خضوع الأمة المغلوبة للخصائص العامة للأمة الغالبة، كما يرى ذلك الفقهاء، على رغم تطرف البعض واشتراط شروط غريبة تنافي العدل والبر لأهل الكتاب من حيث أسلوب أداء الجزية.
تتمثل الإشكالية التي وقع فيها الفقهاء وحركات الإسلام السياسي في عدم جرأتهم على قراءة النص القرآني، بعيداً من ضغط التراث الفقهي. لذلك، تعاطوا مع التطبيقات التاريخية باعتبارها شريعة الإسلام التي نص عليها القرآن الكريم، وجعلوا الممارسات التاريخية نصب أعينهم في التعامل مع الآخر المختلف دينياً، وهي ممارسات تنبع من واقع عصرها وذيوع الولاء إلى الملة لا إلى الوطن كما هو اليوم، وما يؤكد هذا التأويل أن الصحابة في عهد الراشدين هم من دشن العمل بالجزية، بعد إسقاطهم دولتي فارس والروم واجتهدوا في تأويل مفهوم الجزية وتطبيقه على الأفراد. يقول الشيخ محمد رشيد رضا: «ومن وقف على هذه النصوص يظهر له أن الجزية مأثورة من آل كسرى، وأن الشريعة الإسلامية ليست بأول واضع لها، وأن كسرى رفع الجزية عن الجند والمقاتلة، وأن عمر بن الخطاب اقتدى بهذه الوضائع».
فهل يسائل الفقه الإسلامي التقليدي نفسه قبل غيره من الحركات الإسلامية المتشددة، التي انبرت لتطبيق الجزية على أهل الكتاب قبل استكمال بقية الواجبات والحقوق الأخرى، كيف يمكن التهاون في فهم النصوص وتطبيقها أن يؤدي إلى الإساءة إلى الإسلام وشرائعه السمحة؟ وإلى متى سيظل هذا الفقه أسير العجز والدونية عن انتقاد تراثه الذي يساء تطبيقه في سياقات تاريخية غير مناسبة؟

(Visited 43 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

orient6

لاهوت ما بعد الحداثة … الإيمان حالة وجودية

لاهوت ما بعد الحداثة ... الإيمان حالة وجودية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification