صعود العلويين في تركيا رغم غياب الاعتراف الرسمي

خاص حوارات – بقلم: جو حمّورة –

العلويون في تركيا
العلويون في تركيا

لا يمكن القول إنّ الحكم الأخير الذي أعلنته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، حول حقوق العلويين الأتراك، غير واقعيّ. هذا وصف “ملطّف” لواقع كُبرى الأقليّات الدينية في تركيا، كما هو حكم من جملة أحكام وقرارات أوروبية وتركية كثيرة صدرت سابقاً لصالحهم، وعلى الأرجح أنها لن تكون الأخيرة.

الحكم الصادر في الثاني من كانون الأول ديسمبر الجاري، أكد على حق العلويين الأتراك باعتراف حكومتهم بأماكن عبادتهم، واعتبارها مراكز دينية تتمتّع بالصفة القانونية ذاتها التي تتمتع بها الجوامع والكنائس في تركيا. ولهؤلاء مراكز عبادة تسمى “بيوت الجمع” (Cemevis) وهي، حتى اليوم، لا تُعتبر في القانون التركي سوى مراكز ثقافية فقط. هذا الواقع القانوني المجحف لا يشذ عن نظرة الدولة التركية -سابقاً وحالياً- إلى العلويين الأتراك. وهي تتلخص باعتبارهم مسلمين فقط، من دون الاعتراف بهم كطائفة أو دين متمايز عن الأكثرية السنيّة التركية.

في تركيا، يسكنُ العلويون في طول البلاد وعرضها، وخاصة في وسطها الأناضولي، ويُسمّون بالـAlevis. والرائج استعمال كلمة “عليهيين” للدلالة على هذه الطائفة المكوَنة من 12 إلى 18 مليون نسمة وفقاً للإحصاءات المتباينة. وهم يختلفون عن العلويين الذين يسكنون في سوريا وإقليم هاتاي (إسكندرونة)، والذين لا يتعدى عددهم المليون ونصف المليون نسمة في تركيا على أبعد تقدير. كذلك، يختلف الإثنان من حيث الأصول القومية؛ ففي حين أن “العلويين” هم تُرك (وبعض الكُرد) ولغتهم الأم هي التركية، فإن العلويين هم عرب اللسان.

عدا عن الاختلافات القومية والعددية والجغرافية، يتمايز الطرفان كذلك من حيث النشأة والإيمان الديني. من ناحية الأصل، يعود نشوء “العلويين” إلى القرن السادس عشر في أذربيجيان على يد الشاه إسماعيل الذي أسس “العلوية” في البدء بالارتكاز على الصوفية. في حين تعود أصول العلويين إلى ما قبل ذلك بعدة قرون، وسط اختلاف علماء التاريخ بين أصولهم العربية والفارسية. كذلك يتشعب الاختلاف بينهما عند البحث في موضوع إيمان الطائفتين، غير أنّهما وإن اعتبرا نفسيهما فرعين من فروع الإسلام الشيعي، إلا أن العلويين هم طائفة توفيقية متحفظة جداً من طوائف الإسلام، مفتوحة فقط للرجال، وتُلقّن لعدد محدد من أبناء الطائفة. من جهة أخرى، فإن لعقيدة “العلويين” تفسيراً فضفاضاً نسبياً للإسلام، وهي مفتوحة لكِلا الجنسين. كما تجمع، كعقيدة، بين الإسلام من جهة والصوفية من جهة أخرى، بالإضافة إلى تقاليد من الديانة المسيحية والديانة الشامانية الموجودة في الأناضول قبل الإسلام.

منذ قيام “الدولة الأتاتوركية” ذات الايديولوجية القومية عام 1923، كان “العلويون” من منظّريها وبُناتها الأساسيين. كما انخرطوا بالحركات المؤيدة للحكم القومي التركي، ودافعوا عن علمانية النظام المفترَضة. فمصالح الأقليات بشكل عام تبقى مضمونة في الأنظمة ذات الصبغة العلمانية، وذلك عبر تأمين تساويها مع أبناء بقية الطوائف والأديان ذات الأكثرية العددية. إلا أن الانقلاب العسكري الدموي، والذي قادته تجمعات من النخب القومية والعسكرية التركية عام 1980، راح يستخدم الدين الإسلامي “الرسمي” (السني) لصبغ حكمه الجديد بالشرعية الشعبية، ما أدّى إلى فقدان “العلويين” لمكتسبات النظام العلماني في ما يخص المساواة. بالإضافة إلى أن صعود الإسلام السياسي، منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، أدّى إلى ردّات فعل لدى “العلويين” زادت من وعيهم الطائفي وتمايزهم الثقافي عن الأكثرية السنيّة في تركيا.

alevis_turkey

هناك عوامل ذاتية أخرى عزّزت الوعي الطائفي لدى “العلويين”. فقد كان لأحداث مجزرتي “سيواس” و”غازي” عامي 1993, 1995 على التوالي (والتي راح ضحيتها حوالي 50 مثقفاً “عليهياً”)، تأثيراً كبيراً في هذا الوعي، إذ شكلتا نقطة تحوّل كان لها شأن في تزايد النقمة والإحساس بالمظلومية والتمييز عن بقية الأتراك. من ناحية أخرى، لعب المهاجرون الأتراك “العلويين” في أوروبا، خاصة في ألمانيا، دوراً حيوياً خلال العقدين الأخيرين، عبر بث النشاط الثقافي والديني وإحياء الأدب والتاريخ “العلوي”، ما حفز الوعي عند أقرانهم في الداخل التركي.

ساهمت كل هذه التطورات والأحداث في ايقاظ هوية “العلويين” الدينية، وشجّع البعض على العودة إلى الإيمان الخاص، كما شجع الآخرين على التخلّص من ممارسة التقيّة الدينية في المجتمع. بالتوازي، أدى ذلك إلى صعود الحركات المؤلفة من مؤسسات دينية وثقافية ونوادٍ كممثلة للطائفة، وباتت لاعباً أساسياً في السياسة الداخلية التركية، ولها مطالبها السياسية والدينية والتربوية الخاصة.

في السياسة، يطالب “العلويين” بوقف أسلمة الدولة والمجتمع، وبالمساواة في التمثيل السياسي في السلطات التنفيذية، الحكومية والبلدية، إضافة إلى إعلان يوم عاشوراء عيداً وطنياً. أما دينياً، فيطالبون بالاعتراف بـ”بيوت الجمع” كمراكز دينية، وبالتالي إعفاءها من الضرائب، والسماح بإنشاء مجلس خاص للطائفة يدير شؤونها ويتلقى المساعدات الحكومية، أسوة بالمجلس السنّي الرسمي. بالإضافة إلى ذلك، يطالبون بوقف “تسنين” القرى “العلوية”، ووقف بناء المساجد فيها، وهي ممارسات بدأت منذ إنقلاب عام 1980 ولا تزال مستمرة حتى اليوم. أما في الشأن التربوي، فيطالب “العلويين” بجعل التعليم الديني في المدارس اختيارياً لا الزامياً، إضافة إلى إدراج “العلوية” كأحد الطوائف في البرامج التعليمية.

هذه المطالب تتعارض مع النزعة الإسلامية لحزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا. فمنذ عام 2002، طبق هذا الحزب بقيادة رجب طيب أردوغان سابقاً، ورئيسه أحمد داوود أوغلو حالياً، أسلمة ناعمة للمجتمع والدولة في معظم المجالات. إلّا أن هذه الأسلمة تحوّلت إلى أسلمة صريحة وعميقة منذ عام 2011، بعدما حجّم حكام تركيا المدنيون قدرة الجيش التركي العلماني على التدخل في الشؤون السياسية. فكانت النتيجة أن أصبحت قوى الإسلام السياسي أكثر تحرراً في تطبيق ما تريده، فانتهج حكام تركيا سياسة متصاعدة في تطبيق إصلاحاتهم المحافِظة ذات الجذور الإسلامية.

كعادتها، وقبل كل انتخابات، تقوم حكومة “العدالة والتنمية” ببعض الإصلاحات تجاه الأقليّات. ومن المتوقع، بحسب تقارير صحافية وتصاريح رسمية، أن تعلن الحكومة التركية عن حزمة إصلاحات جديدة مطلع عام 2015 لكل من “العلويين” والأكراد. إلا أن الإصلاحات المتعلقة بـ”العلويين”، والتي ستأتي قبل الإنتخابات النيابية في صيف العام ذاته، لا يبدو أنها ستلبي أياً من رغباتهم. وستقتصر هذه الإصلاحات على السماح بتعليم المبادئ “العلوية” في المدارس كثقافة خاصة لمجموعة من السكان، وليس باعتبارها طائفة مستقلة كما يُطالب أبناؤها، بالاضافة إلى إعفاءات ضريبية على “بيوت الجمع” من دون تصنيفها كمراكز عبادة.

Anti-government Alevi protesters shout slogans during a demonstration in Istanbul

في المقابل، يُبدي أوغلو كما سلفه أردوغان، تسامحاً نظرياً ولفظياً تجاه “العلويين”، وذلك عبر خطبه السياسية والأكاديمية المتتالية التي تؤكد على الوحدة التركية والتاريخ الإسلامي المشترك. إلا أن هذا التسامح النظري لا يُترجم عملياً عبر قوانين جديدة أو إصلاحات جذرية، تلبي طموحات ومطالب فئة كبيرة من الأتراك بحسب فهمها لذاتها ولهويتها. إنما يكتفي بالتشديد على شرعية الإسلام السنّي الضامن والجامع تحت جناحه لكل توجه ديني وثقافي آخر في البلاد. ومردّ ذلك يعود إلى فهم السلطة وحكامها المتعاقبين لـ”العلوية” من منظار سنّي حصراً، واعتبارهم جزءاً من هذا الإسلام، لكن “تشوبه” كثرة طغيان الصوفية والتشيّع عليه ويجب “تسنينه”.