موقع الدِّين … في سياق التحولات الحضارية

مسفر بن علي القحطاني – صحيفة الحياة –
تسود الفكر العربي المعاصر رؤية مختزلة حول نهاية الدين أو موته في الفكر الحداثي المعاصر، ويعتبر مفكرون أن هيمنة الفلسفة المادية أقصت «خرافة» الدين وأساطيره من وعي المجتمعات، وهذا التصور مجانب للحقيقة والواقع. يؤكد هذا التصور المغلوط الدكتور السيد ولد أباه الذي يرى أن الدين في أبعاده الوجودية والتأويلية وبنيته المعيارية العميقة لا يزال مكين الحضور، قوي التأثير في الأرضية الفكرية الغربية، بل فنّد مقولة خروج الدين من الفكر الفلسفي الغربي بدراسة لأشهر تلك الفلسفات (ديكارت ونيتشه وهايدغر). وإذا كان هؤلاء يُنظر إليهم على أنهم قادة الفكر العقلاني الخالص، ومن خلالهم انتشر الإلحاد والفلسفة التي لا تؤمن بالغيب الماورائي، فإن دراسة ولد أباه وغيرها أثبتت عمق الدين في التصور الفلسفي من خلال رؤى جديدة للإيمان والتأويلات اللاهوتية تعيد الاعتبار للدين العقلاني؛ إما بالوقوف في المنتصف، بين إيمان لا يعتبر الدين، وعقلانية لا تنكر اللاهوت (هابرماس كمثال)، أو من خلال فكرة المحايثة التي تنعكس في علمنة مؤسسات الشأن العام وخصخصة الاعتقاد الديني، بحيث تتحول العلمانية إلى تعديل مطرد للتراث الديني وليست كفصل للمعتقد الديني، كما أن دخول الدين سيعني افتراق شديد في أطروحات الشأن العام (تايلور كمثال، يخالفه مايكل بيري الذي يرى إقحامه في الشأن العام). (انظر كتابه «الدين والسياسة والأخلاق»، دار جداول، طبعة 2014، ص 289 – 310، وكتاب «الدين في السياسة، جوانب دستورية وأخلاقية» لمايكل بيري، طبعة الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2014 ص 87 – 94).
ولتأكيد هذه الفكرة أجرى الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر مقابلة يتيمة مع صحيفة «درشبيغل» عام 1966 واشترط ألاّ تنشر إلا بعد وفاته التي حدثت بعد عشر سنوات من المقابلة المثيرة (عام 1976). وقد أطلق هايدغر في حديثة إلى الصحيفة الألمانية عبارة غامضة، أثارت – ولا تزال تثير – جدلاً واسعاً، هي قولته: «لا يمكن للفلسفة أن تحدث تغييراً فورياً لوضع العالم الراهن. لا يصدق الأمر على الفلسفة وحدها؛ وإنما على كل نزوع وكل قصد بشريين. لم يعد من الممكن أن يخلصنا إلا إله. السانحة الوحيدة التي بقيت لنا في الفكر وفي الشعر هي التأهب في مصيبتنا لظهور هذا الإله أو غيابه» (انظر «الدين والسياسة والأخلاق» لولد أباه، ص 300).
في هذا النص يُظهر هذا الفيلسوف العقلاني الوجودي قدراً كبيراً من الحاجة للإيمان والدين ولكن بعيداً من نصوصه ومقاييسه الميتافيزيقية التي صيغت في العصور الوسطى وشكّلت نمطاً معرفياً مغموساً بالخرافة والأهواء البشرية، وهذا ما كان يراه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا من أن هايدغر كان يحرص أشد الحرص على التحرّر من اللاهوت المسيحي، غير أنه ظل سجين أفق «الإيمان» بمفهومه الديني الأعمق، ففكره يصدر عن مفهوم الوحي والتنزيل والبحث المهووس عن المقدس والطهر والأصالة.
وعلى ذكر دريدا أجدني مضطراً إلى أن أنقل مقابلة له حول اهتمامه الديني وهو المعروف بالإلحاد والمنهج التفكيكي بعدمياته المطلقة، حينما سُئل: هل تؤمن بالله؟ قال :»في داخلي يوجد على الأرجح طفل مازال يؤمن بالله، ولكن ذلك ليس شأن الفيلسوف الكهل» وذكر أنه يمارس صلواته الخاصة ورفض أي توضيح لها.( انظر «حوارات ونصوص مع ميشال فوكو وجاك دريدا»، ترجمة محمد ميلاد، طبعة دار الحوار 2006، ص 162).
هذه النماذج السابقة من غلاة الفلاسفة وملحديهم، تدل على أن إنكار الدين ليس حتمياً من كل جهة، وكل من أنكره فلسفياً عاد هو أو تلامذته ليثبتوه عقلياً وفطرياً (أي بالغريزة الطبيعية)، فضلاً عن أن البديل هو الإيمان الخاص الذي يلجأ إليه مثل هؤلاء اختياراً واضطراراً.
أعود لأؤكد أن الدين كحاجة للإيمان والبعث الأخلاقي، لم يعد أمراً منكراً في الغرب بعد القرن العشرين، كما أن آخرين يجدونه مخلصاً ومعتقداً وهوية ومعرفة أيضاً، فالدين لم يمت ولم ينته؛ بل الإقبال عليه متزايد من كل الشعوب والدول، خصوصاً من فئة الشباب. يقول جون كولمان عن إقبال الشعب الأميركي على الدين والقيم المسيحية: «يمكن القول إن موروث ديانة الكتاب المقدس هو أقوى المصادر الرمزية وأكثرها إقناعاً» (انظر»الدين في السياسة» لمايكل بيري، ص 95). وماذا يعني هذا على مستوى التحوّلات الحضارية في عالم اليوم؟ وماذا يعني دخول الدين كعامل تغيّر وتحوّل، وقد تكرّر دوره الكبير في التاريخ القديم، فهل سيكون له الدور ذاته في المستقبل؟
يمكن لمناقشة هذا السؤال أن أورد النقاط التالية:
أولاً: التحوّل نحو الدين يزداد في شكلٍ متنامٍ في الأوساط المجتمعية الحديثة، ولا يعني ذلك عودة الناس إلى الكنيسة كما في الغرب المهيمن اليوم، بل الواقع كما جاء في تعبير مالوري ناي هو:»انحدار المسيحية وليس الانحدار العام للدين»، وأيضاً القيم والأخلاق المسيحية لم تنحدر أيضاً، كما أن هناك تديناً خاصاً بدأ يظهر على شكل جماعات دينية خاصة (NRMs)، وهذا الشكل من التحوّل عن الديانة التقليدية العريقة إلى أشكال حديثة متنوعة، قد ينتج منه ميل نحو إثبات الوجود بالعنف كون البدايات الدينية ذات الطابع البشري، فيها ميل للراديكالية عند التأسيس، كما أن التعصب بين أفراد تلك الحركات سيشكل تعاطفاً قومياً أو طائفياً، وأوروبا تشهد الآن هذا التمدّد، وأظنه سيعيد ترتيب التوجّهات والأفكار داخل النسق الأوروبي العام، ونتائج الانتخابات في عدد من الدول الأوروبية والهند، خلال هذه الفترة تشير إلى تصاعد هذا اللون من الراديكالية الدينية (انظر «الدين-الأسس» لمالوري ناي، طبعة الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2009 ص 326 – 342).
ثانياً: إن التحوّل نحو خيار الجماعات الدينية والروحانية الإيمانية الغنّوصية في الغرب وكثير من أجزاء الشرق الصيني والهندي، قد يحدث صداماً مع المؤسسات العلمانية التي راهنت منذ القرن التاسع عشر على التنبؤ بموت الإله ونهاية الديانات. وتواترت أعمال خبراء علم الاجتماع تنشر المعطيات والدراسات الميدانية التي لا تظهر الأزمة العميقة غير المسبوقة في المؤسسات الدينية فحسب؛ بل انحسار هيمنة الدين على المجتمع، وأن ما سمي العلمنة أمسى هو الأفق المنشود للحداثة، وكتب الكاتبون مؤلفات شهيرة مثل «غروب المقدس» (سابينو أكوافيفا) و«المدينة العلمانية» (هارفي كوكس) و«زوال الوهم عن العالم» (مارسيل غوشيه)، ولكن بعد التحوّل التصاعدي لعودة «الديني»، ظهر من يتنبّأ بعودة الصدام والمواجهة كما حدث في القرن الثامن عشر الميلادي بعد الثورة الفرنسية، وما كُتب من التنبؤات في ذلك يُشير إلى لغة صارمة في التعامل مع هذا التحوّل، كما في كتاب بيتر بيرغر «نسخ العلمانية»، وهو اعترف في كتابه الأخير أن العالم الحالي «متديّن بقوة كما كان دائماً، بل بدرجة أقوى في بعض جهاته»، وما كتبه جيل كيبل في كتاب بعنوان «انتقام الرب». إلى غير ذلك من كتابات قد تنذر بمواجهة داخلية بين العلمانية والحركات الدينية الجديدة.
انظر مقالة «عودة الأديان وتحوّلات الإيمان في الغرب» منشور في موقع الجزيرة نت على الشبكة العنكبوتية
http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2005/4/27/
ثالثاً: يقول المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل: «إن الدين هو السمة الأكثر قوة، إذ يتموقع في قلب الحضارات، وهو ماضيها وحاضرها» (قواعد لغة الحضارات ص 75) وأقول وهو مستقبلها أيضاً، فالدين هو الذي شكّل جوهر كل الحضارات وأساسها العميق كما في الحضارة الإسلامية والمسيحية والبوذية والهندوسية، ولن يقدر أحد على اجتثاث جذوره الضاربة في عمق التاريخ، وعمق الانتماء الروحي لتعاليمه. يقول غوستاف لوبون:» أهم المبادئ التي تؤثر في الحضارة وتوجهها هي المبادئ الدينية، وأعظم حوادث التاريخ نشأت عن المعتقدات الدينية». (انظر كتاب «السنن النفسية لتطور الأمم»، ص157)، لذلك يعتبر التحوّل الحضاري العميق والواسع هو الناتج من التحوّلات الدينية والصحوات التجديدية التي تنطلق من مدارس هذه الديانات، فكلما استطاعت تلك الديانات القيام بالنقد والمراجعة والتصحيح لتراثها ومواكبته مع الحداثة، كان مجال التحوّل أعمق وأقوى، وفي التاريخ يظهر التزامن مع قوة الحضارات وقدراتها في خلق روح تجديدية تسري في دماء الأتباع؛ ما ينعكس على تمدّدها وانتصاراتها المختلفة، وقد حصل ما يدل على ذلك في فترة صلاح الدين والدولة الأيوبية في الشرق خصوصاً الفترة من 1160 – 1250م، وفي فترة يوسف بن تاشفين ودولة المرابطين في المغرب العربي خلال الفترة من 1060- 1160م، إذ كان هناك ارتباط واضح بين التجديد الإصلاحي والتوسع السياسي، وتكرّر ذلك في أكثر من مكان في العالم، وتوسّع الإسكندر المقدوني المتأثر بمعلمه المُلهم أرسطو، ونابوليون أثناء نشره أفكار الثورة بأوروبا، وغاندي ودوره في نشأة الهند الحديثة… كلها أمثلة لهذا الارتباط التحوّلي للحضارات والمجتمعات.
ما سبق هو تعبير عن عودة الديني وتأثيره في التحوّلات الحضاريّة المعاصرة، وهذا جانب واحد ضمن معطيات حضاريّة أخرى، أصبحت تتشكّل ببطء وتموج تحت السطح مؤذنة بتغيّرات في تاريخ المجتمعات الإنسانية اليوم. ربما كان تصاعد الاحتجاجات الشبابيّة والحركات الشعبية بكل أطيافها، شاهداً على شعورنا بهذا التحول العميق، أو ربما هو ما ظهر لنا من رأس جبل الجليد، الشاهد أن هناك منتجات جديدة يتجه بعضها في مسارات جانحة، وبعضها في دروب مانحة للخير والسلام في الأرض، والمستقبل القريب قد يُظهر أي تلك الخيارات أغلب.