الرئيسية / مراجعات الكتب / الحـركات الإسلامية الحديثة في ليبيا

الحـركات الإسلامية الحديثة في ليبيا

image_pdfimage_print

قراءة: د.هيثم مزاحم –
الكتاب: الحـركات الإسلامية الحديثة في ليبيا: منطلقاتها قياداتها تجاربها مآلاتها
المؤلف: محمود الناكوع
الناشر: دار الحكمة – لندن – 2010 –

يقول الباحث محمود النــاكوع إن بحثه “الحـركات الإسلامية الحديثة فى ليبيا: منطلقاتها، قياداتها، تجاربها، مآلاتها” لا يهدف إلى التوسع فى منطلقات وتراث الحركات والجماعات والأحزاب الإسلامية الأم أو الأصلية، ولكنه يهدف إلى التعريف الموجز بالفروع التي نشأت في ليبيا، وهي فروع محدودة الإبداع والعطاء الفكري، فاهو لم يجد كتباً ولا مجلات ولا صحفاً إلا نادراً لهذه الحركات، إذ جرمت تلك الحركات والجماعات في عهد الزعيم الليبي المخلوع معمر القذافي، ولا يسمح بنشر أي تراث لها وإن كان تاريخياً قديماً. وكان النظام الليبي بشوكته الأمنية العسكرية، وبقدراته المالية، وبعلاقاته الدولية قد انتصر على تلك الجماعات الصغيرة عدداً وعدة، وهو انتصار فرضته ملابسات وظروف عدة هي من طبيعة ليبيا جغرافياً واجتماعياً وسياسياً.
الجغرافيا الشاسعة والمسطحة لليبيا أي أنها قليلة الجبال الشاهقة، وقليلة الغابات الكثيفة، والمجتمع الصغير في كثافته السكانية، وضعف التجـربة السياسية. هذه السمات تكوّنُ في مجموعها عوائق في طريق حركات التمـرد والعصيان والتغيير الجذري، بل حتى الإصلاحي.
وعلى الرغم من ذلك الانتصار المادي للسلطة ومؤسساتها، فإنه بقي انتصاراً محدوداً، فهناك حقائق وثوابت لا يمكن أن تعالج بشوكة السلطة، وهي حقائق العقائد والأفكـار والعواطف . فمهما بلغت قوة الدولة وأجهزتها لن تستطيع تغيير القناعات الدينية، أو الفكـرية بقوة المادة متمثلة في “السجون، والتعذيب، والقتل، وهدم البيوت”. فعبر كل التاريخ الإنساني لم تنجح تلك الأساليب، وثبت العكس.
فكل عقيدة صحيحة المنطلقات، ومنسجمة مع الفطرة الإنسانية، وقابلة عقلياً للحوار، كانت هي المنتصرة في نهاية مسار الصراع. فكل فكـر ديني أو بشري محض، قام على أسس من أنساق عقلية وروحية وأخلاقية، لا يمكن أن يُهزم بأدوات مادية صماء.
ويرى الناكوع أنه إذا استطاعت الحـركات الإسلامية أن تراجع فكرها وعملها مراجعة سليمة، وفي وضع لا ضغوط فيه، عندها ستكون العبر مثمرة، وذات جدوى، بل وذات مستقبل.
ولا شك أن جميع الحركات، والجماعات الإسلامية التي خاضت تجربة التنظيم والعمل، ودخل بعضها في صراع ضد السلطة، كانت بقياداتها وأعضائها متأثرة بما يجري في البلاد من تحوّلات ثقافية وسياسية صاحبتها أعمال عنف وصدامات دامية في الجامعات وخارجها. كما كانت متأثرة بما كان يجري في المحيط الجغرافي العربي والإسلامي.
وقبل أن نتناول الحركات الإسلامية الحديثة تاريخاً وفكراً وممارسة، من المهم أن نستعرض بإيجاز الوضع السياسي في البلاد، وبالتحديد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وحتى الإعلان عن استقلال البلاد. فقد نالت ليبيا استقلالها في 24 ديسمبر 1951 بعد كفاح عسكري وسياسي دام نحو أربعين عاما (1911ـ 1951 ) وجاء الاستقلال ثمرة التضحيات التي قدرت بأكثر من نصف مليون ليبي.
يقول الشيخ الطاهر الزاوي إن بعض هؤلاء استشهدوا في ميادين الجهاد والصراع ضد الغزاة الطليان، وبعضهم ماتوا من جراء مضاعفات الحرب ومنها المعتقلات والهجرات والمجاعات والأمراض التي كانت تفتك بالناس دون أي عناية من الدولة المحتلة، ودون وجود أية مساعدات إنسانية لا من داخل الوطن الذي كان سكانه يعانون من الفقر والجهل، ولا من أية جهات أخرى.
وعندما خسرت إيطاليا الحرب العالمية الثانية وانسحبت قواتها من ليبيا عام 1943، أصبحت البلاد تحت حكم الإدارة العسكرية البريطانية ما عدا المناطق الجنوبية (فزان) التي أصبحت تحت سيطرة القوات العسكرية الفرنسية. وعند انهزام ايطاليا خضعت المنطقة الشمالية للبريطانيين الذين أنشأوا إدارة عسكرية مؤقتة فى كل من برقة وطرابلس، ومنفصلة إحداهما عن الأخرى انفصالاً تاماً، بينما خضعت المنطقة الجنوبية “فزان” لحكم الفرنسيين الذين أنشأوا بدورهم إدارة عسكرية فيها، باعتبار أن الفرنسيين هم الذين قاموا بالعمليات العسكرية التي أخرجت الطليان وحلفاءهم من هذه المنطقة.
وخلال هذه المرحلة أي مـابين 1943 و1951 كانت البلاد وقياداتها الوطنية تخوض المعركة السياسية لنيل الاستقلال. وكانت أجواء ما بعد الحرب العالمية الثانية تبدو مناسبة لتصعيد العمل السياسي وطنياً وعربياً ودولياً. وأعطت بريطانيا الضوء الأخضر للقيادات السياسية والثقافية لإطلاق نشاطاتها. وبدأ مناخ جديد يختلف تماماً عن أجواء الإحتلال الإيطالي وما جرّه من عذاب ودمار. وفي منتصف عام 1943 بدأ الحراك العملي في تأسيس النوادى الثقافية، ثم الأحزاب السياسية، وقد بلغ عددها خلال بضع سنوات أكثر من عشرة أحزاب سياسية منها:
ـ الحزب الوطني بقيادة أحمد الفقيه حسن عام 1944.
ـ الجبهة الوطنية المتحدة بقيادة سالم المنتصر عام 1946.
ـ حزب الكتلة الوطنية بقيادة علي الفقيه حسن وأخيه أحمد وعناصر أخرى انشقت عن الحزب الوطني.
ـ جمعية عمر المختار برئاسة خليل الكوافي عام 1943.
ـ الجبهة الوطنية برعاية السيد ادريس السنوسي عام 1946.
ـ حزب المؤتمر الوطني بزعامة بشير السعداوي في يوليو 1949.
كما تأسست أحزاب وجمعيات صغيرة أخرى.
وكانت تلك الأحزاب والجمعيات، وقياداتها كثيرة الإختلاف والتقلّبات، وتعكس المزاج الثقافي السياسي الذي لم تكن له أية خبرة سابقة في هذا المجال، وهو أمر طبيعي تمر به كل التجارب الحزبية، وخاصة في مثل تلك الظروف الصعبة. المهم أن تلك المرحلة بكل ما فيها من سلبيات وصراعات أعدت القيادات والجماعات السياسية لمواصلة عملية الكفاح السياسي على المستوى الإقليمي والدولي، وتمكنت مع عوامل خارجية أن تحقق هدفها، وهو انتزاع الاستقلال بقرار من الأمم المتحدة. وأصبحت ليبيا، لأول مرة في التاريخ، دولة مستقلة، لها دستورها ومؤسساتها التشريعية، بنظام ملكي اتحادي. وصار ملكها هو محمد إدريس السنوسي، حفيد المصلح الإسلامي محمد علي السنوسي ( 1787 1859). والدارس لتلك المراحل من تاريخ ليبيا السياسي، يلاحظ أن الوطنية هي البعد الثقافي الذي أفرز كل النشاطات والأحزاب، وأن الإسلام كان مصدراً أساسياً في إلهام تلك التيارات الوطنية معاني الكفاح والثبات والاستشهاد، خاصة وأن الأمير إدريس، الزعيم الروحي لذلك الحراك ينتسب إلى حركة إسلامية إصلاحية، هي الحركة السنوسية.
وربما لهذا السبب تأخرت عملية ظهور الحركات الإسلامية، ولم تفرز تلك المراحل أي حركة أو تنظيم، أو حزب يُسمى أو يصف نفسه إسلامياً. وفي 19 فبراير عام 1952 تم تنظيم أول انتخبات نيابية في ليبيا، لكن حزب المؤتمر شكك في نزاهتها، ووقعت أثناءها صدامات وأعمال عنف بين الشرطة والمواطنين أدت إلى سقوط قتلى وجرحى فى المدن الساحلية في ولاية طرابلس، كما جرى اعتقال عدد كبير من انصار حزب المؤتمر.

الحالة السياسية في البلاد قبيل الإستقلال
وربما لهذا السبب تأخرت عملية ظهور الحركات الإسلامية، ولم تفرز تلك المراحل أي حركة أو تنظيم، أو حزب يُسمّى أو يصف نفسه إسلامياً. وفي 19 فبراير عام 1952 تم تنظيم أول انتخبات نيابية في ليبيا، لكن حزب المؤتمر شكك في نزاهتها، ووقعت أثناءها صدامات وأعمال عنف بين الشرطة والمواطنين أدت إلى سقوط قتلى وجرحى فى المدن الساحلية في ولاية طرابلس، كما جرى اعتقال عدد كبير من انصار حزب المؤتمر. وبسبب تلك الأحداث، تغيّرت الأوضاع السياسية تغيّراً درامياً، أدى الى نتائج سلبية، حيث أعلنت حكومة محمود المنتصر حالة الطوارى، وأعتُقل بشير السعداوي، ثم جرى إبعاده إلى خارج البلاد للتخلص من وجوده كزعيم معارض طموح.
وحُلّ حزبه الذي كان أكبر الأحزاب، ثم ألغيت فكرة الأحزاب في كل البلاد وحلّت جميعها، لأن السلطة الحاكمة حسب رأي مجيد خدوري لم تكن تنظر بارتياح الى النظام الحزبي. وأدى منع الأحزاب من التشكّل والعمل بصورة قانونية وعلنية إلى خيار العمل السري. ومن هنا كانت بدايات الحركات الإسلامية، وغيرها من الحركات القومية واليسارية، التى لجأت الى ذلك الأسلوب الذي سيقودها جميعاً إلى صراعات ومواجهات مع السلطة الحاكمة.
وسوف تتجه مآلاتها التنظيمية إلى أوضاع في غاية الصعوبة، حيث ستنتهى قياداتها وعدد كبير من أعضائها إلى السجون والقتل في الداخل، أو إلى الهروب والهجرة إلى خارج الوطن، وبعضها توقف عن النشاط توقفاً كاملاً في داخل البلاد وخارجها. وبينما ضاعت فرصة نظام الأحزاب في العهد الملكي وحكوماته المتعاقبة، ولجأت التيارات المسيّسة إلى العمل السري، وتعامل معها العهد الملكي بشيء من التسامح، والأحكام المخففة لمن طالهم الاعتقال مثل البعثيين والقوميين العرب. فـالأمر اختلف شدة في عهد معمر القذافي إذ زاد تطرفاً، حيث أُصبحت الأحزاب جريمة عقوبتها الموت. وعلى الرغم من كل ذلك المنع، لم تتوقف التنظيمات السرية، بل عددها ضاعف برغم قانون تجريم الحزبية، وهو ما يدور حوله البحث فى هذا الكتاب، يقول المؤلف.

الإخوان المسلمون في ليبيا
مرّ تاريخ حركة الإخوان المسلمين في ليبيا بثلاث مراحل، وكانت إنطلاقة المرحلة الأولى فى أواخر العقد الرابع من القرن العشرين، ويمكن وصف تلك المرحلة بأنها مرحلة التعريف بالمنطلقات والأفكار العامة للحركة والدعوة لنشرها، والعمل من أجل استقطاب الأنصار في أوساط الشباب.
ومن أهم أسباب وصول فكر الإخوان إلى ليبيا، وخاصة إلى مدينة بنغازي، هروب ثلاثة من الشبان المصريين من جماعة الإخوان المصرية من مصر إلى ليبيا، وهم عز الدين ابراهيم، ومحمود الشربيني، وجلال سعدة. وكان هروبهم بسبب الإتهامات التي وجهت إلى عدد من الإخوان في حادث إغتيال النقراشي رئيس الحكومة المصرية عام 1949.
ويصف المفوض البريطاني في برقة، دي كاندول، ذلك الحدث قائلاً: “ذات يوم من أوائل يوليو عام 1949، بينما كنت في إحدى زياراتى المعتادة للأمير ادريس أخبرني بأنه في مساء اليوم السابق سمع طرقا على النافذة، فلما استوضح جلية الأمر وجد ثلاثة شبان غرباء يطلبون مقابلته بصورة ملحة. وحين دخلوا عليه قالوا إنهم لاجئون من مصر بعد أن أُتهموا زوراً بالإشتراك في جريمة اغتيال النقراشي باشا. وقد استجاروا بالامير متوسّلين اليه باسم الواجب الإسلامي، فلم يجد بداً من اجابة مطلبهم، وأمر بإسكانهم في قصر المنار وهو قصر الأمير. وقلت له صراحة إن هذا التصرف يضعني في موقف حرج، إذ أنني ما زلت مسؤولاً عن الأمن العام والعلاقات الخارجية، فأصر على أنه لا يملك إلا أن يجير من يلجأ الى حماه. وحين رجعت الى بنغازي علمت أن اثنين من كبار ضباط الشرطة المصرية قد وصلا من القاهرة جواً لمطاردة الرجال الثلاثة بعد ما تم اقتفاء آثارهم الى حدود برقة، وأنهما توجها إلى ادارة الشرطة رأساً للبحث عن المطلوبين. وكان من الغريب أننا لم نتلقَ أية معلومات عن الموضوع من القنصلية المصرية، وبالتالي لم يكن بوسعي أن أفعل شيئاً أكثر من رفع تقرير إلى الحكومة البريطانية. وبطبيعة الحال، أخفقت عملية البحث عن الأشخاص الثلاثة فعاد الشرطيان المصريان إلى القاهرة بخفي حنين. وسرعان ما جاء الرد المصري على تصرف الأمير. ففي اليوم التالي مباشرة أغلقت الحدود المصرية مع برقة، كما القي القبض على اثنين من الشخصيات البرقاوية كانا يزوران مصر. وبعد ذلك طلبت الحكومة المصرية من حكومة بريطانيا تسليم الفارين رسمياً، فلم أجد رداً مناسباً غير الإشارة إلى فروض الإسلام، تاركاً للسفارة البريطانية في القاهرة أن تجادل السلطات المصرية كما تشاء”.
على أثر احتضان الأمير ادريس لهؤلاء الشبان من الإخوان المصرين، واصراره على رفض تسليمهم للسلطات المصرية، احتضت مدينة بنغازي هؤلاء الشبان. واستطاع الأستاذ عز الدين إبراهيم من خلال التدريس في المدارس الليلية، ومن خلال العلاقات التي أقامها مع الناس أن يعطى صورة جيدة عن الإخوان ودعوتهم، وكانت نتيجة ذلك إنتماء عدد من الشباب الليبيين الى حركة الإخوان.
وإلى جانب هؤلاء الشبان، كان لبعض المدرسين المصريين من الإخوان المسلمين تأثيرهم في تلك المرحلة في ليبيا.
يذكر عبد الله ابوسن، أحد شخصيات الإخوان في ليبيا، فى مقابلة مع مجلة المجتمع الكويتية العدد 1054 “أن حركة الإخوان بدأت في ليبيا فى أواخر أربعينيات القرن العشرين على أيدى مجموعة من المدرسين المصريين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك بعض الإخوان الذين لجأوا الى ليبيا، وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور عز الدين إبراهيم”.(2)
وفي طرابلس، وبقية المدن الأخرى في ولاية طرابلس، كانت الإنطلاقة الأولى فى أوائل العقد الخامس من القرن الماضي، أي بعيد الإستقلال حيث جاء الى البلاد عدد كبير من المدرسين المصريين للتدريس فى المدارس الإعدادية والثانوية، وفي المعاهد، وكان بعضهم من الإخوان أو من المتعاطفين مع الإخوان، كما رجع الى البلاد عدد من الليبيين الذين درسوا في مصر، أو كانوا مهاجرين في مصر، وتأثروا بدعوة الإخوان، وبعضهم شارك مع الإخوان في حرب فلسطين عام 1948.
أما المنطلقات الفكرية التي قامت عليها الحركة في ليبيا، فهي المنطلقات ذاتها التي وضعها مؤسسها فى مصر الإمام حسن البنا عام 1929، والتي ركّزت في بدايات دعوته على الأخلاق، والتعليم، وبناء الفرد المسلم بناء سليماً.
وفى رسالة المؤتمر الخامس تبدو شمولية فكره واضحة المعالم، يقول حسن البنا: (فكرة الإخوان المسلمين تضم كل المعانى الإصلاحية، فهي دعوة سلفية لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله؛ وطريقة سنّية لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنّة المطهرة في كل شيء، وبخاصة فى العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً؛ وحقيقة صوفية، لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس، ونقاء القلب، والمواظبة على العمل… والحب فى الله، والارتباط على الخير؛ وهيئة سياسية لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل، وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب على العزة والكرامة والحرص على قوميته إلى أبعد حد؛ وهي جماعة رياضية…؛ ورابطة علمية ثقافية؛ وشركة اقتصادية؛ وفكرة اجتماعية”.
بهذه الشمولية تحدث الداعون الى حركة الإخوان في ليبيا إلى الشباب لجذبهم نحو تيارهم العريض الذي كان يشق طريقه بصعوبة، خاصة بعد قيام الثورة المصرية عام 1952، وحلّها لكل الأحزاب أولا، ثم حلّها لجماعة الإخوان بعد أن تباينت السياسات والأهداف بين قيادة الثورة وقيادة الإخوان.
وبسبب ذلك الصدام الدامي بين الإخوان في مصر وعبد الناصر، جاء إلى ليبيا في العهد الملكي عدد من الشخصيا ت الإخوانية منهم: الدكتور محمود أبو السعود، وهو اقتصادي معروف، والدكتور مصطفى مؤمن، وهو مهندس معماري مشهور، والمهندس يوسف ندى رجل الأعمال المعروف، والمهندس عمر الشاوي. وكانوا يمارسون أعمالاً مهنية في مجالات تتناسب مع قدراتهم.
وسط تلك الخلافات والصراعات، وفى أجوائها الصاخبة فى مصر حيث الحملات الإعلامية، وحيث الإعتقالات، ثم الإعدامات التي طالت عدداً من قيادات الإخوان، كانت ليبيا مازالت تستقبل الكثير من المدرسين المصريين للعمل في مدارسها ومعاهدها، ومنهم من يحملون دعوة الإخوان، دون الجهر بإنتمائهم إلا لمن يثقون به ثقة كاملة.
وفى العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي، وبرغم الظروف الصعبة نسبياً، فقد نشأ تيار الإخوان في ليبيا، وأصبح عدد المنتمين إليه والمتعاطفون معهم يُقدر بالمئات، وذلك برغم منع الأحزاب في ليبيا رسمياً، وبرغم المناوشات والهجمات الكلامية التي كان يقوم بها التيار الناصري في ليبيا ضد الإخوان بصورة عامة، وهو التيار الأوسع شعبية نتيجة تأثير خطب عبد الناصر وإعلامه.
فى تلك المرحلة لم يتبلوّر عمل الإخوان في ليبيا في شكل تنظيم له تصوّراته النظرية، وله أطره التنظيمية، وله قياداته المختارة اختياراً مباشراً من قاعدة منتظمة على أسس إنتخابية متعارف عليها. وربما وجدت بعض الأسر كوحدات تنظيمية لأغراض تعليمية تربوية، ولكنها لا ترقى الى أي مستوى من مستويات التنظيمات الحزبية.
وقد تأثر بمدرسة الإخوان العشرات من الشخصيات الليبية الذين عرفوا بمكانتهم السياسية أو العلمية أو الاجتماعية فى العقود الخامس والسادس السابع من القرن الماضي ومنهم، من تولّى مراكز مرموقة في مؤسسات الدولة. وقد حافظ تيار الإخوان في تلك المراحل المتوترة سياسياً على حضور ملموس بفضل عدد من رموزه التي كانت تعمل في المعاهد المتوسطة، مثل معهد مالك بن أنس، وفي المدارس الإعدادية والثانوية المنتشرة في كل البلاد، وفى كليات الجامعة الليبية، وفي جامعة محمد بن علي السنوسي الإسلامية. كما كان لتلك الرموز نشاط مهم من منابر المساجد في عدد من المدن الليبية ومنها: طرابلس، بنغازي، الزاوية، البيضاء، درنه، مصراته، غريان، نالوت. ومن تلك الرموز: الشيخ فتح الله محمد احواص، وهو أشهر خطيب اسلامي أنذاك، والشيخ محمد كريدان. وعمرو النامي، الذي كان له نشاط في نالوت مع الأستاذ المربي الشيخ علي يحي معمر.
ومن الرموز الإخوانية في بنغازى، والتي كانت تمارس الخطابة، وإلقاء الدروس، عبد الكريم الجهاني وادريس ماضي.
ومن المهم التأكيد على دور الكتب والمجلات الإسلامية، والتى انتجتها أقلام إخوانية ومنها كتب سيد قطب. ومن المجلات: مجلة المسلمون ورئيس تحريرها سعيد رمضان، وكتاب الحضارة الإسلامية لمصطفى السباعى، وكذلك كتب محمد قطب، وكتابات العلامة الهندي أبو الحسن الندوي، والشيخ محمد الغزالي، وغيرهم.
ومن الشخصيات الإسلامية البارزة التى كانت على صلة بالإخوان في طرابلس، الدكتور أحمد صدقى الدجاني، بل إن البعض كان يعتبره من الإخوان. وهو شخصية لها نشاطها الفكري المنتظم عبر المحاضرات العامة، والأحاديث الإذاعية، والمقالات الصحفية.

الإخوان المسلمون: المرحلـة الثانية
ألحقت إسرائيل خلال حرب حزيران/ يونيو 1967 خسائر فادحة بعدد من الجيوش العربية، وخاصة الجيش المصري، ما أحدث ردود أفعال كبيرة لدى كل المستويات الشعبية في الوطن العربى، وخاصة على مستوى الأحزاب، والحركات، ومنهاٍ التيارات والحركات الإسلامية.
وفي ليبيا، وبعد الحرب بشهور قليلة، بادرت مجموعة من الشخصيات المنتمية فكرياً إلى مدرسة الإخوان ببحث امكانية إنشاء تنظيم يجمع أكبر عدد من الأشخاص المقتنعين بأفكار “الإخوان المسلمين”. انتهت المشاورات والاتصالات الى عقد سلسلة من الاجتماعات في شقة محمد رمضان هويسة في منطقة زاوية الدهماني في طرابلس. وكان هويسة يعمل في التجارة والمقاولات، وأصبح إخوانياً منذ كان طالباً في الثانوية، وهو ينتمي الى أسرة معروفة لها مكانتها الاجتماعية. وكان شديد الحماسة لحركة الإخوان وتاريخها وجهادها، ولا يُخفى انتماءه إليها، وخاصة في الجامعة في بنغازي فى أوئل ستينيات القرن الماضي. انتهت سلسلة الاجتماعات تلك إلى الاتفاق على تأسيس تنظيم للإخوان في طرابلس له لجنة قيادية ضمت الشيخ فتح الله محمد احواص ويعرف بالشيخ فاتح احواص رئيساً للتنظيم، ومحمد رمضان هويسة مسؤولاً للعلاقات الخارجية، ومحمود محمد الناكوع مسؤولاً عن شؤون التنظيم، وعمرو خليفة النامي مسؤولاً عن النشاط الجامعي، ومختار ناصف مسؤولاً عن الشؤون المالية.
وبرزت هذه اللجنة بحكم نشاطها وحضورها الفكري والإجتماعي وتاريخها في تيار الإخوان، ولم تكن مختارة أو منتخبة من مجموع الأعضاء بصورة مباشرة. وكانت موضع قبول من بقية الإخوان بحكم منزلتها وقدراتها وبحكم الثقة فيها. ولم تعرف تلك التجربة ما يسمى عند الإخوان بالبيعة. ونظراً لسرية العمل فلم تكتب المجموعة أي نظام أساسي، أو ميثاق، أو بيان.
في غضون ذلك، كان لإخوان بنغازي تنظيم مشابه، وكان من قياداته: عبد الكريم الجهاني، ادريس ماضي، مصطفى الجهاني، محمد الصلابي، صالح الغول وآخرون.
وكانت هناك علاقات تنسيقية لتبادل الآراء والمعلومات حول النشاط العام. وكان كل النشاط، وكل الاتصالات يتم في سرية تامة، لأن الأحزاب والتنظيمات السياسية ممنوعة. وبرغم ذلك المنع ظل هناك هامش يتسع للنشاط الثقافي والخطب وإن كانت سياسية.
وطوال العهد الملكي 1952 – 1969، لم تعتقل السلطات أعضاء تلك التجارب التنظيمية الإخوانية لا في طرابلس، ولا في بنغازي. ولكن الجميع كانوا تحت رقابة الأجهزة الأمنية.
ظلت تلك المحاولة مقتصرة في نشاطها على تنظيم بعض اللقاءات لجموعة الأسر، التي لا يتجاوز عدد أعضائها أربعين عضواً، وهم كل أعضاء التنظيم في طرابلس وما حولها من مدن في غرب البلاد، ولكن العشرات من قدامى الاخوان لم ينضموا الى المحاولة المذكورة لأسباب متعددة.
تلك التجربة التنظيمية استمرت نحو عام، ثم توقف النشاط تلقائياً، حيث انقطع كثيرون عن حضور لقاءات الأسر، وهي لقاءات روتينية رتيبة، تدور جلساتها حول قراءة في موضوع تثقيفي في التفسير، أو الحديث، أو التاريخ. ولم يكن هناك أي نشاط سياسي أو صحافي يدفع إلى الحراك بحيوية. فلم تكن لدى الإخوان بعد رؤية سياسية واضحة ومبرمجة للتعامل اليومي أو المرحلي مع الواقع السياسي والتوقعات المستقبلية. فكانت هذه المجموعة تعارض الفساد، وهو كان محدوداً، وتعارض وجود القواعد الأجنبية، وذلك من خلال الخطب، وبعض الكتابات الصحافية.
وكان الإخوان يخشون وقوع انقلاب عسكري، يضع البلاد في مهب الرياح العاصفة، يكرّر في ليبيا ما حدث في المشرق العربي حيث كانت الحركات الإسلامية، والإخوان بالذات ضحية تلك الانقلابات. وكانت سرية العمل من أهم معوقات نمو جماعة الإخوان نمواً مناسباً، كما كان الحال بالنسبة للتنظيمات الأخرى.
وعندما وقع الانقلاب العسكري بقيادة الضباط الوحدويين في الأول من سبتمبر 1969، والذي أنهى النظام الملكي، لم يكن هناك وجود فعلي للتجربة التنظيمية الإخوانية، ولم يتم حلّها بصورة حاسمة من قبل اللجنة القيادية للانقلاب. ومن خلال ملفات الأمن الموجودة لدى النظام الملكي، والتي تضمنت قائمة بأسماء العناصر الإخوانية النشطة والمعروفة بحضورها الثقافي أو الصحافي أو الجامعي، جرى اعتقال نحو ثلاثين شخصاً في طرابلس في ابريل عام 1973، أثناء الإعلان عما سمّي رسمياً بالثورة الثقافية والإدارية.
وكان في مقدمة من تم اعتقالهم اللجنة القيادية، والبعض يسمّيها الأسرة القيادية. واستمر الاعتقال لمدد أقصاها حوالى أحد وعشرين شهراً. وبرغم البدء في اجراءات محاكمة تلك المجموعة، إلا أن المحاكمة توقفت بأمر سياسي، وأفرج عن الجميع اثر خطاب للعقيد القذافي رئيس مجلس قيادة الثورة، قال فيه إنه إذا أراد الإخوان العمل للإسلام فعليهم أن يعملوا له خارج ليبيا، وأن يتجهوا إلى جمعية الدعوة الإسلامية، ويهتموا بنشر الإسلام في أفريقيا وآسيا.
وفور الإفراج عنهم، طلبت الأجهزة الأمنية من عدد من الشخصيات الاتصال بجمعية الدعوة في طرابلس، تنفيذاً لقرار القذافي، وطلبت من عمرو النـامي أن يسافر للعمل خارج البلاد. وبذلك كان انتهى نشاط حركة الإخوان في ليبيا، وأصبحت محظورة مثل كل الأحزاب الأخرى.

الإخوان المسلمون: المرحلـة الثالثة
في أواخر العقد السابع، وأوائل العقد الثامن من القرن العشرين، كانت الصحوة الإسلامية في حالة مد واسعة الانتشار بعد نجاح الثورة الإسلامية في ايران عام 1979. وكانت أوروبا الغربية، والولايات المتحدة، وكندا تعج بنشاط الشباب المسلم، متمثلاً فى المؤتمرات، والندوات، والمخيمات، والمنشورات، والتظاهرات. وكان الآلاف من الشباب الليبي يدرسون في تلك البلدان الغربية، ويشاهدون ذلك الحراك الإسلامي العام، وتفاعل بعضهم تفاعلاً ايجابياً مع مد الصحوة الإسلامية.
وكان أعضاء “الأخوان المسلمين” من البلدان العربية على اتصال مباشر ونشط في كل الساحات الأوروبية والأميركية. ففي تلك الأجواء، انجذب كثير من الشباب الليبي إلى حركة “الإخوان المسلمين” وكانوا مشاركين في نشاطاتهم الثقافية التربوية، وفي لقاءاتهم العامة. ولاحقا أسس الشباب الليبي في الولايات المتحدة تنظيماً خاصاً بهم أطلقوا عليه اسم “الجماعة الإسلامية – ليبيا” وأصدروا مجلة ناطقة بإسم الجماعة تسمّى “المسلم”، صدر عددها الأول فى أيلول/ سبتمبر 1980. وكان من قياداتها في تلك المرحلة، الراحل عبد الله الشيباني وآخرون. ومن قيادات تلك الجماعة مجموعة من اصحاب المؤهلات العلمية، لم تعلن أسماؤهم فى ذلك الوقت.
و”الجماعة الإسلامية” تعتبر أول تنظيم لإخوان ليبيا ينشأ خارج البلاد. وظلت الجماعة وأعضاؤها على صلة بتنظيمات الإخوان الأخرى الموجودة فى ديار الهجرة، وخاصة في الولايات المتحدة.
وعندما تأسست “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا” عام 1981، بمبادرة من مجموعة من الشخصيات الإسلامية، انضم عدد من أعضاء “الجماعة الإسلامية” إلى الجبهة، وكوّنوا مع عناصر أخرى تياراً مهماً داخل الجبهة، وكان أحمد أحواس أكثر قيادات الجبهة حماسة في الإهتمام بذلك التيار. وظلت “الجماعة الإسلامية” قائمة وواصلت نشاطها.
وبعد أن أكمل عدد كبير من الطلاب الأعضاء دراساتهم العليا، رجعوا إلى ليبيا واستأنفوا سرياً تنظيم الإخوان. وكان رجوع عدد منهم في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. ومن بين الشخصيات التي شاركت في إحياء النشاط الإخواني في تلك المرحلة: عماد البناني، عبد المنعم المجراب، الأمين بلحاج، عبد المجيد بروين. ومن العناصر السابقة، انضم الى المحاولة الجديدة كل من ادريس ماضي، ومصطفى الجهاني وهذان سينضمان في ما بعد إلى حركة التجمع الإسلامي.
تعتبر تلك المحاولة التنظيمية الأولى من نوعها التى، تجمع قيادةً وأعضاءً كل حركة الإخوان في جميع أنحاء ليبيا، وتم ذلك عام 1987 تقريباً. وفي عام 1991، طوّرت المجموعة القيادية أسلوبها فى إختيار القيادات، وأجرت انتخابات لإختيار مجلس للشورى، ومن بين أعضائه، يختار المجلس المراقب العام.
في تلك الظروف كانت القبضة الأمنية الحكومية بالغة الشدة، ولا مجال لأي نشاط سياسي أو دعوي ملموس، وكل ما كان ممكناً هو محاولة توجيه بعض الشباب توجيهاً تربوياً إسلامياً من خلال علاقات في العمل، أو في اطار العلاقات العائلية، أو في بعض المناسبات الاجتماعية أو الدينية.
كذلك عمل الأخوان على جمع بعض الأموال لمساعدة الفقراء، وتخفيف الاحتقان السائد في المجتمع بحسب تعبير المراقب العام للإخوان سليمان عبد القادر، في مقابلة مع قناة الجزيرة، في برنامج “زيارة خاصة” في 30/ 5/ 2009. 2
في عام 1995 شنت السلطات الأمنية اعتقالات واسعة، شملت تنظيمات عدة، واستطاعت أعداد كبيرة من الشباب المنتمي لتنظيمات إسلامية الهروب من البلاد بشتى الطرق، وكان بعضهم من تنظيم الإخوان، واتجه أغلبهم الى أوروبا الغربية. ثم استأنفت مجموعات أخرى من الإخوان النشاط من جديد، وكان أغلبهم من العائدين من الغرب بعد أن أتموا دراساتهم العليا، وكان من قيادات المحاولة الأخيرة: عبد الله عز الدين المراقب العام، سالم أبو حنك نائب المراقب العام، ومجموعة من أصحاب الشهادات العلمية العليا.
وفى عام 1998، إكتشفت السلطات الأمنية التنظيم الإخواني، فنفذت حملة اعتقالات واسعة، وتم اعتقال نحو مئة عضو، وحكم على المراقب العام ونائبه بالإعدام، وحكم على أعضاء مجلس الشورى بالمؤبد، وعلى أعداد أخرى بالسجن لسنوات عدة. ومن أبرز العناصر التي كانت ضمن المعتقلين الدكتور عبد الله شامية، أستاذ الاقتصاد المعروف افي جامعة قاريونس.
وخلال وجودهم في المعتقل، جرت محاولات عدة من جماعات اسلامية وعلماء مسلمين، للتحدث مع السلطات الليبية للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، مبرّرة محاولاتها، بأن عمل الإخوان مؤسس على العمل السلمي الدعوي، وليس على أي عمل عسكري، ولا يهدف الى التغيير بالقوة. وكان الشيخ يوسف القرضاوي أحد أبرز أولئك العلماء، حيث زار ليبيا وقابل العقيد معمر القذافي، ويعتقد أنه تحدث معه عن مسألة المعتقلين من الإخوان.
بقي الإخوان في السجن حتى آذار/ مارس عام 2006، حيث أفرج عنهم جميعاً بعد تدخل سيف الإسلام القذافي، الذى جعل من مهام جمعية القذافي للأعمال الخيرية، تبني بعض ملفات حقوق الإنسان. فبعد سلسلة من الحوارات والإتصالات مع عدد من قيادات الإخوان في الخارج، وبعد حوارات مع المعتقلين، تم الاتفاق – بعد موافقة العقيد القذافى – على الإفراج عن الإخوان، بشرط ألا يقوموا بأي نشاط تنظيمي ولا سياسي ولا اجتماعي عام، وأن يعيشوا مواطنين عاديين، وأن يمارسوا حياتهم العادية. وأعطيت لهم أو لبعضهم تعويضات مالية، وبعضهم رجع الى أعماله السابقة، أو وجدوا أعمالاً جديدة.
وظل عدد من الإخوان في الخارج يواصلون نشاطهم، ويتابعون تطوّرات الوضع في ليبيا. وواصلت قياداتهم الإدلاء بتصريحات تؤكد حضورهم، وتؤكد أن الإصلاح والدعوة له، والترحيب بأي تقدم فيه هو نهجهم. وكانت مواقعهم على شبكة الإنترنت تعبّر عن مواقفهم في كثير من القضايا الوطنية.
وكان عددهم خارج البلاد حسب قول المراقب العام سليمان عبد القادر لا يتجاوز المئتي شخص. الجزيرة، زيارة خاصة. تاريخ الحلقة 30 / 5 / 2009.
خلال مسيرة الإخوان المسلمين فى ليبيا لأكثر من نصف قرن، يلاحظ أن العمل العسكري واستخدام وسائل العنف، لم يكونا وسيلة من وسائلهم للتغيير، وظلت وسائلهم وسائل فكرية ثقافية تربوية.
وعبر المراحل الثلاث المذكورة من تاريخ حركة الإخوان في ليبيا، برزت قيادات وشخصيات لها مكانتها الاجتماعية والثقافية ومنهم الخطباء والدعاة، وأساتذة الجامعات، والكتاب والصحافيون، والأدباء والشعراء والتجار.

حزب التحرير الإسلامي
تأسس حزب التحرير الإسلامى بمبادرة من الشيخ تقي الدين النبهاني (1914 – 1977 )، وهو شخصية فلسطينية إسلامية درس في الأزهر، وكان على صلة بالشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين عندما كان يدرس في القاهرة، وأسس حزب التحرير عام 1953 ووضع له منطلقاته الفكرية، وأهمها العمل على إعادة الخلافة الإسلامية. وقد ألف مجموعة من الكتب في السياسة، والاقتصاد، والإجتماع، والنظم ومنها مشروع دستور إسلامي، وجميعها تصب في دعم مشروعه الإسلامى. فالحزب تنظيم سياسي إسلامي يدعو الى استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة من جديد، والحزب يسعى إلى بلوغ هذه الغاية عبر ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى هي استقطاب العناصر. والثانية هي التفاعل مع المجتمع عن طريق نشر أفكار وآراء الحزب بالدروس والمحاضرات والنشرات السياسية وإرسال الوفود، والثالثة بطلب النصرة ممن لهم القدرة والتأثير لإقامة دولة الإسلام. والحزب لا يتبنى ولا يجيز استعمال القوة وسيلة للتغيير للوصول إلى أهدافه تلك.
ومن أهم الكتب التي تدرّس في الحلقات الأسبوعية لحزب التحرير كتاب “نظام الإسلام” للشيخ تقي الدين النبهاني.
وقد وصلت دعوة الحزب إلى ليبيا في أواسط خمسينيات القرن الماضي. وبحسب رواية محمد سعد، أحد العناصر القيادية في الحزب والذي غادر ليبيا إلى الولايات المتحدة، فإن أول من أنشأ حلقاته الأولى هو الشيخ حسن عبد اللطيف أبو سلطان، الذي كان مدرساً في معهد التعليم العالي في مدينة بنغازي، وهو فلسطيني من مواليد 1918. وتم ترحيله من البلاد عقب انقلاب الضباط عام 1969.
في العقد السادس من القرن الماضي، شهد التنظيم نمواً في أوساط المدارس الثانوية، وفي الكليات الجامعية، في كل من طرابلس وبنغازي. وكان المسؤول الأول في الحزب هو عبد الله أبو القاسم المسلاتي، وكان المسؤول عن طرابلس وما حولها هو حسن كردي. ومن أبرز عناصره الآخرين: صالح النوال، محمد احفاف، محمد الترهوني، على القصبي، على كاجيجي، عبد الله حموده، علي العكرمي، ومحمد علي يحي معمر الذي تمكن من الهرب من السجن وتوجه نحو مصر بعد الإعتقالات التى حدثت خلال ما سمي بالثورة الثقافية والإدارية عام 1973. وفي ذلك العام، اعتقلت السلطات الليبية معظم قيادات الحزب وأعضائه، وبلغ عددهم نحو أربعين شخصاً، وكثير منهم من الشبان الذين تراوحت أعمارهم ما بين السادسة عشرة والخامسة والعشرين. ومنهم: لطفى أحمد الحواسي، محمد عبد الله الحاجي، عبد الناصر…
وبينما أفرج على العدد الأكبر منهم في تموز/ يوليو عام 1974 وأغلبهم من الشبان الصغار، تم الإبقاء على قرابة عشرة من العناصر القيادية. وفي نيسان/ ابريل من عام 1981، اعتقل ثلاثون شخصاً من نشطاء الحزب في طرابلس وبنغازي وأجدابيا. وفي نيسان/ ابريل عام 1982 جرت محاكمتهم أمام المحكمة الثورية التي حكمت بالإعدام حضورياً على كل من عبد الله المسلاتي، وحسن كردي الذي كان يعاني من مرض السل، وعبد الله حموده، وصالح النوال، ومحمد احفاف، ونمر خالد عيسى، وناصر سريس، وعلس عوض الله، وبديع حسن بدر. الأربعة الأخيرون من فلسطين، وكانوا يعملون بالتدريس في أجدابيا. وقد نفذ حكم الإعدام فيهم جميعاً في نيسان/ ابريل عام 1983. وحكم غيابياً بالإعدام على كل من محمد سعد امعزب، وأحمد احفاف، بعدما تمكنا من مغادرة البلاد، الأول عام 1981 والثاني عام 1978.
كذلك، تم اغتيال كل من عبد الرحمن بيوض، وماجد المقدسي (طبيب فلسطيني)، وخليفة ميلاد الكميشي وهو من ابو زيان بغريان، ويروى أن أمه قد زغردت وكبّرت عندما سلم الجثمان إلى الأسرة فى أبو زيان. وكان ذلك فى عام 1981 تقريباً.
ويعتقد محمد سعد أن الحزب قد انتهى في ليبيا منذ حملة الإعدامات تلك.

جماعـة التبليغ والدعوة
انتشرت جماعة التبليغ والدعوة فى معظم بلدان العالم شرقاً وغرباً. مؤسسها هو الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي ( 1302 – 1364 هـ) وجرى تأسيسها عام 1867م في الهند. ومن مبادئها: الكلمة الطيبة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإقامة الصلوات، والعلم والذكر، وإكـرام كل مسلم، والإخلاص، والنفر فى سبيل الله.
بدأت الجماعة نشاطها في ليبيا منذ ستينيات القرن الماضي، وهو نشاط دعوي مفتوح، يتبنى أصحابه أسلوباً متميّزاً في مادته وأدواته. مادته لا تقترب من السياسة، ولا تخوض في أي شأن من شؤونها، وهي مادة تعتمد على تنقية النفس من كثير من شوائب المادة بواسطة تزكيتها بالقرآن وبالعبادات. والمساجد هي المكان الذي ينطلقون منه بإعتباره مركزاً يستقطب عامة المسلمين كباراً وصغاراً. ويدعون الى السياحة، أي الخروج فى مجموعات لممارسة العبادة الجماعية.
ولاحظ السنوسي بسيكري أن المنتمين لخط التبليغ كانوا ينشطون في المساجد، ويستقطبون الشباب، وكانوا شباباً في مقتبل العمر، وحظهم من التعليم الديني قليل، ولكنهم على حماسة عالية، ومنهم عبد السلام المشيطي، ومحمد خضير. ومن أبرز عناصرهم محمد أبوسدرة الذى اعتقل منذ عام 1989 ولم يفرج عنه إلا عام 2009.
ويضيف السنوسي: “كان هناك في ذلك الوقت نشاط دعوي للشيخ صالح التيناز أيضاً، وهو من الشخصيات المعروفة بتديّنها منذ زمن سابق للصحوة الحديثة، واستمر في تدينه وفي سمته التعبّدي الروحي الأخلاقي. ويعتقد السنوسي أن نشاط جماعة التبليغ توقف في بنغازى حوالى عام 1986.
وفي طرابلس، كان لهم نشاط منذ العقد السادس من القرن الماضي وعرفوا بدعوتهم الناس إلى الخروج معهم في رحلات دعوية يصطحبون معهم من يرغب في ذلك. وهو أسلوب تربوي تعبدي استفاد منه كثير من الشباب، وبعضهم أصبحوا من كبار الدعاة. وكان الشيخ مبروك غيث المدهوني من الذين تأثروا بطريقة جماعة التبليغ، وعرف عنه طلاب جامعة طرابلس ذلك التوجه، منذ أن كان معيدا في كلية العلوم 1976. كما عُرف بذلك شخص آخر يدعى محمود المصراتي. وقد واصل الشيخ مبروك نشاطه الدعوي عندما كان في الولايات المتحدة في العقد الثامن من القرن الماضى وأثّر في عدد من الشباب، وكان من نشطاء تلك المرحلة أيضاً بشير الخروبي، وحسن الليدي.
وفى موسم الحج عام 1985 وجد الشيخ مبروك مقتولاً فى مدينة جدة، وتقول أوساط المعارضة إن المستفيد من قتله هو النظام الليبي، وإن عناصر من اللجان الثورية، أو من الأمن الليبي هي التى نفذت اغتياله. ويبدو أن نشاط جماعة التبليغ قد توقف في ليبيا منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين.

الجماعة الإسلامية المقاتلة
تعتبر الجمـاعة الإسلامية المقاتلة من أهم وأقوى التنظيمات الإسلامية الليبية التي اعتمدت خيار التغيير بقوة السلاح، وخاضت مواجهات عسكرية مع قوات السلطة المتمثلة في الجيش، أو الشرطة، أو اللجان الثورية.
إرهاصات ميلاد هذه الجماعة كانت في أوائل ثمانينيات القرن الماضى، وتزامنت تلك البدايات مع بروز تنظيم “اللجان الثورية”، أحد أذرع السلطة الحاكمة، وهو تنظيم مسلّح يجمع بين أعداد من المدنيين، وبعض الضباط العسكريين، وجميعهم قد تمت تعبئتهم ثقافياً بمنطلقات وأهداف الثورة، ومارست تلك اللجان العنف، وصفّت الكثير من الشخصيات المعارضة، أو التى يشك في ولائها للسلطة الحاكمة.
ومن أبرز الشخصيات الإسلامية التي تمت تصفيتها بسبب خطبها ومواقفها الإسلامية المعلنة، والرافضة للخطاب الرسمي، وخاصة فيما يتعلق بالسنة النبوية ودور العلماء، هو الشيخ محمد البشتي الذي قتلته اللجان الثورية عام 1983.
ومنذ بداية أعمال العنف التي نفذتها اللجان الثورية عام 1980، واستهدفت عشرات الشخصيات في داخل البلاد وخارجها، اشتد غليان الصراع داخل المجتمع الليبي، وخاصة في أوساط الشباب الذين شاهدوا زملاءهم وإخوانهم يعلّقون على أعواد المشانق في الجامعات وفي الميادين العامة وداخل السجون. في تلك الأجواء المأزومة الملتهبة، كانت بذور أفكار العنف المضاد في داخل البلاد وفي خارجها تجد تربة خصبة للنمّو والانتشار.
وعلى المستوى العالمى، كانت هناك تحولات إسلامية كبرى، لها صداها وانعكاساتها على كل المجتمعات الإسلامية، ومنها نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، والثورة الأفغانية( 1979- 1992). كل تلك التطورات الداخلية، والتغيرات الإسلامية العالمية كانت تصب فى صالح التيارات الجهادية المقاتلة. وأصبح الشباب المتدين في ليبيا يبحث ويقرأ عن الفكر الجهادي. وكانت الأشرطة وما تتضمنه من مادة جهادية، ومنها خطب عبد الله عزام، وغيره، الى جانب خطب الشيخ محمد البشتي، وأعمال الشهيد سيد قطب، وأراء أحمد بن تيمية فى مادة الفتاوى المتعلقة بالجهاد، هي بعض المصادر التى ألهبت حماسة الشباب، ودفعتهم إلى إنشاء تنظيم سري معارض. وقدر عدد المنتمين للجماعة الإسلامية المقاتلة ببضع مئات.
وكانت لهم مجلة إسمها “الفجر” صدر عددها الأول عام 1994. وهي مجلة شهرية تصدر عن مركز الإعلام الإسلامي، وكانت توزّع في لندن في تسعينيات القرن الماضي، وكانت تحوي مادة تعبوية إسلامية ضد الحكم القائم فى ليبيا. وبالرجوع إلى بعض أدبيات الجماعة، ومقالاتهم، نجد صياغة شديدة العنف في نهج التغيير الذي اختارته تلك الجماعة، وتجسد ذلك العنف في عمليات عددية في مناطق عدة من ليبيا من غربها إلى شرقها. ووقعت صدامات عدة بالسلاح بين عناصر الجماعة، وقوات السلطة داخل البلاد ما بين 1995 و1998. وتقدر بعض مصادر التنظيم أن خسائر الجماعة جراء تلك المصادمات بلغت نحو مائة عضو.
وظل تنظيم هذه الجماعة يعمل بشكل سري في داخل البلاد وخارجها إلى 18 اكتوبر 1995 حيث صدر أول بيان بشأن الإعلان عن قيام الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا. وجاء فيه: “تعلن الجماعة الإسلامية المقاتلة عن قيامها من أجل اداء واجب الجهاد فى سبيل الله…. وقد آن الأوان للجماعة الإسلامية المقاتلة أن تخرج من طور السرية إلى طور العلنية نظراً للمرحلة الحساسة التي يمر بها العمل الجهادى في ليبيا. كما تعلن عن تبنيها للأحداث الجهادية المباركة التي اندلعت منذ شهر محرم 1416 ه في مناطق ليبيا شرقاً وغرباً”.
وللجماعة منطلقات عبّرت عنها في كتاب يحمل عنوان: “خطوط عريضة في منهج الجماعة الإسلامية المقاتلة” بقلم أبو المنذر الساعدي، الذي يعتبر فقيه الجماعة، أو منظّرها الشرعي.
وقد كشفت المواجهات ثم التحقيقات التي تمت في ما بعد مع أعضاء الجماعة، أن أعضاء الجماعة تمكنوا من حيازة كميات كبيرة من الأسلحة، وتمكنوا من استخدام عدد من المزارع والمواقع الأخرى لتخزين أسلحتهم واستخدامها في الوقت المناسب. وهو أمر يدل على وجود خلل في مؤسسات السلطة. غير أن ذلك الخلل لم يدم طويلا، فسرعان ما طوّرت المؤسسات الأمنية قدراتها، وأصبحت صاحبة اليد المسيطرة في كل البلاد.
ومن قيادات ذلك التنظيم الأسماء التالية: عبد الحكيم الخويلدي بلحاج، ولقبه أبو عبد الله الصادق، وهو أمير الجماعة، وهو حالياً رئيس المجلس العسكري للثوار في طرابلس، وهو الذي قاد عملية تحرير طرابلس من نظام القذافي في أيلول/ سبتمبر 2011؛ سامي مصطفى الساعدي، ولقبه أبو المنذر، وهو المنظّر الشرعي للجماعة؛ صلاح فتحي سليمان، ويعرف بعبد الرحمن الحطاب، وقد قتل في درنه اثناء مواجهات مع قوة عسكرية للنظام عام 1997؛ خالد الشريف (أبو حازم) نائب أمير الجماعة؛ ومفتاح الدوادي، أمير الجماعة عام 1992؛ ونعمان بن عثمان، رئيس اللجنة الإعلامية والسياسية، والناطق باسم الجماعة تحت اسم (ابو تمامة الليبي، وعبد المجيد الليبي)، ومصطفى قنيفيد، مسؤول اللجنة العسكرية، وعبد الوهاب قائد، آمـر القطاع الجنوبي، وعبد الحكيم العماري، رئيس اللجنة الأمنية، وقتل عام 1996، وصالح عبد السيد، رئيس اللجنة الشرعية، وقتل عام 1996.
وكان جلّ هؤلاء من طلبة كلية الهندسة في طرابلس، وبعضهم من كليتي الطب والعلوم السياسية.
ومنذ المواجهات التي وقعت بين عناصر الجماعة وقوات النظام والتي تصاعدت وتيرتها خلال عامي 1995 و1996، وقيام الأجهزة الأمنية بتضييق الخناق عليهم، واعتقال العدد الأكبر منهم، انتهى نشاط الجماعة داخل البلاد، ثم جرى اعتقال أميرهم ونائبه من قبل الاستخبارات الأميركية وسُلما الى السلطات الليبية عام 2006.
مجدداً، برز سيف الإسلام القذافي ساعياً لفتح قنوات الحوار عبر مؤسسة القذافي للأعمال الخيرية التي أبدت رغبتها في 15 / 6 / 2005 في فتح باب الحوار مع المنتمين لهذه الجماعة في حال استعدادهم ورغبتهم بذلك الحوار. ثم بدأت الجمعية في أيلول/ سبتمبر 2006 في حوار بناء مع بعض قيادات الجماعة بهدف إقناعهم بالعدول عن العنف. ومنذ عام 2007 دخلت الحوارات مرحلة متقدمة نسبياً، وتم الإفراج عن تسعين شخصاً لهم علاقة ما بالجماعة المقاتلة.
واستمرت الحوارات مع قيادات الجماعة، وشاركت فيها عناصر من كبار ضباط الأمن، وشارك في بعض جلساتها كل من الشيخ علي الصلابي، ونعمان بن عثمان. وكلاهما كانا قبل مرحلة الحوار على صلة بسيف الإسلام.
وقامت قيادة الجماعة بمراجعة منطلقاتها الفكرية وأعلنت عن تصحيحات تنبذ العنف ضد الدولة، قام بها عبد الحكيم بلحاج، ونوّه بها الشيخ يوسف القرضاوي، الذي لعب دوراً في محاولة الإفراج عن أعضاء الجماعة.

حركة التجمـع الإسلامـي
بدأت الحركة على شكل مجموعة من الملتزمين إسلامياً، مع المحافظة على السنة النبوية بصورة معتدلة عام 1974، كما يروى الشيخ محمد احداش. وفي أوائل التسعينيات من القرن الماضي انضموا إلى تنظيم الإخوان المسلمين فى ليبيا لمدة قصيرة جداً. ثم وقعت خلافات تنظيمية، وحدث انشقاق أدى إلى انسحاب عدد منهم من تنظيم الإخوان، وأسسوا “حركة التجمع الإسلامي” على نمط التنظيمات الجبهوية المرنة التى تسعى إلى جمع أكبر عدد من الإسلاميين دون فرض قيود تنظيمية، ودون الإرتباط بأي تنظيم إسلامي خارج البلاد.
تأسست حركة التجمع الإسلامى عام 1990، ومن ابرز قياداتها: مصطفى الطرابلسي، جمال الورفلي، محمد احداش، ادريس ماضي، مصطفى الجهاني. والأخيران تأسست حركة التجمع الإسلامى عام 1990، ومن أبرز قياداتها: مصطفى الطرابلسي، جمال الورفلي، محمد احداش، ادريس ماضي، مصطفى الجهاني. والأخيران كانا من الإخوان المسلمين المخضرمين، وانضما الى التجمع، وكلاهما قتلا في مجزرة سجن ابوسليم التي نفذها نظام القذافي عام 1996، كما قتل جمال الورفلي، وجمال الفيتوري، وتوفيق بن عمران، وجميعهم ينتمون إلى التجمع الإسلامي.
وفى مقالة رثائية للشيخ محمد احداش قال عن الشهيد ادريس ماضي إثـر إبلاغ أسرته رسمياً بوفاته فى صيف 2009: “أما الحـركة الإسلامية في ليبيا فهو أحد روادها ومعالمها، بدأها بالانضمام إلى الإخوان المسلمين في الخمسينيات إلى انفراط عقدها في أوائل السبعينيات، وتعرّض للسجن والتحقيق بسبب ذلك، ثم شارك في عودتها في أواخر الثمانينيات وصار مراقباً عاماً لهم في بلد يجرّم الحزبية بالقانون ويعدمها بالواقع، بل يجرّم ويعاقب عن مجرّد العلم بوجود حزب فكيف بالله بترؤسه، وفي وقت كانت هذه الوظيفة تعني الإرهاق الأمني والنفسي والبدني والمالي. ثم شارك في تأسيس التجمع الإسلامي وتولّى قيادته إلى أن سجن ظلماً وعدواناً في صيف 1995”.
ويعتبر الدكتور مصطفى الطرابلسى، وهو أستاذ جامعي متخصص فى الجغرافيا، المنظّـر الرئيس للتجمع. وله بعض الأوراق التى تبحث فى مسائل تتعلق بالدولة الإسلامية، والحكم الإسلامى، والطريق إلى ذلك. وهو كان معجباً بأفكار حسن الترابي، فى خياراته التنظيمية وتطويرها، وعدم ركونها إلى التقليد والجمود ومنها تجربة حسن الترابى في التنظيم الجبهوى (جبهة الإنقاذ).
وتركّز المنطلقات الفكـرية للتجمع على التربية الشرعية، وتدرّس في حلقات، كما تهتم بالعقائد، والفقه المالكي. ومن الكتب التي كانت متداولة بين الأعضاء: كبرى اليقينيات الكونية، للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، الأصول الثلاثة: الله الرسول الإسلام لسعيد حوى.
ويروى أن أفكار الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية في تونس، كانت إحدى مصادر التثقيف عند بعض عناصر التجمع. بل كان بعضهم يوزّع الأشرطة التي تتضمن خطب الشيخ راشد. وكانت للتنظيم نشرة داخلية تسمّى “السبيل” تتكوّن مادتها من توجيهات تربوية، وتعليقات على الأحداث الداخلية. ولهم ميثاق يعبر عن منطلقات التجمع.
كان من بين تنظيم التجمع مجموعة تؤمن بالعمل الجهادي، أي العمل المسلح، بقيت فى التجمع نحو عام ثم انسحبت، وانضمت الى الجماعة الإسلامية المقاتلة، وعندما حدثت الصدامات المسلحة بين مجموعات من المقاتلة، وقوات الدولة، وجرت اعتقالات عام 1995 شملت عناصر من الجهاديين الذين كانوا فى التجمع، وعندها اكتشفت السلطات تنظيم التجمع واعتقلت عدداً منهم، وفرّ الآخرون الى خارج البلاد. واتجهوا نحو بعض البلدان العربية ثم الى أوروبا، والولايات المتحدة. ومن أولئك الذين تمكنوا من مغادرة البلاد: مصطفى الطرابلسى، محمد احداش، عادل صنع الله، عبد الوهاب الهلالى، سالم بشاشة، وآخرون.
يذكر أن كُلاً من الشيخ محمد احداش، وعادل صنع الله قد انقطعت صلتهما بالتجمع منذ سنوات كثيرة، ولكل منهما نشاطه الثقافي الشخصي في المهجر.

المجموعات السلفية
السلفية بشكل عام لفظة تعني التديّن على طريقة السلف الصالح، وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم واقتدى بهم. وعلى هذا الأساس فجميع الحركات الإسلامية تعتبر نفسها سلفية بمعنى من معاني الإقتداء الكثيرة. وهناك ما يمكن أن نسمّيه بالسلفية النصية الحرفية، وهي مدرسة يكثر روادها والمنظرون لها فى المملكة العربية السعودية، وفي مناطق أخرى من العالم الإسلامي. هذه المدرسة لا تهتم بالاجتهاد والفكر المقاصدي الشرعي، الذى يذهب إلى ما وراء الألفاظ، ويبحث في معانيها في إطار المكان والزمان والحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فالمدرسة النصية الحرفية تُعنى كثيراً بالمظاهر الخارجية مثل: إعفاء اللحى، وتقصير السراويل، وغيرها من الملابس لتصل إلى ما فوق الكعبين، ولا تجيز بعض آرائها للسيدات قيادة السيارات.
ومنهم مجموعة فكرها يرتكز على الولاء للسلطة ولولي الأمـر فيها. هذا الفكـر قد وصل إلى ليبيا في كثير من مفاهيمه من المدرسة السلفية السعودية والتي تعرف فى بعض فروعها بالمدخلية نسبة إلى شخص سعودي اسمه ربيع المدخلي. وتعرّف عدد من الليبيين على أفكار ذلك التيار خلال تأدية مناسك الحج والعمـرة. كما تأثـر بعض الشباب بآراء مقبل الوادعي، وهو من اليمن، وله آراء ومواقف متشددة، ومعادية لأفكار مدرسة الوسط والاعتدال التى يعتبر الشيخ يوسف القرضاوى من أبرز رموزها والمنظّرين لها في هذا العصر.
ويبدو أن السلطات الليبية التي كانت تعاني من حركات الإسلام السياسي، وبعضها مسلّح ومقاتل، فضلت أن تغض النظر عن التيار السلفي الذى لا عداوة له مع السلطة، بل يؤمن بطاعة ولي الأمر على علاته. لكن هذا التيار كان يقلق بمفاهيمه وسلوكه الكثير من المواطنين، ومنهم رواد المساجد الذين يزعجهم فرض سلوك معيّن أثناء الوقوف للصلاة من أولئك الشباب الذين يعملون على الصاق أرجلهم بأرجل المصلين، وكأن الصلاة لا تجوز إلا بتلك الكيفية. كذلك يدخلون في جدل مع عامة الناس فى كثير من العادات والتقاليد الخاصة بالأكل والشراب واللباس.
والجدير بالملاحظة أن الفكـر السلفي ظل عند عموم المجتمع الليبي، كما عبّر عنه الأئمة الكبار من أمثال الإمام ملك بن أنس، صاحب المذهب السائد في ليبيا، فهو الأصل في عبادات ومعاملات المجتمع الليبي، وهو الأصل في الفتاوى التى تتعلق بشؤون الأفراد والأسر.

(Visited 65 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Untitled-1

كتاب جديد عن “مركز الحضارة”: مدخل الى ماهية الفلسفة الإسلامية

كتاب جديد عن "مركز الحضارة": مدخل الى ماهية الفلسفة الإسلامية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification