الحوار الإسلامي – المسيحي والعلاقات الإسلامية – المسيحية

د. رضوان السيد ـ مجلة الاجتهاد ع 31/32 –
الانطلاقة وسياقاتها
انطلقت الدعوة للحوار بين المسيحيين والمسلمين من جانب الكنائس الغربية الأميركية والأوروبية في الخمسينات. وانعقدت عدة لقاءات بين الطرفين ما آتت ثماراً كثيرةً للاستجابة الضعيفة من جانب المسلمين من جهة، وللهمّ المختلف بين الطرفين المتحاورين من جهة ثانية. فقد كان همّ الجهات المسيحية وقتها مساوقاً للهمّ السياسي للغرب في صراعه مع الاتحاد السوفياتي إبّان اشتعال الحرب الباردة. أمّا العرب والمسلمون الآخرون فقد كان يشغلهم موضوع الاستقلال، والخروج من الهيمنة الغربية، ويشغلهم الكيان الصهيوني الذي قام على أرض فلسطين أواخر الأربعينات. كان المحاورون المسيحيون الغربيون – وهم في غالبيتهم آنذاك من البروتستانت – يتحدثون عن الشراكة في الإيمان بالإله الواحد، وضرورة مقاتلة أو مقاومة الإلحاد الشيوعي؛ فينصرف المسلمون إلى الشكوى من الغرب “المؤمن” الذي استعمرهم طويلاً، والذي زرع أخيراً إسرائيل على أرضهم. أما الاتحاد السوفياتي فما كانت لهم مشكلات محتدمة معه، بحيث يقتنعون بضرورة التحالف مع المسيحيين الغربيين ضده. وكان يخالط المسلمين إحساس عميق بعدم التكافؤ الذي هو شرط كلّ حوار: التكافؤ في الاعتراف المتبادل، والتكافؤ في وسائل وأدوات الضغط والمساومة، والتكافؤ في المصالح.
وجاءت الستينات بمستجدات على مستوى الطرفين لكنها بدأت بالظهور في الجانب المسيحي الغربي. فالمجمع الفاتيكاني الثاني عام (1962 – 1965) جعل من همّه فتح آفاقٍ للحوار مع الأديان الأخرى ومن ضمنها الدين الإسلامية والمسلمون. ثم قام مجلس الكنائس العالمي، وتفرع عنه مجلس كنائس الشرق الأوسط، الذي ضمّ الكنائس البروتستانتية والأرثوذكسية، وتوالت بياناته وتوصياته في مؤتمراته السنوية، واجتماعات مؤسساته الفرعية؛ وكلّها توجه للحديث مع المسلمين، وعناية بقضاياهم الاجتماعية والسياسية. لكنّ المتغير عند المسلمين تمثل في تضاؤل شكوكهم باستقلالية الأطراف المسيحية المحاورة عن سياسات دولها، وفي الدعوات المتكررة من جانب مؤسسات الحوار المسيحي لحلّ عادل للقضية الفلسطينية، ورؤية غير مؤيدة لإسرائيل في مسألة القدس بالذات يعد حرب العام 1967.
ومنذ أواسط الستينات وحتى اليوم جرت مئات المؤتمرات واللقاءات بين الكنائس على اختلافها من جهة، وبين المسلمين من رسميين وغير رسميين من جهة ثانية. وقد يكون من المفيد تتبع سائر تلك الملتقيات وتوثيقها ودراستها واستخلاص النتائج الممكنة أو الضرورية منها وبخاصة أنّ عالم التسعينات يواجهنا بمشهد شديد الاختلاط و”السيولة” كما يسميه الإستراتيجيون. فمن جهة هناك التغير في المشهد الإسلامي نتيجة انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته، وبروز جوانب من حاضر ومستقبل مختلف للمسلمين نتيجة ذلك. ومن جهة ثانية ظهور مواطن جديدة للاحتكاك بين المسيحيين والمسلمين، اتخذت وتتخذ أحياناً – مع صعود حركات الإسلام السياسي والأصوليات القومية والدينية – سمات النضال المسلح مما يشبه ما هو سائد بين اليهودية والإسلام منذ قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين.
ومن جهة ثالثة الحيرة الكنسية المسيحية تجاه ما يجري عندهم بعد الانهيار السوفياتي، وتجاه الانتشار الهائل للإسلام في العالم، واستعصاء أفعاله وردود أفعاله العنيفة على التقدير في أحيان كثيرة. فقد كان اقتناع الكنيسة الكاثوليكية على الخصوص أنّ التحدي الرئيسيّ الذي يواجهها بعد التهديد التاريخي البروتستانتي إنما هو الشيوعية الزاحفة. لكنّ انهيارها ما قلّل من حجم المشكلات وإن تغيرت سمات تلك التحديات. فالعالم يزداد “دنيوية” لا تكفي لاستيعابها السعة والرحابة (النسبية طبعاً) للكاثوليكية، ولا الأخلاقية الكارزماتية للبروتستانتية. أمّا الإسلام (ونعني به المسلمين اليوم) فيعي المسيحيون الآن أنه يحتلّ بقاعاً شاسعةً من قارتين ضخمتين؛ فضلاً عن رقع معتبرة في سائر القارات. ثم إنه شديد الحيوية، ولا يتجنب الخصومة والتحدي حتى في الجانب الديني – مع تعطّش دعوي لا يرتوي للاعتراف به من جانب “العالم المتحضّر”: أي العالم المسيحي – في وعي بعض المسلمين على الأقل.
هذا هو معنى الحاجة لاستعراض مجريات الحوار الإسلامي المسيحي أو المسيحي الإسلامي في العقود الأربعة الماضية، بينما نحن على عتبة المرحلة التي وصفتُ بعض سماتها بالنسبة للطرفين أو الأطراف المقبلة على الحوار. وليس من شأن هذه المحاولة الجمع والتوثيق الضروريين كما ذكرت؛ لكنني مقبل على تحديد بعض النقاط المفيدة فيما أنا بسبيله من تلمس لمواقع الحوار في العلاقات الإسلامية المسيحية:
1 ـ اتسمت مراحل الحوار الماضية بوجود المبادرة في يد الطرف المسيحي الغربي. فالكنائس المسيحية على اختلافها كانت هي الداعية دائماً (مع استثناءات قليلة منذ السبعينات)، وبالتالي هي التي تحدد موضوعات الحوار أو نقاطه ومجالاته. وقد عكس ذلك دائماً الاختلال في ميزان القوى بين الدينين العالميين. فإذا لاحظنا أنّ الدين المسيحي تشكل فكرة “الخلاص” ركيزته الأساسية؛ وبالتالي ليس بوسعه بسبب هذه “الانطلاقية” أن يعترف “دينياً” بإمكانية “الخلاص” من دونه أو في نطاق ديانة أخرى؛ أدركنا أنّ “الحوار” مع تلك الديانات والثقافات ما كان ممكناً أن يجري في الجانب اللاهوتي إلا على سبيل “التبشير”. ولذا فإنّ مداخل الحوار كانت “أخلاقية” وتنتهي سريعاً إلى السياسة والاجتماع.
هكذا يمكن القول إن بدايات الحوار جاءت من ضمن إستراتيجية غربية يتلاقى فيها رجال الدين مع السياسيين والإستراتيجيين في بيئة ليس من الضروري أن تكون “تآمرية”؛ لكنها للاستيعاب، وتوجيه الأمور في العالم لصالح الطرفين: السياسيين والكنائس. أما المسلمون المحاورون فقد كانوا يعون بعمق اختلال التوازن لغير صالحهم في عالمي الاجتماع والسياسة. فكان تكتيكتهم البدء باللاهوت أو العقائد سعياً للاعتراف بهم كدين، وكجماعة بشرية محترمة. ورغم “الصلابة” البادية من جانب المسلمين في ثبات مواقفهم لكنها كانت صلابة سلبية؛ بمعنى أنها ظلت تدور في إطار الدفاع والشكوى دونما سعي لتقديم أفكار بديلة أو فتح آفاق أخرى؛ بل إيمان بضرورات الحوار وإمكانيات “التسويات”. فالنقاش مدرك من جانب المسلمين باعتباره نقاشاً عقائدياً لا يجوز التنازل فيه، ومن جانب المسيحيين الغربيين باعتباره تواصلاً مفيداً في نطاق السيطرة العالمية للغرب التي تواجه تحدياً شيوعياً ينبغي الحدّ من امتداده وتفاقمه.
2- تنوعت موضوعات الحوار تبعاً للتطورات الثقافية والسياسية من وجهة نظر الغرب ما بين الخمسينات والثمانينات. ففي حين كانت في البداية محاولة لكسب المسلمين في مواجهة الشيوعية: أخلاقيات الحرية الدينية في مواجهة الأخلاقيات التوتالتيارية؛ داخلتها في الستينات والسبعينات القضايا الاجتماعية والسياسية. وفي هذا المجال حدث نوع من التقارب بعد الفاتيكان الثاني، وبيانات مجلس الكنائس العالمي وتحركاته. وفي هذا المجال أيضاً برزت استقلالية من نوع ما لرجالات الكنائس العالمية عن السياسيين أيقظت بعضاً من اهتمام بين المسلمين وإن ظل محدوداً. حتى إذا أطلت الثمانينات سيطرت موضوعات حقوق الإنسان والديمقراطية على النقاش. وفي حين اعتبر الكنسيون ذلك نقلةً نوعية؛ فإنّ المسلمين أصروا على الاستمرارية في المسائل الاجتماعية والسياسية وإن اختلف المدخل الغربي الجديد. فالمحاورون المسلمون الذين سارعوا لإصدار الإعلانات الإسلامية لحقوق الإنسان؛ ظلّت قضايا الحرية في فلسطين، ومشاكل الأقليات الإسلامية في العالم همهم الأساسي من وراء النقاش وفي قلبه.
3 ـ غلب على الأطراف المتحاورة منذ الخمسينات وحتى الثمانينات الطابع الرسمي فيما عدا استثناءات في لبنان بالذات. بمعنى أنّ الوفود الكنسية الغربية التي كانت تأتي للاستطلاع والتشاور، وتلك التي كانت تلتمس الحوار البحت؛ كانت تتحدث إلى جهات رسمية إسلامية. أمّا في الثمانينات فاتسعت بيئات الحوار لتشمل أناساً مهتمين من المسلمين لا يمثلون دولهم أو هيئات رسمية إسلامية. ومع أنّ ذلك رفع من مستوى النقاش، وقلّل من صدور “البيانات” – وهذان أمران إيجابيان؛ لكنّ “فلسفة” التواصل أو روحيته لم تسد. فالذي تغيّر الصيغة وحسب؛ إذ بدلاً من “البيان المشترك” صار المشتركون يكتفون بعروض “موضوعية” متبادلة في موضوعات محددة، يعرض فيها كل طرف ما يراه رأي دينه في المسألة. أما “نوعية” المشاركين فلم تختلف كثيراً. فالغربيون المحاورون هم في الغالب من اللاهوتيين المختصين بالإسلام أو بمسائل وقضايا تتناول مناطق وشعوباً معينة في الوطن العربي والعالم الإسلامي. أي أنهم في الغالب أكاديميون. أمّا المشاركون من الجانب الإسلامي من رسميين وغير رسميين فهم في الأعمّ الأغلب لا يعرفون عن المسيحية والفكر المسيحي شيئاً يمكن اعتباره. ولذا ليس بوسعهم أن يتدخلوا بمقاربات مقارنة. فهم يكتفون في الغالب بعرض وجهة نظر إسلامية في قضية أو قضايا حتى إذا اضطروا للمقارنة على سبيل المجاملة اكتفوا بالتعميم الذي لا يقول شيئاً – وكثيراً ما يكتفون لإثبات بشاشة الإسلام تجاه المسيحية بتلاوة بعض الآيات القرآنية، أو الحديث عن محاسن نظام أهل الذمة.
4 ـ ظلّت مصادر المعرفة المسيحية بالإسلام حتى الثمانينات استشراقية تاريخانية تبعاً للمعارف والصور المتاحة التي يرجع إليها الجميع بما في ذلك المختصون منهم. وفي الثمانينات داخلت المقاربات المسيحية للإسلام بعض الرؤى الأنتربولوجية التي أكسبت العروض من حيث المنهجية تناسقاً أكبر لكنها أسقطتها في إطار أفكار حاكمة قد تفيد في فهم هذا الأمر أو ذاك؛ لكنها تعجز عن الإحاطة بالوجوه المتعددة والمتداخلة للثقافة والتاريخ والاجتماع في نطاق دين معيّن. أما المسلمون الذين يشاركون كثيراً في الحوارات الدائرة فإنّ بعضهم يعرف الكثير عن الثقافة الغربية الحديثة بحكم اختصاصهم في القانون أو التاريخ أو الاقتصاد أو علم الاجتماع وعلوم الإنسان الأخرى. لكنّ أحداً منهم لا يعرف شيئاً عن المسيحية المعاصرة، وتاريخها القريب، وفرقها، وتمايزاتها اللاهوتية، ومواقعها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البيئات التي تفعل فيها. ثم إنّ أحداً منهم لا يعتبر المسحية أو الحوار معها شغله الدائم أو حرفته بعكس المحاورين المسيحيين. إذ ما ينفضّ لقاء حواريّ ما حتى ينصرف كلّ مسلم مشارك إلى عمله أو بلده ناسياً أو متناسياً ما كان، بل إنّ المسلم المحاور في الخمسينات والستينات كان كثيراً ما ينكر اشتراكه في حوار ما مع المسيحيين خوف الاتهام. بينما يعود المختص المسيحي في الغالب إلى جامعته أو معهده لمتابعة العمل في المجال نفسه، وتقييم مسار النقاش.

الجدل القديم
العلاقات المسيحية مع الإسلام قديمة قدم الإسلام نفسه. ولا أعني بذلك القرابة الفكرية والثقافية والجذور المشتركة بين الديانات الإبراهيمية وحسب؛ بل الوجود الواقعي التاريخي أيضاً وهو ما يعنيني هنا. فقد ظهر الإسلام في بيئات شعبية وثقافية كانت المسيحية شديدة الحضور فيها. كما قابلها أو واجهها في أكثر المناطق والنواحي التي انتشر فيها أو سيطر عليها. وفي مجالات سيطرته تلك وطوال ما يزيد على الثمانية عشر قرناً عرف الإسلام، وعرف المسلمون كلّ “أنواع” المسيحية: السريانية والأرثوذكسية وفرقهما وفروعهما، وعرف أخيراً المسيحيتين المسيطرتين اليوم: الكاثوليكية والبروتستانتية. لكنّ الفرق بين الأوليين والحاضرتين بالنسبة له، أنه عرف الأوليين وهو في مكانة المسيطر والمتحكم والسانّ والشارع بالمعاني كلها؛ وعرف الأخريين وهو في أطوار الصراع والاستضعاف. ولكلا الطورين التاريخيين قوانينهما ومقتضياتهما. ففي الطور الأول امتزجت في مواقفه عناصر الدولة والسطوة والثقافة المسيطرة المطمئنة، وفي الطور الثاني تقاطعت في مواقفه عناصر الاكتفاء والتردد والضيق واليأس والغربة. لكنْ في الطورين كليهما ظلّ أمرٌ واحد قوي الحضور لدى المسلم: الحاجة للاعتراف! طلب ذلك في الطور الأول، واستجداه في الطور الثاني؛ وما استغنى عنه في الحالتين.
على أنّ الطور الأول كان الأكثر تاريخية، والأفعل في وعي المسلمين حتى اليوم. ففي ذاك الطور ظهرت منظومة “أهل الذمة” التي رمت إلى تنظيم العلاقة بين الدينين بمبادرةٍ من المسلمين، حكمها منطق الدولة لا الدين؛ لكنها الدولة المستندة إلى الدين، إلى الإسلام. فالقرآن تحضر فيه بقوة مقولة الاعتراف بالمسيحية وإيجابياتها، مقرونةٌ بمقولة “نقص الحقيقة الإلهية” في المسيحية في مقابل اكتمالها في دعوة الإسلام. لكنّ هذين الأمرين لم يصنعا منظومة أهل الذمة – التي لا يحضر منها في القرآن غير آية الجزئية -؛ بل صنعتها المقتضيات القانونية لنظام الدولة – بما في ذلك تحديد مقادير الجزية ووسائل استصفائها – إذ هي التي تحكمت في نشوء المنظومة وتطوراتها حتى العصر العثماني و”نظام الملل”. بيد أنّ السلطان الإسلامي الذي استطاع عبر قرون من الصراع والكر والفر أن يطفئ جذوة المسيحية السياسية في الشرق كله، ما استطاع تنحيتها كدين؛ بل إنه عجز عن دفعها للاعتراف به كدين ند في سياق النسب الإبراهيمي الذي يضع الإسلام نفسه في سياقه، وتأبي المسيحية ذلك عليه منذ البداية. يحضر طلب الاعتراف في تاريخ العلاقة بين الدينين منذ عهد الرسول (ص)؛ في أقصوصة “المباهلة” مع نصارى نجران، الذين خيّروا بين الإسلام/ الدين، والإسلام/ الدولة؛ فنزلوا على الحكم الثاني، ورفضوا مقتضيات الأول. ثم تجيء أدبيات الجدل الإسلامي المسيحي عبر الحقب الوسيطة كلّها لتؤكّد على هذه المسألة: يلتقي أمير أو خليفة أو سلطان مسلم برجال الدين المسيحيين فيتجادلون طويلاً، ويتفقون في مسائل كثيرة ويظل الاعتراف بنبوية (ص) وإبراهيمية الإسلامي، عقبةٌ كأداء لا يستطيع المسيحي أو لا يقبل تجاوزها. ويوضح المسيحيون العرب والمتعربون في القرون الثامن والتاسع والعاشر للميلاد في أدبيات جدلهم مع الإسلام سبب إعراضهم عن الاعتراف بمشروعية النبي والإسلام: إنه خوف الإلغاء. وتزدهر الثقافة الإسلامية في القرن التاسع وما بعد، وتتجاوز الدعوة والتبشير، ويظهر علماء للأديان يعرضون العقائد والفرق المسيحية عرضاً موضوعياً نسبياً يتجاوز المسيحية التاريخية أو الإنجيلية والقرآنية؛ لكنّ الجداليات المسيحية تتجمد عند المستوى الذي بلغته في القرن الثامن الميلادي فيظل جدلها مصباً على القرآن والنبيّ والعقود الأولى للإسلام. وتعود الأمور للتأزم لدى الطرفين إبان الحروب الصليبية؛ لكنّ إخراج الصليبيين من الشرق الإسلامي، لا يزيل المسيحية كدين منه، وتصبح واقعاً لا يفكر المسلمون بإلغائه؛ بينما لم تفقد المسيحية الأمل في إزالة الإسلام ولو بالتعاون مع المغول “الوثنيين”. وبين هذا وذاك تقوم علاقات إنسانية وثقافية وعلمية وتجارية في الداخل الإسلامي وبين الداخل والخارج تصبح جزءاً من ثقافة المنطقة، ومعلماً بارزاً من معالم تعدديتها وثراء تجربتها.
وتأتي المسيحيتان الغربيتان: الكاثوليكية والبروتستانتية مع المستعمرين الأوروبيين المجتاحين لديار الإسلام منذ أواخر العصور الوسطى فتتركان آثارهما العميقة على مسلمي المنطقة ومسيحييها التاريخيين: الأرثوذكس والسريان. فالطريف أنه على الرغم من السيطرة السياسية والعسكرية والحضارية للمستعمرين؛ ما استطاع مبشّروهم التأثير كثيراً في الحياة الدينية للمسلمين بينما زادوا المسيحية “الشرقية” في ديارها وديار الإسلام التاريخية ضعفاً وشرذمة. وتحت وطأة التحديث الأوروبي، وضغوطه؛ يعمد سلطان المسلمين العثماني في القرن التاسع عشر إلى إلغاء “منظومة أهل الذمة” التاريخية، في محاولة لخلق “أمة عثمانية” متراصة متساوية في الحقوق والواجبات. ولا ينال ذلك من الإسلام؛ لكنه لا يفيد كثيراً في إنقاذ “الرجل المريض” من أمراضه. على أن المسيحيين العرب يعمدون في المناسبات “الحوارية” لتعيير المسلمين بمنظومة “أهل الذمة” الملغاة، فيهبّ المسلمون للدفاع عن “محاسنها” باعتبارها على علاّتها اعترافاً بالمسيحية والمسيحيين، لم يحظ بمثله المسلمون حتى إبان فترات سيطرة دولتهم، وازدهار حضارتهم.
وتبقى مسألة “الاعتراف” التي تجاوزتها الظروف التاريخية والثقافية شديدة الحضور في وعي المسلمين ولا وعيتهم. يبدو ذلك من استماتتهم في المطالبة بها في كل مناسبة حوارية، كما يبدو في إقبالهم المنقطع النظير على الاقتباس من المستشرقين “المكروهين” عندما يشي كلام أيّ منهم بثناء على الرسول أو على الإسلام. وما أقصوصة سلمان رشدي وما دار حولها من مشاعر جيّاشة متلاطمة إلاّ دليلٌ حاضر على ذلك.
وما دام الأمر على هذا النحو؛ فإنّ “الحوار” الذي يعني “اعترافاً” من نوع ما، هو حاجة ملحة للمسلمين، حاجة ملحة أكثر بكثير من إلحاحها بالنسبة للمسيحيين. ومن هنا تأتي ضرورة قراءة الواقع الإسلامي الحديث والمعاصر، لتفهم أسباب وعلل الإعراض الإسلامي عن الحوار، أو وضعهم له في مرتبة دنيا من قائمة اهتماماتهم.
الحوار في وعي المسلمين
تتعدد العلل والأسباب التي قلّلت من حماس المسلمين للحوار مع المسيحية الحديثة والمعاصرة في المرحلة المنقضية – كما تختلف في مستوى الأهمية. فهناك الاستعمار الغربي السابق، والهيمنة الغربية الحالية؛ وهما أمران حالا لحدّ كبير دون استجابة المسلمين لدعوات التحاور والتواصل على المستوى الفكري والثقافي المنطلق من الكنائس الغربية. فقد كانت الدعوات التبشيرية والإرساليات تأتي مباشرة أو مداورة مع تصاعد النفوذ الغربي في منطقتنا إذ تحتل عساكره، وتسبقها أو تصاحبها بعثاته وإرسالياته فتقيم المؤسسات التعليمية والخيرية، وتتوسل بها لنشر مذاهبها مستمتعةً بحماية السلطات الاستعمارية. وعندما تطورت الاستعمارية إلى هيمنة، انفصلت فيها المصالح السياسية والاقتصادية بوضوح عن المؤسسات الكنسية والإرساليات ما دخل ذلك عميقاً في وعي المسلمين، وظلّوا حتى السبعينات يكررون – بألسنة نخبهم المثقفة – المقولة التي روّج لها كتاب عمر فروخ ومصطفى خالدي في الأربعينات عن العلاقة الوثيقة بين التبشير والاستعمار. وقد تساوق ذلك منذ الخمسينات مع إحساس تفاقم لدى العرب والمسلمين بالخيبة من الغرب والسياسات الغربية، ما لبث أن تحول إلى نقد ثقافي شامل حملت لواءه الإسلامية الصاعدة، التي هوّنت الأمور على نفسها فتحدثت طويلاً عن “المادية” المتسلّلة إليها من الثقافة الغربية الشريرة. فقد حدث انفصامٌ بين حقبة الإصلاحية الإسلامية، وحقبة “الصحوة الإسلامية” التي نشأ في ظلها الفكر الإسلامي المعاصر المتّسم بالانكماش، والاهتمام بقضايا الهوية وحفظها. ثم هناك التطور الثقافي المختلف لدى النخب الكنسية الغربية والأخرى الدينية الإسلامية. فالحوار والانفتاح صار تدريجياً لدى نخب مثقفة معتبرة في الغرب بعد الحرب الثانية قيمةٌ بحد ذاتها، من ضمن المتغيرات الثقافية هناك، ومتغيرات الرؤية للثقافات الأخرى غير الغربية وغير المسيحية. صحيح أن تلك “المتغيرات” لا تزال جارية، ولم تبلغ أن تكون “أصلاً” ضمن تلك الثقافة؛ لكنها أدت إلى نتائج على مستوى الرؤية ومستوى العلاقة مع الثقافات والأديان الأخرى. وينبغي القول هنا إنّ الكنائس بالذات تملك خبرةً وتجربة طويلةً في هذا الصدد تفوق في تاريخيتها وعمقها وتأثيرها ما لدى فئات المثقفين الغربيين الآخرين. فليس مصادفةً أنّ رجالات الكنائس هم في الحقيقة بين أوائل الأنتروبولوجيين والإثنولوجيين الذين عرفتهم المجالات الثقافية والعلمية الغربية، ولأهداف تتعدى التبشير. وما كانت تلك الأمور والتطورات في وعي المسلم عندما بدأوا يدعونه للحوار، والاستعمار الغربي القائم، والبعثات التبشيرية موجودة في سائر بقاع وديار المسلمين. لذا كان يصعب عليه التصديق أنهم يريدونه من أجل التفاهم والتواصل معه وحسب، وليس لأسباب دينية أو سياسية. ويضاف لذلك أنّ الكنيستين البروتستانتية والكاثوليكية كانتا تنسِّقان فعلاً مع السياسيين في الحرب الباردة. وما دام الأمر كذلك فقد انقضى وقت طويل قبل أن يتسلّل إلى المسلم إحساس بالاستقلالية النسبية لرجالات الكنائس. وطوال تلك الفترة فقد كان المسلم يؤثر التحدث مع السياسيين مباشرةً ما داموا هم في النهاية الذين يقررون. أما القيمة الذاتية للحوار أو قيمة التواصل بحد ذاته؛ هاتان القيمتان ظلّتا تابعتين لحدٍّ كبير لاختلاف التكوين الثقافي، والتطورات الثقافية في كلٍّ من المجالين.
ويبقى أن نقول إنّ للمسلم تكوينه الثقافي والديني والتاريخي الذي يحدّد نظرته لذاته وموقعه في العالم، ورؤيته للآخر، وبخاصة المسيحيين واليهود على وجه الخصوص. فالدين الإسلامي، في القرآن والنبوة، يختلف عن اليهودية والمسيحية في اعتباره لنفسه متابعةً واكتمالاً للدينين الآخرين، اللذين يقول بوجودهما، كما يقول بانتمائه إلى نفس الميراث؛ الذي أنكره عليه اليهود والمسيحيون منذ القديم. وقد تكون أجزاء مهمة من منظمة “أهل الذمة” التي تمثّل اعترافاً من نوع ما بالدينين الآخرين، نتاج اجتهادات تستند على رؤيتي القرآن والنبي للعلاقات بين ديانات التوحيد. على أنّ النجاح الإسلامي التاريخي، الذي تواصل لبضعة عشر قرناً تجاوز إلى حدٍّ بعيد اعتراف القرآن والنبي. فقد ظهر نسق دار الإسلام، ودار الكفر أو الحرب. كما ظهرت منظومات علماء الكلام التي أسبغت على الشهادتين ومقتضياتهما طابعاً إطلاقياً يشبه ذاك المعروف في اللاهوتين اليهودي والمسيحي في إدراكهما لذاتهما. وما كان تقسيم العالم على دارين للنجاة والهلاك، ولا كانت مقتضيات منظومات الكلاميين حاضرةً في القرآن وتراث النبوة؛ لكنّ السيادة الإسلامية الوسيطة حولت هذا وذاك إلى جزء أساسيٍّ في عقيدة المسلمين قالت به الفرق الإسلامية كلها. وما قامت لدى المسلمين حتى اليوم حركات نقدية جدية – تشبه ما عرفته المسيحية الحديثة – لقراءة هذا التراث من الداخل فتتجدّد الرؤى العقدية تبعاً لتجدد المواقع وتغيرها. والمحاولات النقدية المجتزأة التي عرفها مجالنا الديني انصبّت على القرآن والسنة مؤكدة تاريخيتهما بتأثير من كتابات استشراقية، أو أيديولوجيات ماركسية؛ دونما إدراك عميق لمحددات الوعي الإسلامي التاريخي، والتي لا تكمن في القرآن والسنة بل في منظومات الفقهاء والمتكلمين والمؤرخين. ولا شكّ أن هذا الأمر؛ بالإضافة للصراع التاريخي الطويل بين الإسلام والمسيحية – كان له التأثير الأعمق في الحيلولة دون استقامة الحوار منذ كثرت الدعوات في الخمسينات.
الوضع الحالي وإشكالياته
يملك الإسلام في الوطن العربي على الخصوص شريكاً قديماً على أرضه يتمثل في المسيحيتين: الأرثوذكسية والسريانية – كما سبق أن قدّمنا. وقد كانت للإسلام والمسيحية الشرقية علاقات متقادمة على المستوى الكلامي والفقهي بالإضافة إلى تراث التعايش. وكان المسلمون في القرن الرابع الهجري/ العاشر والحادي عشر الميلادي يعرفون المسيحية من خلال الدراسات التي أنجزها علماؤهم عن أصول المسيحية وعقائدها وتمايزات فرقها وعلاقاتها فيما بينها، وتراثها مع المسلمين. وقد تراجع مستوى تلك العروض، وغلب عليها الجدل، وخالطتها الردود منذ حقبة الحروب الصليبية. بيد أن المسيحية الشرقية التي تعامل علماؤها مع السلطات الإسلامية طويلاً، واشتركوا مع النخب الإسلامية في حركات النهوض العلمي؛ ما عنوا بالتعرف على الإسلام كما عني المسلمون بالتعرف عليهم. فقد ظلت سائدة لديهم الأفكار البيزنطية والسريانية الأولى عن الإسلام في القرنين السابع والثامن الميلاديين: أنه فرقة منشقة عن المسيحية، وأن نجاحه “الدنيوي” إلى زوال، كما زالت إمبراطوريات العالم القديم الوثنية: البابلية، والفارسية، والرومانية. وعانت المسيحية العربية على اختلاف كنائسها من المسيحية الغربية منذ حقبة الحروب الصليبية وحتى اليوم؛ لكن الغرب بالنسبة لها كان الداء والدواء في الوقت نفسه. فكما عجز علماء الإسلام منذ أواخر القرن الرابع عشر الميلادي عن متابعة تطورات الحركية المسيحية على أرضهم، وبين شركائهم في العيش والتصرف؛ كذلك ما استطاعت الحركية المسيحية الشرقية أن تكون لنفسها نظراً خاصاً عن تاريخها وعن الإسلام المسيطر على أرضها منذ قرون وقرون. ولا تزال مصادر معرفة المسيحية العربية أو الشرقية مأخوذة عن مؤلفات الأوروبيين. وقد تعاونت النخب السياسية المسيحية والإسلامية في مصر وبلاد الشام في السياسة والاجتماع منذ القرن التاسع عشر، وأنشأت الدول الوطنية المستقلة معاً؛ لكن النخب الدينية الإسلامية والمسيحية ما استطاعت التعاون والتواصل بنفس القدر على المستوى الديني إلا ما تعلق بالمسائل الوطنية الجامعة، ودائماً بعد السياسيين. ولا شك أن الأمر يعود في قسم منه إلى الطبيعة العالمية والإطلاقية للتراثين الدينيين المسيحي والإسلامي. ولعل المسلمين أو نخبهم يتحملون المسؤولية الأكبر عن الافتقار إلى الحوار الحقيقي في المرحلة الماضية باعتبارهم السائدين شعبياً وتاريخياً. على أن المسيحيين المشرقيين يعانون مما يعاني منه المسلمون في المنطقة من افتقار إلى قراءة تراثهم قراءة نقدية، وتكوين رؤاهم المتجددة عن موقعهم المتغيّر. ولعلّ القلق السائد الآن في أوساطهم من صعود “الأصولية الإسلامية” أن يكون الدليل الأوقع على الفرص المفوتة من جانبهم، وجانب نخب الإسلام الرسمي والتقليدي: الفرص المفوتة للتواصل والتقارب والتفاهم. والوضع اليوم أن المسيحية السريانية توشك في جزء منها أن تندثر، والجزء الآخر ينضوي تحت عباءة الكنيسة الكاثوليكية الواسعة. أما الأرثوذكسية فحائرة بين قومية تستصرخ إليها العرب فتجدهم مشغولين عنها بتيارات الإحياء والتأصيل غير القومية، والأرثوذكسية الأخرى المستيقظة في شرق أوروبا والبلقان. ولا أقنية حقيقية متاحة للحوار اليوم لمسلمي العرب مع مسيحييهم إلا أقنية المسيحية الغربية: من خلال الفاتيكان، أو مجلس الكنائس العالمي، ومجلس كنائس الشرق الأوسط. وحده لبنان كان يمكن أن يشكل بيئة حوارية بين المسيحية والإسلام العربيين على الأقل بسبب التجربة المشتركة للمسيحيين والمسلمين في العيش المشترك، وفي التشارك في إقامة دولة ونظام سياسي منذ خمسين عاماً. لكنّ ذلك لم يحدث إلا باستثناءات ضئيلة لم تتحول إلى نموذج إما لعدم متابعتها، أو لضآلة آثارها، أو لثبوت عدم جدواها. وسأقدم فيما يلي نموذجاً للاشتباكات التي تشكل عقباتٍ أمام الحوار العربي/ العربي، كما تتمثل في النداء الصادر بروما عن السينودس من أجل لبنان.
المجمع الراعوي من أجل لبنان (السينودس)
صدر قبل أسابيع عن دار المشرق ببيروت كتابٌ ضمّ البيانات المسيحية الإسلامية المشتركة بين العامين 1954 و1992. وهي بياناتٌ تستحق دراسة خاصة ليس هنا موضعها. إنّ اللافت في صدد ما نتحدث عنه أن نصف اللقاءات التي صدرت عنها تلك البيانات تمت في بيروت أو ناحيةٍ أخرى من لبنان حتى إبّان اشتعال الحرب الأهلية. لكن فيما عدا لقاء واحد أو لقاءن؛ كان الداعي دائماً إحدى الكنائس الغربية الأوروبية أو الأميركية. ثم أنتجت سنوات السلم بعد الفتنة الطاحنة مبادرةُ لبنانيةً هي اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار، التي أصدرت ورقة لافتة قبل شهور تؤكد على الالتزام بالعيش المشترك الذي نصت عليه وثيقة الوفاق الوطني بالطائف (1989)، وتدعو إلى أن يكون لبنان “مساحة إنسانية رحبة للحرية والحوار بين معتنقي الرسالات السماوية، وأرض حياة مشتركة مسيحية – إسلامية…”. وتعتبر الورقة مهمة بناء الدولة والنظام السياسي “مسؤولية وطنية عامة يضطلع بها جميع اللبنانيين”. وترى الورقة التي شارك في وضعها مسلمون ومسيحيون أن اجتزاء حصل في تطبيق وثيقة الوفاق، فتدعو إلى تصحيح الخلل بالمشاركة الفعالة والديموقراطية، وليس بالجفاء مع الدولة. وتذكر من وجوه الخلل انتخابات العام 1992، فترى ضرورة تجاوز آثارها في البناء الوطني، كل ذلك بروحية إيجابية تستوحي أخلاقيات أديان التوحيد السامية، ومبادئ العدالة والانفتاح. وما نسيت الورقة العلاقات اللبنانية السورية فدعت إلى الارتقاء بها إلى المستوى الذي يجب أن تكون عليه استراتيجياً ومصيرياً. وترى الورقة أخيراً في التآخي الوطني بين المسيحيين والمسلمين في لبنان قدراً وخياراً ومهمة إنسانية نبيلة تجعل من لبنان صاحب رسالة عالمية.
كانت اجتماعات اللجنة الوطنية للحوار تجري في السنوات الماضية متساوقة ومتوازية مع اجتماعات وأوراق وحشود الإعداد للمجمع الراعوي من أجل لبنان، الذي شارك فيه المسلمون منذ بداياته بالروحية الإيجابية التي شاركوا فيها في اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار، التي ذكرت قبل سطور ورقتها ذات الروحية الوفاقية المنفتحة والمتفهمة لحاجات كل الجماعات اللبنانية ومطامحها. وأريد هنا أن أقوم بإيجاز تجربة السينودس تلك، تدليلاً على المقولة التي سبق أن ذكرتها عن عجز المسيحيين والمسلمين في المجال العربي حتى اليوم عن إقامة بيئة ثقافية وفكرية للتواصل خاصة بهم، وبقاء المبادرة بيد المسيحية الغربية البروتستانتية والكاثوليكية الأكثر انفتاحاً في العقود الأخيرة من الكنائس العربية، رغم الحاجة الوجودية الملحاحة من جانب الطرفين العربيين للالتقاء والتواصل والتحاور. لقد فهمنا منذ البداية أن السينودس حاجة مسيحية لإعادة النظر في الهياكل والبنى الكنسية، وعلاقات الكنائس بالجماعات المسيحية، وبالمجتمع اللبناني الأوسع، والتجربة المأساوية للمسيحية السياسية والدينية في الحرب الأهلية. وقد صدر في ختام الاجتماعات والندوات والخلوات في لبنان كشكول ضخم فيه الغث والسمين؛ فهمنا أنه سيكون مادةً للنقاش بالفاتيكان بعد إعراض الباب عن المجيء للبنان. وانعقد السينودس فعلاً بروما لأسابيع، وحضره ممثلون للطوائف الإسلامية بصفة مراقبين شاركوا في النقاشات، وألقوا كلمات. واختلطت الرؤى فيما سيصدر عن تلك الاجتماعات، وفرق العمل، من نتائج لاختلاط تفاصيل المشهد. كانت هناك الإيجابيات التي أظهرتها أعمال اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار. كما كانت هناك الجوانب الإيجابية في الكشكول الصادر عن اجتماعات الإعداد للمجتمع بلبنان. لكن إلى جانب ذلك، كانت هناك الخطابات النارية للمطران بشارة الراعي وللبطرك الماروني بين آخرين من رجالات كهنوت وعلمانيين طوال العامين الماضيين، والتي شابهت كثيراً خطب المتحمسين من الطرفين أثناء الحرب الأهلية. منطق خطابات البطرك – ومنها كلمته يوم الأحد (17/12/1995) الدعوة ظاهراً لتطبيق وثيقة الوفاق الوطني. لكنه في هجماته ومطالبه طوال أكثر من عامين كان ينقض وثيقة الوفاق مادة مادة. فهو غير موافق على ما نصت عليه الوثيقة حول صلاحيات رئيس الجمهورية، ووضع السلطة الإجرائية في مجلس الوزراء، وغير موافق على الإنماء المتوازن، وغير موافق على إلغاء الطائفية السياسية، وغير موافق على قانون التجنيس، وغير موافق على قيام تربية وطنية، وغير موافق على محاكمة سمير جعجع القائد السابق لتنظيم القوات اللبنانية المنحل، وغير موافق على وجود القوات العربية السورية في لبنان. وحدها المناصفة في عدد النواب بين المسيحيين والمسلمين لم ينلها نقده؛ لكنه على أي حال لا يعترف بالبرلمان الذي أنتجته انتخابات العام 1992. أما المطران بشارة الراعي فلا يعجبه شيء من الحاضر في لبنان بعد الحرب، وكثيراً ما لخّصه تحت عنوان وجيز هو: التخلف والبؤس. أما ما هو التقدم من وجهة نظره؛ فإنه لم يشرحه فيما اطلعت عليه من خطاباته ومحاضراته التحشيدية المتشددة، التي أين منها خطب بعض الصارخين من المسلمين والمسيحيين في سعار الحرب الأهلية؟!
وجاء “النداء” الذي سمي أخيراً، والذي صدر في الصحف اللبنانية يوم الجمعة (15/12/1995) ليقول بلغة ملطفة ما قاله وكرره المطرنان بشارة الراعي وشكر الله حرب والبطرك الماروني طوال العامين الماضيين. قال بانتماء عربي، ودعا لولاء وطني وهوية وطنية لكن بعد أن قال باستحالة وجود الوطن الواحد والهوية الواحدة. فقد أكثر من الحديث عن الجماعات المتمايزة منذ القدم، وعن تعدد ثقافاتها – فماذا يربط بين هذه الجماعات إن كان التاريخ مختلفاً والثقافة مختلفة؟ قالوا إنه العيش المشترك! لكن العيش لا يمكن أن يكون مشتركاً لمجرد التعايش على رقعة جغرافية واحدة. لا بد من وجود قيم مشتركة غير الأرض التي نتمايز عليها – فيما يقول النداء – لكي يكون العيش ممكناً، ولكي يكون هناك شعب بما تعنيه هذه الكلمة في المصطلحين الاجتماعي والسياسي. وضرب المثل ببولندا في غير محله وإن انتسب إليها البابا. فالشعب البولوني شعب واحد في الثقافة والمذهب الديني والتاريخ. وقد أرادت الدول الكبرى المحيطة به ابتلاعه أو تقاسمه عبر القرون الثلاثة الماضية فعجزت عن ذلك أنه شعب واحد، ذو ثقافةٍ واحدةٍ أو مشتركةٍ فعلاً. لقد أسهم الباب الحالي في هدم النظام الشيوعي الذي قام ببولندا بعد الحرب العالمية الثانية. ثم أعادت الانتخابات الأخيرة الشيوعيين إلى الحكم. بيد أن بولندا بقيت لأن النظام السياسي عابر أما هوية الأمة وثقافتها اللتان تتأسس عليهما وحدتها فباقيتان لن تنال منهما الماركسية كما لم تنل منهما رأسمالية العقد الماضي. فالتعددية التي أغرم بها النداء، والنخب المسيحية في العقدين الماضيين مع التحريف لمعناها المتعارف عليه في العالم هي التعددية السياسية؛ أما إذا كان المراد بالتعددية الثقافية وجود عدة ثقافات تاريخية (بل إن البطرك قال صراحة بحضارتين على أرض لبنان!) تأسست عليها أو بها جماعات أو شعوب؛ فإنه لا معنى بعد ذلك للدعوة لوحدة الشعب الواحد، وهدم أسوار الطوائف؛ إذ إن الشعب لا يعود موجوداً ليتوحد، وتقوم أسوار الطوائف والجماعات محولة الوطن إلى أوطان.
ويريد النداء لهذه التعددية الثقافية أن تجد تجليات في السياسة، ونظام الحكم. لذلك يدعو إلى التوافقية أو الديمقراطية التوافقية، خوفاً من ديمقراطية الشيخ شمس الدين العددية، أي طغيان الأكثرية. لكن الحفاظ على الحقوق الثقافية والسياسية في الدول المتقدمة، إنما يكون للأقليات الإثنية أو الدينية: فهل المسيحيون في لبنان والمشرق العربي أقليات إثنية أو حتى دينية؟ هم يقولون في النداء إنهم يعلمون في مدارسهم ثلث أطفال لبنان. وأضيف: وهم يسيطرون إدارة وبرامج، على ما نسبته سبعون في المائة من القطاع التعليمي المدرسي والجامعي؛ فلماذا هذا الخوف على الهوية من الاندثار؟ ثم أين هي تلك المغايرة الهائلة في الهوية بين المسلمين والمسيحيين والتي تستدعي قرن الديمقراطية بالتوافقية؟ الهم الحاضر في الواقع عند هذه النخب لماضوية هو العدد، ولو احتكم إليه المسلمون كما احتكم إليه حكماء السينودس؛ لما كان هناك وطن ولا نظام سياسي (توافقي) اليوم! إن التوافقية موجودة وضرورية في المجتمع والنظام السياسي. لكن النظام السياسي الديمقراطي بالذات يحتاج إلى سياق وميزان، وميزانه العالمي المعروف هو الأكثرية التي لا معنى للديمقراطية ولا للتوافق من دونها. وهي لن تكون في ظل تعددية سياسية لشعب واحد أكثرية طائفية أو دينية بالطبع – وإلا فإن شأن الديمقراطية يكون كشأن التوافقية: أي بدون معنى!
وقد كان منتظراً بعد هذه المقدمة المعللة والناصرة لمقولة التعددية الثقافية أن يجري فهم التعليم بطريقة مقلوبة أيضاً. فالتعليم الكاثوليكي الخاص هو في نظر واضعي النداء المعبر الحقيقي عن التميز والتمايز والتعددية الثقافية. والدستور اللبناني يقول بحرية التعليم وتعدديته. لكنه يقصد به أن للمواطن الخيار في أن يرسل أولاده إلى مدرسة رسمية أو خاصة. لا أن يقر بالتعددية الثقافية، وإلا فما معنى الدعوة في وثيقة الوفاق للانضباط ضمن السياسة التربوية التي تضعها وزارة التربية، عن طريق إقرار مقررين شاملين موحدين للتنشئة الوطنية والتاريخ؟! ولذا فإن حديث النداء بعد ذلك عن التربية الوطنية وعن تكافؤ الفرص بين المواطنين في التعليم يصبح ذراً للرماد في العيون. إنّ على الدولة أن تسارع إلى تقوية التعليم الرسمي ونشره تحقيقاً لهذا المبدأ الديمقراطي والإنساني السائد في جميع أنحاء العالم المعاصر. إنّ ثالثة الأثافي ما يدعو إليه النداء من ضرورة أن تسهم الدولة في دعم التعليم الخاص الطائفي لحاجة المواطنين إليه. هناك افتراق في لبنان بين التعليم من جهة، والتربية الوطنية من جهة أخرى بسبب انتشار التعليم الخاص والطائفي أو المذهبي. ونشر التعليم الرسمي وتعزيزه هو الهادم حقاً لأسوار الطوائف والطائفية، ولا تتحقق الوحدة الوطنية قطعاً ولا التربية الوطنية فعلاً، إلا بتوسيع الخيارات التعليمية والتربوية المتكافئة للمواطنين – وهكذا عكس ما يدعو إليه النداء على طول الخط.
أما الجامعات الخاصة التي يصر النداء على إبقائها حرة وبدون وصاية، وكذا الجامعة الرسمية؛ فإن الزعامات المسيحية بالذات بحجة الحرية هذه حالت في السنوات الأخيرة دون وحدتها، وما تزال. وقد شهدت السنوات الأخيرة ظهور جامعات خاصة مذهبية وطائفية لا حاجة إليها في لبنان، ولا تخدم إلا في رفع الأسوار من حول الطوائف لتبقى دويلات وأوطاناً ضمن الوطن الواحد.
أما السلام الداخلي فيجب أن يترجم في نظر واضعي النداء بجلاء القوات السورية عن لبنان. ولي على ذلك ملاحظتان؛ ربط السلام الداخلي بالجلاء السوري أو تعليقه عليه – وربط الجلاء نفسه بالسيادة، مع حديث عن تلك السيادة في روما! وكلا الأمرين مثير للتساؤل والاستفزاز. ثم أين هو هذا الانتهاك الهائل لحقوق الإنسان في لبنان؟ ليس هناك بلد في الدنيا قامت فيه حروب داخلية طاحنة كحروبنا، ثم استطاع أن يخرج من مآزقه بهذه السرعة، وبهذه المساحة الشاسعة للسلام والأمن والعيش الهادئ الذي يتزايد رغداً وسعة كل يوم! هل صحيح أن بلادنا على هذه الصورة من الشقاء وكبت الحريات والظلم الاجتماعي والسياسي الذي يعرضه نداء السينودس هذا؟ وأين هو النقد للتجربة المأساوية للنخب المسيحية الميليشياوية والسياسية خلال الحرب، وهي السبب الرئيس لما نزل بالمسيحيين من اقتتال وتناحر ودموية؟ فهل صحيح أن الأجهزة الدينية المسيحية، والمدارس المسيحية، والنخب السياسية المسيحية، على هذه الدرجة من السمو والتسامي والسلامة؛ بحيث لا يستحق النظر في الإصلاح الداخلي في بناها، وتجربتها خلال الحرب، ومساراتها الحالية، كلمة واحدة؟! إذا كان الأمر كذلك فما الداعي للسينودس إذن؟ إن المنطق الداخلي لهذا النداء أن السينودس كله ما كان من أجل قراءة التجربة الدينية والسياسية للكنائس والنخب الكاثوليكية قراءة نقدية؛ بل لإدانة النظام السياسي في لبنان، نظام ما بعد الحرب، لصالح ماضٍ يعتبره المنتدون زاهياً بكل المقاييس بينما يعتبره المسلمون كارثة بكل المقاييس!
بلى! هناك حديث عام عن التجدد، وتركيز على الجانب الروحي؛ لكنه لا يبدو في الأطروحات الاجتماعية والتربوية وقضايا المرأة والعائلة أو المسائل السياسية والوطنية التي ذكرها النداء. وأستثني نقطة واحدة لافتة: الدعوة إلى وحدة الكنائس (أي التلاقي من جديد مع الأرثوذكسية) من ضمن الحديث عن المسيحية المشرقية. وهذا أمر جيد، لكنه ينتمي إلى مقررات المجتمع الفاتيكاني الثاني مطلع الستينات. أما فيما عدا ذلك فالروحية العامة روحية هوية محافظة وانكماشية وتمييزية، روحية نشورية وخلاصية تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ الرؤيويات المأزومة لدى الشراذم البروتستانتية التي كانت في أساس ظهور مصطلح الأصولية كما هو معروف. فأين هو التجدد الروحي الذي يجلب أو يستدعي تجدداً في مجال الفكر الديني والمساحات الاجتماعية والثقافية والسياسية؟ لا تجدد في هوية مأزومة ومنغلقة وخائفة أو عنيفة. فالانتماء عملية تاريخية وثقافية شاسعة الأبعاد، ولا تكون إرادوية إلا عندما تنكمش لتصبح هوية تواجه كل الآخرين. على أن مسألة الهوية مشكلة عند المسلمين المعاصرين، لا تقل عمقاً عنها عند المسيحيين؛ وإن لأسباب أخرى.
إن الإسلام والمسيحية دينان عالميان، ويملكان تجربة عالمية تاريخية، ويواجهان اليوم مشكلات متشابهة في داخل مجتمعاتهما، وفي علاقاتهما بالعالم من حولهما – هذا وإن تكن مشكلاتنا، نحن المسلمين، أكثر عمقاً وتعقيداً. أما المسيحية السياسية في لبنان اليوم فهي أسيرة تجربتها السياسية والدولية، وقد أثبتت أنها لا تستطيع تجاوزها ولو مؤقتاً من أجل لقاء عميق ومنفتح مع شركائها في العيش والتاريخ والثقافة والمستقبل والمصير. لكن ذلك لا عني أن يعرض المثقفون المسلمون عن التواصل والتحادث والتلاقي مع رصفائهم في المجالات الفكري والثقافية والدينية؛ فالمشكلات مشتركة كما أن الهموم مشتركة، بل واحدة: هناك الأوطان الواحدة، وهناك التاريخ الواحد، وهناك المأزق الواحد وسط هذه المتغيرات الضخمة. أما المسائل السياسية البحتة فلن تحلها بيانات عاصفة أو هادئة من على منابر المساجد ومذابح الكنائس. إنَّ مقاربة الحلول لمشكلات الوطن السياسية تكون بالعمل السياسي هنا في الوطن، وليس في أي مكان آخر. وتكون من جانب رجالات العمل السياسي، والمتجهين للتعاطي في الشأن العام من المسيحيين والمسلمين. أمّا قضايانا الحضارية والثقافية والدينية الكبرى فمجالات مقاربتها أوسع وأشمل؛ دون أن يعني ذلك عدم أخذ الأمور السياسية بالاعتبار. إنني أطمح إلى إقامة نوع من التمييز بين الشأن الثقافي والفكري والديني العام من جهة، والعمل السياسي المباشر من جهة ثانية. إذ الواضح أن تعقيدات التجربة السياسية اللبنانية تقيد المسيحية والإسلام، وتحول دون انفتاحهما وتجددهما. علينا أن لا نكف عن محاولة التواصل والتغيير عن طريق ذلك التواصل في مجالنا العربي، وفي المجال العالمي للدينين الكبيرين. والتواصل ممكن ومتاح في المجال المشرقي للمسيحية والإسلام اللذين تعايشا وتواصلا في القرون الأربعة عشرة الأخيرة في هذه المنطقة من العالم، وفي مناطق عالمية أخرى. أنا مختص في التاريخ الفكري والثقافي للإسلام. وقد خبرت بالبحث والمراجعة أثر الفكر المسيحي في الفكر الإسلامي، وأثر الفكر الإسلامي في الفكر المسيحي في علم الكلام والفقه والأدب والجدل ومسائل التاريخ والاجتماع. وقد حضرت طوال العامين الماضيين لأربعة أعداد في مجلة الاجتهاد عن علاقات المسيحية بالإسلام في هذه المنطقة وفي العالم؛ فازددتُ إدراكاً لعمق الصلات بين الدينين. وقد أسهم المسيحيون العرب واللبنانيون من بينهم على الخصوص في النصف الأول من هذا القرن إسهامات جلى في الدراسات الإسلامية هنا وفي الخارج الأوروبي والأمريكي. وليس لنظرائهم المسلمين إسهامات تذكر في دراسات المسيحية العربية أو العالمية. إن بوسعنا، بل علينا، أن نفيد منهم وأن نعرفهم أكثر وأعمق عن طريق ذلك. أليس غريباً أن لا نجد مؤلفاً واحداً لمسلم من لبنان عن المسيحية العربية أو العالمية يمكن اعتباره مرجعاً موضوعياً في مجاله؟! فالتواصل ليس ضرورة عربية ووطنية وحسب؛ بل هو ضرورة إسلامية أيضاً: أين الدفء الذي يتحدث به القرآن الكريم عن المسيحيين من أبناء هذه المنطقة، ولماذا لا نحسه في حياتنا وأوطاننا وثقافتنا؟! نحن مقصرون ومعتفكون على الذات والهوية بكل المقاييس، ولا عذر لنا في تشنجات التجربة اللبنانية المعقدة التي لها وجوهها الإيجابية الكثيرة، رغم الاشتباكات السياسة، وتشابكات النزوع السلطوي لدى الطرفين.
ونواجه نحن المسلمين في فكر فئات من شباننا وسلوكهم انكماشاً وتوتراً أطلق عليه الدارسون اسم الأصولية الإسلامية. وهناك هذا الانكماش في المسيحية العربية الذي يتسم مثل أصولياتنا بالخوف على الهوية والعداونية. وهذا الانكماش المتوتر – الذي يشكل الطرف الإسلامي فيه الجانب الأخطر في المدى البعيد – لا يعالج إلا بالانفتاح المشترك والمتبادل في الداخل، والانفتاح على الخارج العالمي المسيحي والكوني. خوفنا الأستاذ غسان تويني في افتتاحية له بجريدة النهار يوم السبت (16/12/1995) من الحدة في تقييم أعمال السينودس، وحذرنا من اتهمامها بالصليبة. وأنا أرى أن النقاش الصارم والواسع والواضح يخدمنا جميعاً. فما نحتاج إليه ليس التكنولوجيا وحسب كما يظن، ذلك أن أصوليينا المسلمين والمسيحيين هم في مقدمة متقنيها ومستخدميها. بل ما نحتاج إليه جميعاً الانخراط في العالم المعاصر، والتعلم منه في مجالات القيم الإنسانية الرحبة، ونمو الذات في الآخر، والتعرف عليها فيه، ومشاركة العالم في آفاقه تأثراً وتأثيراً. وليست المسيحية اللبنانية صليبية ولا تستدعي أطروحاتها اتهاماً بذلك مع اختلاف المكان والزمان. كانت الصليبية عنوان حيوية قوية، وعدوانية توسعية. أما التوتر المسيحي اللبناني المتصاعد فهو عنوان أزمة وضياع على مستوى الفكر ومستوى المؤسسة. إن المؤسف أنني لم أستطع أن أستفيد شيئاً من الأطروحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية في النداء، كما أن الظاهر في نص البيان ليس التجدد الروحي بل الانكماش والتوتر والتراجع عن الأطروحات الكبرى والرحبة التي عرفتها المسيحية العربية ودعت إليها المسلمين حتى منتصف القرن العشرين.
ولذا فإن ردة فعلي وآخرين غيري أن هنا مشكلة في فكرنا الديني ومؤسساتنا الدينية، والعلاقات فيما بيننا، وعلاقاتنا بالعالم – وأن علينا أن نعمل جميعاً لتصحيح العلائق في الداخل، وإعادة التفهم والرحابة إليها، كما أن علينا أن نعمل على تصحيح علاقتنا بالعالم والعصر. ولا سبيل لذلك كله إلا بالمصارحة والمطارحة، والنقد من موقع التفهم والتعاطف.
إنني أفهم أن ينزعج بعض المسيحيين اللبنانيين، وأن تنزعج كنائسهم نتيجة لذلك من قانون الانتخابات الحالي، ومن استبعاد فريق من نخبهم من مواقع القرار. لكنني لا أفهم أن تكون نتيجة ذلك الكفر بكل شيء، واللجوء إلى السلبية والماضوية، وفقد الرؤية المستقبلية، وتجاهل الوطن الجامع، والثقافة الجامعة. على أن الجدل والمماحكة لا يفيدان في شيء. وعلينا جميعاً ونحن المسلمين بالذات الإصرار على الاستقرار والتضامن، وعلى التواصل وعلى مناقشة كل موضوع ثقافي أو وطني بالروحية المتفهمة والمنفتحة الكفيلة وحدها بمد مساحة التوافق الوطني والقومي والإنساني، وبمنح شبابنا الأمل في عيش رحب، ومستقبل واعد. وإنني لأنصح لإخواننا المسيحيين من واقع التجربة التي نعيشها نحن المسلمين مع المتشددين في صفوفنا؛ أنصح لهم بعد اللجوء إلى تسخير الدين ومؤسساته التاريخية الكبرى في خضم وساحات السياسة المباشرة. وقد كنت أظن أن الفاتيكان سينصح – من واقع تجربته المريرة – مسيحي السينودس بذلك. وأحسب أن الأوان لم يفت بعد – على أي حال – للمراجعة والتقويم.
آفاق التواصل
تعود الدعوة القرآنية للحوار لتكون هي رؤية العالم اليوم: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله… [آل عمران: الآية 64). فالفلسفة المتجددة للانفتاح والتواصل في عالمنا تتمثل في: الاعتراف بالآخر بمكالمته، وتفهم مشكلاته ومقاصده، وإدراكه على قدم المساواة، وعدم استهدافه بالتمييز أو التحقير أو الإلغاء أو محاولة ذلك. وإذا كان الحوار بين الحضارات والأديان يتحول تدريجياً في العالم الغربي يكون نتاجاً لتطورات ثقافية وإنسانية تدعو إليه، وتفرضه؛ فإنه بالنسبة لنا نحن المسلمين حاجة وجودية للقلق العميق الذي يخالط تجددنا الاجتماعي والقيمي والسياسي في مواطننا الأصلية، وفي بقاع انتشارنا في العالم. فالمتغيرات التي تحدث على مستوى العالم بعد اهتزاز وترجرج التكوينات السياسية والأيديولوجية والبشرية أمام تحديات الحداثة تواجهنا كما تواجه الآخرين بتحديات ومخاطر لا نستطيع كما لا يستطيعون مواجهتها منفردين. ونحن محتاجون أكثر من الغربيين للتواصل كما قلت؛ لأننا نواجه المشكلات التي يواجهونها في البيئة، وقابلية الحياة على الأرض، وحدود النمو، والعلائق الإنسانية؛ ونواجه بالإضافة لذلك مشكلات توصلوا – أو قاربوا – لحلول ناجعة لها؛ في الوجود الاجتماعي والسياسي، وفي الكفاية المعيشية، وفي سلمية التحول والنمو. وإذا كانت للمرحلة الماضية ظروفها التي حالت دون قيام حوار حقيقي مع المسيحية العربية؛ فلماذا لا يتساوق حوارنا للمسيحية العالمية – وهو ما ذكرت أننا نحتاج إليه بشدة – مع انفتاح للحديث والتشاور مع رصفائنا في التاريخ والحاضر في القضايا التي تتناول محلياتنا ومجالنا الخاص دون أن يزعجنا أن تكون للآخر المسيحي علاقاته مع المؤسسات العالمية للكنيسة، كما لا يزعجه تواصلنا مع المسلمين في الباكستان وأندونيسيا والبوسنة وغيرها.
وقد كان مما يزعج المسلم ويقلقه فيما مضى أنه لا يملك هرمية أو مرجعية تتحدث باسمه مع الآخر ذي المرجعية. أما اليوم فهذه ميزة له لا عليه. ذلك أن متغيرات الانفتاح هي من الرحابة بحيث تصبح الهرمية والمرجعية قيداً عليها.
وقد كان مما يزعج المسلم طرق الموضوعات ذات البعد العقدي لشبهة التبشير؛ أما اليوم فالأمر شامل، ومبحث القيم الإنسانية الشاملة واسع الآفاق؛ بحيث لا يبقى موضوع خارجه. وتوشك تلك الفصاميات أن تتوارى لكي يرى الإنسان نفسه وحدة واحدة تضع الدين في الدنيا ولا تفصله عنها، وتقبله كما هو، وتحاول أن تتواصل معه من ضمن أعرافه وشروط وجوده، وتقبل التسويات التي لا تكون على حساب إنسانية الإنسان.
ويقلق المسلم أن فلسفة “حقوق الإنسان” تطبق انتقائياً، وأن العالم يكيل بمكالين. لكنّ المقبلين على الحوار معه، لا يعتبرون ما يجري في العالم الغربي من سياسات يفرضها على الآخرين أموراً لا تقبل النقد، بل يمكن التشاور بشأنها، والضغط بشكل مشترك من أجل الوجود الإنساني والثقافي والسياسي المحترم للجميع. على أن على المسلم أن يعي أنه هو بدوره لا يستطيع أن يشارك ساعة شاء، وينحسب ساعة يشاء إلى ما يعتبره مبادئه وقيمه الخاصة؛ بل إن تلك الإعلانات العالمية التي يحتج بها على الآخرين، ملزمة له هو أيضاً.
ويقلق المسلم أن مشاهد الحوار وندواته تبقى مشاهد وندوات. لكن المسألة تكمن هنا في النظرة إلى المسألة. فالحوار ثقافة. والثقافة لا تعطي إجابات نهائية. بل إن الإجابات كثيراً ما تبقى متعددة. فبيئات الحوار بيئات مناقشة وجدل وتعلم وتجدد يمكن أن توصل لأمور مباشرة ويمكن أن لا توصل لكنها تبقى على أي حال بيئات تغيير. والتغيير المقصود متبادل. فالحداثة وثوراتها المتوالية على المستويات كلها أرهقت البشرية وبخاصة تلك المراكز التي كانت ولا تزال بيئاتها الرئيسية. والنتائج التي نالت بالاهتزاز كل شيء، هزت الصورة التقليدية للعالم الحديث، وأحدثت تقاطعات وتداخلات، ربطت مصائر سائر شعوب العالم وثقافاته بعضها ببعض برباط لا ينفصم. لكن كانت لها تأثيراتها الجانبية الكثيرة التي من أهمها صعود النزعات المحافظة في مجالات شتى ومن بينها المجال الفكري والمجال الديني، حفظاً للذات والوجود، أو محاولة ذلك. فالاندفاع من جهة أو جهات في الانفتاح والتواصل والحوار على المستوى الفكر والعلمي، قابله بروز النزعات الإثنية والعنصرية والدينية الإطلاقية وبخاصة في قلب الإسلام والبروتستانتية والأرثوذكسية. على أن هذا الانكماش، وتلك المسيانية: لن يتمكنا من الصمود أمام “السيل الذي لا يمكن دفعه”؛ فالصمود في مواقع الحوار والانفتاح هو السبيل المتاح لحدوث التغيير بصورة واعية بدلاً من التمترس وراء أبواب موصدة لن تفيد في شيء إلا في إعطاء التغيير الضروري طابع القسر والاقتحام. لسنا وحدنا من يتغير، بل إن التغيير يخترق الجميع فليكن واعياً ومقصوداً.
الواقع أننا ما أدركنا الحاجة إلى التغيير والتجدد والانفتاح، وضرورات الانخراط في العالم لا معاداته إلا منذ سنوات قليلة. أما الذين كانوا وما يزالون يراقبوننا من خارج؛ فقد تنبهوا لذلك منذ زمن طويل، وحاولوا تنبيهنا أيضاً. يقول المؤرخ النمساوي يوهانس ماياندروف في كتابه الصادر عن الكنيسة الأرثوذكسية عام 1963: اصطدم الإسلام في اندفاعته الأولى في القرن السابع ببيزنطة، وبالتالي بالأرثوذكسية. وجاءت الاندفاعة الثانية فتوغلت في قلب الأرثوذكسية بعد سقوط عاصمتها عام 1453. ومع ذلك فإن حواراً تاريخياً ولاهوتياً نشأ بين الديانتين منذ يوحنا الدمشقي في القرن الثامن، وحتى القيصر كانتاكوزانوس في القرن الرابع عشر. وتبادل الفكران الإسلامي والأرثوذكسي التأثر والتأثير بشكل عميق: في علم الكلام، وفي مسألة الصور، وفي التصوف… وما تزال الحيوية الأرثوذكسية في العلاقة مع الإسلام ظاهرة في المجال العربي على وجه الخصوص. لكن الإسلام والأرثوذكسية على حد سواء، يحتاجان اليوم، إلى إصلاحات واسعة، وتجدد واسع، وتغيير كبير؛ في الفكر، وفي البنى المؤسية، وفي الحركة أحدهما باتجاه الآخر – إذ لم يعيشا في هذه المجالات بالذات؛ تجربة الإصلاح البروتستانتية، ولا تجربة التجدد الكاثوليكية!