هيثم مزاحم يناقش أفكار أحمد القبانجي

حوار: محمد يسري* — في هذا الحوار مع المفكر والأكاديمي اللبناني الدكتور هيثم مزاحم، رئيس مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، يناقش أفكار المفكر العراقي المعروف أحمد القبانجي:

*ما هو السبب الذي استدعى قبض السلطات الايرانية للقبانجي في 2013

لعل سبب القبض عليه هو أفكاره المخالفة لأصول المذهب الشيعي الاثني عشري والتي تعتبر في نظر علماء الدين الشيعة ارتداداً عن المذهب وتشكيكاً بثوابته الكلامية والعقيدية وشعائره الدينية إضافة إلى معارضته لمبدأ ولاية الفقيه الذي ينظم الحكم الإسلامي في إيران.

*هل يمكن ان نعتبر افكار القبانجي في الفلسفة والعقيدة، افكارا متوافقة مع الفكر الشيعي الإثناعشري، ام انها تمثل تناقضا صارخا معه.

لا تعتبر آراؤه متوافقة البتة مع الفكر الشيعي الاثني عشري كما يعتقد به المسلمون الشيعة اليوم في العقائد الكلامية والأحاديث والفقه والشعائر، بل هي تسعى لنسف هذه الأصول والتشكيك في هذه الثوابت والمسلمات.

*هل يمكن ان نعتبر ان جميع الأحاديث الواردة في كتب الحديث الشيعية المعتبرة صحيحة، ام انها تحتمل النقد والمراجعة وفق اصول منهجية

فقهاء وعلماء الشيعة الاثني عشرية أنفسهم لا يعتبرون أن جميع الأحاديث الواردة في كتبهم هي أحاديث صحيحة ومسندة بل إنهم يضعفون ويرفضون الكثير منها، حتى أنهم يعودون إلى كلام للإمام الصادق أن أنظروا إلى الأحاديث فما توافق منها مع القرآن فخذوه وما تعارض منها فارفضوه.

وهناك اليوم عمل ضخم في إيران لتهذيب كتب الحديث وخصوصاً بحار الأنوار للعلامة المجلسي الذي جمع جميع الروايات بغثها وسمينها من دون تدقيق فيها وفقاً لعلمي الحديث والرجال.

*هل توافق على ما ذهب اليه القبانجي في كتابه المعنون ب خلافة علي بالنص أم بالنصب، من كون امر الخلافة امر دنيوي ولا يتعلق بالدين بتاتا

موضوع خلافة الإمام علي هو موضوع سياسي دنيوي بمعنى أنه انتخب من قبل الناس بعد مقتل الخليفة عثمان وهو رفض تولي الخلافة إلا بعد مطالبة الناس له ومبايعتهم. أما الكلام عن النص على الإمام علي من قبل الله وتعيينه من قبل النبي محمد(ص) في غدير خم كما يعتقد الشيعة فهو موضع خلاف بين السنة والشيعة، حيث يعتقد الشيعة بذلك بحسب أحاديثهم التي تقول بذلك وتفسيرهم لبعض الآيات التي تتحدث عن ولاية علي وذريته ومكانتهم السامية لدى الله، من آية الولاية (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) سورة المائدة 55، وآية التطهير – ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ سورة الأحزاب الآية 33، وآية المباهلة وآية القربى وآية إطعام اليتيم والمسكين والأسير الخ إضافة إلى تفسيرهم لكلام النبي في غدير خم واعتباره تولية للإمام علي كخليفة له من بعده. بينما فسر أهل السنة كلام النبي (فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه) بأنه يقصد محبة علي وعدم إيذائه.

أما بشأن زعم القبانجي بأن الخلافة دنيوية وليست دينية فهو محل نقاش، فالخلافة هي خلافة للنبي(ص) الذي أقام دولة دينية إسلامية في الجزيرة العربية، والخليفة يقوم مقامه في إدارة هذه الدولة ذات المهمات الدينية من تطبيق الشريعة ونشر الإسلام الخ. طبعاً بالنسبة للسنة فإن مهمة الخليفة هي حراسة الدّين وسياسة الدُّنْيَا كما يقول أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه “الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة”. بينما هي بالنسبة للشيعة الاثني عشرية التي يسمونها إمامة وليس خلافة، مهمة دينية استمراراً للنبوة في تفسير الدين وتأويل القرآن وشرح العقيدة وأحكام الشريعة كون الإمام المعصوم عند الاثني عشرية ملهماً من الله وعنده العلم اللدني، بمعنى استمرار النص برغم انقطاع الوحي. وهذا أساس الخلاف بين السنة والشيعة.

*هل توافق مع ما ذهب اليه القبانجي، من كون دفع الاخماس، ليس له أصل ديني، وانه محض افتراء من المراجع وآيات الله

يستند الشيعة في موضوع الخمس من أرباح المكاسب، وكل ما حصلوا عليه من أموال طيلة سنتهم، إلى الآية 41 من سورة الأنفال ( واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله … )) ولقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (أمركم بأربع : الإيمان بالله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدّوا لله خمس ما غنمتم ) (صحيح البخاري : 4/44) . ومعلوم أن الرسول قد خصه الله بالخمس وخص بني هاشم بالخمس تعويضاً لهم على حصارهم الاقتصادي في شعاب مكة لنحو ثلاث سنوات من قبل قريش. لكن هل تنطبق الآية اليوم على جميع المتحدرين من بني هاشم من المستحقين؟ لا شك أن ذلك موضع جدل بخاصة أن بعض مثقفي الشيعة المتنورين يرفضون هذا التمييز بين السادة أي الهاشميين المتحدرين من نسل النبي، مع صعوبة تحديد جميع هؤلاء اليوم خاصة أن من يزعمون ذلك عددهم بالملايين، وبين ما يسمونه بالعامة أي عامة المسلمين. فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

*هل توافق القبانجي فيما ذهب إليه من كون معظم الشعائر الحسينية الجسدية، مثل التطبير، ما هي الا عادات اجتماعية لا علاقة لها بالدين

طبعاً موضوع التطبير دخيل على المذهب الشيعي وهو دخل خلال عهد الصفويين تاثراً ببعض العادات الهندية غير الإسلامية، والكثير من فقهاء الشيعة سابقاً واليوم يحرمون التطبير وينهون عنه لما يحتويه من احتمال إيذاء النفس أو هتك حرمة المذهب.

*ما رأيك فيما ذهب إليه القبانجي، من نفي صفة الشرعية التي وقعت في عهد الدولة الراشدة، وان تلك الفتوحات ما هي الا محض عدوان وغزو

موضوع الفتوحات الإسلامية موضوع إشكالي يحتاج إلى بحث تاريخي وفقهي ودراسة لموضوع الجهاد في الإسلام هل هو جهاد دفاعي أو ابتدائي. فالشيعة يذهبون إلى أنه فقط الإمام المعصوم يحق له بإعلان الجهاد الابتدائي بمعنى غزو قوم أو دولة أخرى من دون أن تكون هذه الدولة قد اعتدت على المسلمين. لكن الكثير من الفتوحات اللتي سميت اسلامية كانت بغرض التوسع والغنائم وجمع الثروات إلى حد أن بعض ولاة المسلمين رفضوا دخول بعض سكان هذه الأراضي المفتوحة الإسلام حتى لا يعفوهم من دفع الجزية، ففضلوا بقاءهم على ديانتهم بدل إسلامهم لاسباب نفعية اقتصادية.

*ما رأيك في التفسيرات والتأويلات الرمزية التي يتناول بها القبانجي القصص القرآني، واعتباره ان تلك القصص ما هي الا رموز واشارات غير حقيقية

القبانجي يشكك في أصل القرآن ومصدره وكونه وحياً أوحي إلى النبي محمد وبالتالي يشكك في إعجازه اللغوي، وهو ما يطرح سؤالاً ملحاً إن كان لا يؤمن بالقرآن والوحي والتشيع فلماذا لا يزال يصر على ارتداء اللباس الديني وبخاصة لباس رجال الدين السادة الهاشميين لدى الشيعة. فهل يعتبر أن ذلك يعطيه حصانة ومصداقية لدى مستمعيه؟

أما موضوع التأويلات الرمزية للقصص القرآني فهو دينياً مرفوض وهو مخالف لتفسير القرآن والروايات المنقولة عن الرسول والأئمة والصحابة. لكن من الناحية الفلسفية والفكرية قد يذهب بعض الفلاسفة والمفكرين إلى بعض هذه التأويلات والتفسيرات، وليس لدي اعتراض على إعمال العقل في أي موضوع بناء على مناهج علمية موضوعية سليمة.