الرئيسية / إسلاميات / في كارثية الخلط بين الشريعة والفقه

في كارثية الخلط بين الشريعة والفقه

image_pdfimage_print

بقلم: أحمد الشوربجي — يخلط كثير من الناس بين الشريعة والفقه، فيعتبرونهما شيئاً واحداً؛ على رغم ما بينهما من فرق شاسع. وتقع تبعاً لذلك أخطاء جسيمة وتصورات ونتائج كارثية أحياناً؛ أقلها عرقلة جهود الإصلاح الفكري والنهوض الثقافي الذي يمثل رأس الحربة لكل تقدم حضاري. تأتي الكارثة حينما يقدم الفقه على أنه الإسلام أو على أنه الشريعة الإسلامية. فإذا عرفنا أن الشريعة هي نصوص الوحي التي أوحى الله بها لنبيه صلى الله عليه وسلم سواء كانت قرآناً أم سنة بكل ما تتضمنه من أحكام شرعها الله لعباده على لسان نبيه والتي تشمل العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات؛ هنا تكون الشريعة الإسلامية هي الإسلام ذاته؛ أما الفقه فهو جزء من الشريعة. هذا الجزء باستثناء بعض الأحكام القطعية فيه أي الثابتة ثبوتاً يقينياً مثل وجوب الصلاة ووجوب صيام رمضان ووجوب الوفاء بالعقود، يكون الفقه هو ما يفهمه العلماء من نصوص الوحي في ما يتعلق بالأحكام العملية، أي هو فهم العلماء في جزء من نصوص الشريعة وما يستنبطونه منها ويقررونه ويؤصلونه ويقعدونه من القواعد المستمدة من دلالات النصوص. وهكذا لا يجوز الخلط وعدم التمييز بين مفهوم الشريعة الإسلامية ومفهوم الفقه الإسلامي. فالشريعة معصومة لأنها نصوص الوحي. أما الفقه فهو من عمل الفقهاء في طريق فهم الشريعة وتطبيق نصوصها وفيه يختلف فهم فقيه عن فهم فقيه آخر. وفهم كل واحد، مهما علا قدره، يحتمل الخطأ والصواب لأنه غير معصوم. وبالتالي يصبح الفقه ولو كان مبنياً على النص الشرعي قابلاً للمناقشة والتصويب والتخطئة؛ ومن ثم اختلفت آراء الفقهاء وردَّ بعضهم على بعض وخطّأ بعضهم بعضاً ونشأت المذاهب الفقهية المختلفة.

الكارثة تأتي حينما لا نفرق بين المقدس وغير المقدس؛ بين النص وفهم النص؛ بين الفقه وبين الشريعة؛ بين الإسلام وبين علماء الإسلام. فتجد أناساً ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية، وهم لا يميزون بين الفقه والشريعة، ومن ثم يقدمون الفقه على أنه الشريعة، بل على أنه الدين ذاته، فيقيمون الدنيا ولا يقعدونها ويذبحون ويقتلون بناء على أحكام فقهية مدعين أنها الشريعة.

ولتتضح الصورة أكثر ارجع معي لعام 1179م الموافق لسنة 574 هجرية حينما أصدرت الكنيسة الغربية تشريعات تنص على أن كل مسيحي يقبل الخدمة في منازل اليهود أو المسلمين أو رعاية أطفالهم أو الاتجار معهم أو حتى مشاركتهم طعامهم يتعرض لعقوبة الطرد من الكنيسة مع ما يترتب على ذلك من مصادرة الممتلكات. وفي عام 1227م الموافق لسنة 623 هجرية أضاف البابا غريغوريوس التاسع المراسم التالية: «يجب على المسلمين واليهود أن يرتدوا ملابس مميزة لهم ويجب ألا يظهروا فى الشوارع أثناء الأعياد المسيحية أو أن لا يتولوا مناصب حكومية في البلدان المسيحية كما يمُنع المؤذن من إيذاء أسماع المسيحيين بدعوة المسلمين إلى الصلاة».

خذ هذه القرارات الكنسية الصادرة عن البابا وضعها على لسان أي واحد متشدد يدعي زوراً وبهتاناً أنه سلفي مثلاً أو أي واحد من أعضاء ما يسمى التيار الإسلامي ثم اجعلها تخاطب جماهير المسلمين بدلاً من رعايا الكنيسة الغربية مع تعديل ما يلزم تعديله. ستجد نفسك سمعت هذه الأشياء تقريباً من أحد هؤلاء الأشخاص وبعد أن فرغ من كلامه قال لك ليس هذا كلامي وإنما هو كلام الدين وأنا ناقل فقط وارجع إن شئت للكتاب الفلاني أو الكتاب العلاني من كتب الفقه الإسلامي. وفعلاً حين ترجع إلى الفقه الحنفي وتحديداً كتاب الاختيار مثلاً؛ ستجده يقول بضرورة أن يتميز المسيحيون عن المسلمين في ملابسهم. ما نريد قوله سيظهر بوضوح تام حينما نراجع تواريخ ظهور القرارات الباباوية في 1179م الموافق لسنة 574 وحينما ترجع لعام عام 1227م الموافق لسنة 623 هجرية ثم ضف إليها أنه في عام 1099 م الموافق لسنة 492 هجرية كانت الحملة الصليبية التى نجحت في دخول مدينة القدس بعد حصار دام أربعين يوماً في يوم قال فيه وليم الصوري المؤرخ المسيحي: «إن بيت المقدس شهد عند دخول الصليبيين مذبحة رهيبة حتى أصبح البلد مخاضة واسعة من دماء المسلمين أثارت الرعب والاشمئزاز». كانت تعليمات البابا لهم أن الرب هو الذي يطلب منكم أن تطهروا الأرض المقدسة من هؤلاء الرعاع، لذا يقول آرنست باركر إنهم لم يتركوا مسلماً في المدينة التقوا به إلا قتلوه من دون تفرقة بين رجل وامرأة أو صغير وكبير.

حينما يكتب الفقهاء المسلمون الفقه ترى ماذا يكتبون؟ سيكتبون آجواء الحروب ورائحة الدماء والعداوة وسيستنطقون النصوص لتقترب من المعاملة بالمثل. وبالتالي سيقولون كما قال البابا، ولكن في الفقه الحنفي الذي كتبه عبدالله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي المتوفى سنة 683 هجرية، ومع ذلك فإن نائب رئيس محكمة العدل الدولية السابق ويرا منتري؛ حينما قارن هذا الفقه الإسلامي بما كان سائداً في ذلك الوقت قال نصاً: «إن الأمم المسيحية (الأوروبية) ملكت طريقة غير محترمة أبداً إذا ما قورنت بالأمة الإسلامية التي كانت لها قواعد واضحة في الحروب ومعاملة العدو والأسرى وغيرها». أيضاً قال ميتشل دي توب؛ أستاذ القانون الدولي في أكاديمية العلوم الدولية في لاهاي وزير خارجية هولندا سنة 1936: «لقد ساعد العالم الإسلامي في سبيل إفراغ الإنسانية الصحيحة على البشرية البائسة مساعدة يجب أن ينظر إليها بعين التقدير السامي، باعتبارها أسمى مما تم في أوروبا الرومانية والجرمانية والبيزنطية خلال القرون الوسطى».

ومن ثم فليست المشكلة هي في هذا الفقيه أو فقهه، إنما في مَن حوّل هذا الفقه وآراء هؤلاء الفقهاء إلى نصوص مقدسة تقدم باعتبارها ديناً ينبغي الدفاع عنه حتى الموت. إنها مشكلة حقيقية تنبع بالأساس من خلط الفقه بالشريعة والفتاوى الفقهية بالأحكام من دون تفرقة ونتحملها جميعاً بما في ذلك بعض المؤسسات الرسمية في الدول العربية والإسلامية. فهذه النصوص الفقهية مثلاً كانت مقررة على طلاب الثانوية الأزهرية وتخرجت أجيال على هذه النصوص من دون أن تعرف فلسفتها ولا وقتها ولا أنها فتاوى بالأساس وليست أحكاماً، لتبقى المشكلة كامنة، فتجد بعض خريجى الأزهر الذين لم تسعفهم الظروف لمواصلة البحث والقراءة والإطلاع يقعون في الأخطاء ذاتها في وقت نعقد فيه المؤتمرات عن تجديد الخطاب الديني. هذا الخلط يتسبب فى تقديم صورة غير حقيقية وغير واعية وغير منضبطة بل وكارثية من قبل الدعاة حتى لو لم يقدموها على المنابر، فهي حبيسة صدورهم لا يفصحون عنها لكنهم لا يلامون إنما اللوم كله وربما الإثم يقع على مَن يعرف ويملك السلطة ويسكت فلا يقدم لأمته ولا لمجتمعه خيراً.

المصدر: الحياة

(Visited 15 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Islamis-culture

تجديد الفقه السياسي في الأزمنة الحديثة

تجديد الفقه السياسي في الأزمنة الحديثة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification