عن نكبة الموريسكيين

بقلم: د. سليمان عباس البياضي* — الموريسكيون هم المسلمون الذين بقوا فى إسبانيا تحت حكم النصارى بعد سقوط الأندلس وطُلِب منهم التحول إلى النصرانية سنة 1502م لتفادى طردهم من إسبانيا. وكانت اتفاقية تسليم غرناطة التى تنازل فيها الملك أبو عبد الله الصغير للنصارى سنة 1491م قد نصّت على احترام ممتلكات المسلمين ومعتقداتهم والحكم بينهم بالشريعة الإسلامية .
لكن ملوك النصارى لم يفوا بوعودهم، ونتيجة للتعسف والظلم ضد الموريسكيين قاموا بثورتين هما ثورة (البيازين) عام 1499م في غرناطة التى قرر بعدها ملك غرناطة الإسباني تأسيس محاكم التفتيش، وثورة البشرات عام 1568م حيث لقى الإسبان مقاومة عنيفة من الموريسكيين الذين دافعوا عن مدنهم ببسالة. لكن بعد اخمادها تم اضطهاد الموريسكيين بصورة بشعة، فنُسفت مساجدهم وقُتل النساء والأطفال وتعرضوا لحرب إبادة، بينما تم تنصير أكثر من 50 ألف شخص قسراً في غرناطة .
منذ عام 1502م بدأت مرحلة قاسية من التهميش والتخوين والإذلال للموريسكيين وانتهت بطردهم من أسبانيا سنة 1609م. خلال تلك الفترة تم فرض ضرائب باهظة على اللبس العربي وكانت الكنيسة ترسل امرأة لحضور مواليد الموريسكيين حتى لا تُقرأ الشهادة في أذن المولود، وإبقاء منازلهم مفتوحة يوم الجمعة وإجبارهم على الأكل وشرب الخمر في نهار رمضان، وتم إنشاء مدارس لتعليم أبنائهم اللغة الإسبانية وتعاليم النصرانية .

ورغم عنف وإرهاب محاكم التفتيش إلا أن الموريسكيين مارسوا شعائر دينهم بصورة سرية، فكانوا يؤدون الصلاة سرًا وكانوا يغلقون بيوتهم يوم الأحد، موهمين السلطات بأنهم ذهبوا إلى الكنيسة. وكانوا عندما يتم تعميد أطفالهم في الكنائس يبادرون إلى غسلهم في بيوتهم وكانوا يعقدون حفلات الزواج على الطريقة الإسلامية سرًا بعد مراسم الكنيسة. وكانوا لا يعترفون ولا يتناولون القربان ولا يقربون الزيت المقدس ولا يأكلون لحم الخنزير ولا يشربون الخمر .
قام الملك (فيليب الثالث) بطرد الموريسكيين من إسبانيا في الفترة بين عامي 1609م و1614م، فقد أُمروا أن يغادروا تحت ألم الموت والحرمان، وألا يأخذوا معهم نقوداً أو مجوهرات، فخرجوا يختلط المشاة منهم بالركبان ومضى الجميع ينفجر من الألم والدموع ما بين عجائز وأطفال يغطيهم التراب ويتصبب العرق منهم يشعرون بالضياع. وفوق ذلك كانت هناك عصابات نصرانية تشكّلت لمهاجمة الموريسكيين ونهب ثرواتهم بل وقتلهم أحيانًا .
تختلف التقديرات حول أعداد المهجَّرين وقتها؛ والدراسات الحديثة تُقدرهم بحوالي 300 ألف موريسكي، وكان الطرد في معظم الحالات قد تم باتجاه الجزائر وتونس والمغرب (يقدَّر عدد الموريسكيين اليوم في المغرب بأكثر من 4 ملايين نسمة)، ومنهم من ذهب إلى باريس وروما وتركيا والقاهرة ولبنان وقسم منهم ذهب مع الرحلات الاستكشافية إلى أميركا الوسطى والجنوبية، ومن الموريسكيين من ظلّ مقيما في إسبانيا (كان في غرناطة فقط بين 10 إلى 15 ألف موريسكي).
وكانت هناك مشكلةٌ تواجه عائلات الموريسكيين عند محاولتهم الهجرة إلى البلاد الإسلامية وهي أن الإسبان لم يسمحوا لهم باصطحاب أبنائهم (لأن الأبناء تم تعميدهم في الكنائس وبذلك أصبحوا نصارى في نظر الإسبان). ولذلك كانوا أحياناً يضطرون للهجرة إلى بلدٍ نصراني كفرنسا مثلاً ومنها إلى بلدٍ إسلامي آخر في شمال إفريقيا .

والمفارقة الغريبة التي حدثت أحيانا للموريسكيين في بداية هجرتهم إلى بلاد المغرب الإسلامي هي نظرة مسلمي المغرب لهم، فقد بدأ المغاربة ينظرون إليهم كشِبه نصارى لأن أحوال الموريسكيين كانت قد تبدلت سواء من حيث اللغة التي أصبحت مزيجاً من العربية والإسبانية أو الهندام الذي يشبه هندام النصارى، وكذلك من حيث عاداتهم كاختلاط الرجال بالنساء أثناء الحفلات مثلاً .وأصبح المغاربة يشكّون في إسلام الموريسكيين. فصار التاريخ يعيد نفسه مع هؤلاء المساكين؛ فكما كان النصارى يشكون في تنصّر الموريسكيين أصبح المغاربة يشكون في إسلامهم.

*باحث في التاريخ والحضارة الإسلاميين.