الرئيسية / التصوف / الرؤية التوحيدية للتصوف الفلسفي

الرؤية التوحيدية للتصوف الفلسفي

image_pdfimage_print

بقلم عبد الجبار الرفاعي — يتبنى التصوفُ الفلسفي معرفياً رؤيةً توحيدية لا تتطابق ورؤية علم الكلام التوحيدية، إذ تبين هذه الرؤية كيفية مختلفة لخلق الحق للخلق، بوصف الخلق مظهراً من مظاهر وجود الحق. وكيف أن ذاتَ الحق من حيث هي ذات لا تكون علةً للخلق، بمعنى أن اللهَ لا يكون مبدأً وعلةً من حيث أحديته، إنما يكون مبدأً وعلةً من حيث هو خالق؛ أي في مرتبة تقع بعد الأحدية. ويشرح صدرُ الدين القونوي ذلك بقوله: “إن توجّه الحق لإيجاد الممكنات ليس من حيث أحديّة ذاته، فإن نسبة الاقتضاء الإيجادي إليها ونفيه عنها من هذا الوجه على السواء، إذ لا ارتباط للذات بشيء من هذا الوجه، ولا مناسبة تقتضي بالتأثير أو التأثّر، فإن الأحكام والاعتبارات مُستهلكةٌ في الأحدية، وإنما الموجب لإيجاد الأشياء هو حكم العلم الذاتي الأزلي، لحيطته وعموم حكمه وتعلّقه بذات الحق وأسمائه وصفاته ومعلوماته”.[1]

تهتم هذه الرؤيةُ ببيان حاجة الإنسان العميقة لصلةٍ مباشرةٍ بالله، يلتقي فيها الإنسان وجودياً بالحق، عبر رحلةِ صعودٍ من عالمه الأرضي إلى الحق، وعودتِه من الحق إلى الخلق.[2] ويتجلى الله روحانياً وأخلاقياً للرؤية التوحيدية في التصوف الفلسفي.

يدرس التصوفُ الفلسفي طبيعةَ الحياة الروحية، ويحلّل خبراتِ الروح وحالاتِها المتنوعة، ويعمل على التعرّف على هذه الخبرات والحالات، وبيانِ أنماطها وكيفياتها وحقيقتها، ويحاول الاستدلالَ عليها.

ظهرت النواةُ الجنينية للتصوف الفلسفي مبكراً في نصوص أبي يزيد البسطامي والحسين بن منصور الحلاج، ونضج بناءُ المنظومة المعرفية لهذا النمط من التصوف، واكتملت معالمُ أركانه النظرية في آثار محيي الدين بن عربي. وأسهم فيه شيخُ الإشراق شهابُ الدين السهرودي، وعبدُ الحق بن سبعين، وصدرُ الدين القونوي، وجلالُ الدين الرومي، وعبدُالكريم الجيلي، وعبدُالرحمن الجامي، وملا صدرا الشيرازي… وغيرهم.

ويصطلح بعضُ الدارسين على التصوف الفلسفي “التصوف المعرفي”، والشيعةُ المتأخرون يسمونه “العرفان النظري”، تمييزاً له عن “العرفان العملي” الذي هو التصوف العملي السلوكي.

يختلف التصوفُ الفلسفي عن “التصوف السني” الذي هو تصوف عملي ينشغل بالعبادة والزهد، ويلتزم في سلوكه بما تقرّره المدونةُ الفقهية، وهو تصوف انتهى عند بعض أتباعه أخيراً إلى ضرب من الرهبنة والغياب عن العالم، وحتى الشعوذة والدروشة البهلوانية.

المؤسفُ أن مآلاتِ التصوف الفلسفي أمست على الضدّ من بداياته، بعد أن فشل الأتباع في التقاط مغزاه الدقيق، وما يهدف إليه من بناء صلة حيوية للإنسان بالله، تحميه من اغترابه الوجودي.

الرؤيةُ التوحيديةُ للتصوف الفلسفي تؤسّس لصلة عضوية متدفقة للإنسان بالله، ينبع منها فهمٌ مختلف للدين، وقراءةٌ روحانية وأخلاقية للنصوص الدينية، خلافاً للرؤية الكلامية التي تبتني على نفي هذا النوع من الصلة العضوية، وتفشل في صياغة هذا اللون من الفهم للدين، وتعجز عن تجاوز القراءات المغلقة للنصوص الدينية.

ويختزن هذا النمطُ من الاغتراب عنفَ الأديان، إذ كلّما تمادت الرؤيةُ التوحيدية في التجريدِ الذهني، وخلقِ هوةٍ لامتناهية بين الله والإنسان، تمادى الإنسان في العنف، لأن مثل هذه الرؤية لا تكون إلّا مجموعة من المقولات المحنطة والمفاهيم الساكنة، العاجزة عن إيقاظ الروح وإيقاد جذوة السفر إلى الله فيها. ذلك أن المقولات الاعتقادية المحنطة والمفاهيم الساكنة تنفي الإنسان في الظلام بعيداً عن الله، وتصيّر العقيدةَ ميكانيكية تقطع الصلةَ الوجودية بين الله والإنسان، وتمعن في تغييبِه عن ربه، ونبذه في محلّ موحش يتعذر عليه أن يلتقي الله فيه.

وذلك ما قاد ابنَ تيمية وغيرَه من الفقهاء في الإسلام لتسويغ العنف بمختلف أشكاله، لأنه تمادى في بناء علاقة سلبية بين الله والإنسان، فرسم صورةً لله مفارقة للإنسان وغريبة عنه تماماً، وعمل على اجتثاثِ أيّة صلة مباشرة للبشر بالله، وتبعاً له قطع محمد بنُ عبد الوهاب أيَّة وشيجة وجودية للإنسان بالله، حتى أضحتْ زيارةُ النبي الكريم “ص” في مفهومه ضرباً من الشرك، فضلاً عن زيارة غيره من الأولياء، وهي رؤية تُفسّر التوحيد تفسيراً حرفياً مبسطاً، إذ تضع اللهَ في مقام قصي وتهبط بالإنسان إلى أحقر مقام، لا يتحقق فيه للإنسان أيُّ لقاء بالله، أو حضور بحضرته، فيعيش الإنسان حياةَ تشرّد مريرة.

الرؤيةُ للعالم في التصوف الفلسفي تقدّم تفسيراً للدين ولنصوصه يعيد للإنسان مكانتَه

المهدورة في الرؤية الكلامية للعالم، ذلك أنها تسمو به لمقام الإنسان الكامل، وكأنها تعمل على استدناء الإله وتعالي الإنسان ليلتقيا معا. إنها تؤسس لاهوتياً للتنوع والتعدّدية في العالم الأرضي، بوصف ما في عالمنا تجلياً لعوالم الربوبية وتنوّع الأسماء والصفات الإلهية فيها، فكلُّ إنسان في الأرض يمكن أن يكون مرآة تنعكس عليها هذه الأسماء، وتتخلق بهذه الصفات، حسب ظرف وعائها وطبيعة استعدادها.

لاهوتُ المتصوف لا يدعوه للاعتقاد بأنه الوكيلُ الوحيد لله، والناطقُ الحصري باسمه في الحياة، وأنه هو فقط من له الحقُ بامتلاك الحقيقية دون سواه، وإنما يمنحه رؤيةً للعالَم تسمح له بقبول تعدّدية المعتقَد واحترام الآخَر المختلف، بوصف الآخَر، مهما اختلف عنه، مظهراً وجودياً لاسم من الأسماء الإلهية المتنوعة. وهكذا تكون التعدديةُ في الأرض انعكاساً لتعددية الأسماء في العالم الربوبي.

كلُّ أشكال الاستبداد يقلقها لاهوتُ التعددية، لذلك تعمل على تحطيم الأسس الميتافيزيقية للتعدّدية، لأن الاستبدادَ يراها أخطرَ عدو يعمل على تفتيت بنيته اللاهوتية، لذلك يشدّد على استبعاد كلّ ثقافة ومعتقد ومقولة تنشد بناءَ الأسس الميتافيزيقية للتعددية.

الاغترابُ الميتافيزيقي

تفرضُ رؤيةُ الكائنِ البشري للعالَم الذي يعيش فيه كيفيةَ صلته بالعالَم، وتتحدّد تبعاً لها كينونةُ هذا الكائن، ويتشكّل نمطُ وجودِهِ. وتمثّلُ هذه الرؤيةُ إطاراً مرجعياً موجّهاً لتفكيرِهِ ومواقفِهِ وسلوكِهِ في الحياة.

لقد صنع علمُ الكلام رؤيةَ معظم المسلمين للعالَم، بعد أنْ تسيّدت الرؤيةُ التوحيديةُ للمتكلمين مبكراً الحياةَ الدينيةَ في عالم الإسلام، واستولت بالتدريج على شعورِ المسلم ولا شعورِه، وصاغت أشكالَ علاقته بذاته والآخر، وتشكّلَ في سياقها منطقُ التفكير الديني في الإسلام، وظهرت بصمتُها في تدوينِ مُختلَف علومِ الدين ومعارفِهِ. وانتهت إلى ضربٍ من الاغترابِ الوجودي للمتدين عن عالَمِهِ الذي يعيشُ فيه.

ففي لاهوتِ المتكلمين يغتربُ الإنسان وجودياً عن الله، لأن ذلك اللاهوتَ يبرعُ في نحتِ صورةٍ لله تحاكي علاقةَ السيد بالعبد المكرّسةَ في مجتمعات الأمس. الله في هذا اللاهوت تسلطي كما الملوك المستبدين، نمطُ علاقته بالإنسان كأنها علاقة مالك برقيقه، فهو يمتلك الناسَ كما يمتلك الأسيادُ الرقيقَ، ويمتلك أقدارَهم، ويمتلك التصرفَ بكل شيء في حياتهم. وقد وُلدت عقيدةُ الجبر في أفق هذه الرؤية مبكراً، وأصبحت منبعاً لشرعنة الأشكال المتنوعة للاستبداد في تاريخ الإسلام. وحاولَ بعضُ الفقهاء تسويغَ استبدادِ الحاكم في أدبيات الأحكامِ السلطانية، وتفويضه بحقِّ الاستحواذِ على السلطةِ واحتكارِها، وبحقِّ ممارسةِ كل ما من شأنه تدبير الشأن العام وبسط الأمن مادام عادلاً. ولا أدري كيف يمكن أنْ يجتمعَ الضدان (الاستبداد/العدالة) في أفعالِ وأوامر شخصٍ واحد، على نحوٍ يكون عادلاً في استبدادِهِ، ومستبداً في عدالتِهِ، وهو ما تفنَّن بعض المتكلّمين في تسويغِهِ، عندما نحتوا صورةً لله تحاكي شخصيةَ المستبدّ الظالم في أوامرِهِ، لكنَّه العادلُ مع خلقِهِ في تلك الأوامر.

إن الصورةَ التي صاغها المتكلّمون لله في كتاباتهم لا يتجلى فيها شيءٌ من رحمته، بل تظهر قاسيةً شديدةً، حيث عمل المتكلمُ على رسم صورةِ الخالق بوصفه مُعاقِباً لخلقه عقاباً مريراً، ومعذِّباً لهم عذاباً مريعاً، ومتسلِّطاً عليهم، يراقب كلَّ زلّةٍ أو خروجٍ عمّا فرضته تلك الصورةُ من أوامر ونواهي تتسع لكلّ صغيرة وكبيرة في حياتهم. وتغلّبت صورةُ الالهِ المرعبِ وتغلغلت في آثار المتكلمين، حتى طمستْ ما يشي بمحبةِ اللهِ لخلقِه، ورحمتِه، وعفوِهِ وتوبتِهِ ومغفرتِهِ لهم. من هنا نشأ جدلٌ واسعٌ بين المتكلمين حولَ مصير فاعل الكبيرةِ، حتى قال بعضُهم بخلوده في النارِ.

ولم تشأ تلك الصورةُ قبولَ التنوّع والاختلاف الطبيعي بين البشر، ولم تكفل حقَّ تكرار الخطأ للكائن البشري، ولم تقبل إلّا النموذج الواحد الذي صاغه علمُ الكلام، وهو نموذج يجب أنْ يتماثلَ فيه كلُّ البشر الذين يعيشون في الأرض أمس واليوم وغداً.

وكان من نتائج صورة الله هذه، بناء علاقة عدائية بين الله والإنسان، لأن رسمَ صورة مرعبة لله تقود الإنسان للنفور منه، والإنسان بطبيعته ينفر من كل ما هو مرعب، ولا ينجذب إلّا لمن كان محبوباً جميلاً.

قادتْ تلك الصورةُ المكفهرةُ الإنسان للهروب من الله، أثر ما أثارته من ذعر، وكآبة، وربما غثيان. فإنه لا يمكن أن يحبَّ الإنسان عدوَّه، أو يظل محايداً حياله، بل عادةً ما يلجأ لمقاومته، فإن لم يستطعْ يلجأ للاحتماء بالاختباءِ والغيابِ عنه تماماً. وعندما يحتجب الإنسان عن الله يحتجب اللهُ عنه. عندئذٍ ينتهي الحالُ بالإنسان للسقوطِ في الاغترابِ الوجودي، أو “الاغتراب الميتافيزيقي”، الذي هو ضربٌ من الاغتراب يختلف عن الاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي والأيديولوجي. إنه ضياع كينونة الكائن البشري وتشرّدها عن أصل وجودها.

الاغترابُ الميتافيزيقي يعني أن وجودَ الذات البشرية وكمالها لا يتحقق ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الوجودي “الإلهي”. وهو ضربٌ من الاغتراب لا يرادف تفسيرَ هيغل الذي يرى أن الاغتراب ينشأ من وعي الإنسان بالهوة الشاسعة بين وجوده والحقيقة النهائية “الروح المطلقة” أو العالم المثالي؛ فالإنسان يكون مغترباً عندما لا يجد ذاتَه في العالم المثالي.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ فيورباخ الذي يرى أن خيالَ الإنسان هو من اخترع فكرةَ الإله، وأسقط عليها كلَّ كمالاته، فأصبح الإنسان مُستلَباً، عندما صيّر الإلهَ كلَّ شيء بينما سلب من ذاته كلَّ شيء.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ ماركس الذي جعل سببَ الاغتراب استغلال الرأسمالي للعامل، واستلاب قيمة عمله الذي يفضي إلى: اغترابِ العامل عن ناتج عمله، ومن ثم اغترابِه عن وجوده النوعي ككائن بشري، واغترابِه عن عملية الإنتاج، واغترابِ العمال بعضِهم عن البعضِ الآخر.

كما لا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ فرويد، الذي رأى أن الاغترابَ ناتجٌ عن وجود الحضارة واستلابها لغرائز الإنسان، إثر ما يحدث من تعارض بين متطلبات بناء الحضارة، وما تفرضه الدوافعُ الغريزية للإنسان من متطلبات مضادة.

الاغترابُ الميتافيزيقي أنطولوجي، تتهشم فيه كينونةُ الكائنِ البشري، ولا يتخلص منه الإنسان إلّا ببناءِ صلةٍ حيةٍ ديناميكيةٍ بالله، تتحقق فيها أُلفةُ الإنسان مع الوجود، بعد أنْ تحدث عمليةُ توطينٍ له، بنحو يتحول الوجود إلى مسكنٍ يقيم فيه. وحيث يسكن الإنسان الوجودَ لن يعود غريباً، ذلك أنه عندما يجد ذاته يشعر بالأمان في المأوى الذي يأوي إليه. ويتبدَّل نمطُ علاقته بإلهِهِ، فيتحول من عداءٍ إلى حب، بل قد يتسامى الحبُّ إلى مرتبةٍ يكون فيها الحبيبُ هو الأنا.

ولا يعني الخلاصُ من أنواع الاغترابِ الأخرى الخلاصَ من الاغتراب الميتافيزيقي، لأن الاغترابَ الميتافيزيقي اغترابٌ لكينونة الكائن البشري عن وجودها، وهذه الحالةُ من الاغتراب تنتج القلقَ الوجودي، إذ بعد أن تنقطع صلةُ الإنسان الوجوديةُ بإلهِهِ، تُستلَب ذاتُه ويشعر أنه يفتقدها. وعندما يفتقد الإنسان ذاتَه يمسي عرضةً لكلِّ أشكال التبعثر والتشظي، وربما يتردى في حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانية.

ويمكن العثور على الجذور العميقة للعنف في الاغترابَ الميتافيزيقي، فقد كشفت الدراساتُ الأنثروبولوجية عن اقترانِ العنف بالمقدّس. وتشير الكتبُ المقدّسة كالتوراة والقرآن إلى أن أولَ عملية عنف دموي في الحياة البشرية، قتل فيها أحدُ أبناء آدم أخاه، كانت أثر نزاع على قربان إلهي.

ونشأ اغترابُ الإنسان الوجودي عن الله عن إسقاط المتكلمين لصورة المستبدّ على الله. فقد تورط المتكلمون بقياس الغائب على الشاهد في دراسة التوحيد وصفات الله وأفعاله، وكان نموذجُهم المحسوس علاقةَ السيد بالعبد، فصاغوا في إطارها نمط علاقةَ الله بالإنسان. ووُلدت نظريةُ التكليف في أفق هذا الفهم، وكُتبت المدونةُ الفقهية في سياق نظرية التكليف. وتبعاً لذلك أنتجت هذه الرؤيةُ التوحيدية، التي يغترب فيها الإنسان وجودياً عن الله، فقهاً عنيفاً.

الرؤية التوحيدية للتصوف الفلسفي عالجت الاغترابَ عن الله، ببناء صلة وجودية بين الله والإنسان، إذ يسافرُ الإنسان في ضوء هذه الرؤية إلى الله حتى يصلَ إليه، ويحضرَ في حضرته، كذلك يقترب اللهُ من الإنسان، حتى يصيرَ الإنسان مرآةَ الله وأظهرَ تجلياته، كما يشرح ابنُ عربي ذلك في مفهوم الإنسان الكامل، وأسفارِ الإنسان في عوالم الأسماء والصفات الإلهية، وكيف يصعد الإنسان في سُلّم تلك العوالم، ويتسامى ليتصل وجودياً بالحق. في إطارِ هذه الرؤية تتلاشى المسافاتُ بين الإنسان ومقامِ الربوبية، ويتخلص الإنسان من اغترابه الوجودي عن الله، فيكفّ الدينُ عن أن يكونَ منبعاً للعنف.

عندما نتحدث عن التصوفِ الفلسفي، وكيفيةِ رسمه لوحةً ميتافيزيقية مختلفة تماماً عن لوحة المتكلمين، لوحة يتصل فيها الإنسان بالله وجودياً، فيحرّره من اغترابه الوجودي، وتبعاً لذلك يتحرّر المتدينُ من الحاجة للعنف، فإن البحث يتناول الموضوعَ من زاوية تنشد الكشفَ عن أثر الاغتراب الوجودي، بوصفه يشكل البنية العميقة لظهور العنف. ولسنا بصدد استبعاد الأسباب الثقافية والأنثروبولوجية والاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية المختلفة للعنف، والتي لا يمكن نفي الأثر المباشر لها في ظهور الأنواع المتنوعة للعنف وتطور أساليب ممارسته.

صلة أفقية لا عمودية

ترتسم خرائطُ الاعتقاد في ميتافيزيقا التصوف الفلسفي بصورة تتبدّل فيها كيفيةُ صلة الإنسان بالله، إذ تصبح الصلةُ في سياق هذه الرؤية أفقيةً لا عمودية، بمعنى أنها صلةٌ قريبة جداً “وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ”[3]، لا تقوم على الاستعباد “سيد/عبد”، بل تقوم على المحبة “محب/محبوب”. وأسمى ألوان العبادة ما كان منبعُها الحب. ما يفسد العبادةَ في سياق هذه الرؤية كراهيةُ الخلق، يقول ابن عربي: “فعلامة الحب الإلهي حب جميع الكائنات”[4]، مثلما تفسد العبادةُ لو اتخذ الإنسان المعبود صنماً، حتى لو كان هذا المعبود هو الله.

وبتعبير أوضح، إن العلاقةَ بالله لا تبتني هنا على نظرية التكليف بمفهومها الكلامي، التي يكون فيها موقفُ الإنسان منفعلاً سلبياً، بل إنها تبتني على نظرية يكون فيها موقفُ الإنسان متفاعلاً إيجابياً، ذلك أن جوهرَ الصلة بين الإنسان والله، من منظور هذه الرؤية التوحيدية، هو الحب المتبادل: “يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ”.[5] ففي تصنيفه للحب إلى ثلاثة أشكال يشرح ابنُ عربي معنى الحب الإلهي بقوله: “وحب إلهي: وهو حب الله للعبد وحب العبد ربه. كما قال: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. ونهايته من الطرفين أن يشاهد العبد كونه مظهراً للحق”.[6]

وفي ضوء هذه الرؤية تتقدم الرحمةُ على العنف. الرحمةُ تؤنسن البشرَ، وتعبّر عن أسمى أنماط علاقة الإنسان بأخيه الإنسان. المتصوف يرى أن ما تنجزه الرحمةُ في الحياة يعجز العنفُ عن إنجازه. وقد لخص ابنُ عربي ذلك بقوله: “اعلم أن رحمة الله وسعت كل شيء وجوداً وحكماً، وأن وجود الغضب من رحمة الله بالغضب. فسبقت رحمته غضبه، أي سبقت نسبة الرحمة إليه نسبة الغضب إليه.. فكل من ذكرته الرحمة فقد سعد، وما ثم إلّا من ذكرته الرحمة. وذكر الرحمة الأشياء عين إيجادها إياها. فكل موجود مرحوم… والرحمة على الحقيقة نسبة من الراحم، وهي الموجبة للحكم، وهي الراحمة. والذي أوجدها في المرحوم ما أوجدها ليرحمه بها، وإنما أوجدها ليرحم بها من قامت به، وهو سبحانه ليس بمحل للحوادث، فليس بمحل لإيجاد الرحمة فيه، وهو الراحم، ولا يكون الراحم راحما الا بقيام الرحمة به. فثبت أنه عين الرحمة”.[7]

بخروج التصوفِ الفلسفي من قفصِ المتكلمين في تفسيرِ صلةِ الإنسان بالله، واجتراحِه لتفسيرٍ مختلف، أسّس لرؤية توحيدية كانت أثرى منبع لتكريس النزعة الإنسانية في الدين، إذ مادام الخالقُ يتجلى في مرآة الخلق، فلا سبيل يوصِلُ إلى الخالق خارجَ السبيل الذي يوصِلُ إلى الخلق، وان أقصر طرق مشاهدته هي مشاهدة مرآته.

ينشد هذا الفهمُ للدين الوصولَ إلى الله عبر الإنسان، لذلك تتغلب فيه المقاصدُ الإنسانيةُ في كلِّ فعلٍ على الفهمِ الحرفي الذي يتورط في الاستغراق في الشكل ويهدر المضمون. حتى إنه لا يكترث أحياناً بنصّ صريح، عندما يعتقد أن الالتزامَ به حرفياً يضيّع عليه إنقاذَ حياة إنسان؛ فهو مثلاً يقدّم إطعامَ الجائع على الحج، لأن ايمانه يدعوه لتغليب ما هو أخلاقي على كلّ أمر آخر، مهما كان، وإن كان منصوصاً عليه. يقول أبو يزيد البسطامي: “خرجتُ إلى الحج، فاستقبلني رجلٌ في بعض المتاهات، فقال: يا أبا يزيد إلى أين؟ فقلتُ: إلى الحج. فقال: كم معك من الدراهم؟ قلت: معي مئتا درهم. فقال: طُف حولي سبع مرات، وناولني المائتي درهم، فإن لي عيالاً، فطفتُ حوله، وناولته المائتي درهم”.[8]

ذلك بإيجاز شديد المدلولُ الاجتماعي الإنساني للاهوت التصوف الفلسفي، وكان هذا الفهمُ في كلّ الأديان على الضدّ من فهم الاستبداد للدين، فقد أدرك الاستبدادُ مفاعيلَ هذا النمط من الفهم الإنساني للدين وتأثيرَه في تهشيم مرتكزات تسلطه وسطوته على حياة الناس، فأصرَّ على نبذه ومطاردته.

المعيار الأخلاقي في التفكير الفقهي

يتحرك التفكيرُ الفقهي المنبثقُ من رؤيةٍ كلاميةٍ في أفق مفاهيم لا تتبصر ما هو أخلاقي، لتضعه معياراً حاكماً في فهم مدلول الآيات والروايات التي يوظفها في الاستنباط، وإنما يحرص هذا التفكير على مراعاة القوالب الراسخة لأصول الفقه والأدوات المتوارثة في عملية فهم الآيات والروايات، التي يتمسك بها الفقيه ليحدّد في ضوئها فتوى تقرّر موقفاً حيالَ واقعة حياتية. حتى الفقهاء الذين يذهبون إلى أن العقل أحد مصادر الاجتهاد، ورغم تسويغهم للاستناد إليه في الفتوى إلا أنهم يرون “كل ما يثبت بالدليل العقلي، فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنة”[9].

ولو قرأ خبير كيفية تشكيل مدونة الفقه في الإسلام يجد اهتمام المجتهد يتركز في استنباط الفتوى على الوفاء لأدوات الاستنباط ومدى الدقة في استعمالها وتطبيقها، لذلك يقبل المجتهد على الدوام الفتوى الناتجة عن التطبيق الصحيح لهذه الأدوات في فهم الآيات والروايات، بغضّ النظر عن مضمونها الأخلاقي. وقد أفضى ذلك إلى أن بعض الآراء في مدونة الفقه الإسلامي كانت على الضدّ مع أحكامِ العقل العملي “الأخلاقي”، كما في باب الحيل الشرعية وغيرها.

ونتيجة لهيمنة الفقه على الحياة، واتخاذه مرجعية في التفكير والسلوك، اختلط معنى الأخلاق بالفقه في عالم الإسلام، بل تسيّد فهمٌ لدى المسلم يختصرُ كلَ ما هو أخلاقي بما هو فقهي، حيث اقترن في الوجدان الإسلامي الواجبُ بالمعنى الفقهي بمفهوم الحُسْن بالمعنى الأخلاقي، واقترن المحرّمُ بالمعنى الفقهي بمفهوم القُبح بالمعنى الأخلاقي، مع أن الحُسْنَ والقُبحَ من أحكام العقل العملي “الأخلاقي”، وأحكام هذا العقل لا تتطابق دائماً مع أحكامِ الواجب والمحرّم في مدونة الفقه الإسلامي.

لقد تصدّعت الأخلاقُ في مدونة الفقه الإسلامي، ولم تكترث هذه المدونةُ بالنزعة الإنسانية في الدين، بعد أن ربطت كل معنى أخلاقي وإنساني بالفقه، وشدّدت على الصلة العضوية بينهما، وكأنه لا أخلاقَ خارجَ المدوّنة الفقهية، حتى صارت هذه القضيةُ واحدةً من المسلّمات المضمرة في العقل الفقهي. وذلك ما ضيّع شيئاً من معاني الأخلاق.

الفقهُ معرفةٌ دنيويةٌ تخضع للإطار المرجعي للفقيه، لذلك قد يستنبط فتاوى لا تتطابق بالضرورة مع أحكام العقل الأخلاقي. فهمُ الفقيه للنصوص يلتبس بذاته كما تلتبس كل عملية تفسير وفهم بذات المفسّر، وتتحكم بهذا الفهم رؤيتُه للعالم. والكثيرُ من فقهاء الإسلام تنبثق رؤيتُهم للعالم في أفق الرؤية الكلامية، وتأسر آراءَهم مقولات المتكلمين، بوصفها مسلّمات مضمرة تتحكّم بتفكيرهم، وتحدّد كيفية استدلالهم، وتوجّه اختياراتِهم عند تعارض الروايات واختلافها.

إن غيابَ المرجعية الأخلاقية في الاستنباط الفقهي يقود إلى نتائج تنقض مقاصدَ الشريعة أحياناً. فمثلاً نرى بعضَ الفقهاء يجيزُ سرقةَ المال العام بعنوان انه مالٌ مجهول المالك، ونجد تسويغاً عند فقهاء آخرين لهجاء غير المسلم، بل نجد اليوم من يجيز التشفي بغير المسلم حين تصيبه الكوارثُ الطبيعية، وغيرها من المواقف المستهجَنة أخلاقياً، باعتبارها ليست قبيحةً من منظور العقل الفقهي، مادام يجري عليها تطبيق القوالب الموروثة في الاستنباط.

وأتذكر أني ناقشتُ أحدَ الأعضاء المعروفين في الجماعات الدينية، عندما كان يزوّر العملةَ العراقية في أحد البلدان، ويهرّبها بكميات كبيرة للعراق، سنوات الحصار في تسعينيات القرن الماضي. فقلت له: لماذا تفعل ذلك، أليست هذه جنايةً على شعبنا الجائع المنكوب؟

أجابني: لقد حصلتُ على فتوى بجواز ذلك من فلان فقيه.

فقلت له: أنا خبيرٌ بالفقه، وهذا فعلٌ تمقته كلُّ شرائع السماء والأرض. فأخذ يزايد ويتبجح قائلا: نحن نتمسك بفتاوى الفقهاء، ولا نفعل ذلك اعتباطاً، وتزوير النقود واحدة من الوسائل التي نقاوم فيها نظام صدام حسين.

قلت له: أنا لا أعبأ بفقه لاأخلاقي يدمّر الأوطان. أنت لا تقاوم نظام صدام بفعلك هذا. أنت تحارب أهلنا في العراق، وتعمل على الإجهاز على شعبنا الجريح، لأنك تدمّر اقتصادَه، عندما تغرق الأسواق بالعملة المزوّرة، وكأنك لا تدري أن التزوير يحرق العملة الوطنية.

ولو لم تلتزم المرأةُ المسلمةُ مثلاً ببعض تفاصيل الحجاب الجزئية المنصوصة في المدونة الفقهية، وأخرجت من تحت غطاء رأسها خصلةَ شعر، فإن ذلك يعدّ سلوكاً مستهجناً من منظور فقهي يخلّ بمكانتها، وإن كانت هذه المرأةُ تصلي وتؤدي العبادات، وإن كان لسانُها وقلبُها وعينُها وسلوكُها نقياً، وأوقفت كلَّ حياتها لفعل الخير والعمل من أجل إسعاد الناس.

لكن انتهاكَ مسلمة أخرى لأحكام العقل الأخلاقي، ربما لا يخلّ بمكانتها في نظر البعض، مادامت ملتزمةً حرفياً بحدودِ الحجاب في المدونة الفقهية، حتى لو كان ذلك الانتهاكُ محرّماً فقهياً أحياناً، كالاغتياب والكذب والبهتان، والتجاوز على حريات الناس وحقوقهم .

الرؤية الجمالية للعالَم في التصوف الفلسفي

حاجةُ الإنسان للجمال حاجةٌ أبدية، والمتعةُ الجمالية التي تحدث عند تذوق تجليات الجمال في العالم رافدٌ أساسي للسلامة النفسية والتربية الروحية. يرى المتصوفةُ تجلياتِ الجمال الإلهي في العالم، ويرون الإنسان مرآةً ينعكس عليها ذلك الجمال. ولكلّ شيء في نظرهم جمالٌ يشاكله. ويتسع الأفقُ الروحي للجمال في رؤيتهم ليكون أفقاً كونياً مشتركاً، لا تضيق فيه مضائقُ الزمان والمكان وطبائعُ العمران وأحوالُ الانسان.

جمالُ العالَم أحدُ أهم العناصر المُلهِمة في الرؤية التوحيدية للتصوف الفلسفي، فهو يعمل على تحرير الإنسان من اغترابه الوجودي، ويدعوه للتفاعل الإيجابي مع كلّ ما حوله. كلُّ إنسان يرى العالَم جميلاً لا يشعر بالغربة، ذلك أنّ من يعيش في عالَم يتذوق تجلياتِ جماله يعيش سلاماً روحياً، وكلُّ من يعيش سلاماً روحياً يحيا الخلقُ بجواره في سلام.

لقد عالجتْ الرؤيةُ التوحيدية للتصوف الفلسفي؛ ذلك عندما جعلت الجمالَ أحدَ أركانها الأساسية، وهو ما تشرحه مدونتُه في موارد عديدة، فابنُ عربي مثلا يتحدث عن جمال العالَم بقوله: “ولا شك أن الجمالَ محبوبٌ لذاته، فإذا انضاف إليه جمالُ الزينة فهو جمالٌ على جمال كنور على نور، فتكون محبةٌ على محبة، فمن أحب الله لجماله، وليس جماله إلّا ما يشهده من جمال العالَم، فإنه أوجده على صورته، فمن أحب العالَم لجماله فإنما أحب الله، وليس للحق منزه ولا مجلي إلّا العالَم… فأوجد الله العالَم في غاية الجمال والكمال خلقاً وإبداعاً، فإنه تعالى يحب الجمال، وما ثم جميل إلّا هو، فأحب نفسه، ثم أحب أن يرى نفسه في غيره، فخلق العالَم على صورة جماله، ونظر إليه فأحبه حب من قيده النظر، ثم جعل عز وجل في الجمال المطلق الساري في العالم جمالاً عرضيا مقيداً، يفضل آحاد العالم فيه بعضه على بعض بين جميل وأجمل”.[10]

يقترن الوعي الجمالي عند ابن عربي وغيره من المتصوفة بالمحبة إثباتاً ونفياً، إذ يكون الجمالُ ضربا من المحبة والمحبةُ ضربا من الجمال. لا محبةَ مالم يكن المحبوبُ جميلاً. عندما يلتقي الإنسان بالجميل كأنه يلتقي نفسه، لأنه يرى صورتَه فيه.

بعض المتصوفة، كجماعة المولوية التي أسّسها جلالُ الدين الرومي، تقترن لديهم التربيةُ الروحية بالموسيقى والإنشاد والرقص الدوار. ولم تمنعهم من ذلك مواقفُ كثير من الفقهاء التي تحرّم اقتناء الآلات الموسيقية، وتحرّم العزف عليها، وتمنع استماعه.

ما يدعو الإنسان للنفور من العالَم والشعور بالغربة مما حوله هو رؤيةُ العالَم مشوّهاً قبيحاً. لذلك يهتم المتصوفةُ بالتعبير الجمالي عن الدين، بوصفه ضمانةً لإحياء رسالة الدين في كل عصر، خاصة عندما يتفشى قبحُ التعبير المتوحش عن الدين.

التنوع والاختلاف

كان ومازال عالَمُ الإسلام محكوماً برؤية توحيدية كلامية، يشعر الإنسان فيها أنه موجودٌ في منفى لا يلتقي فيه مع الله، ولا يتذوق تجليات جمال العالَم. وهي رؤيةٌ سلبية إقصائية، غيرُ منفتحة على الفِرَق والمذاهب والأديان والثقافات، في سياقها تشكّلت المدونةُ الفقهية، وانبثق منها معظم ما يتحكّم في سلوك المسلم من ثقافة ومعايير في العلاقات الاجتماعية والشؤون المعيشية.

تجاهلتْ رؤيةُ المتكلمين التنوعَ في الحياة البشرية، ولم تعبأ بالحق في الاختلاف، لذلك لم تجد التعدديةُ الفضاءَ الملائم لولادتها في تربتها، بعد أن حصرت الحقيقةَ والحقَ والنجاةَ في الفرقة الناجية.

وتبتني رؤيةُ المتكلمين على مُسلّمات ومُصادرات معرفية مضمرة، تقول بنهائيةِ المعرفة الدينية وأبديتها، وبلوغِها مدياتِها القصوى لدى السلف، وبراعتِهم في اكتشاف الأصول والقواعد الكلية لكل ما تتطلبه معرفةُ الدين وقراءةُ نصوصه في زمانهم وكل زمان، ولعلّ أوضحَ ما يشي بذلك القولُ الشائع: “ما ترك الأوَّلُ للآخِر شيئاً”.

الرؤيةٌ التوحيدية التي تبناها التصوفُ الفلسفي رؤيةٌ إيجابية، منفتحةٌ على الفِرَق والمذاهب والأديان والثقافات، لكنها ظلتْ مُحاصَرةً في حدود نخبة ضيقة على الدوام، ولم تسمح لها السلطاتُ السياسية والدينية بالعبور من الهامش إلى المركز في حياة المسلم.

هذه الرؤيةُ تحرص على اكتشاف التنوّع في الحياة البشرية، وتعتقد بالحق في الاختلاف، لذلك وجدت التعدديةُ الفضاءَ الملائم لولادتها في تربتها، لأنها لم تحصر الحقَ والنجاةَ في الفرقة الناجية، وأدركت أن الطرقَ متنوعةٌ للوصول إلى الحقيقة، وأنها متعددةٌ بتعدّد وجوهِها.

وتبتني رؤيةُ التصوف الفلسفي على مُسلّمات ومُصادرات معرفية مضمرة، مضمونها لا نهائية المعرفة الدينية ولا أبديتها، وعدم بلوغ هذه المعرفة مدياتِها القصوى في أيّ زمان، وليس هناك أصولٌ وقواعد أبدية يمكن استعمالها لكلّ زمان في فهمِ الدين وقراءةِ نصوصه، فكلُّ عصر ينتج أصولَ فهمه للدين وقواعدَ تفسيره لنصوصه، في سياق تطور علوم الإنسان ومعارفه. المعرفةُ الدينية حقلٌ من حقول المعرفة العامة، وهي محكومةٌ بمنطق الخطأ والصواب وتطور الوعي المحكومةِ به معارفُ وعلومُ الإنسان كلّها.

في ضوء هذه الرؤية “نستطيع أن نتعاطى مع المدونة التفسيرية والكلامية والفقهية الموروثة بوصفها معرفةً بشرية تنتمي إلى سياقات تلقي وقراءة النص الديني في مراحله المتنوعة. ما يعني أن كلَّ عصر ينتج مدونتَه الخاصة، وهي مدونة لا يتسع كلُّ ما فيها للعصور كافة، ولا تستوعب عناصرُ الفهم فيها الآفاقَ التاريخية المختلفة”.[11]

ما يبقى لنا من التصوف اليوم

اكتنفت نشأةَ التصوف وحضورَه في الحياة الإسلامية الكثيرُ من الملابسات والظروف المتغيرة، التي جعلت العديدَ من المحدّثين والفقهاء والمتكلمين والساسة يناهضونه ويُحذّرون المسلمين من الانخراط فيه. معظمُ الخلفاء والسلاطين والإقطاعيين ينفرون من التصوف، بوصفه يقترن غالباً بالزهد والتقشف، وتبخيس الجسد، ورَفَضه كثيرٌ منهم بوصفه احتجاجاً صامتاً على سياسات استبداد الحكام، وترفهم وغرقهم في الملذات الحسية.

كما رفض فهمَ المتصوفة جماعةٌ من المحدّثين والمفسرين، بوصفه أُغرم بتفسير باطني إشاري للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأدان هذا الفهمَ الفقهاءُ والمتكلمون، وقالوا بضلاله وتكفيره وخروجه عن الملة. وقد كانت وما زالت المرجعيةُ الشرعية في الاجتماع الإسلامي يتوارثها الفقهاءُ والمتكلمون حتى اليوم. ولم تكن لأقطابِ التصوّف وأعلامِه مرجعيةٌ في الفتوى أو إصدارِ أحكام التكفير أو الضلال. إذ لم تخرج حرفةُ التكفير عن الفقهاء والمتكلمين في الاجتماع الإسلامي.

التصوفُ ضربٌ من الاحتجاج على ضيقِ مجالات الحرية التي صادرتها السلطة، وضيقِ مجالات التفكير التي صادرها علمُ الكلام، وضيقِ مجالات الحياة التي خنقها الفقه. وكانت ردودُ أفعال التصوف انسحابَ الأعمّ الأغلب من المتصوفة من الحياة، والتشديدَ على الخلاص الفردي، عبر الخروج من العالم، بل والخروج من الجسد، والغيابَ عن المجتمع، والذي أفضى لدى بعض الجماعات الصوفية إلى ألوانِ من التدجين على نبذ الدنيا، إلى الحد الذي “حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ”[12]، وانشغل بنبذِ الحاجات الأساسية للجسد، والتنكرِ للحاجات النفسية والعاطفية، كالحاجة للجمال والابتهاج، والتورط في ممارسات هي أقرب للشعوذة منها للتربية الروحية أو تكريس الصلة بالله، والتضحيةِ بالكرامة الإنسانية، وعدمِ العفافِ في العيش، كما يفعل ذلك الشحاذون من المتسكعين الدراويش. حتى انتهت مآلاتُ الكثير من الجماعات الصوفية إلى محاكاة شكلية زائفة للمشايخ، والترويض على العبوديةِ الطوعية، ونسيانِ الذات كلياً.

وكان المريدون ومازالوا يخلعون هالةً روحية على أقطاب ومشايخ المتصوفة تبلغ حدَّ التقديس، بل التوثين أحياناً. فمثلاً تفشت الصورُ المضادّة للاهوت التصوف الفلسفي الذي رسمه بأجمل الألوان جلالُ الدين الرومي في المثنوي وغيرُه من كبار رواد التصوف الفلسفي، عندما تحوّل هؤلاءُ إلى أصنام لدى أتباعهم، بنحو تغلبت معه المثيولوجيا على التاريخ، والمتخيلُ على الواقع، والشعوذةُ على الروح، والشكلُ الأجوف على الجمال، والتوثينُ على الإلهام، والخرافةُ على العقل. وهكذا بدا التصوفُ في صورة عبادة بشعة للأشخاص، حين أمسى جلالُ الدين الرومي وغيره صنماً. وكما هو معروف، فإن الصنمَ لا يختص بالحجر، بل حتى الله صيّره بعضُ البشر صنماً. سُئل أبو يزيد ‫البسطامي: “مالنا نعبد الله ولا نجد لذة العبادة؟ قال: إنكم عبدتم العبادة، ولو عبدتم الله لوجدتم لذة العبادة”.

ما يبقى لنا من التصوف اليوم هو شيءٌ من عناصر التصوف الفلسفي، الذي برع في اكتشاف منابع مهمة لإثراء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية. وأحدث اختراقاً مهماً في فهمِ الدين، وقواعدِ قراءة النص الديني، بعد أن لبث هذا النصُّ مسجوناً في آفاق قراءات المفسرين والمحدّثين والمتكلمين والفقهاء، والتي سجنت معها حياةَ المسلمين في مدارات مسدودة، تتكرّر فيها المقولاتُ والأحكامُ والتفسيراتُ والشروحُ والفتاوى ذاتُها، منذ تأسيس هذه المعارف في عالَم الإسلام حتى اليوم.

ما يبقى لنا من التصوف الفلسفي اليوم هو مغزى الرؤية التوحيدية التي رسمها للعالَم الربوبي، وكشف فيها عن الصلة الوجودية الحية بين الله والإنسان. لكنّ الكثيرَ من الإسقاطات اللاهوتية في تفسيرات مفاهيم هذه الرؤية فرّغتها من محتواها المُلهِم. فقد تعرضت رؤيةُ التصوف الفلسفي لطبيعة الصلة الوجودية بين الله والإنسان لقراءات بعيدة عمّا ترمي إليه، ساقتها إلى الغلوّ بأهل البيت والصحابة والمشايخ الصوفية، حين تم توظيفُها، على الضدّ مما تنشده، كأساس معرفي للاهوت الغُلاة.

ولم يتنبه معظمُ المهتمين بالتصوف الفلسفي لمغزى رؤيته التوحيدية العميق، ذلك المغزى الذي أراد التصوفُ الفلسفي من خلاله أن يعيدَ بناءَ الصلة الوجودية بين الله والإنسان في إطار مختلف كلياً عن رؤية علم الكلام. إطار يتحرر ضمنه الإنسان من المنفى المسجون فيه، الذي تضيع فيه روحُه، ويحتجب فيه اللهُ عنه، والذي حبسته في متاهاته الرؤيةُ المهيمنةُ لعلم الكلام على التفكير الديني في الإسلام.

عالَم اليوم غير عالَم الأمس

عالَم اليوم غير عالَم الأمس، عقلانيةُ اليوم غيرُ عقلانية الأمس. عقلانيةُ المعتزلة الدينية وغيرهم كانت ترتكز على بداهات عقلانية الأمس ومصادراتها. وكلّها تحيل على بداهات ومصادرات المنطق الأرسطي والعقلانية اليونانية ورؤية العالم آنذاك، في حين تحيل عقلانيةُ اليوم على بداهات ومصادرات الفلسفة والمنطق الحديث وفلسفة العلم والمعارف الإنسانية ورؤية العالَم اليوم.

لا يمتلك التصوفُ الفلسفي خلطةً سحرية أو إكسيراً يعد بكل ما تتطلبه حياتنا الروحية اليوم، لأن متطلبات الحياة الروحية في عالَم اليوم لا تقتصر على متطلباتها في عالَم الأمس. فمثلما ينتج كلُّ عصر فهمَه للدين وقراءته للنص الديني، في ضوء تطورِ العلوم والمعارف، والأفقِ التاريخي للقارئ والمتلقي، ينبغي أن يعيدَ عصرُنا إنتاجَ روحانيته التي تداوي آلامَ الروح ومواجعَها وغربتَها اليوم، وقراءةَ القرآن والنصوص الدينية في سياق علومِ ومعارفِ اليوم، والأفقِ التاريخي لعصرنا، دون أن يتجاهلَ العناصرَ التي مازالت حيّةً في المدونة الموروثة الخصبة للتصوف الفلسفي.

وهكذا لم يعد مفهومُ السعادة بكلّ عناصره هو المفهوم الذي صاغته مدونةُ الأخلاق في تراثنا أمس، عندما استلهمت شيئاً من سلة مفاهيم السعادة في أثينا والإسكندرية وفارس. وليست كلُّ وسائل تحقيق السعادة اليوم هي وسائلها أمس. فقد تمحور اهتمامُ الباحثين عن السعادة اليوم حول معرفة منابع إلهام السعادة، وكيف يتمكن الإنسان من: إنتاجِ المعنى لحياته، والشغفِ بالأشياء والأفعال، والاستمتاعِ بها، بوصفها ضرورةً للخلاص من الشعور باللاجدوى والملل والألم.

ويخلص الباحثون في هذا الحقل إلى آرائهم في ضوء ما تؤشر اليه المؤشرات في الدراسات العلمية الجديدة عن السعادة، فمثلاً نجد مؤشراتِ السعادة اليوم تشير إلى أن بعضَ المجتمعات غير الإسلامية في أرقى لائحة الشعور بالسعادة، فيما تشير هذه المؤشرات إلى أن مجتمعات عالَم الإسلام في أسوأ مرتبة لائحة الشعور بالسعادة. وذلك يدعونا إلى إعادة النظر في تشريح مفهوم السعادة، والكشف عن منابع إلهامه اليوم، فليس بالضرورة أن يتمكن ما كان يسعد إنسان الأمس كلُّه من أن يسعد إنسان اليوم.

ألا يجدر بنا أن نُسائل التراثَ الأخلاقي في عالَم الإسلام، لماذا عجز عن الوفاء ببناء ضمير أخلاقي يحمي حياةَ الفرد والمجتمع من انتهاك الكرامة وتضييع الحقوق وتجاوز الخصوصيات الشخصية؟ أليس يفتقر هذا التراثُ رغم سعته إلى مقاربة واقعية تتبصر طبيعةَ الكائن البشري بعمق؟

ما نعنيه بافتقارِه لمقاربة واقعية تتبصر طبيعةَ الكائن البشري بعمق: أنه تراثٌ يتسع لعناصر متضادة، وُلِدت في سياقات إسلامية متنوعة، تعود إلى مجتمعات إسلامية في أزمنة مختلفة، وتنحدر من ثقافات وإثنيات عديدة، وتحيل إلى مرجعيات ليست موحدة. لذلك أخفق هذا التراثُ في تأليفِ المختلِف، وتوحيدِ المتعدّد، بالتعرّفِ على مشتركاته واستخلاصِ جوهره، وصياغةِ رؤية تكرّس الحياةَ الأخلاقية، وتنشد تحقيقَ معادلة توازن حيوي، يستجيب لاحتياجات مكوّنات كينونة الكائن البشري، ويشبعها في سياق أخلاقي، لا يقدّم الجسدَ قرباناً للروح، ولا يجعل العقلَ قرباناً للمشاعر والعواطف، ولا يختزل الكلَّ في واحد.

سيلبث الأبناءُ في متاهات مادامت التربيةُ الروحيةُ والأخلاقيةُ والجماليةُ والذوقيةُ غائبةً عن المقررات الدراسية. هناك ضرورة عاجلة لتبني مقررات دراسية حديثة في كافة مراحل التعليم الأساسي للناشئة في بلادنا، تستقي من الموروث الروحي والأخلاقي والجمالي لديننا وتراثنا، ومما هو مشترك إنساني عام في موروث الأديان والثقافات البشرية، وفلسفات الدين والأخلاق والجمال الحديثة والمعاصرة.

أضحت مجتمعاتُنا اليوم ضحيةَ رؤيةٍ ميتافيزيقةٍ للعالم لم تعد تصغي إليها، ينتجها علمُ كلامٍ قديمٍ لم يعد يتبصر قلقَها الوجودي، ولا يدرك منابعَ ضغائنها، وعاجز عن تشخيص أسباب أمراضها.

وعادة ما تمرض المجتمعاتُ عندما تمرض أديانُها، ولا خلاصَ لأيّ مجتمع إلّا بالخلاصِ من الأمراض التاريخية المزمنة لديانته. ولا تدّعي هذه الكلماتُ أنَ الشفاءَ من تلك الأمراض يتلخّص في تبني الرؤية التوحيدية للتصوف الفلسفي، لأن ذلك فضلا عن أنه غيرُ ممكن، إذ لا يمكن استئناف عالَم مفاهيم عصر في عصر آخر كما هي، فهو أيضاً ضربٌ من الجهل بمتطلبات الحياة الروحية والأخلاقية في عالَم اليوم، والتي لم تعد الرؤيةُ التوحيدية للتصوف الفلسفي تستجيب لكلّ ما يشبعها.

من الضروري ألّا تقفَ الدراسات في حقل الإيمان والاعتقاد عند محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهما، وينبغي ألا نتعاطى مع آرائهم بوصفها حقائقَ نهائية متعالية على الزمان والمكان والمعرفة ومتغيرات الثقافة والحضارة في المجتمعات؛ ذلك أن رؤيتَهم تعبّر عن اجتهادٍ بشري في فهمِ الدين وقراءةِ النصّوص، وتحليلِ التجارب الدينية، وتفسيرِ خبرات الروح ومكاشفاتها، وأيُّ اجتهاد للبشر يتأثر بمعادلات المعرفة والثقافة والمال والسلطة في زمانه. وأن كيفيات توالد الأفكار البشرية وصيرورتها عبر الزمان لا يمكن أن تكرّر ما كان كما كان.

تركيا / قونيه 9 أغسطس “آب” 2017 – بغداد 19 أغسطس “آب” 2017

[1] صدر الدين القونوي. شرح الأربعين حديثاً. تحقيق: حسن كامل ييلمار. قم: انتشارات بيدار، 1372 ش = 1993 م، ص 30

[2] وهو ما يصطلح عليه: “الأسفار الأربعة”، ومنه جاءت تسمية كتاب ملا صدرا الشيرازي: “الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة”.

[3] سورة ق، 16.

[4] محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية (4 ج)، بيروت: دار صادر، جلد2، ص 113، الحب الإلهي.

[5] المائدة، 54.

[6] محيي الدين بن عربي. الفتوحات المكية (4 مج). بيروت: دار صادر، مج 2: ص 111، مراتب الحب.

[7] محيي الدين بن عربي. فصوص الحكم، الفص الزكرياوي.

[8] أبو يزيد البسطامي. المجموعة الصوفية الكاملة. تحقيق وتقديم: قاسم محمد عباس. بيروت: دار المدى، 2006، ص 48.

[9]محمد باقر الصدر. الفتاوى الواضحة. بيروت: دار الكتاب اللبناني – القاهرة: دار الكتاب المصري، ط 3، 1977، ص 15.

[10] محيي الدين بن عربي. الفتوحات المكية (4 مجلد). مج4: ص 269.

[11] عبد الجبار الرفاعي. “الهرمنيوطيقا والتأويل متوازيان لا مترادفان”، في: موسوعة فلسفة الدين، ج4.

[12] الأعراف، 32.

(Visited 20 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Geography-poem

جغرافية الشعراء

جغرافية الشعراء

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification