الشعائر الحسينية: منهج التطبيق

بقلم: الشيخ أ.د. محمد شقير * — 

 للشعائر الحسينية أهمية كبيرة في الوعي الديني والممارسة الاجتماعية للجماعات الإسلامية الشيعية في مختلف البلدان والمجتمعات، حيث تعبّر تلك الجماعات عن اعتقادها بتلك الشعائر من خلال إقامة مجالس العزاء، والمسيرات، والاحتفالات، والزيارات لأئمة أهل البيت(ع)، والعديد من الأعمال الفنية والمسرحية، أو الثقافية، أو الاجتماعية، التي تدخل تحت ذلك العنوان، أي إحياء الشعائر الحسينية، أو إحياء أمر أهل البيت(ع).

وعلى الرغم من وضوح مفهوم الشعائر، وإحيائها إلى حدٍ بعيد، ورغم الاتفاق على العديد من مصاديق تلك الشعائر وتطبيقاتها؛ مع ذلك، وقع الاختلاف والنقاش في العديد من المصاديق الأخرى[1]، أنها تعدّ تطبيقاً صحيحاً، ومصاديق صائبة لمفهوم الشعائر الحسينية وإحياء الأمر؟ أم أنها ليست كذلك؟

وهذا ما يستدعي منا البحث في منهج تطبيق الشعائر، لأن الإشكالية تكمن – أكثر ما تكمن – في عملية التطبيق تلك، وفي تشخيص المصاديق التي ينطبق عليها مفهوم الشعائر وإحياء الأمر، وفي تحديد الموارد التي تدخل في إطار إحياء تلك الشعائر الحسينية وإقامتها.

إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: هل يوجد منهج في تطبيق الشعائر الحسينية؟ وما هي ميزات أو سمات هذا المنهج، وما هي وظيفته؟ وما هي النتائج التي يمكن أن تترتب على بلورة هذا المنهج وبنائه؟ وقبل كل ذلك، هل من المبرّر معرفياً طرح هذا السؤال حول ضرورة المنهج في تطبيق الشعائر، أم لا ضرورة لذلك؟ فضلاً عن مفهومنا للمنهج الذي سوف نعمل على صناعته، في إطار الشعائر الحسينية وتطبيقها.

إذاً، الهدف من هذا البحث هو محاولة اجتراح منهج، يهدي الى الصحيح في تطبيق الشعائر وإحيائها، ويساعد على صحة تشخيص مصاديقها، بما يمكن أن يؤدّي الى إيجاد قاعدة منهجية، تصلح للاعتماد عليها في معالجة اختلافات التطبيق في نماذج الإحياء الشعائري، وبما يساعد على تجنب التطبيقات الخاطئة، والمصاديق التي لا تصدق عليها مشخصات المنهج ومعاييره، وبما يسهم في تطوير الإحياء الشعائري بشكل منهجي وصحيح، ويؤدي الى إيجاد دينامية منهجية للتجديد الدائم فيه، وبما يؤسس لإمكانية استحداث نماذج إحيائية جديدة لم تكن من ذي قبل، لكنها قد تصلح لتكون من أهم مصاديق الإحياء الشعائري وموارده.

وعليه، بعد البحث في مفهوم الشعائر والمنهج، سوف نبحث في العناوين التالية:

الأدلة على الشعائر والمفاهيم المستقاة منها، ثم لنجيب على هذا السؤال:

 هل عنت أدلة الشعائر فقط بالمفاهيم والكبريات؟ أم أنها عنت أيضاً بالمصاديق والصغريات؟ ولماذا لم تُذكر جميع مصاديق الشعائر بشكل حصري في لسان الأدلة؟

 وما هي أهمية هذه البنية المنهجية (مفهوم/ مصداق)، (كبرى/ صغرى)؟ وما هي فلسفتها، وأهم النتائج التي قد تترتب عليها؟

 وكيف تحصل عملية تطبيق المفاهيم على مصاديقها؟ ومن الذي يقوم بعملية التطبيق تلك، أي تطبيق تلك المفاهيم على مصاديقها، والكبرى على صغراها؟ وما هي شروط التطبيق ومعاييره؟ وكيف تُمارس عملية التطبيق تلك؟

 وصولاً الى البحث في فلسفة إحياء الشعائر، ودلالات الممارسة الشعائرية، وضرورة تعزيز الشعور بالمسؤولية وخطرها فيما يتصل بتلك الشعائر، إلى خاتمة نحاول فيها عرض أبرز النتائج التي توصلنا إليها، وأهم التوصيات التي يمكن أن تقدم في هذا الشأن.

مفهوم الشعائر والمنهج:
الشعائر جمع شعيرة، وهي بمعنى العلامة، التي تدل على شيءٍ ما. فالشعائر هي العلامات التي تدل على شيءٍ ما ذي مكانة أو قدسية. بغض النظر عن طبيعة تلك المكانة، أو مضمون تلك العلامة[2].

أما الشعائر الحسينية، فهي تلك الأعمال والأمور، التي تدل على معاني ثورة الإمام الحسين(ع) ورسالته ومدرسته، وتؤدّي في حال إقامتها وممارستها الى إحياء تلك المعاني، بل الى إحياء تلك النفوس والمجتمعات بتلك المعاني، التي جاءت في رسالة الحسين(ع)، ومدرسته، وثورته. حيث يمكن لتلك الأعمال أو الممارسات أن تأخذ طابعاً اجتماعياً، كالاحتفالات والمسيرات ومجالس العزاء، أو إعلامياً من قبيل الكثير من النشاطات الإعلامية التي تقام في المناسبات العاشورائية، أو فكرياً وثقافياً من قبيل الندوات والمؤتمرات والمحاضرات التي تقام في هذا السياق، أو فنياً من قبيل المسرحيات والأفلام التلفزيونية، وغيرهما مما يرتبط بهذا الجانب.

ولربما يأخذ التعبير الشعائري أبعاداً أخرى غير ما ذكرنا، لكن كل ذلك ينبغي أن يكون مما تصدق عليه المفاهيم الدينية، التي وردت في مدرسة أهل البيت(ع) حول قضية الشعائر الحسينية وإحيائها، وأن تنطبق عليه العناوين المستفادة من الأدلة الدينية والشرعية ذات الصلة.

وهذا ما يتطلب منا أن نعرض جملة تلك الأدلة الشرعية التي ترتبط بالشعائر الحسينية وإحيائها، حتى نكون على دراية بمنظومة المفاهيم التي أسست لتلك الممارسات الشعائرية، بل لتلك الظاهرة الفريدة في الشعائر الدينية وإقامتها.

أدلة الشعائر:
يمكن القول إن أدلة الشعائر الحسينية على قسمين: قسم منها يتضمن عنواناً عاماً ينطبق على مصاديق مختلفة من تلك الشعائر، وقسم آخر يتضمن عنواناً خاصاً بأحد مصاديق تلك الشعائر. وسوف نعرض هنا بشكل مجمل لكلا القسمين، لنسأل في العلاقة بين هذين القسمين، أي القسم الذي يتضمن عنواناً عاماً صالحاً للانطباق على مصاديق شعائرية مختلفة، والقسم الذي يتضمن عنواناً خاصاً بمصداق شعائري محدد.

أما تلك الأقسام من العناوين فهي ما يلي:

القسم الأول: لعلّ من أهم العناوين العامة ما ورد عن أئمة أهل البيت(ع) من روايات تدعو إلى إحياء أمرهم، من قبيل قول الإمام الباقر(ع): ” أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا “[3]، حيث إن مفهوم إحياء الأمر هو مفهوم عام يشتمل على مصاديق مختلفة، ويستوعب جميع مصاديق الشعائر الحسينية، مما ذكرتها الروايات، أو لم تذكرها.
القسم الثاني: وهو مما جاء في رواياتهم(ع) من تحديد لعناوين بعينها، ولمصاديق محدّدة من الشعائر الحسينية، من قبيل دعوتهم الى البكاء، والتباكي على الإمام الحسين(ع)، وإقامة المآتم، وإظهار الجزع عليه، وندبه، وزيارة مرقده، وجعل الأيام العشرة الأوائل من محرم أيام حزن ومصيبة وبكاء، إلى إنشاد الشعر وإنشائه في الحسين(ع)، وغيرها العديد من تلك المصاديق الجزئية، التي جاءت بها الأدلة، أو وقعت مورداً للنقاش العلمي في مشروعيتها، وكونها من مصاديق الشعائر أم لا[4].
أما عن العلاقة بين هذين القسمين، فسوف يظهر لنا لاحقاً بشكل أوضح أن هذه العلاقة هي علاقة بين مفهوم ( إحياء الأمر )، وبين مصاديق ( البكاء، الزيارة، المآتم ..). وبالتعبير المنطقي أيضاً هي علاقة بين كبرى ( إحياء الأمر ) وبين صغريات، وهي مجمل الموارد التي ذكرناها في القسم الثاني، وغيرها مما لم نذكره.  

وهذا ما يدعونا الى طرح العنوان التالي:

منظومة روايات الشعائر الحسينية وتصنيفها:
يُفهم مما تقدم أن منظومة روايات الشعائر الحسينية الواردة عن أهل البيت(ع) كانت على قسمين: قسم عُني بالمفهوم العام للشعائر، والقسم الآخر عُني بالمصاديق الخاصة لتلك الشعائر، حيث يُلحظ أن تلك المنظومة الروائية لم تقتصر فقط على المفهوم العام ( الكبرى ) للشعائر، وتدع التطبيقات والمصاديق بأسرها لتشخيص الاجتماع الديني.

 وفي المقابل لم تقتصر على المصاديق الخاصة ( الصغريات )، وتُعرض عن المفهوم وكبرى تلك الصغريات، وإنما ضمّت إليها مفهوماً عاماً ( كبرى)، ينطبق عليها كمصاديق شعائرية له، وصغريات لكبراه.

وعليه، يمكن القول إن هذه المنظومة الروائية هي منظومة ذات بعد ثنائي، أو هي بنية ثنائية، أي: مفهوم/ مصداق، أو: كبرى/ صغرى. فلم تأت هذه البنية مشتملة على المفهوم خالية ًمن المصداق، كما لم تأت مشتملة على المصداق خاليةً من المفهوم، وإنما اشتملت عليهما معاً، وأدرجتهما ( المفهوم والمصداق ) في بنيتها جنباً إلى جنب.

وهذا ما يطرح السؤال في فلسفة هذه الثنائية في المنظومة الروائية وغايتها.

لكن قبل ذلك لا بد من طرح السؤال التالي، الذي وإن كان يدخل ضمناً في السؤال السابق، لكن من المفيد منهجياً إفراده في البحث، وهو: لماذا لم تقتصر المنظومة الروائية الواردة عن أهل البيت(ع) على مصاديق الشعائر الحسينية، وتدع ما سواها من المفهوم والكبرى؟.

منظومة روايات الشعائر الحسينية وتجاوز المصاديق:
من الواضح أن منظومة روايات الشعائر الحسينية الواردة عن أهل البيت(ع) لم تقتصر على بيان المصاديق الشعائرية، ولعلّ الهدف من ذلك هو أن الاقتصار على ذكر تلك المصاديق فقط، كان من الممكن أن يؤسس لفهم توقيفية وحصرية جميع تلك المصاديق الشعائرية التي وردت في روايات أهل البيت(ع)، وهو ما سوف يؤدي بدوره إلى عدم إمكانية اعتماد مصاديق جديدة، لم ترد في لسان تلك الروايات، وإلى عدم الأخذ بنماذج شعائرية مستحدثة، لم تأتِ في متن تلك النصوص، مع أن صناعة الشعائر تدخل في جانب منها في البعد الاجتماعي المتحرك. بمعنى أن المتغيرات الاجتماعية قد تفضي إلى إمكانية إنتاج مصاديق شعائرية جديدة، لم تكن موجودة من ذي قبل،  لكنها تحمل قيمة شعائرية كبرى. أما القول بحصرية المصاديق الشعائرية، فسوف يقفل الباب على إمكانية انتاج تلك المصاديق الشعائرية الجديدة، واعتمادها، والاستفادة منها.

ومن هنا لا بد من القول، بأن ذكر مجمل مصاديق الشعائر الحسينية في روايات أهل البيت(ع)، لا يراد منه حصرية تلك المصاديق، وإقفال الباب على إمكانية استحداث مصاديق جديدة، تنسجم مع شروط ومعايير الشعائر وصناعتها وأهدافها. وإنما يُراد منه القول بأن هذه المصاديق الشعائرية هي من أهم، بل أهم تلك المصاديق، التي استطاعت في التاريخ- وما زالت إلى الآن- أن تؤدي بشكل فاعل ومؤثر وظيفة إحياء أمر أهل البيت(ع)، واستمرار مدرستهم ونهجهم، مع فتح الباب لإمكانية استحداث مصاديق شعائرية جديدة.

البنية المنهجية لمنظومة روايات الشعائر الحسينية وفلسفتها:
      أصبح جلياً إلى الآن أن منظومة روايات الشعائر الحسينية تقوم على هذه البنية المنهجية، وهي: مفهوم/ مصداق، أو: كبرى/ صغرى، حيث إن بعض الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(ع) تضمّنت بيان المفهوم أو الكبرى ( إحياء الأمر )، في حين أن روايات أخرى تضمّنت بيان جملة من المصاديق الشعائرية، مع إمكانية استحداث مصاديق جديدة.

والسؤال هنا هو في فلسفة هذه البنية المنهجية، أنها لماذا كانت على هذه الكيفية؟ وما الفوائد والنتائج التي قد تترتب على هذه البنية؟.

يمكن أن نتلمس هنا العديد من النتائج التي تترتب على تلك البنية المنهجية، وهي:

عدم الاقتصار على تلك المصاديق الشعائرية، التي وردت في روايات أهل البيت(ع)، مع كونها من أهم المصاديق الشعائرية، التي قامت بدور استثنائي وكبير جداً في التاريخ – وما زالت – في إحياء أمر أهل البيت(ع)، والحفاظ عليه. لكن هذه المصاديق وإن كانت ثابتة بتغير الزمان والمكان، لكنها ليست مصاديق حصرية.
تؤسس تلك البنية لدينامية مستديمة وخلاّقة في تطوير الشعائر الحسينية، بمعنى أنها تفتح الباب على إمكانية أن يُعمل على رؤية ذات شروط ومعايير منهجية، قادرة على تلقّف جميع المتغيرات والتطورات الاجتماعية وغيرها، بهدف اجتراح نماذج مستحدثة، وانتاج مصاديق شعائرية جديدة، تنسجم مع وظيفة الشعائر وشروط صناعتها، وتكون قادرة على القيام بأكثر من دور في إحياء أمر أهل البيت(ع)، والحفاظ عليه.
إذاً، هذه البنية المنهجية هي بنية قادرة على استيلاد تلك المصاديق الشعائرية الجديدة التي يجب العمل على صناعتها واستحداثها تبعاً للتطورات والمتغيرات الاجتماعية، والعلمية، والاختلاف في ظروف العصر.

مراعاة الزمان والمكان في تطبيق الشعائر، بمعنى أن تطبيق الشعائر وإقامتها له بعد اجتماعي واضح لا يمكن نكرانه، يتصل بالعادات، والأعراف، والتقاليد، والثقافة المجتمعية… – طبعاً الحديث هنا ليس في تلك الشعائر الثابتة والمنصوصة، التي تتصل بالبعد الفطري الثابت، وإنما الكلام في تلك الشعائر المستحدثة، التي تدخل في مساحة التغيّر- ومن هنا يمكن لإحدى الشعائر الحسينية أن تؤدي دورها في الإحياء، وتقوم بجميع وظائفها في زمانٍ ما، لكنّها قد لا تكون كذلك في زمانٍ آخر. ويمكن لإحدى الشعائر أن تؤدّي ذلك الدور، وتقوم بتلك الوظائف في مكانٍ ما، لكنّها قد لا تكون كذلك في مكانٍ آخر.
 والسبب في ذلك  أن اختلاف الزمان والمكان، وما يعنيه ذلك من اختلافٍ في الأعراف، والتقاليد، والثقافة المجتمعية، وغير ذلك؛ قد يؤدّي إلى اختلاف النتائج والآثار التي تترتّب على هذه الشعيرة أو تلك، وإقامتها. فلربما تكون النتائج السلبية أكثر بكثير من النتائج الإيجابية، ولربما يكون العكس من ذلك. وذلك بحسب تلك الظروف والاعتبارات الاجتماعية والثقافية، واختلافها بين مكانٍ وآخر، أو بين زمانٍ وآخر. وهو ما يستدعي ملاحظتها بشكل دائم من أجل بحث وتقييم مجمل الإيجابيات والسلبيات، التي قد تترتب على هذا التطبيق الشعائري أو ذاك، فما غلبت ايجابياته سلبياته يُعمل به، وما غلبت سلبياته إيجابياته يُعرض عنه.

 وهذا ما يتطلب أن تؤخذ بشكلٍ واعٍ وهادفٍ شروط الزمان والمكان، دون حماسة مفرطة، قد تعطّل دور العقل والوعي، ولربما تسيء بشكل أو آخر إلى معاني الإحياء وأهدافه، هذا من جهة. ودون مغادرة ثقافة الاعتزاز، وقيم الانتماء إلى الحسين(ع)، ورسالته، وشعائره، والتعبير عنها، وإقامتها بثقة عالية، وعزة كافية، من جهة أخرى.

شروط التطبيق الشعائري:
إن عملية التطبيق الشعائري ليست تلك العملية التي تتميّز ببساطتها، وإنما هي عملية تحتاج إلى مراعاة شروطها والالتزام بها، حتى يمكن لها أن تنتج تلك المصاديق الشعائرية، التي تؤدّي وظيفتها، وتحقّق مقاصدها، دون ترتّب تلك النتائج السلبيّة عليها.

وبما أن عملية التطبيق الشعائري هي ذات بعدين: بعد مفهومي، وبعد واقعي اجتماعي؛ فهذا يعني ضرورة وجود شروط منهجية لتلك العملية، تتماهى مع هذين البعدين.

أما أهم تلك الشروط المنهجية، التي ينبغي مراعاتها في عملية الاستحداث تلك، فهي:

فهم الشعائر وفلسفتها بشكل منهجي، ومعرفة قيمها ورسالتها، والدراية بتلك الأهداف التي تسعى إلى إنجازها على المستوى التربوي، والثقافي، والمعنوي، والديني، والإعلامي، والاجتماعي، وعلى مستوى صناعة الوعي وتنمية المجتمعات، وسوى ذلك.
فهم الواقع الاجتماعي الذي يراد استحداث المصداق الشعائري وإقامته فيه، ومعرفة عاداته، وأعرافه، وثقافته المجتمعية، وجميع العناصر الأخرى الدخيلة في ترتّب هذا النوع أو غيره من النتائج، على هذه الممارسة الشعائرية، أو تلك.
القدرة على الوصل الصحيح والهادف ما بين فهم الشعائر وأهدافها وقيمها من جهة، وما بين الواقع الاجتماعي وعاداته وأعرافه وثقافته من جهة أخرى، لأنه لا تكفي المعرفة بالمفهوم والواقع، من دون أن تكون هناك إمكانيات منهجية وعلمية وتخصصية (مجمل التخصصات والعلوم ذات الصلة ) كافية، تسهم في عملية الوصل المنهجي الصحيح ما بين المفهوم والواقع.
وهنا لا بدّ من القول، إن تحصيل هذه الشروط يعتبر أمراً ضرورياً لتحقيق أهداف الشعائر، وصحة إقامتها، واستحداثها. وإن أي إخلال بأيٍّ من هذه الشروط، أو عدم تحصيلها بشكل كافٍ؛ سوف يؤدّي إلى وجود خللٍ ما، أو نقصٍ ما، في استحداث المصاديق الشعائرية الصحيحة، أو صحة إقامتها، أو صوابية ممارستها، مما قد يؤدّي إلى ترتّب بعض النتائج، التي لا تنسجم مع أهداف الشعائر ومقاصدها، ومجمل قيمها.

كيفية تطبيق الشعائر واستحداث مصاديقها:
وصلنا إلى هذه النتيجة أن منظومة الشعائر الحسينية تمتلك بنيتها التي تقوم على ثنائية: مفهوم/ مصداق. ( أو ركني: الكبرى والصغرى ).

المفهوم تمّ بيانه، وبيان مجمل ما يتصل به في النصوص الدينية ذات الصلة. كما بيّنت أيضاً في تلك النصوص العديد من المصاديق، وإن كان هناك إمكانية لاستحداث مصاديق شعائرية جديدة، ينطبق عليها ذلك المفهوم، وتصدق عليها تلك الكبرى.

وبناءً عليه، لا بد من الإضافة هنا – في مقام الجواب على سؤال كيفية التطبيق الشعائري – بأن عملية استحداث مصاديق جديدة ترتبط ببعدين اثنين: البعد المفهومي (مفهوم الشعائر)، والبعد الاجتماعي ( ظروف المجتمع وجميع اعتباراته)؛ وهذا يعني  أن عملية التطبيق يجب أن تتم على النحو التالي: يُنظر أولاً في مفهوم الشعائر لمعرفة رسالتها وأهدافها، وقيمها، وجميع أبعادها. ثم يُنظر في ذلك الواقع الاجتماعي الذي يُراد إقامة الشعائر فيه، ويُدرس في عاداته ،وأعرافه، وتقاليده، وثقافته، وجميع اعتباراته، وذلك بهدف معرفة أية ممارسة شعائرية تحقق أهداف الشعائر فيه، وجميع غاياتها الدينية والتربوية لديه، من دون أن يترتب عليها أيٌ من النتائج السلبية، التي تتنافى مع تلك الأهداف والغايات، من قبيل توهين الاسلام ومدرسة أهل البيت(ع)، أو الإساءة الى مكانتهما، أوالإضرار بصورتهما.

فإن كانت النتيجة أن استحداث هذه الممارسة الشعائرية، أو إقامتها في هذا الواقع بعينه، تترتب عليه مجمل أهداف الشعائر وقيمها، من دون أن تترتب عليه تلك النتائج السلبية، التي تفوق نتائجها الايجابية؛ فهذا يعني صوابية هذا الاستحداث، وصحة هذا الفعل، بل ومطلوبية إقامة هذه الشعائر المستحدثة في ذلك الواقع الاجتماعي.

أما إن كانت النتيجة خلاف ذلك، بأن كانت هذه الممارسة الشعائرية، أواستحداثها في هذا الواقع، لا تترتّب عليه تلك الأهداف والنتائج المفترضة، وإنما يترتّب عليه ما هو خلافها أو يفوقها؛ فهنا ينبغي الإعراض عن تلك الممارسة الشعائرية في هذا الواقع، وعدم إقامتها فيه، والبحث عن تلك الممارسات الشعائرية البديلة،  التي تحقق أهدافها وغاياتها فيه، وتنسجم مع ظروفه، وتتلاءم مع اعتباراته.

من يقوم بعملية التطبيق الشعائري؟
ليس المراد بهذا السؤال بعده الشخصي ( أي ليس السؤال عن أفراد بعينهم )، وإنما المراد به بعده المعرفي. أي إن السؤال هو  في الخصائص والمواصفات المعرفية والمنهجية التي يجب أن تتوفر فيمن يقوم بعملية التطبيق الشعائري، واستحداث مصاديق جديدة للشعائر الحسينية، وفيمن يشخّص صحة أو عدم صحة ممارسة هذه الشعيرة أو تلك، في هذه البيئة المجتمعية والثقافية، أو في غيرها.

وبما أن عملية التطبيق الشعائري، واستحداث مصاديق مختلفة للشعائر، وتشخيص ممارستها، تقوم على بعدين: نظري- مفهومي، وواقعي- اجتماعي؛ فمعنى ذلك أنّ من ينبغي له أن يتولى تلك العملية يجب أن تتوفر فيه معرفياً تلك المعرفة، التي تتصل من جهة بالجانب الديني (منظومة الشعائر ولوازمها المعرفية)، والتي ترتبط من جهة أخرى بالجانب الاجتماعي ( مجمل العلوم ذات الصلة بهذا الجانب).

وبتعبير آخر يمكن القول، إن الذي يجب أن يتولى عملية استحداث مصاديق جديدة، أو دراسة صحة هذه الممارسة الشعائرية أو تلك؛ هو العقل، الذي يمتلك في صناعته المنهجية بعدين: بعدٌ ديني، يرتبط برسالة الدين، ووظيفة الشعائر وأهدافها؛ وبعدٌ معرفي علمي، يتصل بمجمل تلك العلوم والخبرات البشرية في مختلف المجالات الثقافية، والتربوية، والاعلامية، وفي حقول علوم النفس والاجتماع ذات العلاقة بهذا الجانب، فضلاً عن معرفته بمجمل تلك الشروط المنهجية الواجب معرفتها، ومراعاتها في عملية التطبيق، أو التشخيص تلك.

ومن هنا يمكن القول، إن هذه العملية ليست عملية دينية بحتة بالمعنى الخاص للدين، وليست صناعة فتوائية منفصلة عن الواقع الاجتماعي وبيئته. ولذلك لا يصحّ أن توكل هذه العملية إلى أيّة جهة دينية، إذا لم تكن على دراية تامة بمجمل العلوم والخبرات ذات الصلة، وإذا لم تكن على معرفة كافية ووافية بجميع الاعتبارات، والظروف الاجتماعية، والعادات، والتقاليد، والأعراف، التي تملكها تلك البيئة المجتمعية المراد ممارسة الشعائر فيها، واستحداثها لديها.

وفي المقابل لا يصح أن توكل هذه العملية إلى أية جهة، مهما كانت متقدمة في مجمل علوم الاجتماع، أو النفس، أو التربية، أو الاعلام، أو الفن.. أو كانت على دراية تامة بمجمل الظروف والاعتبارات الاجتماعية والثقافية لهذه البيئة المجتمعية أو تلك؛ ما لم تكن على معرفة كاملة بتلك المنظومة الشعائرية، ولوازمها المعرفية، وعلى وعي هادف لرسالة الشعائر، وقيمها، وأهدافها، وجميع مقاصدها.

ومن هنا إذا ما أردنا أن نجيب على هذا السؤال، أن هذه الممارسة الشعائرية في هذه البيئة المجتمعية أو تلك، في هذه الظروف أو غيرها، هل تنسجم مع رسالة الشعائر، وأهدافها، وقيمها، أم لا؟؛ لن يكون من الصحيح عندها أن يُبادر إلى تقديم الجواب، ما لم يتم توظيف جميع العلوم والخبرات والتخصصات ذات الصلة، وما لم تتم الاستفادة من مجمل أهل الاختصاص والمعرفة بجميع تلك العلوم ذات العلاقة بهذا البحث. وقد يحتاج الأمر إلى القيام بدراسات علمية هادفة وشاملة، للوصول إلى اعتماد هذا الجواب أو ذاك.

أما أن يُصار إلى الشروع في اعتماد هذا الجواب أو ذاك، من دون إيفاء هذا السؤال حقّه في البحث والدراسة والعمل – وخصوصاً فيما يرتبط بالبعد الاجتماعي، والتشخيص المجتمعي والعلمي للمصاديق الشعائرية – ؛ فهذا لا يعبّر عن مستوى الاحترام الكافي، أو الاهتمام المطلوب بتلك الشعائر ووظيفتها، ذلك الاهتمام الذي يجب أن يكون في تجلياته بمستوى تلك الشعائر، وسموّ رسالتها، وأهمية أهدافها.

أما أن يكون الغالب هو الحماسة المفرطة، بعيداً عن التزام ضوابط وشروط الصناعة المنهجية والعلمية للشعائر وممارستها؛ أو في المقابل، أن يغلب علينا الخوف ممن يتعمد دائماً الاساءة  إلى الشعائر وأهلها، بعيداً عن الاعتزاز بهذه الشعائر وممارستها؟؛ فكلا الأمرين لا يساعد على الوصول إلى صناعة شعائرية تنسجم مع أهداف الشعائر، ومقاصدها.

 وبناءً على ما تقدّم، ليس من الصحيح أن تكون هذه الصناعة الشعائرية صناعة  شعبوية، وإنما يجب أن تكون صناعة توّفى حقّها في البحث، والدراسة، والعمل، من قبل أهل العلم والاختصاصات اللازمة، بعيداً عن أيّة شعبوية قد تفتقد إلى الوعي اللازم بالشعائر ورسالتها، أو المعرفة الكافية بالبيئة المجتمعية والثقافية، وظروفها، وجميع حيثياتها.

ومن هنا قد يكون من الضروري أن يكون هناك عمل مؤسّسي شامل، يُعنى بتلك الشعائر، ويتجاوز أي انشغال فردي أو فئوي عليها، ويشترك فيه جميع أهل العلم والمعرفة والاختصاص، ممن له علاقة بذلك المجال من علماء الدين، والاجتماع، والتربية، والنفس، والاعلام، والفن.. من أجل بحث ودراسة مجمل المصاديق الشعائرية، ونماذج الشعائر الحسينية، وذلك في الموارد التالية:

مدى صحة استحداث هذه المصاديق الشعائرية الجديدة، أو عدم ذلك.
تجاوز مصاديق استحدثت فيما سبق.
صحة اعتماد هذه الممارسة الشعائرية في هذه البيئة المجتمعية والثقافية بعينها، أو عدم صحة ذلك.
بل قد يكون من أهم الوظائف الذي يُعنى به ذلك العمل المؤسسي، الذي يحتوي على إمكانياته العلمية والمعرفية الكافية، ما يلي:

العمل على انتاج مصاديق شعائرية جديدة، قد يكون لها تأثير أكبر، ودور أهم من مصاديق أخرى، في تحقيق أهداف الشعائر، وإنجاح رسالتها.
دراسة مجمل تلك الممارسات الشعائرية مورد الجدل بشكل علمي ومنهجي، بعيداً عن أي انفعال، أو شعبوية، أو حماسة أو.. من أجل الوصول إلى خلاصات، ونتائج، وتوصيات، تخدم رسالة الشعائر وقيمها، وأهدافها.

ذ) ما هي فلسفة إحياء الشعائر؟

تتضمن منظومة الشعائر الحسينية جملة من المعاني والقيم والدروس، التي ما وجدت لتبقى في إطارها النظري وبعدها المفهومي، وإنما ليُعمل على زرعها في النفوس، واسكانها في القلوب، والتربية عليها، والدعوة إليها، وتحويلها إلى وعي مجتمعي، وثقافة مجتمعية، تؤمن بها، وتعمل بها جميع تلك المجتمعات، التي تحيي تلك الشعائر، وتقيمها في ربوعها.

ومن هنا كان من الضروري العمل على تحويل تلك الشعائر الحسينية إلى ممارسات ذات بعد اجتماعي، أو جماعي، أواحتفالي عام، يؤدّي تلك المهمة، ويوصل إلى تلك الغاية، بطريقة مؤثرة، وفاعلة، ومعبّرة عن سمو تلك المعاني، ورفعة تلك القيم، مما يؤدي إلى المزيد من احترامها، وتقديرها، وفهمها، والتفاعل معها، والإيمان بها، والعمل بمضمونها، وبلوغ جميع أهدافها، ومقاصدها.

 ومن هنا فإن أية ممارسة شعائرية يجب أن تتصف بالشروط التالية:

أولاً: أن تحمل تلك القيم، والمعاني، والعبر، والدروس، التي جاءت بها ثورة الحسين(ع)، ورسالته، وشعائره.

ثانياً: أن تكون قادرة على إيصال تلك المعاني، والتعبير عن تلك القيم، بشكل فعّال، ومؤثّر، وهادف.

ثالثاً: أن تكون خالية من أية دلالات سلبية، قد تغطي على تلك المعاني، أو تشوّه تلك القيم، أو تسيء إلى رسالة الشعائر.

ولذلك، إن ما ينبغي الإلفات إليه، هو أن تلك الممارسات الشعائرية للشعائر الحسينية لا تهدف في فلسفتها إلى إثبات الوجود، أو إلى مجرد التعبير عن الهوية بأية طريقة كانت، حتى لو كان هذا التعبير تعبيراً يفتقد لشروطه العلمية المنهجية، أو مشوهاً للقيم، أو مسيئاً إلى رسالة الحسين(ع) ومعانيها؛ وإنما هي تهدف في فلسفتها، إلى إحياء النفوس بتلك المعاني، وإلى إيقاظ القلوب بتلك القيم، وتربية الأفراد على تلك الدروس، وبناء المجتمعات بتلك الثقافة، وذاك الوعي، الذي تحمله  الشعائر ويُقيم في رسالتها.

ومن هنا فإن تلك الممارسة الشعائرية ليست – في حقيقتها – استجابة لحاجة نفسية، اجتماعية، شعبوية فارغة من معناها؛ وإنما هي تعبير عن مشروع رسالي هادف، وفعل قيمي جادّ. إنها تحكي عن منظومة من المعاني والدروس والعِبر، التي يُراد بيانها وإظهارها من خلال التوسل بتلك الممارسات ذات البعد الاجتماعي والاحتفالي، الذي يصلح للحكاية عن تلك المعاني، والتعبير عن تلك القيم، وإظهار تلك الرسالة، والوصول إلى أهدافها.

ر) الممارسة الشعائرية ودلالتها:

إن أية مدرسة دينية، تفهم كظاهرة اجتماعية أكثر مما تفهم كظاهرة نصيّة، أو كمجرد رؤية فكرية. وذلك من خلال تجلّياتها الاجتماعية في ممارساتها، وثقافتها الاجتماعية، وسلوك مجتمعاتها، وأخلاقها في مختلف المجالات والميادين ذات الصلة بالاجتماع الإنساني.

ومن هنا تأتي أهمية تلك الممارسة الشعائرية، أو الظاهرة الشعائرية، أنها تقدم صورة اجتماعية حيّة عن تلك المدرسة الدينية أو الفكرية ومعانيها وقيمها. بمعنى أنه بمقدار ما تكون تلك الممارسة الشعائرية ممارسة راقية ومعبّرة وسامية؛ بمقدار ما سيؤدي ذلك إلى تقديم صورة راقية وسامية ومعبّرة عن تلك المدرسة ومعانيها وقيمها.

وفي المقابل، بمقدار ما تكون تلك الممارسة الشعائرية غير مكتملة الأوصاف، وتعاني من خللٍ أو آخر، بمقدار ما يؤدي ذلك إلى الإضرار بتلك المدرسة، والإساءة إلى معانيها، ولربما تشويه صورتها، وتوهين مكانتها.

 ومن هنا جاءت العديد من الفتاوى ذات الصلة بهذا الموضوع لتؤكد على هذا المعيار، وهو تجنّب ما يؤدي إلى توهين المذهب، أو توهين المقدسات، أو تضعيف التشيع، وغيرها من التعابير التي وردت في هذا الإطار، والتي تؤكد في مجملها على ذلك البعد الاجتماعي في الممارسة الشعائرية[5]، وهي تعبّر عن خوف حقيقي، وهاجس مجتمعي في هذا الإطار، يمكن لحاظه بوضوح في الكثير من الاستفتاءات والأسئلة، التي تطرح في هذا السياق، وهو ( أي ذاك الخوف أو الحذر) ما ينبغي أن يستثمر  في إنتاج  وعي علمي ومنهجي كافٍ في الممارسة الشعائرية وصناعتها.

 بالإضافة إلى أمر آخر لا ينبغي أن نتغافل عنه، وهو أن أية ممارسة شعائرية، إنما تعكس مستوى الوعي الاجتماعي والثقافة المجتمعية لأي مجتمع. أي أن الممارسة الشعائرية السامية، إنما تعبّرعن رقي الثقافة المجتمعية، وتقدّم الوعي المجتمعي لذاك المجتمع، الذي يعتمد تلك الممارسة، ويقوم بها.

في حين إن أية ممارسة شعائرية ذات طابع شعبوي فاقد للمواصفات اللازمة، إنما تعبّر في المقابل عن غلبة الثقافة الشعبوية في ذاك المجتمع، الذي يعتمد تلك الممارسة ويحترفها.

 كما نستطيع القول في المقابل إن المجتمعات التي تملك ثقافة مجتمعية راقية ومتقدمة، لا يمكن لها أن تنتج إلا مستوى راقٍ من تلك الممارسات الشعائرية، التي تعبّر بشكل ناجح، ومؤثر، وبشكل هادف وصادق عن جميع تلك المعاني، والقيم، والدروس، والعبر، التي تحملها ثورة الحسين(ع) وتؤديها رسالة الشعائر.

أما المجتمعات التي لا تمتلك ذلك المستوى نفسه من الثقافة المجتمعية، فقد لا يساعدها ذلك على إنتاج ذلك النوع من الممارسة الشعائرية في رقيّها ومستواها وتأثيرها، بالمقارنة مع غيرها من المجتمعات الأخرى، وإن كانت تشترك في التوجهات الشعائرية نفسها.

ز)  الشعائر وروح المسؤولية:

ما نعنيه بهذا العنوان هو التأكيد على خطورة المسؤولية في قضية الشعائر، وأن جملة الاعتبارات والدلالات التي ذكرناها آنفاً، يجب أن تدفع إلى اعتماد نمطٍ من التفكير، وطريقة في المعالجة، وأسلوب في إدارة تلك القضايا؛ يوصل إلى نتائج أفضل، وإلى مخرجات أكثر صحة، ويساعد على تحقيقٍ أحسن لمجمل أهداف منظومة الشعائر وقيمها.

إن تنمية حس المسؤولية تجاه الشعائر وصناعتها وممارستها، لهو المدخل الأهم إلى تطوير الوعي بتلك الشعائر، وتجنب أية عوامل ومؤثرات غير عقلانية، قد تؤدي إلى أخذ بعض تلك الممارسات إلى ما يتنافى مع فلسفة الشعائر وأهدافها. وخاصة عندما تكون تلك العوامل والمؤثرات ذات بعد شعبوي، يفتقد إلى مضمونه العلمي والمنهجي.

إن العمل على تنمية الشعور بالمسؤولية؛ يتأتّى من خلال إدراكنا لأمرين اثنين:

الأول: وهو الأهم. وهو أن تلك الممارسات الشعائرية، إنما تعبّر بالدرجة الأولى عن معاني الثورة الحسينية ورسالتها، بل عن مدرسة أهل البيت (ع) وقيمها. ومن هنا فإن هذه الممارسة ينبغي لها أن تُبرز سمو تلك المعاني، ومكانة تلك الرسالة، وحضاريّة تلك القيم. وأن تكون في مجمل تعابيرها وتجلياتها مستمدة من سموّ تلك المعاني، ومكانة تلك الرسالة، وحضاريّة القيم. وأن يكون ذاك التعبير بطريقة تؤدّي إلى المزيد من احترامها، وتقديرها، وتسهم في الدعوة إليها، والإيمان بها، وتوصل إلى الحكاية عنها بأرقى الصور، وأجمل التعابير، وأسمى التجليات.

وعليه يمكن القول إنّ طريقة ممارسة الشعائر، إما أن تؤدّي إلى تحقيق تلك الأهداف والوصول إلى تلك النتائج، من احترام معاني عاشوراء، وتبجيل قيم الثورة الحسينية، بل أيضاً مدرسة أهل البيت(ع)، وتعاليمها؛ وإما أن تؤدّي – ولو في بعض تعابيرها – إلى خلاف ذلك، كأن يترتّب عليها شيءٌ من الإساءة إلى تلك المعاني العاشورائية، أو التوهين لقيم الثورة الحسينية، أو عدم التعبير بشكل صحيح وراقٍ عن تلك المعاني والقيم. ولربما تؤدّي أحياناً إلى الإضرار بمكانة مدرسة أهل البيت(ع)، وصورتها، وسموّ قيمها.

وهذا ما يتطلب أن يكون منطلق تفكيرنا في هذا الموضوع غير نابعٍ من أي منطلقٍ شخصي، أو جماعتي، أو شعبوي، أو استقطابي.. وإنما من منطلق يرتبط بما تعبّر عنه تلك الشعائر في أهدافها، وقيمها، ورسالتها.

 ولا شك أن الانطلاق بشكل صادق ومخلص وهادف من هذه المنطلقات، سوف يجعل المقاربة أكثر قدرة على تلمس ما هو صائب، والوصول إلى ما هو صحيح في تشخيص مصاديق الإحياء الشعائري، واجتراح نماذجه الأقدر على القيام بوظائف الشعائر، وتأدية رسالتها، وتحقيق جميع أهدافها.

الثاني: إن هذه الممارسات الشعائرية، إنما تعبّر أيضاً عن مستوى الثقافة المجتمعية والوعي المجتمعي لتلك المجتمعات، التي تعنى بتلك الممارسات. وبالتالي فهي تبرز من خلال تلك الممارسات وطريقتها مستواها الثقافي والحضاري والمدني.. ليس كمجتمعات مجردة عن مدرستها الفكرية والدينية، وإنما كمجتمعات ينبغي أن تكون قد بنت تلك الثقافة، وتلك الأبعاد الحضارية، من خلال تلك المدرسة، ومعانيها، وقيمها.

وعليه، فإن الارتقاء بتلك الممارسات الشعائرية إلى مستويات أعلى في التعبير والصناعة، سوف يؤدي حُكماً إلى تقديم أكثر من صورة مشرقة عن تلك المجتمعات، وثقافتها، ووعيها. ومن وراء ذلك عن تلك المدرسة الفكرية والدينية، التي تستمد منها تلك المجتمعات ذلك الوعي الذي تحمل، وتلك الثقافة التي تملك، وجميع تلك المعاني الحضارية التي تؤمن بها.

وفي المقابل، فإن الإخفاق في ذاك التعبير، أو الخلل في تلك الصناعة، سوف يؤدّي إلى الانتقاص من تلك المجتمعات ومكانتها. ومن وراء ذلك إلى الانتقاص من تلك المدرسة التي تعبّرعنها تلك المجتمعات، وتؤمن بها، وتعمل على الالتزام بها، وتحقيق معانيها.

وهذا أيضاً ما يعزّز الشعور بتلك المسؤولية، ويرفعها إلى مستويات أرقى. وإن أمكن القول أيضاً إن تعزيز هذا الشعور بالمسؤولية، وما يستولده من طاقة للعمل البحثي، والديني؛ لا يكفي لوحده في بلوغ تلك النتائج، لأنه يجب أن يُضاف إليه العمل على منهجة البحث والتفكير في هذه الموضوعات والإشكاليات، وأخذها إلى أبعاد أكثر علمية وموضوعية.

 وهنا، إذا استطعنا أن نعمل على تنمية الشعور بالمسؤولية، وأن نرتقي بمنهجية التفكير والبحث وعقلانيته وعلميته إلى مستويات أفضل..؛ يمكن في هذا الحال أن نرتقي في توظيف تلك المسؤولية والشعور بها إلى مستويات أفضل في الصناعة الشعائرية والتطبيق الشعائري، وأن نتوقع نتائج أكثر انسجاماً مع رسالة الشعائر وقيمها.

الخاتمة:

إن ما أردنا قوله في هذا البحث، هو أنه إذا كان لدينا من إشكالية في موضوع الشعائر وممارستها، فهذه الإشكالية ترتبط – أكثر من أي شيء آخر – بالمنهج والتطبيق. أي إن الإشكالية أكثر ما تكمن في تشخيص المصاديق الشعائرية، وفي المنهج الذي يُمكِّن من تشخيص تلك المصاديق بشكل صحيح، ينسجم مع أهداف الشعائر ورسالتها وقيمها. وإن كان هناك مساحة ما ترتبط بفهم منظومة النصوص الشعائرية، ومجمل ما يتصل بها.

وبما أن تطوير المنهج في تطبيق الشعائر، وصناعة مصاديقها، وكيفية ممارستها، هو المدخل الضروري لتحديد جملة من المعايير والضوابط، التي تساعدنا على تقييم أي مصداق شعائري إشكالي، أنه ينسجم مع أهداف الشعائر وقيمها، أم يتنافى معها؛ كان من المجدي في هذا المجال تحديد مفردات ذلك المنهج الشعائري، ومعاييره، والعمل على بنائه. ذلك المنهج الذي – ومن دون  أي شك – قد يساعد على فهم تلك المنظومة الشعائرية بشكل أفضل، ولو في بعض مواردها، وإن كان يستهدف في مقاصده وغاياته وضع أسس وضوابط منهجية، يمكن أن يستند إليها في تطوير التطبيق الشعائري، وفي تمييز تلك المصاديق الشعائرية الإشكالية بشكل منهجي، أنها تتماشى مع تلك المعايير والضوابط، أم لا، وفي توفير إمكانية منهجية تُوظّف في اجتراح مصاديق شعائرية، قد تكون أكثر قدرة على حمل رسالة الشعائر وبيان قيمها. ولربما تسهم أيضاً – بمستوى أو آخر – في معالجة بعض ذلك الاختلاف والجدل القائم حول مشروعية بعض المصاديق الشعائرية، أو مدى انسجامها مع منظومة الشعائر الحسينية من عدمه.

ونحن لا ندّعي هنا أنّ هذه المحاولة سوف تقضي على أي اختلاف قائم في هذا الإطار، وإنما قد تساهم في جعل ذلك الاختلاف وممارسته أكثر علمية، ومشدوداً أكثر إلى تلك الضوابط والمعايير المنهجية في منهج التطبيق، مما قد يؤدي إلى تقليص مساحة الاختلاف، أو بالحد الأدنى جعله أكثر منهجية وموضوعية، وإلى إيجاد قاعدة منهجية يمكن الانطلاق منها في ممارسة ذلك الاختلاف وحسن إدارته وتوظيفه.

وقد نكون استطعنا أن نحقق ما هدفنا إليه، أو شيئاً منه، لكنه من دون شك قد يساعد ما جاء في هذا البحث على الدفع بقوة نحو الأهداف، التي أريد العمل على بلوغها، والوصول إليها.

هذا وسوف نذكر هنا خلاصة ما توصلنا إليه، وأهم النتائج التي يمكن استخلاصها، فضلاً عن أهم التوصيات، أو المقترحات ذات الصلة.

الخلاصة:
الشعائر الحسينية هي ظاهرة دينية – اجتماعية أصيلة، تعود إلى بدايات التاريخ الإسلامي، حيث نجد أنّ أهل البيت(ع) قد أمروا بجملة من الأعمال والأمور، التي ترتبط بالإمام الحسين(ع)، وثورته، ورسالته، ومعاني تلك الرسالة، ودروسها، وقيمها. حيث إن الهدف من تلك الأعمال بيان تلك الدروس، وإظهار تلك القيم، والمحافظة عليها، وإحيائها، بل إحياء القلوب، والنفوس، والمجتمعات بها، وبمعانيها، ودلالاتها.

ثم تحولّت هذه التوجيهات من أهل البيت(ع) إلى ممارسات شعائرية، ثم تحولّت هذه الممارسات إلى ظاهرة تشمل الملايين، بل مئات الملايين من الناس قديماً وفي زماننا الحالي، وتسهم فيها الكثير من المجتمعات، وتكتب فيها الكثير من البحوث والدراسات.

وبما أنّ الإشكالية الأساس التي ترتبط بتلك الظاهرة الشعائرية هي إشكالية المنهج، الذي يجب أن يُعمد إلى بنائه وبلورته، ليُعمل بالتالي على توظيفه في هداية الصناعة الشعائرية وتطويرها، واجتراح مصاديق للشعائر الحسينية، تنسجم مع رسالة الشعائر، وتؤدي وظيفتها، وتبلغ مقاصدها؛ كان من الضروري العمل على تسطير هذا البحث، ليوصل تالياً إلى خلاصات منهجية، فيما يرتبط بذلك المنهج، وشروط تطبيقه.

هذا ويمكن لنا أن نلخّص موضوعات البحث في النقاط التالية:

تعني الشعائر الحسينية في مفهومها تلك الأعمال والأمور، التي ندب إليها وأمر بها أهل البيت(ع) فيما يتصل بالإمام الحسين(ع)، من حيث إحياء أمره، – بل أمر أهل البيت(ع) -، واستمرار قضيته، وبقاء رسالته قائمة، تؤدّي دورها من خلال تلك الأعمال والممارسات الشعائرية، سواء كانت ذات بعد اجتماعي، أو وجداني، أو معرفي، أو فكري، أو ثقافي، أو فني، أو إعلامي، أو تربوي، أو أدبي، أو إنساني.. إلى غيرها من تلك الأبعاد ذات الصلة.
إن مراجعة الروايات الواردة عن أهل البيت(ع) في خصوص الشعائر ومصاديقها، توصل إلى هذه النتيجة، أنه يوجد قسمان من تلك الروايات: قسمٌ تضمّن عناوين عامة من قبيل الدعوة إلى إحياء أمر أهل البيت(ع)؛ وقسم آخرتضمّن عناوين خاصة، هي عبارة عن مصاديق شعائرية بعينها، من قبيل البكاء على الإمام الحسين(ع)، والجزع عليه، واتخاذ الأيام العشرة الأوائل من محرّم أيام حزن، وجعل اليوم العاشر منه يوم حزن ومصيبة، إلى زيارته، والدعاء عند ذكره، وإنشاد الشعر فيه، وغيرها مما ورد في الروايات التي جاءت عنهم(ع).
يلحظ مما تقدم في النقطة السابقة، أن هناك منظومة من روايات الشعائر الحسينية الواردة عن أهل البيت(ع)، توزّعت على قسمين: قسم عني بالمفهوم، وقسم آخر عني بالمصداق. أو– بتعبير آخر- قسم عني بالكبرى، وقسم عني بالصغرى. فكانت هذه المنظومة ذات بنية ثنائية ( مفهوم- مصداق ). فهي لم تتطرق إلى المفهوم، وتهمل المصداق. كما في المقابل لم تتطرق إلى المصداق وتهمل المفهوم، بل هي شملتهما معاً.
إن ما ينبغي الإلفات إليه – بناء على ملاحظة تلك البنية الثنائية – هو إن منظومة روايات الشعائر لم تقتصر على بيان المفهوم فقط، وإلا لأدّى هذا الأمر ( أي اقتصارها على بيان المفهوم ) إلى إيجاد أساس لمساحة كبيرة من الاختلاف، أو عدم الوضوح في تحديد المصاديق؛ كما إنها لم تقتصر على بيان المصاديق فقط، وإلا لأدّى هذا الأمر( الاقتصار على بيان المصاديق فقط ) إلى التأسيس لفهم حصرية تلك المصاديق وتوقيفيتها، وبالتالي إغلاق الباب على أية مصاديق جديدة حتى لو كانت ذات جدوى شعائرية كبيرة.
في فلسفة تلك المنظومة الشعائرية وبنيتها المنهجية الثنائية، يمكن القول إن تلك الفلسفة تترتّب عليها النتائج التالية:
أولاً: فتح الباب أمام استحداث مصاديق شعائرية جديدة، وعدم الاقتصار على ما ورد بلفظه في روايات أهل البيت(ع)، ونُصّ عليه فيها.

ثانياً: تؤسس لدينامية خلاّقة ودائمة في تطوير الشعائر الحسينية، من خلال الاستفادة من مجمل التطورات العلمية والاجتماعية ذات الصلة، على أن يكون ذلك التطوير منسجماً مع جميع الشروط والمعايير المنهجية الواجب مراعاتها في منهج التطبيق الشعائري.

ثالثا: مراعاة ظروف الزمان والمكان في عملية التطبيق الشعائري، وممارسة مختلف الشعائر، بمعنى ضرورة معاينة البيئة المجتمعية بجميع حيثياتها لمعرفة إن كان من الممكن لتلك الشعائر وممارستها، أن تقوم بوظيفتها بلحاظ تلك الظروف والحيثيات، أم إنه لا يمكن ذلك.

تتوزع شروط التطبيق الشعائري على بعدي المفهوم والواقع المصداقي، حيث يمكن إجمال تلك الشروط فيما يلي:
أولاً: الدراية بالشعائر وقيمها، ورسالتها، وجميع أهدافها التربوية، والدينية، والإعلامية، والاجتماعية..

ثانياً: فهم الواقع المجتمعي الذي يراد إقامة المصداق الشعائري فيه، بجميع ظروفه وحيثياته.

ثالثاً: القدرة على الوصل العلمي والمنهجي الصحيح ما بين البعد النظري للشعائر ورسالتها، وقيمها، وما بين البعد الواقعي للمصداق الشعائري، وظروفه، وجميع اعتباراته.

في كيفية التطبيق الشعائري – سواء في استحداث مصاديق جديدة، أو ممارسة ما هو موجود منها – يُنظر أولاً في البعد المفهومي للشعائر لمعرفة معاني تلك الشعائر، وقيمها، ووظيفتها، وجميع أهدافها؛ ثم يُنظر في ذلك المصداق الشعائري وجميع ظروفه وحيثياته؛ ثم يلاحظ إن كان ذلك المصداق الشعائري يمكن له أن يحقق تلك الأهداف، ويقوم بتلك الوظيفة في هذه البيئة المجتمعية، أو تلك، أم لا يمكن له ذلك. فإن كانت النتيجة إنّ هذا المصداق يمكن له تحقيق تلك الأهداف في هذه البيئة؛ فهذا يعني مطلوبيته، وجدوائيته الشعائرية. وإلا، فهذا يعني عدم تلك الجدوائية، وانتفاء تلك المطلوبية.
فيمن يقوم بعملية التطبيق الشعائري، وبما إنّ هذه العملية هي ذات بعدين: بعد نظري – مفهومي، وبعد اجتماعي – واقعي؛ فهذا يعني أنّ من يقوم بعملية التطبيق الشعائري تلك، يجب أن تتوفر لديه تلك المعرفة، التي ترتبط بذلك البعد النظري والمفهومي، وأيضاً تلك المعرفة، التي ترتبط بذلك البعد الاجتماعي والواقعي. أما الاقتصار على توفّر أحد البعدين دون توفّر الآخر، فسوف يؤدّي الى اختلال الشروط المعرفية، فيمن يقوم بعملية التطبيق، وبالتالي في القدرة على القيام بتلك العملية وصوابيتها.
فيما يرتبط بفلسفة إحياء الشعائر، يمكن القول إن في مدرسة الإمام الحسين(ع)، ورسالته، وثورته جملة من القيم والدروس والعِبر، والتي يراد لها أن تبقى متوهّجة حاضرة، ليُعمل على إظهارها، وفهمها، ومعرفتها، والإيمان بها، والالتزام بمعانيها. ومن هنا كانت الممارسة الشعائرية هي الوسيلة الأمثل للتعبير عن تلك المعاني، والدعوة إلى تلك القيم، وحكاية تلك الدروس والعِبر، وذلك بهدف إحيائها، والحياة بها.
أما فيما يتصل بشروط الممارسة الشعائرية، فلا بدّ من القول إن أيّة ممارسة شعائرية ينبغي أن تتصف بالشروط التالية:
أولاً: أن تحمل في نفسها تلك القيم، والمعاني الحاضرة في ثورة الإمام الحسين(ع)، ومدرسته، ورسالته.

ثانياً: أن تكون قادرة على التعبير عن تلك القيم، والمعاني، بطريقة ناجحة، ومؤثرة، وصحيحة.

ثالثاً: أن تخلو من أيّة نتائج ودلالات سلبية، قد تطغى على إيجابيات النتائج، والدلالات، وتتفوّق عليها.

إن أيّة ممارسة شعائرية تملك نوعين من الدلالات، نوع يرتبط بتلك المدرسة الدينية، أو الفكرية، التي تنتمي إليها الشعائر، وتنبثق منها؛ ونوع يتصل بذاك المجتمع، الذي يمارس تلك الشعائر ويقيمها لديه. وهذا النوع قد يعود بشكلٍ أو بآخر إلى الأول.
وهنا بمقدار ما تكون تلك الممارسة الشعائرية راقية في تعبيرها، وتمتلك جميع المواصفات اللازمة في أدائها؛ بمقدار ما تعبّر عن رقي تلك المدرسة الدينية، التي تنتمي إليها، وأيضاً عن رقي ذلك المجتمع الذي يمارسها في وعيه، وثقافته المجتمعية. وفي المقابل، بمقدار ما تكون تلك الممارسة خالية من تلك المواصفات، وفاقدة لتلك الشروط، بمقدار ما تعطي دلالاتها السلبية على تلك المدرسة، وذاك المجتمع الذي يقيمها.

12- إن ما تقدم في النقطة السابقة، يشير إلى طبيعة المسؤولية التي تترتّب على الممارسة الشعائرية وخطورتها، وأنها ترتبط بصورة المدرسة الفكرية التي تعبّر عنها تلك الشعائر ومكانتها، أي مدرسة أهل البيت(ع)، ورسالة الحسين(ع)، وثورته. حيث إن طبيعة الممارسة الشعائرية، قد تقدم تلك المدرسة بشكلٍ مشرقٍ، وصحيحٍ، وراقٍ، وهادف، وقد لا تنجح في ذلك.

ب)التوصيات:

توجد مجموعة من التوصيات التي ينبغي الإلفات إليها في هذا الشأن، وسوف نبدأ فيها من حيث انتهينا في البحث.

يجب أن ندرك حجم المسؤولية، وخطورتها في موضوع الشعائر وممارستها، وأن نعمل على تنمية حسّ المسؤولية والوعي بها، من حيث النتائج والدلالات، التي تترتب على تلك الشعائر وممارستها على أكثر من مستوى.
التجرّد عن الذاتية في الممارسة الشعائرية والتطبيق الشعائري، سواء كانت هذه الذاتية فردية، أم فئوية. لأنّ هذا التجرّد هو من أهم العوامل المساعدة على صوابية الممارسة والتطبيق.
إضافة إلى ما سبق، يمكن القول بضرورة عدم التعصب للرأي، لأنه من أخطر الآفات التي قد تقفل الباب على إمكانية الاهتداء إلى الصواب، وإدارة الاختلاف بشكل صحيح ومفيد. بل إن طريقة ممارسة الاختلاف تعبّر- فيما تعبّر عنه – عن وعي المختلفين ومستواهم الثقافي، ومدى التزامهم بالقيم الدينية التي يدعون إليها.
اعتماد الحوار، وأخلاقياته، وأساليبه في هذا الموضوع، لأنه المدخل الصحيح والضروري لتطوير الوعي الشعائري لدينا، وتنمية الثقافة الشعائرية في مجتمعاتنا، بطريقة تساعد على تحقيق أهداف الشعائر، وبلوغ مقاصدها.
حسن الظن بأهل العلم والدين والحكمة، وأصحاب التجربة والعقل. لأنه الشرط الأساس للإستفادة منهم، ومن آرائهم، وتجربتهم، في مجمل ما يرتبط بالشعائر وقضاياها.
تعزيز البعد المنهجي والعلمي في معالجة جميع الإشكاليات، والقضايا، التي تتصل بالمنظومة الشعائرية، وموضوعاتها.
متابعة البحث في المنهج ( منهج التطبيق الشعائري )، لأنه بمقدار ما يَغنى هذا البحث، بمقدار ما يسهم في منهجة الوعي والتفكير في مجمل قضايا الشعائر بشكل أفضل. وهو ما تترتّب عليه العديد من الفوائد والنتائج في مختلف الميادين.
إشباع الموضوعات والإشكاليات الشعائرية دراسة وبحثاً، بجميع أبعادها ذات الصلة، من اجتماعية، وتربوية، وإعلامية، وسيكولوجية، وثقافية… فضلاً عن بعدها الديني.
عدم التأثّر بالمزاج الشعبوي، أو بأيّة عوامل ومؤثرات أخرى غير موضوعية، من قبيل الحماسة المفرطة، وغيرها من العوامل، بعيداّ عن التزام الضوابط، والمعايير المنهجية في الصناعة الشعائرية، وممارسة الشعائر.
عدم التأثر في المقابل بأية عوامل أو مؤثرات، قد تدفع بعيداً عن حمل رسالة الشعائر، وتأديتها بثقة عالية، وعزّة كافية بالهوية، والولاء، وممارسته في الإطار الشعائري.
عدم التردد في مغادرة أيّة ممارسة شعائرية، يتبيّن بالدليل أنها لا تخدم رسالة الشعائر، ولا تنسجم مع قيمها، أو أنها يترتّب عليها من السلبيات ما يفوق إيجابيات تلك الممارسة.
العمل على تطوير جميع الآليات، والأدوات المنهجية، وغير المنهجية التي تؤسس لدينامية تطوير دائمة، وخلاّقة في الإطار الشعائري.
السعي الدائم إلى اجتراح واستحداث أعمال، ومصاديق شعائرية جديدة، ذات بُعد فني ( أفلام، مسلسلات..)، أو إعلامي، أو غير ذلك، قد تكون لديها قدرات تعبيرية كبيرة جداً واستثنائية، بالمقارنة مع غيرها من الأعمال والمصاديق.
رصد ومتابعة جميع المتغيرات أو التطورات العلمية، أو الاجتماعية، مما له دخل في التطوير الشعائري، بهدف الإفادة منها في هذا المجال.
الالتفات إلى أن أيّة ممارسة شعائرية – على مستوى دلالاتها وآثارها – لم تعد مغلقة على بيئتها المجتمعية الضيّقة، كما كان عليه الحال في الماضي.
أن يبقى الانشداد دائماً في أيّة معالجة، أو ممارسة شعائرية إلى رسالة الشعائر، وأهدافها، وقيمها، التي كانت من أجلها، وبهدف التعبيرعنها.
أن يكون الإخلاص أساس أي مشاركة أو إسهام في أي عمل شعائري، لأنه الشرط الأساس في سلامة العمل، وقدرته على بلوغ مقاصده.

المقترحات:
لتحقيق مجمل الأهداف والتوصيات ذات الصلة بالشعائر ووظائفها ومقاصدها، يمكن تقديم المقترحات التالية:

بناء آليات للتواصل الفعّال، والمنظّم، والهادف، بين مختلف الجهات التي تعنى بموضوع الشعائر، ومجالاتها، بهدف التفاعل الإيجابي والبنّاء لتنمية الوعي بالشعائر، وتطوير القدرة على حمل رسالتها، وتأدية جميع وظائفها.
المبادرة إلى إنشاء مؤسسة تعنى بالظاهرة الشعائرية وجميع ما يرتبط بها، تملك من الخبرات والإمكانيات ما يساعدها على العمل الجادّ لتنمية تلك الظاهرة وتطويرها، والقيام بمجمل المهام والوظائف التي تتصل بها وبقضاياها. وقد يضاف إلى الاهتمام بتلك الظاهرة الشعائرية جميع ما يرتبط بالخطاب العاشورائي وموضوعاته.
قد يكون من المجدي والمفيد في هذ الإطار العمل على تنظيم مؤتمر دولي يعالج جميع إشكاليات الشعائر وقضاياها. تحتشد فيه أهم الخبرات والطاقات العلمية ذات الصلة، وتسوده جميع أجواء التفاعل الإيجابي والبنّاء، بهدف تبادل الأفكار والخبرات، لتطوير الوعي الشعائري، وتنمية تلك الظاهرة الشعائرية بشكل مستديم، وصحيح، وفعّال.
 

[1] – المراد بهذه المصاديق في هذا البحث هو المصاديق غير المنصوصة، والتي لا دليل واضح وثابت عليها، وإنما وقعت مورداً للجدل والنقاش.

[2] – المعجم الوسيط، إستانبول، المكتبة الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، ط2،ص485.

[3] – الحر العاملي، هداية الأمة إلى أحكام الأئمة، مشهد، مجمع البحوث الإسلامية، 1414هـ ق، ط1، ج5، ص137.

[4] – لقد بادر سماحة العلامة السيد محمد حسن ترحيني إلى تأليف مصنّف خاص بالشعائر الحسينية المنصوصة. وقد طبع في سنة 2002م في بيروت بعنوان: الشعائر الحسينية المنصوصة (بيروت، دار الهادي).

[5] – انظر على سبيل المثال: السيد محمود الهاشمي، الصراط (أجوبة الاستفتاءات)، مركز أهل البيت(ع) للفقه والمعارف الإسلامية، 2014م، ط1، ص ص:407-410؛ كما يمكن مراجة تقرير محاضرات الشيخ محمد السند في هذا الموضوع، والتي طبعت بعنوان: الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد، قم، دار الغدير، 2003م، ط1، ص ص:178-186.

*أستاذ جامعي وباحث لبناني.