حضور المرأة في الخطاب السياسي الإصلاحي لإبن رشد

بقلم: حفيظ بوبكر – باحث مغربي — وجد ابن رشد أمامه، وهو يلخص كتاب الجمهورية لأفلاطون، مسألة تناولها صاحب الكتاب بالدرس والتحليل، يتعلق الأمر، بما إذا كان من الواجب أن تشارك النساء، الرجال في مهام حفظ المدينة وتدبيرها، أم أنه يُستحسن حصر مهمتهن في الإنجاب وتدبير أمور البيت والاعتناء بالأبناء؟ وقد اغتنم الفرصة ليُدلي برأيه، من خلال أربع ملاحظات أساسية: أولاها: تتعلق بالناحيَّة المبدئيَّة، والثانية بالناحية العملية، والثالثة فيُشخّص فيها وضعية المرأة في المجتمع العربي الإسلامي ككل، وفي الأندلس خاصة، أما الملاحظة الرابعة والأخيرة فتتناول الموقف الشرعي من المسألة.

يبدو إذن، أن المشروع السيَّاسي الإصلاحي الرشدي يجسّد رؤية متكاملة؛ ومتصلة بكل أطياف الشّعب الذي يمثل جمهور النساء سواده الأعظم. ومن هنا تنبني أطروحته على أساس الإيمان بالمساواة النوعية بين الرجل والمرأة من حيث القُدرات العقلية، لأنهما ينتميان إلى جنس واحد، وهو جنس البشر، مع تأكيده أن هناك اختلافات بينهما، لكنها لا تعدو أن تكون اختلافات كميَّة وليست نوعيَّة. وهكذا، فقد كان فيلسوف قرطبة، حريصاً على التأكيد على الفوارق، قدر حرصه على تأكيد أوجه التشابه بين الجنسين، حيث بيّن أن انتساب الجنسين إلى سلالة البشر، لا يترك مجالاً للتميِّيز بينهما على أساس النوع، حيث يقول: “إن النساء من جهة أنهن والرجال نوع واحد في الغاية الإنسانية، فإنهن بالضرورة يشتركن وإياهم فيها [الأفعال الإنسانية] وإن اختلفن عنهم بعض الاختلاف. أعني أن الرجال أكثر كدّا في الأعمال الإنسانية من النساء، وإن لم يكن من غير الممتنع أن تكون النساء أكثر حذقا في بعض الأعمال، كما يظن ذلك في فنّ الموسيقى العملية، ولذلك يُقال إن الألحان تبلغ كمالها إذا أنشأها الرجال وعملتها النساء. فإذا كان ذلك كذلك، وكان طبع النساء والرجال طبعا واحدا في النوع وكان الطبع الواحد بالنوع إنما يقصد به في المدينة، العمل الواحد. فمن البيّن إذن، أن النساء يقُمن في هذه المدن بالأعمال نفسها التي يقوم بها الرجال، إلا أنه بما أنهن أضعف منهم فقد ينبغي أن يُكلفن من الأعمال بأقلها مشقة”[1]، و نسجل هنا بإعجاب وارتياح كبيرين هذا الحِلم الذي يُظهره ابن رشد اتجاه النساء، بل إنها دعوة منه لنا لأن نحذو حذوه، خصوصا وأن ما تعيشه المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية عامة والمجتمع المغربي على وجه الخصوص ينذر بكارثة كبيرة.

كان ابن رشد مقتنعا بأن السبيل لتحقيق تفاهم و تناغم داخل المجتمع، لا يمكن أن يتم إلا عبر الاعتراف بما يوجد من اختلاف كمي و تطابق نوعي بين الجنسين، إلا أن هذا الاختلاف في أداء بعض الأعمال لا يمنح في نظره أفضلية لهذا عن ذاك، حيث أنه و بعد أن بيّن التفوق البدني للرجل على المرأة في بعض الأعمال، لم يترك المجال مفتوحا هكذا ولم يترك كلامه قابلا لتأويلات قد تؤدي إلى نتائج غير تلك التي يبتغيها هو، بل سارع إلى تبديد كل سوء فهم، فأكد أن المهن التي يُعتقد أنها مهن ذكورية هي أيضا مهن يمكن للنساء القيام بها، و من بينها أن يُنتدبن لرئاسة الدولة وأن يكنّ فيلسوفات و محاربات؛ حيث يقول في ملاحظته الثانية المتعلقة بالناحية العملية: ” إنا نرى النساء يشاركن الرجال في الصنائع، إلا أنهن في هذا أقل منهم قوة، وإن كان معظم النساء أشد حذقا من الرجال في بعض الصنائع، كما في صناعة النسج و الخياطة و غيرهما، فذلك بين من حال ساكني البراري و أهل الثغور، و مثل هذا ما جُبلت عليه بعض من النساء من الذكاء و حسن الاستعداد، فلا يمتنع أن يكون لذلك بينهن حكيمات أو صاحبات رياسة “[2] .

بناء على ما سبق، يتّضح أن انخراط المرأة في تدبير أمور المدينة و حفظ أمنها أمر ضروري وطبيعي، ما دام الفرق الوحيد بينها وبين الرجل لا يعدو أن يكون فرقا على مستوى القوة الجسمانية التي منحتها الطبيعة للرجل بنسبة تكبر تلك الموجودة لدى المرأة، إلا أن هذه الأخيرة أكثر ذكاء و فطنة على حد قوله في أعمال كثيرة أخرى . و درءا لأي تشكيك حول ما ذهب إليه فيلسوفنا، استثمر ما راكمه من معارف و علوم حيث عمل على استدعاء العلم الطبيعي كما تبلور مع ارسطو، واستخدام البراهين التجريبية التي تدعم رأيه و تعضده فقال : ” و قد تبيّن ذلك بالفحص في الحيوان، أعني أنه ينبغي أن يكون هناك في النساء حافظات و ذلك [حاصل] عند الحيوانات التي شبهنا بها الحافظ فيما تقدم . و نرى هذا في أنثى الكلاب، فهي تحمي ما تحميه الذكور منها، و تصارع ما تصارع ذكورها، غير أنها أضعف منها في ذلك، و قد جعلت الطبيعة أحيانا للذكر – وهو نادر – آلة بها يحارب و لم تضعها للأنثى كما هو عليه الحال في الخنزير (الوحشي)، و لما كانت الآلات (= كالأنياب و المخالب)، التي بها تُهاجم الحيوانات التي من شأنها أن تهاجم، و هي في الذكر منها و الأنثى في الأغلب على حد سواء، فذلك دليل على أن الأنثى تفعل هي أيضا نفس ما يفعله الذكر “[3].

وهذا المثال الذي قدمه، يكشف عن الجانب الواقعي والحضور الأرسطي لدى فيلسوفنا، حيث لجأ إلى الواقع التجريبي ليُضفي الشرعية على ما قدمه من تصور بخصوص المسألة النسوية. فهو يُجسد بهذا المثال حرصه الشديد على المساواة بين الجنسين، وهو ما يبرز جانبا مهما لديه يتعلق بالطموح الإصلاحي الذي يحركه تجاه واقعه وعصره، فالأمر ليس مجرد تلخيص لوجهة نظر أفلاطون في السياسة و إنما هو إعلان صريح عن الانشغالات و الهموم المجتمعية التي تثقل كاهله، وهو ما يحيلنا على ملاحظته الثالثة التي جعلت من قضية المرأة في عصره ومدينته قضية القضايا، فقد بات واضحا بالنسبة له، أن الحاجة إلى مواجهة السائد من الأقوال والتصورات أصبحت مسألة ملحة إلى حد ما، و قد بيّن في ملاحظته هذه أنه أدرك بعضا من مِزاجية هذه النظرة الدونية للمرأة في مجتمعه وما تمثله من مشكل حقيقي يعيق حركة هذا المجتمع . فالنظرة الدونية إلى المرأة و إقصاءها من عملية الإنتاج وتغييبها من المشهد المجتمعي بكل تلويناته السياسية والاقتصادية والثقافية من شأنه أن يدخل المجتمع بأسره في متاهات الفقر والتخلف وسيظل في هذه الحالة يتخندق في شتى أنواع القهر.

لقد كانت هذه الفترة فترة مكابدة فكرية وسياسية، تدور حول طائفة من الأفكار والتمثلات السائدة في المجتمع الأندلسي، وما تستلزمه من مجهودات نقدية مُضنية أملا في تغييرها . و هذه المواجهة القلقة المضطربة، قد هيأت فرصة استثنائية لابن رشد ليُبدع في تناوله لمسألة الإصلاح السياسي بشكل عام و للمسألة النسوية بشكلٍ خاص، حيث وجد نفسه وجها لوجه أمام تردي أوضاع المرأة في مدينته وفي زمانه، و هي أوضاع لا تتطابق مع صورة المرأة ككائن إنساني حر عاقل، و ذو مؤهلات للقيام بكل الأعمال الذهنية والعملية؛ و بالتالي لا مجال لتبنّي الخطابات الذكورية المليئة بالنفحة التقليدية بعد الآن. وهكذا حرص فيلسوف قرطبة و مراكش على تبني خطاب مضاد لما هو سائد؛ فدعا إلى ضرورة خروج المرأة إلى العمل لتُشارك الرجل في كل الأنشطة، و هنا يؤكد ابن رشد على مسألة أساسية وجوهرية، و هي أن السبب في شقاء المُدن و فقرها، هو تجميد الطاقة النسوية واختزالها في الحضانة والاعتناء بالبيت وخدمة الأزواج والسهر على راحتهم . فكيف لا يكنّ سببا في شقاء المدن، و هنّ يُشكلن حسب ابن رشد ثلثي السكان ؟ و كيف لا يكون المجتمع أعرجا ما دام هذا العدد الهائل من السكان يرزح تحت وطأة البطالة والتغييب الكلي من المشهد السياسي الاقتصادي للمدينة ؟

يقول : ” و إنما زالت كفاية النساء في هذه المدن (= مدن الأندلس)، لأنهن اتُّخذن للنسل دون غيره وللقيام بأزواجهن، و كذا الإنجاب و الرضاعة و التربية، فكان ذلك مُبطلا لأفعالهن [ الأخرى ] . و لما لم تكن النساء في هذه المدن مهيأت على نحو من الفضائل الإنسانية، كان الغالب عليهن فيها أن يُشبهن الأعشاب، و لكونهن حملا ثقيلا على الرجال صِرن سببا من أسباب فقر المدن . و بالرغم من أنهن ضِعف عدد الرجال، فإنهن لا يقُمن بجلائل الأعمال الضرورية، وإنما ينتدبن في الغالب لأقل الأعمال كما في صناعة الغزل والنسج عندما تدعوا الحاجة إلى الأموال بسبب الإنفاق، و هذا كله بيّن بنفسه “[4].

تؤلف الأوضاع السياسية والاجتماعية في الأندلس؛ سياقا مهما نفهم في إطاره، النمو الوافر الخصيب على نحو فريد للمشروع الإصلاحي الرشدي خلال تلك الفترة، فهي فلسفة ملتزمة سياسيا، وموجة عميقة وجدية تعكس الاعتلال والاضطراب الذي ساد في الأندلس وضرورة تجاوزه، حيث وضع نُصب عينيه وهو يُشخّص هذه المسألة أهدافا إصلاحية تروم النهوض بوضعية المرأة، مؤكدا أن جمهور النساء يعيش على هامش الحياة الاقتصادية جرّاء الإقصاء الممنهج ضدهن . وهو ما جعلهن يُشبهن الأعشاب الطفيلية التي تستهلك دون أن تنتج.

يتبين لنا ونحن نتابع التناول الرشدي لهذه المسألة، أنه قد سلك طريق المحاججة في إقناع الرجل بضرورة انخراط المرأة في العمل وفي بناء المجتمع، فأكد أن المرأة التي لا تعمل عالة على الرجل، لأنها تلحق به الأذى اقتصاديا واجتماعيا .

والظاهر أن إستراتيجية ابن رشد في بعث الثقة في قُدرات المرأة، تقوم على نسف المُرتكزات النظرية التقليدية التي تُعتمد في إقصاءها من كل مشاركة في الحياة العامة. و لأجل ذلك نراه يوجه سهام نقده القاسي إلى المجتمع الأندلسي ( الأبيسي ) -إن شئنا القول- الذي لم يُحسن معاملة المرأة، كما لم يُهيأها للقيام بالأعمال الجليلة؛ داعيا إلى القطع مع الصورة النمطية التي نُسجت عن المرأة والتي تقوم على حجج واهية ومضللة، بل إنها فاقدة لكل مصداقية ومشروعية، و بهذا يكون فيلسوفنا قد خاطب النزعة الذكورية بخطاب عقلاني واقعي، إذ ركز على المسألة الاقتصادية التي تهمهم أكثر من غيرهم، فالمرأة التي لا تشتغل لا يمكنها أن تُعين بعلها، و بالتالي فهي سبب البلاء الذي يصيب الأزواج من حيث لا يعلمون .

أما الملاحظة الرابعة والأخيرة، فتتعلق بالجانب الشرعي. وهو في هذا الباب، يرفض صراحة استبعاد بعض الشرائع للمرأة من أن تكون حاكمة ورئيسة؛ فبالعودة إلى طبيعة المجتمع الإسلامي أنذاك، نجد أن الثقافة السائدة فيه، ثقافة مُتحيّزة ضد المرأة كما أسلفنا الذكر، أضف إلى ذلك، الدور الخطير الذي يلعبه الدين في مجتمع متشبع بالثقافة الدينية ومُتعصب لها إلى أبعد الحدود، غير أن ما ينبغي التنبيه إليه هو براءة الدين من المكانة المتدنية التي وصلت إليها المرأة، ذلك أن تأويلات الفقهاء للنصوص الدينية كانت موجهة لتبرير ثقافة طغى عليها الطابع الإقصائي الممنهج ضد المرأة، لأن الإنسان العادي الذي يرى في المرأة عورة يجب أن يتم سترها، يجد لنفسه تبريرات لدى الفقهاء المتزمتين الذين يخدُمون أجندات سياسية ما دمنا نتحدث عن دولة ” وحداني التسلط “. وهذه التصورات المزعومة يجب التصدي لها، بوصفها فتنة تتستر بالنص المقدس، لتبرر ثقافة الجهل المقدس، و هذا بالضبط ما كان عليه أن يقف في وجهه لأنه تأليب بغير وجه حق للذكور على الإناث .

لقد تصدى ابن رشد وبالقوة اللازمة، لهذه التصورات الرجعية الهدامة للمجتمع، لأنها تتوهم الحفاظ على الطابع النسوي للمرأة و سترها لأنها عورة كما يقول الغزالي، لكنها في حقيقة الأمر تصورات تعمل من حيث لا تدري على تقويض أسس بناء مجتمع تنتفي فيه الفوارق و كل أشكال الفقر والتهميش، لأن استقرار المجتمع من عدمه قد يتوقف على حسن أو سوء معاملة المرأة؛ وفي هذا الخصوص يقول الباحث التونسي فريد العليبي متحدثا عن إحاطة ابن رشد بكل التصورات السائدة سواء بين أوساط عامة الناس أو عند حجة الإسلام : ” لا شك أن ابن رشد كان على اطلاع على مثل هذه الطروحات التي كانت شائعة في عصره، و بلورته لموقف مناقض لها، إنما يعني أنه يقف أيديولوجيا على أرضية مغايرة. منطلقه في ذلك الدفاع عن المرأة وقضاياها، حاشدا الحجج اللازمة لإقناع من يتوجه إليهم بخطابه الفلسفي على نحو خاص بأن ” صلاح المدينة ” يكمن في الكف عن اضطهاد النساء و منحهن دورا في إدارة شؤونها “[5] .

كان لزاما على ابن رشد وهو يتناول الموقف الشرعي من المرأة أن يضع معطف الفيلسوف جانبا ليرتدي معطف الفقيه المسلم الفطن، لأنه وجد نفسه وهو يخوض في القضايا الخلافية، مضطرا للخوض فيها هذه المرة من زاوية فقهية شرعية. يقول : “و لما ظن أن يكون هذا الصنف في النساء منعت بعض الشرائع أن تجعل فيهن الإمامة أعني الإمامة الكبرى، و لإمكان وجود هذا بينهن أبعدت ذلك بعض الشرائع “[6].

يؤكد لنا هذا القول ما قلناه سابقا، عن اعتراضه على استبعاد بعض الشرائع المرأة من أن تكون رئيسة حيث يشير وهو يوظف لفظ ” ظنّ “، إلى أن المسألة لا تتجاوز حدود الظن، و أنها تستند إلى خلفية مشكوك في صحتها . إنها حقا معضلة مقلقة سيحاول ابن رشد أن يجد لها مخرجا بصفته فقيها ضليعا في الفقه، و كان عليه أن يستحضر آراء المذاهب الفقهية المختلفة بخصوص مشكل جواز ولاية المرأة أو عدم جوازها .

إن ” الإمامة ” بمعناها الديني الضيّق مرتبطة بطقوس يؤديها فئة من الناس الذين ينتسبون إلى الديانة الإسلامية تحديدا . و قد رفض جمهور العلماء جواز ” إمامة المرأة “، و أعني الإمامة بمعناها الطقوسي طبعا؛ و قد استندوا في رفضهم هذا، إلى مجموعة من الآيات والأحاديث النبوية، لا نرى سببا في استحضارها، لأن ما يهمنا نحن، هو الموقف الذي اتخذه فيلسوفنا و طريقة تعامله مع الآراء الفقهية . وبعد تتبعنا لآرائه المعبر عنها حول الإمامة الصغرى يمكننا أن نقول، بأن ابن رشد الفقيه؛ لا يمكنه إلا أن يساير ما أجمع عليه جمهور العلماء حول مدى جواز الإمامة للمرأة في ثوبها الديني، و قد جاء هذا التحريم بناء على تبريرات قدمها هؤلاء، حيث بينوا أنه لو كان جائزا لكان في الصدر الأول، كما أن سنتهن في الصلاة هي التأخير عن الرجال؛ و يقول ابن رشد مستحضرا هذه الآراء المتضاربة : ” اختلفوا في إمامة المرأة . فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال و اختلفوا في إمامتها النساء، فأجاز ذلك الشافعي و منع ذلك مالك و شذ أبو ثور الطبري ، فأجازا إمامتها على الإطلاق وإنما اتفق الجمهور على منعها أن تؤم الرجال . لأنه لو كان جائزا لقلنا ذلك على الصدر الأول، و أيضا لما كانت سنتهن في الصلاة التأخير على الرجال علم أنه ليس يجوز لهن التقدم عليهم، لقوله عليه الصلاة و السلام ” أخّروهن حيث أخرهن الله “[7] .

هذا عن موقف ابن رشد الفقيه من الإمامة الدينية. فماذا عن موقف ابن رشد الفيلسوف من الإمامة الكبرى ؟ هل سيلتزم بما أقره الشرع في هذا الباب أيضا ؟

يبدو إذن، أن فيلسوف قرطبة، كان ملتزما بالحدود التي رسمها جمهور العلماء في قضية الإمامة الصغرى، دون أن يعني ذلك أنه يتفق أو يساير هذا التوجه . أما بخصوص الإمامة الكبرى فموقف الشريعة منها لا يختلف عن الموقف المُعبر عنه سابقا في ما يتعلق بالإمامة الصغرى، حيث حرمت عليها أن تتولى زمام السلطة السياسية، و ابن رشد كان ” مُدركا لتحريم الشريعة الإسلامية تولي المرأة الرئاسة (الخلافة أو الإمامة الكبرى ) وهو الفقيه العارف بأصول الدين و أحكامه، فالحديث واضح [ لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ] و الآية صريحة كذلك [ الرجال قوامون على النساء ] ” [8].

واضح أن الأرضية التي يتحرك فيها فيلسوفنا تتباين فيها الآراء و المواقف، بين الرأي الشرعي والرأي الفلسفي بخصوص المسألة المُثارة. لهذا سيترك الرأي الشرعي دون الخوض فيه منصرفا نحو الرأي الفلسفي الذي يقر للمرأة الحق في تولي الرئاسة و غيرها من الأعمال، لأنه لا شيء يُعوزهن عن فعل ذلك . فابن رشد الذي التزم بحدود الشرع في الإمامة الصغرى، لا يريد أن تُعاد الكرّة من جديد على حساب طموحه، و لهذا ” سكت عمدا في تلخيصه لـ ” الجمهورية “عن منطوق المقدس الإسلامي في استبعاده المرأة من تلك الوظائف مع بعض التلميح عند الحديث عن ” بعض الشرائع ” و ما كان بإمكانه أن يفعل أكثر من ذلك في ظل سلطة إيمانية نصية سائدة، و إننا نلمس لديه في علاقته بذلك نزوعا تحرريا يهدم أركان الذهنية الرائجة ” [9].

يمكن إجمال كل هذا في القول بأنه كلما كان الباب الشرعي ضيّقا، إلا و ازداد الباب الفلسفي رحابة و اتساعا، و هو ما أفرز تباينا واضحا بين النظر الشرعي و النظر الفلسفي، فرغم التزام فيلسوفنا بما دأب عليه علماء الفقه بخصوص إمامة المرأة للرجال في المسجد؛ فإنه يتفادى الخوض في قضية الإمامة الكبرى من زاويتها الدينية الحسّاسة، فرجّح كفّة الرأي الفلسفي كنوع من الاجتهاد؛ فإذا أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر هذا الاجتهاد .

و هذا الصمت الذي ينهجه ابن رشد حينا والتلميح حينا آخر، لا ينبغي فهمه، على انه ضعف أو شيئا من هذا القبيل، خصوصا و أننا وقفنا له على آراء جِرّيئة، بالنظر إلى ما يُحيط به من مخاطر في مُجتمعٍ يُموّه الحقائق و يختلق الشائعات، ويمزِج الحق بالباطل، بل يمكننا فهم هذا الصمت على أنه ذكاء منه لأنه لا يُريد أن يوسّع الهوّة بين النظر الشرعي والفلسفي، فيكون بذلك ممن أساءوا إلى الفلسفة وحاربوها من داخل البيت الفلسفي نفسه، ليُفضّل بذلك ترك مشروعه الإصلاحي يطبخ على نار هادئة . إننا اليوم نحتاج أكثر من أي وقت مضى، إلى استلهام روح المواجهة والجرأة التي اتسم بهما ابن رشد، وهو يحاول تفتيت بنية من التصورات المغلوطة حول المرأة في بلده وزمانه، خصوصا وأننا نعيش زمن “الردة” والتراجع عن المكتسبات التي تحققت في هذا المضمار، فقد آن الأوان لنخوضها حربا لا هوادة فيها، ضد الأفكار والمواقف المتزمتة التي لا ترى في المرأة سوى مطرحا لتصريف الرغبات المكبوتة، أو أنها في أحسن الأحوال عورة تثير الفتنة، فوجب سترها اتقاء للشبهات. من هذا المنطلق يحق لنا أن نتساءل عن عدد عورات الرجل التي لا تعد ولا تحصى؟

إنها عورات بصيغة الجمع، وإن أعظمها فكر أعرج.

المراجع والمصادر:

—- الضروري في السياسة: ( مختصر كتاب السياسة لأفلاطون )، نقله عن العِبرية إلى العربية أحمد شحلان، مع مدخل و مُقدمة تحليلية و شروح للمشرف على المشروع، محمد عابد الجابري، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية، 1998 م . ( سلسلة التراث الفلسفي العربي . مؤلفات ابن رشد، 4 )، الطبعة الأولى .

—- ابن رشد: بداية المجتهد و نهاية المقتصد، دار المعرفة للطباعة والنشر – بيروت، الجزء الثاني، الطبعة السادسة، 1402 هـ / 1982 م.

—- فريد العليبي: رؤية ابن رشد السياسية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008 ، (سلسلة أطروحات الدكتوراه،64).

210 – ابن رشد: الضروري في السياسة ( مختصر كتاب السياسة لأفلاطون )، ص 124.

211 – المصدر نفسه ، ص ن .

212 – المصدر نفسه ، ص 125 . 213 – المصدر نفسه ، ص 125 .

214 – العليبي : رؤية ابن رشد السياسية ( سلسلة أطروحات الدكتوراه ،64) ، ص 301 .

215 – ابن رشد:الضروري في السياسة، ص 125.

216- ابن رشد: بداية المجتهد و نهاية المقتصد (الجزء الأول)، دار المعرفة، ص 145 – 146.

217 – العليبي: رؤية ابن رشد السياسية ، ص 279 .

218 – المرجع نفسه ، ص ن .

المصدر: موقع كوة