الرئيسية / دراسات / النبوءات والرؤى والمراثي المتعلقة بفتح المسلمين للقسطنطينية 1453م

النبوءات والرؤى والمراثي المتعلقة بفتح المسلمين للقسطنطينية 1453م

image_pdfimage_print

بقلم: حاتم الطحاوي* — لم يكن الصراع الإسلامي/ المسيحي في العصور الوسطى سياسياً وعسكرياً فقط؛ بل كان صراعا ثقافيا ودينيا اعتمد كافة الأدوات والآليات الثقافية. وهو الأمر الذي تجلى في الصراع العثماني/ البيزنطي الذي حشد فيه الطرفان كافة أسلحتهما من أجل حسمه، بما فيها سلاح النبوءات والرؤى المتعلقة بمدينة القسطنطينية.

على الجانب الإسلامي:

كان حديث الرسول الكريم “لتفتحن القسطنطينية،فلنعم الأمير أميرها، ونعم الجيش ذلك الجيش” – مع الاختلاف على صحة إسناده – هو الوقود الذي قاد حملة مسلمة بن عبد الملك في حصاره للقسطنطينية 717م، وقاد العثمانيين لحصاراتهم المتتالية لمدينة القسطنطينية 1394-1402م، 1422م، ثم حصار واقتحام المدينة 1453م.

“حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة, وسمعته أنا من عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قال زيد بن الحباب قال حدثني الوليد بن المغيرة المعافري, قال حدثني عبد الله بن بشر الخثعمي عن أبيه أنه سمع النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش، قال فدعاني مسلمة بن عبد الملك فحدثته فغزا القسطنطينية”.

وهو الحديث الذي رواه أحمد في مسنده، وابنه في زوائده (4/335), والبخاري في التاريخ الكبير (2/81)، والطبراني في المعجم الكبير (2/81), والحاكم في المستدرك (4/468) عن طريق الوليد بن المغيرة.

وثار خلاف حول صحة هذا الحديث، فقد قال الحاكم؛ إنه صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي؛ بينما ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (778)، وقال: ضعيف بعدما ذكر الاختلاف في اسم عبد الله بن بشر. وقال: “جملة القول أن الحديث لم يصح عندي لعدم الاطمئنان إلى توثيق ابن حيان للغنوي هذا, وهو غير الخثعمي.

كما ضعفه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في تحقيقه للمسند، حيث ذكر الحديث معقبا عليه بقوله: هذا إسناد ضعيف لجهالة عبد الله بن بشر الخثعمي. فقد انفرد بالرواية عنه الوليد بن المغيرة المعافري, ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حيان.

لم يكن ذلك هو الحديث الوحيد -بصرف النظر عن صحته- الذي تنبأ بشكل واضح بفتح القسطنطينية الذي اعتمد عليه المسلمون من أجل فتح المدينة؛ بل إن هناك حديث آخر رواه الإمام البخاري في صحيحه: “قال الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا. قالت أم حرام: قلت: يا رسول الله، أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم. ثم قال النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-: أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر (القسطنطينية) مغفور لهم. فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا”.

كما ذكر أن الأحاديث المتعلقة بفتح القسطنطينية جاءت على نوعين: الأول مطلق وقبل فتح مدينة روما حسب حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

“عن أبي قبيل كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أو روميه؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق. قال: فأخرج منه كتابا قال: فقال: عبد الله بينما نحن حول رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- نكتب إذ سئل رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: أي المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: مدينة هرقل تفتح أولا”. يعني القسطنطينية.

أما النوع الثاني من أحاديث فتح القسطنطينية فيقرن ذلك بفتحها قبيل زمن الدجال ووقت الملحمة،ويكون بالتكبير وينطبق على من يفتحها آخر الزمان.

كما ذكر ابن تيمية أن البخاري قد روى في صحيحه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له. قال: أول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية، وكان معه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه.

ولا يمكن إغفال دور الأحاديث النبوية الشريفة حول القسطنطينية في إثارة حماسة المسلمين لفتحها بداية من القرن الثامن الميلادي، وما الحملات التي قام بها الأمويون إلا تجسيد لمحاولة تحقيق حديث الرسول الكريم، ولعلنا وجدنا ذكرا فيما سبق للقائد الأموي مسلمة بن عبد الملك الذي ضرب حصاره حول المدينة خلال الأعوام 716-718م.

على الجانب المسيحي:

هناك العديد من النبوءات والرؤى المسيحية القديمة المتعلقة بمدينة القسطنطينية منذ نشأتها بأوامر الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع الميلادي.

كما نشأت العديد من النبوءات المتعلقة بسقوطها على يد أعدائها، قبل أن تعود لدحرهم لتستمر دورة حياتها من جديد، كما نشأ العديد من الأساطير حول الإمبراطور ودوره في الدفاع عن القسطنطينية، وعودته لإنقاذ المدينة من جديد.

وكان من الطبيعي أن تحظى مسألة سقوط القسطنطينية عاصمة المسيحية الأرثوذكسية في قبضة العثمانيين المسلمين باهتمام بالغ من المؤرخين المسيحيين المعاصرين، وركز العديد منهم على تلك الرؤي السابقة، فضلا عن الالتفات إلى بعض الشواهد الغريبة والمعجزات التي واكبت سقوط المدينة. ولأنهم اعتبروا أن زوال العاصمة البيزنطية هو حدث استثنائي، فقد تصوروا ضرورة وجود أحداث استثنائية مواكبة لهذا الحدث الجلل.

وعلى سبيل المثال سوف نجد أن رواية الروسينسطور- إسكندر Nestor – Iskendar الذي عاصر أحداث الفتح العثماني للقسطنطينية قد تماهت أحياناً مع بعض روايات شهود العيان الآخرين الذين تحدثوا عن حدوث علامات إعجازية أثناء حصار القسطنطينية أشارت إلى قرب سقوطها في أيدي العثمانيين. من ذلك ذكره ما حدث من علامة أصابت السكان بالرعب يوم 21 من مايو1453م (1)، دون أن يوضح لقرائه طبيعتها أو دلالات حدوثها.

على أنه يمكننا- بعد مقارنة ذلك مع باقي المصادر المعاصرة- أن نفسر ذلك بأنه قصد ما سبق أن أشار إلى حدوثه الطبيب البندقي نيقولو باربارو في السابعة مساء من ليلة 22 من مايو، حيث كان القمر بدرا، قبل أن يتحول فجأة ليصبح هلالاً على الرغم من صفاء الجو وعدم وجود أية غيوم بالسماء. واستمرت هذه الظاهرة لأربع ساعات، بعدها أخذ حجم القمر في العودة لطبيعته ليعود بدراً كاملاً في منتصف الليل(2).

ويبدو أن ذلك كان تأكيداً على النبوءة القديمة التي نسبت للإمبراطور قسطنطين العظيم مؤسس مدينة القسطنطينية، الذي ذكر أن مدينته لن تسقط في أيدي أعدائها أبداً إلا عندما يتحول القمر إلى بدر معتم (3). ويعكس هذا ثقافة المؤرخين المستقاة من الأساطير السابقة المتعلقة بنشأة وسقوط مدينة القسطنطينية في الفكر البيزنطي.

ويتبع نسطور-إسكندر كلماته عن حدوث تلك العلامة المرعبة يوم (الاثنين) 21 من مايو بإشارته إلى أنه في عشية يوم الجمعة التالي 25 من مايو1453م، ظهر ضوء ساطع في سماء القسطنطينية، وعندما تجمع السكان حول كنيسة أيا صوفيا شاهدوا لهباً يتصاعد محيطاً بالصخرة الداخلية للكنيسة، ومتجمعاً في لسان واحد، ليشكل ضوءً لا يمكن وصفه قبل أن ينطلق نحو السماء بسرعة فائقة(4).

وانعكس ذلك على السكان الذين شعروا بالرعب والفزع، وفسروا ذلك بأن الروح القدس قد غادرت المدينة، وصعدت نحو أبواب السماء المفتوحة، مما يعني أن رحمة الرب قد تخلت عن القسطنطينية”… لقد رغب الرب في تسليم مدينتنا إلى العدو”(5).

وبإعادة قراءة ذلك بشكل موضوعي نجد أن نسطور- إسكندر قد اتفق تماماً مع باربارو في ذلك. غير أن قراءة متأنية للهوامش التي وضعها كل من الأستاذين Hanak, W. K وPhilippides, M ناشري كتابه تعليقاً على ذلك يثبت أن التباساً قد وقع على الأرجح في تلك المسألة. فبعد أن قاما بتفسير علمي لظاهرة الضوء الساطع الذي صعد نحو السماء، بأنه ربما حدث ذلك بسبب توافر ظروف مناخية غير عادية، وربما حدث أيضاً بسبب تجمع جزيئات متكسرة من دخان المدافع مع ظاهرة جوية أخرى، فتسبب ذلك في حدوث نوع من الشحنة الكهربية. فإنهما يجمعان بين رواية باربارو عن البدر المعتم مع ظاهرة الضوء الساطع، ويذكران أنهما حدث واحد جرى يوم 24مايو. وأن باربارو أخطأ في نسبة ما ذكره إلى 21 من مايو (6).

وفي تصوري أن وجه الالتباس هنا أنهما جمعا الظاهرتين (البدر المعتم) و(الضوء الساطع) – على ما بينهما من تناقض- في ليلة واحدة. كما أرى أن رواية باربارو عما جرى ليلة 22 من مايو أكثر صدقاً، والدليل على ذلك يأتي بعمل مقارنة سريعة لجدول الأعوام الميلادية وما يقابلها من الأعوام الهجرية, لنجد أن يوم 21مايو 1453م يوافق يوم 13 من جمادى الأول 857هـ(7)، وهو ما يثبت بالتالي أن القمر كان بدراً بالفعل حسب رواية الطبيب البندقي.

ويبدو أن نسطور- إسكندر قد أراد أن يوحي لقراء روايته بأن صدى العلامة المرعبة أو البدر المعتم قد وصل إلى المعسكر العثماني, فزعم أنه عندما شاهد السلطان الفاتح الظلام يلف المدينة،سأل المنجمين في معسكره عن معنى ذلك, فأجابوه”.. إنها علامة كبرى، إن المدينة محكوم عليها بالموت”(8).

كان من الطبيعي بالنسبة لمؤرخنا المسيحي الأرثوذكسي -الذي بدأ رحلته من أجل زيارة الأماكن ذات القداسة المسيحية في مدينة القسطنطينية- أن يهتم بنبوءات العرافين حول المصير النهائي لعاصمة الأرثوذكسية الأوربية؛ لهذا نجده يشير إلى النبوءة التي نسبت لميثوديوس من باتاراMethodios of Patara في القرن الرابع الميلادي(9)، التي ثبت لاحقاً أنه تمت كتابتها بواسطة أحد الرهبان السريان هو ميثوديوس المزيف Pseudo- Methodios، الذي هاجر إلى الإمبراطورية البيزنطية بعيد الفتح الإسلامي لبلاد الشام في القرن السابع الميلادي(10). خاصة الجزء الذي تعلق منها بصحوة المسيحية من جديد وقيام الإمبراطور البيزنطي بهزيمة المسلمين ومطاردتهم حتى الجزيرة العربية.

و الحقيقة أن تلك النبوءات مثلت ملاذاً للسكان البيزنطيين، فمن ناحية قررت حتمية سقوط المدينة من قبل. كما أنها بشرت أيضا بإمبراطور مسيحي سوف يقوم من جديد باسترداد القسطنطينية وطرد المسلمين حتى بلادهم.

ويمكننا أن نؤكد أن هذه النبوءة كان لها مصداقية كبرى عند السكان المسيحيين بدليل أنها استمرت حتى بعيد سقوط مدينة القسطنطينية. ولدينا وثيقة عبارة عن خطاب أرسله أحد رجال الكنيسة في 26 من يوليو 1453م؛ أي بعد شهرين تماماً من الفتح العثماني، مناشداً صديقه في مدينة (Ainos Enez) الحالية أن يرسل له نسخة من الكتاب الذي يحكي نبوءة ميثوديوس؛ لأنه في أشد الاحتياج له من أجل استيعاب ما حدث (11).

ويمكننا أن نلاحظ أنها النبوءة نفسها التي اعتمد عليها المؤرخ البيزنطي المعاصر دوكاس، دون أن يذكر صاحبها، فقد أشار إلى معرفة سكان القسطنطينية منذ زمن طويل عبر كتابات العرافين أن المدينة سوف تسقط في أيدي المسلمين، وأن الجنود البيزنطيين سوف يتراجعون حتى عمود قسطنطين، حيث سينزل ملاك من السماء مقدماً سيفه لرجل مجهول، رث الهيئة قائلاً: “تناول هذا السيف واثأر لشعب الرب”. وعندها سوف يقوم بهزيمة المسلمين وردهم على أعقابهم، حتى تخوم بلاد فارس حيث المكان المسمى Monodendrion(12).

لم يختلف نسطور/ إسكندر كثيراً عن باقي المؤرخين المسيحيين الذين رفعوا من قدر النبوءات القديمة ودورها في سقوط مدينة القسطنطينية. وبدلاً من الإشارة إلى طبيعة العلاقات العثمانية البيزنطية منذ القرن الرابع عشر الميلادي حتى قبيل الفتح العثماني للمدينة؛ حيث كانت كل الدلائل تشير إلى تنامي القوة العثمانية على الصعيدين السياسي والعسكري، مقابل التراجع الشديد لدور الإمبراطورية البيزنطية. وهكذا فبدلاً من الإشادة بدور العسكرية العثمانية في تحقيق النصر على البيزنطيين، فإننا نجده يلجأ إلى النبوءات التي تتحدث عن سقوط المدينة. من ذلك إشارته أيضا إلى نبوءة تذكر أن المدينة التي قام بإنشائها الإمبراطور قسطنطين (العظيم) ابن هيلينا سوف تسقط عندما يتولى حكمها إمبراطور يدعى قسطنطين وأمه تدعى هيلينا أيضاً (13)، وهو ما انطبق بالفعل على الإمبراطور الأخير قسطنطين الحادي عشر باليولوغس.

كما سبق أن أشار الأب ليونارد الخيوسي إلى نبوءة أخرى تعزى للإمبراطور ليو الحكيم (886- 912م) حول سقوط المدينة (14) غير أن ما يهمنا هنا هو ما تردد من أن قوماً من أصحاب الشعر الأشقر سوف يهبون لنجدة المدينة وهزيمة المسلمين. وهو ما ورد قديماً في نبوءات الكاهن والعراف Oracle من منطقة Erythraea ببلاد اليونان حول سقوط القسطنطينية. والتي كانت تشير إلى الغربيين (اللاتين)(15).

غير أن نسطور- إسكندر قدم تفسيراً مغايراً لذلك المعنى ليجعل الروس هم أصحاب الشعر الأشقر(16)، ومن الواضح أن ذلك يتفق مع أصوله الروسية، كما أن سقوط القسطنطينية وكنيستها الأرثوذكسية في قبضة العثمانيين المسلمين، جعل مركز ثقل الأرثوذكسية الأوربية ينتقل إلى كنيسة موسكو منذ ذلك الوقت.

وتحفل رواية نسطور- إسكندر بالعديد من العبارات التي لا تعزو سقوط القسطنطينية إلى البراعة العسكرية للعثمانيين؛ وإنما إلى إرادة الرب التي حدثت بسبب خطايا وآثام المسيحيين (17)، وهو ما اتفقت عليه روايات شهود العيان المسيحيين الآخرين(18). وزاد ليونارد الخيوسي على ذلك بأن عزا سقوط القسطنطينية إلى عدم إخلاص سكان المدينة الأرثوذكس في مسألة الاتحاد الكنسي مع كنيسة روما الكاثوليكية(19).

وهكذا اتفق الروسي نسطور-إسكندر مع باقي شهود العيان المسيحيين البيزنطيين واللاتيين في الإشارة إلى النبوءات القديمة التي تناولت مسألة سقوط مدينة القسطنطينية، وإ0لى غضب الرب على سكانها. وكان من الطبيعي أن يكون هذا على عكس ما ذكره شهود العيان المسلمين الذين أرجعوا سقوط المدينة إلى قوة العثمانيين العسكرية وبراعتهم. وهو ما نجده عبر كلمات طورسون بك الذي شارك في أحداث الحصار والفتح العثماني للمدينة”…. تقدمت المدافع، ولم يفق الكفار بعد من صدمتها، ودارت المعركة في كل اتجاه، وتقدم الجنود العثمانيون كالأسود صائحين: الله أكبر…وأخذت السهام تتطاير من البروج،….كما بدت في الساحة قوارير النفط الملتهبة، ورعد المدافع… والحاصل أن نيران المدافع والبنادق وكذا السهام، نزلت عليهم كالمطر ونوازل القضاء”(20).

مرثية المؤرخ البيزنطي المعاصر ميخائيل دوكاس لمدينة القسطنطينية (21):

“أواه أيتها المدينة! يا مدينة المدائن! أواه أيتها المدينة! التي تمثل مركز أركان العالم الأربعة. أيا مجد الدين المسيحي، التي جرى تدميرها بواسطة البرابرة.

أواه أيتها المدينة! لقد كنت الفردوس الثاني الذي تم غرسه في الغرب، كنت الحديقة التي ازدهرت بالعديد من الأشجار المحملة بالفاكهة الروحية! أين فضائلك وجمالك الآن. أواه أيها الفردوس؟ أين قواتك التي بفضل وإحسان الروح القدس قد مكنتك من التمتع بالعقل والجسد؟ أين أجساد حواري الرب التي ظلت طويلاً في هذا الفردوس وازدهرت بشكل سرمدي، من بينها العباءة الأرجوانية، والحربة، والإسفنجة، والمزمار. تلك التي سمحت لنا عندما قمنا بتبجيلها وتوقيرها بأن نؤمن بأننا نراه ينهض من فوق الصليب؟. أين رفات القديسين؟ والأباطرة الذين خلفوه؟!..

إن الشوارع، ومداخل المباني، والطرق المتقاطعة، والحقول وبساتين الكروم التي كانت قد زخرت برفات القديسين تزخر الآن بأجساد الرجال من أصحاب المكانة والمراتب العليا والدنيا، وبالرهبان والراهبات المقدسين. يا لها من خسارة فادحة ومحزنة!” إن جثث عبيدك أيها الرب، قد تم إلقائها لتصبح طعاماً لطيور السماء، وتفرقت أجساد قديسيك حول صهيون الجديدة لتقوم الحيوانات المتوحشة بنهشها، دون أن يستطيع أحد مواراتها في التراب”.

واحسرتاه على الكنيسة (أيا صوفيا)، تلك السماء الأرضية، والمذبح السماوي، ذلك المكان المقدس، صاحبة المجد من بين كافة الكنائس! واحسرتاه على الكتب المقدسة، التي أوحى الرب بها. النواميس الجديدة والقديمة والألواح التي كتبت بإصبع الرب! واحسرتاه على الإنجيل الذي قيل بواسطة فم الرب نفسه. الأحاديث المقدسة التي تلّفظ بها الملائكة الذين اتخذوا هيئة بشرية، عقائد البشر التي ألهمها الروح القدس. ووصايا الأبطال أنصاف الآلهة!.

واحسرتاه على الإمبراطورية، على الشعب، على الجيش الضخم الذي لا يمكن حصره. كل ذلك ذهب إلى الأبد؛ مثل سفينة أغرقها الموج في بحر مضطرم! واحسرتاه على المنازل وعلى الأمكنة جميعاً وعلى الجدران المقدسة بالمدينة!.

إنني اليوم أناشدهم جميعاً وأوجه نُواحي تجاههم، كما لو كانوا موجودين جميعاً على قيد الحياة، مقتدياً بالنبي أرميا Jeremiah في مثل تلك المأساة الحزينة (22).

“كيف جلست وحدها المدينة الكثيرة الشعب، كيف صارت العظيمة في الأمم كأرملة!. السيدة في البلدان صارت تحت الجزية، تبكي في الليل بكاء ودموعها على خديها، ليس لها معزّ من كل محبيها. كل أصحابها غدروا بها، وصاروا لها أعداء. قد سبيت يهوذا من المذلة ومن كثرة العبودية، هي تسكن بين الأمم، لا تجد راحة، وقد أدركها طاردوها بين الطرقات. طرق صهيون ناحت لعدم الآتين إلى العيد، كل أبوابها خربة، كهنتها يتنهدون. عذاراها ذليلة وهي في مرارة. نجح أعداؤها لأن الرب قد أذلها لأجل كثرة ذنوبها. ذهب أولادها إلى السبي قدام العدو، وقد خرج من بنت صهيون كل بهائها. صارت رؤساؤها كأيائل لا تجد مرعى فتسير بلا قوة أمام الطارد. قد ذكرت أورشليم في أيام مذلتها وفقدها كل مشتهياتها التي كانت في أيام القدم عند سقوط شعبها بين العدو وليس من يساعدها. رأتها الأعداء قد ضحكوا على هلاكها. قد أخطأت أورشليم خطيئة من أجل ذلك صارت رجسة. كل مكرميها يحتقرونها لأنهم رأوا عورتها، وهي أيضاً تتنهد وترجع إلى الوراء (23).

“بسط العدوّ يده على كل مشتهياتها. فإنها رأت الأمم دخلوا مقدسها الذي أمرت ألا يدخلوا في جماعتك، كل شعبها يتنهدون ويطلبون خبزاً. دفعوا مشتهياتهم للأكل لأجل رد النفس. انظر يا رب وتطلع لأني قد صرت محتقرة”(24).

“أما بالنسبة إليكم يا جميع عابري الطريق، تطلعوا وانظروا إن كان حزن مثل حزني، الذي صنع بي، الذي أذلني به الرب يوم حمو غضبه. من علاه أرسل ناراً إلى عظامي فسرت فيها مثل شبكة لرجلي. ردني إلى الوراء جعلني خربة، إنني اليوم كله مغمومة”(25).

“رذل السيد كل مقتدر في وسطى، دعي على جماعة لحطم شبابي. داس السيدة العذراء بنت يهوذا معصرة”. “صار بني هالكين لأنه تجبّر بالعدو”(&).

“بار هو الرب لأني قد عصيت أمره، اسمعوا يا جميع الشعوب وانظروا إلى حزني، عذاري وشباني ذهبوا إلى السبي. ناديت محبي. هم خدعوني. كهنتي وشيوخي في المدينة ماتوا إذا طلبوا لذواتهم طعاماً لبردوا أنفسهم”(27).

“سمعوا أني تنهدت”(28). ” صار السيد كعدو، ابتلع إسرائيل. ابتلع كل قصوره، أهلك حصونه، وأكثر في بنت يهوذا النوح والحزن”.

“حصر في يد العدو أسوار قصورها، اطلقوا الصوت في بيت الرب كما في يوم الموسم”(29).

“انظر يا رب وتطلع بمن فعلت هكذا، أتأكل النساء ثمرهن أطفال الحضانة، أيقتل في مقدس السيد الكاهن والنبي. اضطجعت على الأرض في الشوارع الصبيان والشيوخ. عذاري وشباني سقطوا بالسيف. قد قتلت في يوم غضبك. وذبحت ولم تشفق”(30).

“أتم الرب غيظه، سكب حمو غضبه، وأشعل ناراً في صهيون فأكلت أسسها”(31). ” اذكر يا رب ماذا صار لنا. اشرف وانظر إلى عارنا. قد صار ميراثاً للغرباء. بيوتنا للأجانب. صرنا أيتاماً بلا أب أمهاتنا أرامل”(32). ” على أعناقنا نضطهد، نتعب ولا راحة لنا”(33).

“آباؤنا أخطأوا، وليسوا بموجودين ونحن نحمل آثامهم. عبيد حكموا علينا، ليس من يخلص من أيديهم”(34).

“جلودنا اسودت كتنور من جري نيران الجوع”(35).

“أخذوا الشبان للطحن، والصبيان وجدوا تحت الحطب. كفّت الشيوخ عن الباب والشبان عن غنائهم. مضى فرح قلبنا، صار رقصنا نوحا، سقط إكليل رأسنا، ويْلٌ لنا لأننا قد أخطأنا. من أجل هذا حزن قلبنا، ومن أجل هذه أظلمت عيوننا، من أجل جبل صهيون الخرب، الثعالب ماشية فيه، أنت يا رب إلى الأبد تجلس. كرسيك إلى دور فدور. لماذا تنسانا إلى الأبد وتتركنا طول الأيام. أردنا يا رب إليك فنرتد. جدد أيامنا كالقديم”(36).

تلك هي المراثي التي عبر عنها النبي أرميا لدى سقوط مدينة أورشليم في العصور القديمة وإنني أؤمن بأن الروح القدس قد أوحى إليه بحقيقة ما حدث لأورشليم الجديدة أيضاً.

لكن كيف يمكن للسان أن يمتلك القدرة على أن يصف بالكلمات تلك الكارثة التي حلت بالمدينة، ذلك السر المرعب والمخيف. والهجرة القاسية المريرة التي أزف وقتها، وليست من أورشليم إلى بابل وبلاد أشور، لكن هذه المرة من القسطنطينية إلى الشام ومصر وأرمينيا وبلاد فارس، وإلى الجزيرة العربية، وأجزاء من إيطاليا وآسيا الصغرى، وباقي مناطق الإمبراطورية العثمانية.

كيف حدث ذلك؟ قد يجد الزوج نفسه في بافلاجونياPaphlagonia(37)، بينما تساق زوجته إلى مصر، ويتم أخذ أبنائه إلى أماكن أخرى. بحيث يقومون جميعاً بتغيير لغتهم تبعاً للإقليم الموجودين به، ويقومون بتبديل دينهم إلى الزندقة، ومن اتباع كتبهم المقدسة إلى اتباع كتابات وثنية خرقاء.

يا للرعدة. أواه أيتها الشمس. أواه أيتها الأرض! فلتنوحي على شعبنا الذي تخلت عنه عدالة الرب، بسبب ما ارتكبه من خطايا وآثام! إننا لا نستحق أن نرفع عيوننا صوب السماء، دعونا نقوم بخفض عيوننا، ونحوّل وجوهنا نحو الأرض، ونمارس البكاء.

” أنت فقط أيها الرب، وها ذا هو حكمك العادل. لقد ارتكبنا الخطايا والآثام (38)، وقمنا بمخالفة ما أمرتنا به، وارتكبنا الكثير من أعمال الظلم والعدوان على جميع الأمم، ولهذا فقد حق علينا أن نسلم بحكمك الصادق والعادل. والآن فقط نتضرع إليك. اصفح عنا، وجنبنا أية معاناة جديدة أيها الرب”(39).

*********************

الهوامش:

*) أستاذ بكلية الآداب, جامعة الملك فيصل.

1) Hanak,W.K and Philippides,M, The Tale of Constantinople (of its Origin and Capture by The Turks in the year 1453) by,Nestor – Iskendar، Moscow,1988,ch. 47, 63.

2) المصدر السابق, ص159-160.

3) نفسه، ص149.

4) “ The Tale of Constantinople “, ch. 47, p 63.

راجع ما ذكره دولفين, المصدر السابق, ص334، الذي تحدث أيضاً عن صعود ألسنة اللهب والأضواء الساطعة.

5) “The Tale of Constantinople”, ch. 48, 68, pp63, 81.

6) Ibid, p 128. not. 74

ويسميان ظاهرة الضوء الساطع الذي صعد إلى السماء بنار القديس إلموت“St. Elmot Fire“

7) راجع: ويستنفلد، ف, جدول السنين الهجرية بلياليها وشهورها بما يوافق من السنين الميلادية بأيامها وشهورها. ترجمة عبد المنعم ماجد,عبدالمحسن رمضان, القاهرة, 1980م, ص78.

8) “ The Tale of Constantinople “, ch. 70, p 81;

راجع أيضاً: دولفين, المصدر السابق, ص334 الذي أشار إلى الضباب الذي لف سماء القسطنطينية, واستمر من الصباح الباكر حتى المساء.

9) “ The Tale of Constantinople “, ch. 38, 85, 86,pp55, 95, 136-137 not. 103, 104; Dujcev, op. cit, Tom. 3,pp304-308.

10) تألفت نبوءة ميثوديوس من 14 فصلاً عبر أربعة أقسام رئيسة:

(1) القسم الأول: تضمن الفصول السنة الأولى وتعرض لخلق العالم وآدم وحواء حتى إبراهيم وزواجه من هاجر المصرية.

(2) القسم الثاني: تضمن الفصول حتى التاسع ويطلق عليه أسطورة الإسكندر، ويتكون من مقدمة تاريخية ذات مسحة أسطورية من العصرين اليوناني والمقدوني حاول المؤلف خلالها إيجاد أصل حبشي للإمبرطورية البيزنطية.

(3) القسم الثالث: يتضمن حتى الفصل الثاني عشر, ويدور حول ما أسماه “نكبة الإسلام” ويصف فيه ما ألحقه الفتح الإسلامي من دمار في بلاد الشام, وتحول المسيحيين إلى الإسلام.

(4) القسم الرابع: يدور حول المخلص الجديد, الإمبراطور البيزنطي, الذي سيقوم برد المسلمين وهزيمتهم؛ بل ومطاردتهم حتى الجزيرة العربية واحتلال مدينة يثرب Ethribus.

11) عن نبوءة ميثوديوس التي حازت شهرتها الواسعة منذ القرن الرابع عشر الميلادي. راجع:

Palmer, A (ed.), The Seventh Century in The West- Syrian Chronicles, Liverpool, 1993, pp222-242; Hoyland, R.G, Seeing Islam As Others Saw it. A Survey and Evaluation of Christian، Jewish and Zoroastrian Writings on Early Islam, Princeton, 1997, pp263. 270, 295-297; Paul. J, Alexander, The Byzantine Apocalyptic Traditions,London,1985, “The Syriac Apocalypse of Pseudo” Methodius”, pp13-51, Martinez,Francisco Javier, Eastern Christian Apocalyptic in the Early Muslim Period: Pseudo-Methodius and Pseudo-Athanasius (volumes I and II) Ph.D, The Catholical University of America,1985.

وانظر أيضاً: الدراسة المهمة للزميل عبد العزيز رمضان: التناول الأبوكاليبسي للفتح الإسلامي، نبوءة ميثوديوس المجهول نموذجاً, بحث في كتاب: دراسات في التاريخ والحضارة الإسلامية, مجموعة بحوث مهداة للمؤرخ محمود إسماعيل, تحرير عبد العزيز رمضان وخالد حسين, القاهرة, 2009م، ص381-410.

12) “.. إنني أتوسل إليك سيدى العظيم أن ترسل لى كتاب القديس ميثوديوس, سواء أكان في نسخته القديمة أو الجديدة, إذا ما كان لديك نسخة منه،.. من فضلك لا تنس ذلك لأنني أحتاج إليه بشدة”. راجع:

Darrouze, J, “ Lettres des 1453 “, in, Revue des Etudes Byzantines, Tom, XXI, 1963, p91.

13) دوكاس، المصدر السابق, ص277. أشار البروفسور دونالد نيكول إلى أن المكان Monodendrion يدعى أيضاً شجرة التفاح الأحمر (KokkiniMilia), الذي يزعم أنه الموطن الأصلي الذي شهد ميلاد نبي المسلمين. كما أن أسطورة الرجل الفقير الذي سيقوم بإنقاذ الشعب المسيحي ومدينة القسطنطينية وطرد المسلمين منبثقة من النبوءات السابقة. “ The Immortal Emperor”, p101

14) “ The Tale of Constantinople “, ch. 77, p 87; p132, not. 89-90.

وقد ذكرت المصادر المعاصرة وشهود العيان أيضاً تلك النبوءة. راجع:Kritovoulus, op. cit, ch. 269, p 80 . نيقولوباربارو، المصدر السابق, ص128. الذي أشار أيضاً إلى ما أسماه النبوءة الأولى حول سقوط القسطنطينية، حيث كان الإمبراطور قسطنطين العظيم -مؤسس المدينة- يسير على صهوة جواده بالقرب من العمود الواقع بالقرب من كنيسة أيا صوفيا, وأشار بيده شرقاً, باتجاه الأناضول, قائلاً: “إن الشخص الذي سوف يقضي على سوف يأتي من هذا الاتجاه” راجع ص167. انظر أيضا: Nicol,op.cit,pp.75-76.

والحقيقة أن مسألة النبوءات المتعلقة بسقوط القسطنطينية قد راجت قبل نسطور- إسكندر بزمن بعيد. من ذلك ما ذكره مؤرخا الحملة الصليبية الرابعة 1204م: روبرت كلارى وفلهاردوين, اللذان ذكرا وجود عمودين بالمدينة عاش الرهبان والنساك في قلابات أعلاها, ونقش على جدرانهما صور وتهاويل, ونبوءات بما سيجري في القسطنطينية من أحداث. وذكرا أيضا أن استيلاء اللاتين على المدينة كان مدوناً عليهما. راجع: فتح القسطنطينية على يد الصليبيين، ترجمة وتعليق حسن حبشي, القاهرة, 1964م, ص131-132؛ فتح القسطنطينية، ترجمة وتعليق حسن حبشي, جدة 1982م, ص147-148. انظر أيضاً عن نبوءة توماسوموروسيني TomasoMorisini كبير الأساقفة اللاتين في القسطنطينية بعيد الحملة الصليبية الرابعة (1204-1211م) التي ذكرت أن الجنس الذي يحمل الحراب سوف يأتي من مواجهة القسطنطينية، ليقوم بالاستيلاء على مينائها الشهير، وعندها تتم إبادة الجنس البيزنطي. راجع: ليونارد الخيوسي, المصدر السابق, ص129.

15) المصدر السابق, ص128- 129. الذي شرح كيف جرى تقسيم الوثيقة المتعلقة بتلك النبوءة إلى مربعات تبين تعاقب الأباطرة البيزنطيين منذ عهد قسطنطين العظيم وحتى سقوطها، وبمرور الوقت تم ملء جميع المربعات بشكل كامل. على حين ترك المربع الأخير خاوياً من أجل الامبراطور الذي سيقوم بحكم المدينة، التي ستتعرض للفناء بعد أن يتم تتويجه. عن نبوءة ليو الحكيم التي حازت شهرتها خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين. راجع:

Mango, c, “The Legend of Leo The Wise”, in, Byzantium and its Image, History and Culture of The Byzantine, Empire and its Heritage, London, 1984, pp59- 93, esp. pp61, 67, 74, 85.

والحقيقة أن العالم المسيحي الذي شعر بالتهديد الإسلامي كان قد لجأ منذ زمن بعيد إلى الاعتراف بنبوءات عديدة, تنتهى جميعها بصحوة المسيحية من جديد, وقيام الإمبراطور البيزنطي بقهر الفاتحين المسلمين, وطردهم إلى بلادهم. من ذلك نبوءة القديس أندرو سالوس St. Andrew Salos التي تحدثت عن قيام الإمبراطور بإصلاح أحوال مدينة القسطنطينية, قبل أن يتوجه نحو الشرق لإذلال المسلمين, واحتلال أراضيهم من جديد, لدرجة أن مصر سوف تعود لدفع الجزية إلى الرومان من جديد. راجع:

Mango, c, “ The Life of st. Andrew The Fool “, in, Byzantium and its Image,, pp.297-313; Hoyland, op. cit, pp.305-307; Wortley, J, “ The Literature of Catastrophe “, in, Byzantine Studies, vol, 4, pt. 1, 1977, pp1-17; esp. pp3, 10.

الذي يقرر أن انتشار ذلك الأدب في روما الجديدة (القسطنطينية) عن روما القديمة كان بسبب المسيحية, والمقارنة مع تراث العهد القديم.

16) ليونارد, المصدر السابق, ص130, كما أشار أيضاً إلى ما ذكره الأب يواقيمالفلوري Joachim of Fiore (1145-1202م) الذي كتب. “وا أسفاً عليك، المشيدة فوق سبع تلال, صاحبة الأيدي المبتورة, المحرومة من المساعدة”.

17) “The Tale of Constantinople“, ch. 86, 95

حيث يشير إليهم بلفظ Rusie. ويمهد نسطور- إسكندر بتلك الإشارة إلى الدور الذي لعبته موسكو فيما بعد بوصفها روما الثالثة في حماية المسيحية. عن ذلك راجع:

Dujcev, op. cit, pp280- 283, Wolf, R. L, “ The Three Romes: The Migration of an Ideology and The Making of an Autocrat “, in, Myth and Mythmaking, ed. Murray, H. A, Boston, 1959, pp174-198 ; Stremoukhoff, D, “ Moscow The Third Rome: Sources of The Doctrine “, in, Speculum, 28, 1953, pp84- 101.

18) “ The Tale of Constantinople “, ch. 35, p 53. ch.45, p61. ch.50, p67. ch.51, p69.ch.84, p93.ch,89,97.

“… بسبب عقوقنا وعدم تقوانا وعقولنا المخادعة, وبسبب خطايانا وآثامنا التي ملأت قلوبنا، ولأننا لم نستمع إلى وصايا الرب… فكيف يمكن أن نهرب من عقابه “, ” إن الانتصار العسكري للعثمانيين, وسقوط الإمبراطورية البيزنطية إنما هو من الإرادة الإلهية”. “لأننا خطاؤون أيها الرب. وارتكبنا الشرور والآثام تجاه السماء” على الرغم من صلواتنا وتوسلاتنا وتضرعنا إلى الرب. فبسبب خطايانا وآثامنا تم حرماننا من غفران وكرم الرب… لقد جرى كل ذلك بسبب خطايانا وآثامنا.. لقد جلس الشقي محمد على العرش الإمبراطوري “ذكر المسيحيون أن سقوط القسطنطينية إنما مرجعه إرادة الرب”.

19) راجع أيضا على سبيل المثال: نيقولوباربارو, المصدر السابق,ص 167. “…في يوم 29 مايو, آخر أيام الحصار, كان الرب قد اتخذ قراره مع وافر الأسى والأسف للبيزنطيين. لقد أراد الرب للمدينة أن تسقط هذا اليوم في قبضة محمد بك العثماني بن مراد”. “غضب الرب كثيراً نتيجة للظلم الذي حدث بالقسطنطينية، فأنزل عقابه عليها دون رحمة ” Abraham von Ankyra, op. cit, p 53

20) المصدر السابق, ص127, 131, حيث خاطب سكان المدينة قائلاً ” إن ما حدث لكم كان بسبب أنكم فعلتم ذلك (الاتحاد الكنسي) بشكل زائف، وليس بروح صادقة, ولهذا السبب, فقد صب الرب جام غضبه عليكم وأنزل عقابه بكم بأن تسقطوا في أيدي أعدائكم “.. وتصاعد غضب الرب نتيجة لهذا (الاتحاد الزائف بين الكنائس) وأرسل محمدًا، أقوى سلاطين العثمانيين… ليقيم معسكره أمام القسطنطينية”.

21) Tarih-i Ebul-Feth, p55.

راجع أيضا: شهادة الأب ليونارد الخيوسي المصدرالسابق, ص162. الذي يعد شاهد العيان المسيحي الوحيد الذي ذكر أن الجنود العثمانيين كانوا يصيحون أثناء الهجوم: “لا إله الله، محمد رسول الله” وأضاف أن البيزنطيين قد انعقد لسانهم, وأصيبوا بالدهشة والذهول عندما استمعوا إلى تلك الصيحات.

22) اعتمد المؤرخ البيزنطي ميخائيل دوكاس أسلوباً معروفاً في الكتابة التاريخية في العصور الوسطى. وهو إيجاد مشابهة بين الأحداث التي تجري للمسيحيين، وتلك التي جرت لليهود، والتي ذكرها العهد القديم. ويقوم دوكاس في هذه المرثية برثاء مدينته النبيلة، على غرار مراثي إرميا لأورشليم. ويشبه سقوط القسطنطينية وما تعرض له المسيحيون البيزنطيون من أسر على أيدي العثمانيين المسلمين، بما حدث من سقوط أورشليم واليهود أسرى في أيدي نبوخذ نصر فيما عرف بالسبي البابلي.

23) يصنف سفر المراثي ضمن المكتوبات في النص العبري، كما أنه ينتمي إلى المجلات أو اللفائف الخمس. ويقع في نسخة الفولجات اللاتينية بعد سفر أرميا، ولذلك يسمى أحياناً “مراثي إرميا” ويقرأ هذا السفر عادة في التاسع من أغسطس وهو ذكرى خراب أورشليم عام 586 ق.م؛ وذلك لأن موضوعه الأساس رثاء المدينة لخرابها على يد نبوخذ نظر. ويتكون سفر “مراثي إرميا” حسب تحليل النقاد من مجموعة إصحاحات، يتناول الإصحاح الأول موضوع سقوط أورشليم، وما تعيش فيه من ذل على أيدي أعدائها، وطلبها الخلاص من الرب. ويعتقد بعض النقاد أن زمن تأليف السفر يقع بعد السبي البابلي عام 586 ق. م وقبل نهاية السبي 538 ق.م، وقد رتب النقاد الإصحاحات تاريخياً فاعتبروا الإصحاحين الثاني والرابع أقدم الإصحاحات ووضعوا الإصحاحين الثالث والخامس مع بداية الغزو البابلي، وقبل سقوط أورشليم. والإصحاح الأول مع بداية الحصار في 597 ق. م وقبل السقوط.

وعلى الرغم من وجود مراثي شبيهة في آداب الشرق الأدنى القديم مثل رثاء سقوط أور وأكاد، فإن علماء نقد الكتاب المقدس ينفون وجود تأثير خارجي على سفر مراثي إرميا. وإن اعترف بعض النقاد بوجود تأثير داخلي، حيث يظهر في الإصحاحات تأثير سفر إرميا من خلال تكرار الأفكار في السفرين. وتدور فلسفة السفر حول رد الأحداث التاريخية المأساوية إلى خطايا جماعة بني إسرائيل وكهنتها، وأنبيائها الكذبة. وقيام الرب بمعاقبة جماعته لابتعادهم عن وصاياه وخروجهم على طاعته. فهو الذي أتى بالبابليين ليعاقب شعبه. وسوف تظهر قوته في قوة البابليين، وهو الذي سيخلّص شعبه في الوقت المناسب لمشيئته. انظر: محمد خليفة حسن، مدخل نقدي إلى أسفار العهد القديم، ص224-226.

24) مراثي إرميا، الإصحاح الأول، 1-8.

25) مراثي إرميا، الإصحاح الأول: 10-11.

26) مراثي إرميا، الإصحاح الأول: 12-13.

27) مراثي إرميا، الإصحاح الأول، 15، والسطر الأخير من 16.

28) مراثي إرميا، الإصحاح الأول: 18-19.

29) مراثي إرميا، الإصحاح الأول: 21.

30) مراثي إرميا، الإصحاح الثاني، 5، والسطر الأخير من 7.

31) مراثي إرميا، الإصحاح الثاني: 20-21.

32) مراثي إرميا، الإصحاح الرابع: 11.

33) مراثي إرميا، الإصحاح الخامس: 1-3.

34) مراثي إرميا، الإصحاح الخامس: 5.

35) مراثي إرميا، الإصحاح الخامس: 7-8.

36) مراثي إرميا، الإصحاح الخامس: 10.

37) مراثي إرميا، الإصحاح الخامس: 13-22.

38) بافلاجونيا هو إقليم بيزنطي كان يقع شمال أسيا الصغرى بين مدينة غلاطية القديمة والبحر الأسود.O. D. B, vol, 3, p 1579.

39) يعترف دوكاس هنا – في تكرار واضح – بأن المسيحيين البيزنطيين ينالون الآن قدرهم السيئ؛ لأنهم عصوا الرب، وارتكبوا العديد من الخطايا والآثام. وهو يرجع هنا أيضاً، مع التورية، إلى ما ورد في مراثي إرميا، الإصحاح الرابع: 13، 22 ” من أجل خطايا أنبيائها وآثام كهنتها السافكين في وسطها دم الصديقين” “قد تم إثمك يا بنت صهيون، لا يعود بسببك، سيعاقب إثمك يا بنت أدوم ويعلن خطاياك”.

40) يتوجه دوكاس هنا بالدعاء إلى الرب، ليرفع المعاناة عن المسيحيين البيزنطيين، متمثلاً ما ورد في مراثي أرميا، الإصحاح الخامس: 30-32 “لماذا تنسانا إلى الأبد. تجلس كرسيك إلى دور فدور. لماذا تنسانا إلى الأبد وتتركنا طول الأيام، أرددنا يا رب إليك فنرتد. جدد أيامنا كالقديم، هل كل الرفض رفضتنا، هل غضبت علينا جداً”.

المصدر: مجلة التفاهم

(Visited 17 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Ashura rituals

الشعائر الحسينية: منهج التطبيق

الشعائر الحسينية: منهج التطبيق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification