الرئيسية / الإسلام السياسي / هجمات طهران ونظرية المؤامرة

هجمات طهران ونظرية المؤامرة

image_pdfimage_print

بقلم: حسن أبو هنية– تشكل نظرية المؤامرة إحدى أهم المقاربات التفسيرية شيوعا وانتشارا في فهم التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وقد تنامت مقاربة المؤامرة مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وانتشاره في بلدان عديدة، حيث تبادلت أطراف الصراع المحلي والإقليمي والدولي نظرية المؤامرة باتهام بعضها بالوقوف خلف نشوء «داعش»، فالرواية المفضلة لدى المحور الإيراني تنص على أن تنظيم الدولة صنيعة أميركية صهيونية خليجية، بينما تشدد السردية الخليجية المقابلة على أن التنظيم صنيعة إيرانية، وفي غياب منابر علمية تتحول المنصات الإعلامية إلى أحد أهم مصادر المعرفة لدى الجمهور في بيئة اجتماعية أسطورية ما قبل علمية رغم انتشار التعليم.

أحد أهم حجاجات نظرية المؤامرة في علل صعود تنظيم الدولة ومن يقف خلفه، تتمثل بتكرار السؤال والاتهام، ذلك أن نظرية المؤامرة لا تطرح إجابات، وأسئلتها الأثيرة تبدأ بلماذا لا يهاجم التنظيم باستهدافاته هنا أو هناك، ولسوء الحظ يمكن القول أن التظيم لم يدع مكانا لم يهاجمه، فقد نفذ هجمات في معظم الدول العربية والإسلامية، وبلغت هجماته أميركا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا وغيرها من البلدان، وفي الأثناء كانت إيران بعيدة عن الاستهداف، الأمر الذي ساعد أنصار نظرية المؤامرة على المحور الآخر بالترويج لدعايتهم، رغم أن التنظيم يخوض صراعا مميتا مع الحرس الثوري الإيراني والمليشيات الشيعية التابعة له في العراق وسورية.

يعتقد البعض أن نظرية المؤامرة يمكن تقويضها في حال تعرضت الدولة محور المؤامرة للهجوم من طرف من يتهم بالتآمر معها، لكن ذلك غير صحيح؛ حيث ستصبح الهجمات إحدى الركائز الجديدة للمؤامرة بالقول أن ما حدث هو محاولة بائسة لخلط الأوراق والتعمية على المؤامرة، ولكن بعيدا عن المؤامرة ونظرياتها فقد تعرضت طهران لهجمات مزدوجة استهدفت أسس الجمهورية على الصعيدين الرمزي والسياسي في 7 حزيران 2017، حيث نفذ هجومان في نفس الوقت ضد البرلمان الإيراني وضريح الخميني، مما أسفر عن مقتل 17 شخصًا وإصابة 40 بجروح، وأعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية أن منفذي هجومي البرلمان وضريح الخميني هم إيرانيون التحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية، مشيرة إلى أن خمسة منهم كانوا قد غادروا إيران وشاركوا في عمليات بـالموصل والرقة.

في سياق نظرية المؤامرة عملت إيران على استغلال الهجمات بالهجوم على أميركا والسعودية واتهمها الحرس الثوري بالوقوف خلف الهجمات، وقال وزير الاستخبارات الإيرانية محمود علوي أنه «لا يوجد شك بأن السعودية تدعم المنظمات الإرهابية في العالم، حسب تعبيره، وأن آثارها واضحة في دعم الإرهاب بالعراق وسوريا، وأوضح أن هناك اعتقادا في العالم بأن السعودية هي من وراء التيارات الإرهابية وأنها مركزهم الأيديولوجي».

في حقيقة الأمر لم يكن تبني تنظيم الدولة الإسلامة للهجمات مفاجئا للخبراء والمراقبين، وقد تبنى التنظيم الهجمات في بيان وقال: إن خمسة من مقاتليه نفذوا الهجومين على البرلمان الإيراني وضريح الخميني، مستخدمين بنادق هجومية وقنابل وسترات ناسفة، وقتلوا وأصابوا قرابة 60 شخصا قبل مقتلهم، كما بثت وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم لقطات من الهجوم بكاميرا أحد المنفذين، وبعدها نشرت وكالة «أعماق» وصية مصورة لمنفذي الهجوم، وقال أحد المقاتلين الخمسة إن «هذه الكتيبة هي أول كتيبة تشكل في إيران، ولن تكون الأخيرة»، ودعا المتحدث جميع المسلمين السنة في إيران إلى قتال الشيعة في أي مكان من البلاد، وفي نهاية الفيديو، هدد المتحدث -وهو أحد منفذي الهجوم- السعودية بأن الدور القادم سيكون عليها بعد إيران، وفق قوله، وكانت مجلة «النبأ» التابعة لتنظيم الدولة قد نشرت كنى منفذي الهجومين، وهم: «عبد الرحمن الإيراني، وأبو جهاد الإيراني، وأبو وردة الإيراني، وأبو عبد الله الإيراني، وأبو محمد الإيراني».

تمثل هجمات طهران تحولا خطيرا في مسار الصراع بين إيران وتنظيم الدولة، على الصعيدين الإيديولوجي والعسكري، فالسردية الأساسية لدى تنظيم الدولة تقوم على أساس هوياتي ديني يقوم على احتكار تمثيل السنة ومناهضة وتكفير الشيعة وتأجيج الطائفية، وعلى الصعيد الميداني منذ إعلان التنظيم عن تأسيس الخلافة بعد السيطرة على الموصل في يونيو 2014، كانت حدودها تنظيم الدولة تبعد حوالي 20 ميلاً فقط عن حدود ايران، فقد امتدت الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم الى المحافظة العراقية الحدودية ديالى، مما شكل تهديداً خطيراً على الأمن القومي الإيراني، الأمر الذي أدى إلى تدفق مئات العناصر من الحرس الثوري الإيراني الى العراق لخوض معركتهم الأولى في جلولاء جنباً إلى جنب مع القوات الكردية والعراقية وأعضاء من منظمة بدر العراقية.

لم ينقطع القتال بين إيران وتنظيم الدولة في العراق، وأصبح قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري يشرف بصورة مباشرة على المعارك في العراق وسوريا ويدير المليشيات الشيعية المختلفة من جنسيات عدة، وفي الأثناء كان تنظيم الدولة يعمل على تأسيس خلايا وشبكات وكتائب داخل إيران، حيث أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية في مناسبات عدة خلال العامين الأخيرين بأن المؤامرات الإرهابية داخل حدود البلد قد أحبطت.

الصراع الاستخباري الأمني بين إيران والتنظيم كان في أعلى مستوياته في سباق محموم، وقد أعلنت وكالة أنباء فارس، نقلاً عن مصادر لم تسمها، في 27 سبتمبر 2016، أن قوات الأمن قتلت الزعيم الجديد لداعش في إيران، المعروف بـ أبو عائشة الكردي، وحسب الموقع الإخباري إنه «منذ بعض الوقت وفي مدينة كرمنشاه الحدودية ، قُتل شخص كان من المفترض أن يتم اعلانه أميراً لداعش في إيران، في عملية معقدة وضخمة وشاقة قام بها جنود الإمام المجهولين»، في إشارة إلى عملاء وزارة الاستخبارات، وكان مقتل أبوعائشة وبعض معاونيه قد تكرر مرات عديدة على لسان الأجهزة الاستخبارية والدعائية.

لم يكن القلق الإيراني من نجاح تنظيم الدولة باختراق المجتمع الإيراني السني والإعلان عن تأسيس ولاية في بلاد فارس مجرد دعاية، فقد استثمر التنظيم حالة الأقليات السنية ووجود بعض الحركات الجهادية السنية المناهضة لحكومة طهران وحكم الملالي أمثال حركة جند الله والعدل، وعمل على استقطاب أعداد من الشباب الإيراني السني من الأقليات البلوشية والأهوازية والكردية للقتال في صفوفه تمهيدا للعمل داخل إيران، وقد تطور الجهاز الخاص بإيران منذ بداية العام الحالي، حيث أعلن تنظيم الدولة الإسلامية عن تشكيل قوة جديدة شرقي العراق، تحمل اسم «كتيبة سلمان الفارسي»، تضم في صفوفها إيرانيين، لتكون الأولى من نوعها.

جاء إعلان التنظيم عن تشكيل القوة الجديدة من خلال شريط فيديو مصور من إصدار ولاية ديالى ، في 27 مارس 2017 بعنوان «بلاد فارس بين الأمس واليوم»، تضمن مشاهد لأفراد من الكتيبة أثناء تدريبهم على الرماية، في محافظة ديالى، شرق العاصمة بغداد، تضمن المقطع مشاهد لقيام عناصر من الكتيبة أثناء تصويبهم النار على صور للمرشد الإيراني الراحل «الخميني»، والمرشد الأعلى الحالي علي خامنئي، والرئيس الإيراني حسن روحاني، والجنرال قاسم سليماني، وعرض المقطع أيضاً لقطات لقيام أربعة عناصر إيرانيين من التنظيم بنحر أربعة عراقيين، أحدهم قائد عسكري «في رسالة تهديد لحكومة طهران»، وتحدث في المقطع ثلاثة عناصر إيرانيين من التنظيم هم «أبو الفاروق الفارسي، وأبو مجاهد البلوشي، وأبو سعد الأهوازي»، وحثوا الشعب الإيراني على «الانتفاض في وجه نظام ولاية الفقيه»، ودعوا الإيرانيين في طهران وأصفهان وقم، وغيرها إلى «مهاجمة التجمعات التابعة للنظام الإيراني».

هكذ فإن نظرية المؤامرة تعبر عن بؤسها وبأسها ونفوذها، ذلك أن الجهل والذهنيات الأسطورية لا طاقة لها بالتفاصيل وتنفر من المعرفة وتكتفي بالعناوين، وتلك صناعة يتقنها سدنة الإعلام التضليلي، ففي ظل غياب قدرة تفسيرية علمية للظواهر الاجتماعية الإنسانية تستند إلى تفهم دوافع الفاعلين وفق مبدأ السبب الكافي ماديا ورمزيا، والاستقالة والاستسلام أما التحولات البنيوية العميقة الجارية في العالم العربي، ينسحب العقل التآمري مطمئنا رافضا الأسباب والشروط والظروف الموضوعية التي أدت إلى صعود تنظيم الدولة الإسلامية، متلبسا بخطاب نمطي تبريري يستند إلى مقولة المؤامرة لفهم وتفسير طبيعة ما يجري من تحولات بنائية دخلها العالم العربي منذ بدء فعاليات الربيع العربي.

يقوم خطاب المؤامرة على رؤية معرفية للإنسان والمجتمع العربيين، تتماهى مع الأطروحة الكولينيالية الاستشراقية التي تختزل الإنسان والثقافة والديانة الإسلامية بأنماط ثابتة وجوهرانية، تتسم بالركود والثبات، والعجز عن القدرة على التطور والتحول، والتلبس بإعادة إنتاج الذات، كما أن خطاب المؤامرة أحد أسلحة الأنظمة السياسية السلطوية المحلية في الحفاظ على الوضع القائم، إذ يغدو كل تغيير ثمرة لمؤامرة خارجية، وبهذا لن تسقط نظرية المؤامرة بهجمات طهران أو الرياض أو نيويورك أو باريس أو لندن أو برلين.

المصدر: صحيفة الراي

(Visited 4 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Mawdudi

المودودي وحاكمية الله

المودودي وحاكمية الله

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification