الرئيسية / الإسلام السياسي / آية الله خامنئي.. والربط بين حاكمية الله وحاكمية الشعب

آية الله خامنئي.. والربط بين حاكمية الله وحاكمية الشعب

image_pdfimage_print

بقلم: د. هيثم مزاحم — عام 1966 ترجم مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي الخامنئي، كتاب سيد قطب: «المستقبل لهذا الدين»، من العربية إلى الفارسية، وكتب مقدمة للترجمة، مثنياً على قطب وكتابه ووصف قطب الذي أعدم في تلك السنة، بــ”المفكر المجاهد”. يقول الخامنئي في مقدمته: “هذا الكتاب -على الرغم من صغر حجمه- خطوة رحبة فاعلة على هذا الطريق الرسالي. مؤلفه الكريم الكبير سعى بهذا الكتاب في فصوله المبوبة تبويباً ابتكارياً، أن يعطي أولاً صورة حقيقية للدين، وبعد أن بيّن أنّ الدين منهج حياة، وأن طقوسه لا تكون مجدية إلاّ إذا كانت معبّرة عن حقائقه، أثبت بأسلوب رائع ونظرة موضوعية أن العالم سيتجه نحو رسالتنا وأن المستقبل لهذا الدين”.

ولا شك في أن الخامنئي قد تأثر بفكر سيّد قطب وبنظرية الحاكمية أكثر من تأثر الخميني، مما دفعه إلى ترجمة كتاب قطب “المستقبل لهذا الدين” عام 1966، وذلك قبل ثلاث سنوات من نشر كتاب “الحكومة الإسلامية” للخميني عام 1969، والتي كانت سلسلة دروس ومحاضرات ألقاها على طلابه خلال منفاه في النجف الأشرف. ولا نعلم إن كان الخميني قد تسنّى له قراءة كتب سيد قطب قبل تصنيفه لكتابه ومدى تأثره به في تبنّيه نظرية ولاية الفقيه المطلقة، ونقلها من الكتب والفكر إلى حيز الواقع، علماً بأن النظرية قديمة جداً وقد قال بها فقهاء شيعة قبل قرون عديدة، وبلورها الشيخ النراقي في العصر الحديث.

ولعل من المفيد نقل أبرز أقوال الخامنئي في الحاكمية والولاية:

“الولاية التي أشار إليها نبيّ الإسلام، هي أمر إلهيّ وسماويّ ملكوتيّ، غنيّ عن الجعل والتنصيب”،

“الركيزة الأساسيّة في حاكميّة الإسلام هي أن يكون الشخص الذي يأخذ بولاية الناس من الناس أنفسهم”،

“الولاية تعني الحكومة، لكنها صيغت بتعبير لطيف يناسب شخصيّة الإنسان وشرفه”،

“حقيقة الولاية الإلهيّة تنعكس عبر العلاقة مع الشعب”،

“تنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) للولاية والخلافة من الأهميّة بحيث يكون عدم امتثاله بمثابة عدم امتثال الرسالة”،

“ذرّات الوجود كلّها شاءت أم أبت تدور في إطار ولاية اللَّه”.

معنى التوحيد

يقول خامنئي في خطاب له: “الإسلام دين التوحيد، ومعنى التوحيد هو تحرّر الإنسان من قيود العبودية لأي شيء والتسليم لله وحده.. التوحيد يعني التحرّر من قيود الأنظمة وضروب السلطة البشرية. ويعني التوجه الى الله وحده في طريق تحقيق هدف إنقاذ المجتمع من الظلم والتمييز والجهل وضروب الشرك”.

ويوضح رؤيته للحكومة الإسلامية بقوله: “إن الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه التي أبدعها الإمام الخميني وطرحها أمام العالم، هي تلك الحكومة الإسلامية التي تعني حاكمية الإسلام والدين والشريعة، وهذا المعنى يجب أن يفهم جيداً”.

يرى الخامنئي “أن المجتمع الذي يحمل أفراده إيماناً بالله، ينبغي أن تكون الحكومة القائمة فيه حكومة دينية إسلامية، تطبق التعاليم الإسلامية، وتنفذ الشريعة والأحكام الإسلامية في حياة الناس. وينبغي أن يكون على رأس تلك الحكومة شخص يتمتع بصفتين بارزتين وأساسيتين هما:

أولاً: أن يكون الأعلم بالأحكام والشريعة والفقه الإسلامي.

ثانياً: أن يتمتع بملكة ضبط النفس والسيطرة عليها من الوقوع في المعاصي، وما اصطلح عليه عرفاً بـ(العدالة).. وهاتان السجيتان من الضروري توافرهما في الشخص الذي يريد تطبيق الأحكام الإلهية والقوانين الإسلامية في المجتمع الإسلامي. وقد صرّح دستورنا بشكل واضح في باب (ولاية الفقيه)”.

واللافت في رؤية كل من الخميني والخامنئي هو قولهما في حاكمية الشعب، ودوره في اختيار حكامه، من رئيس للجمهورية، ونواب البرلمان، وأعضاء مجلس الخبراء، من خلال الانتخابات المباشرة.

ولعل قول الخميني والخامنئي بحاكمية الله وحاكمية الشعب أيضاً هو ما يميّزهما عن سيد قطب والمودودي اللذين قالا بحاكمية الله ورفضا حاكمية الشعب، ومن هنا جاءت تسمية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي جمعت بين ولاية الفقيه ونظرية المشروطة أي الدستور والنظام الجمهوري الديمقراطي، بين سلطة الإمام أو المرشد وانتخاب الشعب للقائمين بالسلطات التنفيذية والتشريعية.

يطرح الخامنئي السؤال التالي: كيف يمكن أن تكون الحكومة الإلهية شعبية أيضاً؟ وهل عبارة “الجمهورية الإسلامية” التي تجمع بين الحكومة الإسلامية والحكومة الشعبية، عبارة صحيحة أم فيها شيء من التسامح؟

يرفض الخامنئي الزعم بأن الحكومة الإلهية أو الدينية لا يمكنها أن تكون شعبية، ويؤكد أن الأمرين لا يتناقضان، لأن هذه الحكومة هي الوسيلة الأنجح لتيسير مشاركة الشعب الفعالة في إدارة أموره وتدبير شؤونه. ويشير إلى المشاركة الكبيرة للناخبين في الجمهورية الإسلامية في إيران في الاستفتاء العام على أصل قيام “الجمهورية الإسلامية” وفي انتخابات مجلس الخبراء ورئاسة الجمهورية وغيرها. ويوضح أنه في هذه الحكومة الإلهية، وهذا النظام الإسلامي، بالرغم من وجود إطار إسلامي عام يحدد مسار حركة الشعب، بيد أن للشعب شتى ضروب حق التصرف، ومختلف أنماط الحريات والصلاحيات.

والحكومة الإسلامية –في رأي الخامنئي– لا تشبه أشكال الحكومات الأخرى، فهي ليست استبدادية ولا مطلقة، بل مشروطة، بمعنى أن القائمين بالأمر يتقيّدون بمجموعة من الشروط والقواعد المبيّنة في القرآن والسنّة، لذا كانت الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون الإلهي على الناس. ويكمن الفرق بين هذه الحكومة والحكومات الملكية أو الجمهورية في أن ممثلي الشعب أو ممثلي الملك في تلك الأنظمة هم الذين يشرّعون، في حين تنحصر سلطة التشريع في الإسلام بالله عزّ وجلّ، فالشارع المقدس في الإسلام هو المشرّع الوحيد، وليس لأحد أياً كان أن يشرّع، وليس لأحد أن يقرر وينفذ أي قانون غير حكم الشارع.

ولاية الفقيه وولاية الشعب

يرد نائب أمين عام حزب الله اللبناني: الشيخ نعيم قاسم، على سؤال إن كان هناك اختلاف بين ربط الإمام الخميني بين ولاية الفقيه ودور الشعب، وبين قول الخامنئي بحاكمية الشعب، أم إن الثانية تعد تطوراً للأولى؟ قائلاً: “لا يوجد فرق بين ما طرحه الإمام الخميني (رض) من دور للشعب وبين ما يقوله الإمام الخامنئي من حاكمية للشعب. لعل الاختلاف بالمصطلح ومحاولة إخراجه إلى حيز المناقشة النظرية والعملية، لأنه إذا راجعنا بدقة نجد الإمام الخميني أسس لدور الشعب من خلال اللجوء إليه واستفتائه في كثير من المحطات، حتى إن الشعب هو من وافق على دستور الجمهورية الإسلامية، وعلى حكم جمهوري إسلامي.

وفي المادة (56) يقول الدستور: “الله سبحانه هو الحاكم المطلق على العالم والإنسان، وهو الذي فوّض حق تقرير المصير الاجتماعي، ولا يجوز لأحد سلب هذا الحق الإلهي”.

وفي المادة السادسة من الدستور يقول :”في نظام الجمهورية الإسلامية، الشعب هو مصدر السلطات يمارسها عن طريق الانتخابات، على ألا تكون القوانين متعارضة مع الإسلام”.

وفي المادة (72) من الدستور يقول: “لا يحق لمجلس الشورى الإسلامي سنّ قوانين تتعارض مع مبادئ وأحكام المذهب الرسمي للبلاد مع الدستور”.

ورؤية الخامنئي لحاكمية الشعب جاءت في مقابل الديمقراطية في الغرب، والفرق الأساسي بينهما أن حاكمية الشعب هي أن يقرر الشعب ما يريد تحت سقف الإسلام. أما الديمقراطية فهي أن يقرر الشعب ما يريد دون ضوابط أو سقف يحكمه.

المصدر: ميدل ايست اونلاين، خلاصة دراسة د. هيثم مزاحم ‘نظرية الحاكمية بين سيد قطب وعلي خامنئي”، ضمن الكتاب 124 (مايو/أيار2017) ‘إيران والإخوان الشيعة القطبيون’ الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

(Visited 12 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

khomeini

سؤال العنف في فكر الخميني بين النظرية والتطبيق

سؤال العنف في فكر الخميني بين النظرية والتطبيق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification