البكتاشية: تشيّعوا لآل البيت وقادوا جيوش الدولة العثمانية السنية

بقلم: وسام سعادة

البكتاشية تشيّعوا للأئمة من أهل البيت، لكنهم طافوا ورقصوا وطوّروا تراثاً غنائياً موسيقياً ثرياً من “السماع”. بجلوا الحلاج وجلال الدين الرومي ولم يهتموا بالفقه الجعفري. مسيحيون كثر اعتنقوا الإسلام من خلال دخولهم في طريقتهم، وفي المقابل، عندما أراد “يهود الدونمة” اعتناق الإسلام ظاهرياً، والإبقاء على تمسكهم بدينهم الأصلي “جوانياً”، لم يجدوا أفضل من الانخراط في هذه الطريقة.
مع ذلك، لعبت هذه الفرقة الدور الأساسي في ساحات القتال دفاعاً عن الدولة العثمانية “السنية”، وهيمنت مطولاً على الجيش فيها، إلى يوم أبيدت فيه فيالق الانكشارية في شوارع الأستانة يوم الواقعة الخيرية عام 1826، بتحريض من السلطان محمود الثاني.
أما الرجل الذي تسمّت الأجيال باسمه، الحاج بكتاش، والذي تباع صورته جنباً إلى جنب مع صورة الإمام علي في معظم المدن التركية اليوم، فقدّسه المسيحيّون قبل المسلمين في الأناضول والبلقان، مع أن الدراسات ترجّح أنه مات على مذهب أهل السنّة.
هم اليوم جزء أساسي من المشهد الديني والثقافي، لكن أيضاً السياسي، في تركيا وألبانيا، أما المعالم الأثرية لتكاياهم في القاهرة وبغداد وغيرها من المدن العربية، فيأكلها النسيان.

الاختلاط بين الجنسين والانتشار بين الشعوب

ليس هناك فرقة دينية ذهبت بعيداً في الغاء كل تمييز بين المرأة والرجل عند ممارسة الطقوس والشعائر الجماعية مثلما فعلت الطريقة الصوفية “البكتاشية”. ولما كانت طقوس “البكتاشية” تشمل حلقات الذكر، والرقص الصوفي، والغناء والإنشاد، والتشارك في الطعام والمشرب، تحوّل الاختلاط بين الجنسين إلى مدار افتراء مزمن على أتباع هذه الطريقة التي يتسمّى المريد فيها بـ”العاشق” فـ”المحب” فـ”الدرويش”، أو يصعد في مسالك العارفين، ليصير “البابا”، باب التكية، أو المرشد أو “الخليفة بابا”، في حين يميّز رأس هرم الطريقة بتسمية “الدده بابا”.
تنتشر البكتاشية في يومنا هذا، بشكل أساسي، في تركيا وألبانيا. لا يقل البكتاشيون عن ربع المسلمين في ألبانيا، ولا يتسمون بالعلويين، وقد انتقل مركز الفرقة إلى تيرانا بعد حظرها في تركيا الجمهورية، ثم ما لبث أن اضطهدت في ألبانيا على أيدي الشيوعيين، في حين بقي بكتاشيو تركيا الى جانب الخيارات العلمانية للنظام الجمهوري، رغم حظر فرقتهم، وعملوا من ثم على إعادة مأسسة وتشريع وجودهم.

علويّتان

وفي تركيا، تتماهى الطريقة مع “علويي الأناضول” إلى حد كبير، وتدخل معظم الجمعيات البكتاشية فيها ضمن “الفدرالية العلوية البكتاشية”.
يتراوح عدد “علويو الأناضول البكتاشيون”، بين سبعة ملايين وإحدى عشر مليوناً، ويتوزّعون بين أتراك وأكراد، وهم طريقة في التصوّف الباطني، لا بد من عدم الخلط بينها وبين “العلوية النصيرية”، فالأخيرة طائفة دينية عرفانية، من خارج مقال التصوّف الدراويشي، تأسست في القرن الحادي عشر الميلادي في العراق، وينتشر أتباعها اليوم بين لواء الإسكندرون و”جبل العلويين” في سوريا وشمال لبنان.
“الثالوث” العلوي البكتاشي (الحق – محمد – علي) يختلف عن “الثالوث” العلوي “النصيري” (علي – محمد – سلمان، المرمز له كوكبياً بالقمر والشمس والسماء). وليس في العلوية “النصيرية” تنظيم طرقي هرمي يقارن بمنظومة التكايا البكتاشية، ويحضر في “النصيرية” الاعتقاد بالتقمص وتناسخ الأرواح وهذا غائب في “البكتاشية”.
ولا تقيم العلوية النصيرية اعتباراً تبجيلياً محورياً لمؤسسها، محمد ابن نصير النميري، الذي تعتبره ناقل تعاليمها الأولى عن الإمام الحادي عشر عند الشيعة، حسن العسكري. أمّا البكتاشية فهي تستند بشكل أساسي إلى تركة وخوارق مؤسسها التي تتمازج في سيرته حوادث التاريخ مع عجائب الأسطورة.
تصوّف متشيّع أم تشيّع سنّي؟

“الحاج بكتاش ولي” شخصية صوفية من القرن الثالث عشر الميلادي، هاجرت من خراسان (شرق ايران) إلى الأناضول، والأرجح أنّه تركماني، الأمر الذي سهل انتشار دعوته بين قبائل التركمان في المرحلة السلجوقية، وينسب له البكتاشيون قدر كبير من المعجزات في الكتاب الذي يروي سيرة أولياءهم “ولاية نامة”.
مع ذلك تشدّد الباحثة المرجعية في تاريخ التصوّف، آنا ماري شيمل، على انتماء الحاج بكتاش “السنّي” إلى “سلسلة روحية خراسانية تلتزم بالتسنن الصارم”، وترجّح أن يكون اختلاط تعاليم البكتاشية، التصوفية السنية في الأساسية، بالمعتقدات الشيعية “المغالية” لذوي العمامات الحمر من قبائل القزلباش التركمانية، هو الذي جعل البكتاشية في تركيا تأخذ هذا المسار “المتشيّع” في نهاية الأمر.
يبقى أنّ التشيّع لعلي والأئمة الاثني عشر في البكتاشية لا يقترن باعتماد الفقه الجعفري إلا ما قلّ منه ودل، والتزام معتنقي البكتاشية لقرون بفقه الدولة العثمانية السنيّ الحنفي جعل الرأي منقسماً بين احتساب “البكتاشية” على أهل السنّة، أو احتسابهم كجزء من “العالم الشيعي المتعدد”.
لقرون طويلة أصرّ البكتاشيّون في السلطنة العثمانية على انتمائهم “السنّي”، خاصة مع المؤسس التنظيمي للفرقة، بالم سلطان، مطلع القرن السادس عشر. ومن الناس من اعتبرت هذا “الإندماج بالقالب السنّي” تقية وتورية، ومنهم من اعتبره مزاوجة بين “حب شيعي” لآل البيت، وغربة عملية عن التراث الفقهي للتشيّع، كما أنّ حب آل البيت في البكتاشية، ودمجهم بين النوروز وميلاد الإمام علي، واحياؤهم بشعيرة خاصة وبطعام خاص بهم لذكرى عاشوراء، انما يتكامل مع تبجيلهم لأعلام الصوفية، مثل الحلاج الذي تبدأ طقوس الانخراط في البكتاشية بـ”تعليق المبتدىء في دار المنصور، وهي مشنقة الحلاج”، ومثل جلال الدين الرومي، في حين تتأرجح التقديرات الدراسية حول أثر ابن عربي عند البكتاشية، وحول مدى قولهم بـ”وحدة الوجود”.
وفي البكتاشية تأثير مهم من فرقة “الحروفية”، يتضح خصوصاً بكيفية رسم صور علي والحسن والحسين بتركيبة مشكلة من حروف أسمائهم.

البعد المسيحيّ في البكتاشية

وبخلاف العلوية النصيرية بين أنطاكية وطرابلس، التي كان “مغضوب عليها” في زمن السلاطين، كانت العلوية البكتاشية هي الطريقة الصوفية الأكثر شيوعاً بين فيالق الجند الإنكشارية في الجيش العثماني، بل أنّ الولاء للحاج بكتاش كان شرط الانتساب في الإنكشارية، ولا ينفصل هذا عن التحدّر المسيحي للإنكشاريين الذين كانوا ينتزعون وهم أطفال من قراهم المسيحية في البلقان ثم يعتنقون الإسلام ويختنون، ذلك أن الحاج بكتاش، سواء في الأناضول أو البلقان، كان شخصية مبجلة لدى المسيحيين كما لدى المسلمين، ولعبت البكتاشية دوراً حيوياً في أسلمة أقوام مسيحية بكاملها عبر الزمن العثماني. وعند أهل الطريقة طقوس تذكر بـ”سر الاعتراف” بالمسيحية، لكن تحت عنوان “مغفرة الذنوب”، وتبرك بغمس الخبز بالخمر.
أكثر من ذلك، ينبهنا المؤرخ الفرنسي آلان دوسيلييه إلى أنّ سيرة “ولاية نامة” التي خوارق الحاج وكراماته جعلته قديساً في أعين المسيحيين باسم “القديس خارالامبوس”، وظلّ مسيحيو الأناضول يعتبرونه كذلك حتى مطلع القرن العشرين، ويشاركون المسلمين في الحج الى ضريحه أو تربته في سيناسوس، والتبرّك منه.
بالتوازي، احتضن التراث الشعري البكتاشي جملة من القديسين الشعبيين المسيحيين وفي طليعتهم القديس جاورجيوس، مثلما بجّل البكتاشيّون عدو السلطنة الأول، الشاه اسماعيل الصفوي، وفاخروا بحفظهم شعره، الذي كان يقرظه بالتركمانية، في حين كان خصمه اللدود، السلطان سليم الأول ياووز، يكتب الشعر، بالفارسية!

بكداشية – علوية أو علوية – بكداشية في تركيا اليوم؟

مع حبّهم لاسماعيل شاه، كباقي التركمان في الأناضول، لعب البكتاشيون، كمشايخ طريقة أو كشعراء إلى جانب السلاطين، أو كجنود انكشاريين، دوراً أساسياً في فتوحات السلطنة وحروبها، مع الصفويين أو مع الممالك المسيحية في أوروبا.
تركيا الحديثة اهتمت على سبيل المثال برعاية مقام تربة الشاعر الصوفي البكتاشي غول بابا في بودابست، الذي رافق السلطان سليمان القانوني في فتوحاته. وقد انتشرت البكداشية في الولايات العربية من السلطنة كذلك الأمر، كما لا تزال تدل ألقاب مثل “بكداش” و”مكداشي”، وتحتفظ مصر بحصة أساسية من المعالم الأثرية للطريقة، نظراً لإقامة “سيدي المغاوري” البكتاشي في القاهرة (تكية القصر العيني، تكية قيغوسوز على جبل المقطم…).
واذا كانت البكتاشية في ألبانيا حافظت على نفسها كطريقة صوفية بالدرجة الأولى، فان البكتاشية المتماهية مع “العلوية الأناضولية” في تركيا، قد ضعف فيها الرابط الطرقي التقليديّ، ولم يعد “الدده” هو المرجعية الفعلية لها، بقدر ما انتقلت المرجعية للقيادات السياسية ورؤساء الجمعيات المطالبة بـ”حقوق العلويين” الدينية والثقافية والسياسية، كمثل تشريع دور عبادة خاصة بهم، الأمر الذي تحفّظ عليه رجب طيب أردوغان بشكل قوي قبل فترة، والمطالبة بحق أبنائهم في تعليم ديني مختلف في المدرسة العمومية، عن التعليم الديني السني الحنفي الذي تقدّمه المدرسة العلمانية في تركيا اليوم.

المصدر: رصيف22