الرئيسية / التعددية / قصص الأنبياء في الكتب السماويّة الثلاثة: إشكاليّات الترجمة وعوائق التقبّل

قصص الأنبياء في الكتب السماويّة الثلاثة: إشكاليّات الترجمة وعوائق التقبّل

image_pdfimage_print

بقلم محمّد عبد الوهّاب اليوسفي —
مقدّمة:

تمثّل الترجمة نشاطًا فكريًّا ضروريًّا، يبرّر وجودَه اختلافُ لغات البشر[1]، وغالبًا ما تنهض بوظيفة الوسيط بين تعدّد الثقافات والنموذج لجميع أشكال التبادل، ليس من لغة إلى لغة أخرى فحسب، ولكن من ثقافة إلى ثقافة أخرى؛ بل إنّ الأديان والثقافات، على تنوّعها واختلافها، لا ينبني الحوار بينها، إلّا على أساس الترجمة، بوصفها الآليّة الأولى والمركزيّة التي تحقّق ذلك[2]، وتعدّ القصّة فنًّا سرديًّا موغلًا في القدم، ومرتكزًا، أساسًا، على نقل فعل الحكي، سواء أكان واقعيًّا أو تخيليًّا، غير أنّه يختلف في الممارسة الفنيّة المتجليّة، نصيًّا، باختلاف الثقافات وتنوّعها، ومن هذيْن المنطلقيْن، الترجمة وفعل القصّ، ارتأينا أن نعالج بالدرس مسألة مهمّة في الإرث التوحيدي (اليهودي والمسيحي والإسلامي)، تتمثّل في إشكاليّة ترجمة قصص الأنبياء، ويُبرَّر اختيارُنا هذا الموضوع بالذات، من زوايا عديدة، لعلّ منها؛ الحضور المكثّف للقصص في النصوص التوحيديّة الثلاثة، من العهديْن، القديم والجديد، إلى القرآن؛ إذ يحتلّ مساحة نصيّة واسعة منها، ومنها مدى تأثير عنصر القصص في تشكيل صورة النبيّ، أو الإله[3]، أو الشخصيّة التاريخيّة، إضافة إلى وجود قصص للأنبياء أو لأشخاص تاريخيّة، اشتركت في روايتها الكتب السماويّة الثلاثة، ولا غرابة في وجود مقوّمات مشتركة، أو صلات ارتباط، ونقاط تقاطع وتلاق بينها؛ لأنّها تتنزّل في إطار توحيديّ.

على أنّ اللافت في قصص الأنبياء في النصوص التوحيديّة؛ هو وجود قصص لبعض الأشخاص، تتعاود بين الكتب السماويّة الثلاثة، تأتلف في أمور وفي جزئيّات، وتختلف في أخرى، محكومة بحدود تواصل وقطيعة، لها وقعها وتأثيرها، لا في عمل المترجم المطّلع على الأديان الثلاثة فحسب؛ بل في متلقّي الترجمة أو المتقبّل، وما يهمّنا في هذا البحث؛ هو ذاك الجانب المختلف أو القطيعة بين هذه النصوص الثلاثة، وليس الاختلاف بين النصوص شكليًّا؛ بل هو جذريّ وعميق.

لقد أخبر الكتاب المقدّس بعهديه، عن أشخاص تاريخيّين، واعتبرهم أشخاصًا عاديّين، يتّصفون بكلّ الصفات البشريّة، مثل؛ آدم، ونوح، ولوط، وأيّوب، وداود، وسليمان، ومريم، وفي المقابل؛ قدّم القرآن الأشخاص ذاتهم، ولكن برؤية أخرى، وبأبعاد مختلفة، ترتفع بهم إلى خانة الأنبياء المعصومين من الأخطاء؛ فهناك تطوّر كبير، يرتفع بالشخص من وضع الإنسان العادي الخطّاء في الكتاب المقدّس، إلى وضع الإنسان النبيّ الطاهر من الأخطاء، والنموذج في القرآن.

لن نعالج في هذه الدراسة المجمل والمفصّل في القصص أو الأحداث المذكورة، بتفصيل دقيق، أو تلك التي حُذفت في محلّ ما من النصّ الديني، وذُكرت في محلّ آخر؛ لأنّ مثل هذه العمليّات، محكومة بالأغراض والمقاصد “التي تدفع إلى ذكر بعض الأحداث، وحذف بعضها الآخر”[4]. كذلك، لن نهتمّ ببنية القصص اللسانيّة من (كلمة، وجملة، ونصّ) والأطر المتحكّمة فيها، فلا شكّ أنّ هناك صعوبات جمّة في هذا المجال اللساني، لعلّ من أهمّها؛ تعدّد المعنى بالنسبة إلى اللفظ الواحد، والذي يختلف باختلاف السياق والمقام؛ أي الاستعمال، لا سيما إذا تعلّق الأمر بالنصّ الديني، إضافة إلى أنّه لا يمكن الحديث في أي خطاب عن سياقات واضحة وحسب؛ بل هناك سياقات حافّة وخفيّة، تُسمّى دلالات، ليست كلّها فكريّة، ولكنّها عاطفيّة، وليست متاحة للجميع، ولكنّها خاصّة بفئة ما[5].

ثمّ إنّ الإشكال في هذا البحث، لا يتعلّق بأخطاء الترجمة والصعوبات المتّصلة، مثلًا، بترجمة الحروف المطالع في القرآن إلى لغات أخرى، أو ترجمة ألفاظ بعينها في العهديْن القديم والجديد، قد تمتلك معنى معيّنًا في سياق الثقافة الدينيّة الحاضنة، يصعب التعامل معه باللغة العربيّة التي تمثّل لغة الديانة التوحيديّة الثالثة، التي لها، هي الأخرى، معطياتها وسياقاتها الثقافيّة الخاصّة بها، ولسنا في إطار فحص محاولة في ترجمة متن من متون الكتب السماويّة مرتبط بالقصص الديني، من لغة إلى أخرى؛ بل إنّ عملنا ينبني على مساءلة جوهريّة تتمثّل، في عنصر أوّل، في الكشف عن الإشكاليّات الحافّة بعمليّة ترجمة القصص الديني لشخصيّة من شخصيّات الكتاب المقدّس، والتي أعاد القرآن إنتاجها من جديد، وتشكيلها على نحو مغاير في بعض عناصر القصّة، ثمّ نبرز، في عنصر ثانٍ، أهمّ العوائق القائمة التي تعرقل عمليّة تقبّل النصّ القصصي المترجم من الكتاب المقدّس.

التساؤل في هذا المقال: قائم على الإشكاليّات والعوائق، دون البحث في الآليّات والسبل التي يمكن أن يتعامل بها المترجم مع المختلف من قصص الأنبياء، التي تمثّل إرثًا ثقافيًّا مشتركًا بين الأديان، ودون اقتراح سبل يمكن أن تساعد المترجم على تجاوز إشكال الملامح المختلفة للشخصيّة الواحدة في النصوص الدينيّة.

فهل يقبل العربيّ المسلم القصص الديني المترجم عن الكتاب المقدّس، والذي يحمل في طيّاته بعض العناصر المختلفة في بناء القصّة لشخصيّة من الشخصيّات المشتركة بين الكتب التوحيديّة الثلاثة؟ وهنا، يمكن أن نتساءل عن كيفيّة محو أو تجاوز ذاكرة المتلقّي المسيحي أو اليهودي، المتأسّسة على قصص الكتاب المقدّس، ليؤسّس ذاكرة جديدة مصدرها القصص القرآني؟ وإذا كان بول ريكور يشترط الترجمة شرطًا أساسيًّا لتواصل الثقافات في ما بينها، وحوار الأديان؛ فكيف يمكن أن يتمّ ذلك في إطار ثقافة إسلاميّة، تؤمن بأنّ ما سواها من كتب دينيّة باطل ومحرّف ولا مصداقيّة دينيّة له؟ سوف يقتصر عملنا على اعتماد الكتاب المقدّس، وتحديدًا العهد، باعتباره نصًّا مترجمًا من لغات أخرى، يمكن أن تكون لغات أمًّا أو مصدرًا، والقرآن بوصفه؛ ناطقًا بلسان اللغة الهدف من ناحية، وحاملًا للإرث القصصيّ ذاته، متنًا لهذه المداخلة.

1- الإشكاليّات الحافّة بترجمة القصص الديني في النصوص التوحيديّة:

لقد أكّد الجاحظ على صعوبة عمليّة الترجمة، بصفة عامّة، وترجمة الكتب الدينيّة على وجه التحديد، باعتبارها “كتب دين وإخبار عن الله، عزّ وجلّ، بما يجوز عليه ممّا لا يجوز عليه”[6]، وذلك لما تتطلّب من آليّات عديدة وجهد كبير، ولكنّ الصعوبة الأكبر، تتمثّل في ترجمة القصص الديني المشترك بين الأديان، لا سيما إذا كان حاملًا لبعض عناصر الاختلاف. لقد أشرنا في المقدّمة إلى الحضور المكثّف للقصص[7] في النصوص التوحيديّة، كما “إنّ زخم الحضور الهائل للنصوص القصصيّة في التنزيل، يؤكّد لنا أنّ هنالك امتدادًا وتواصلًا بين التنزيل والكتب السابقة بشكل من الأشكال”[8]، على أنّنا سندرس في هذا البحث؛ أكثر القصص تشابهًا بين هذه النصوص، وقد وقع اختيارنا على قصّة لوط بين العهد القديم والقرآن[9].

سنجري مقارنة بين محتوى قصّة لوط التوراة ولوط القرآن؛ لنتبيّن المؤتلف والمختلف بين القصّتين، ساعين من خلال ذلك، إلى الكشف عن الصعوبات التي تقف عائقًا إزاء عمليّة ترجمة النصّ الديني من لغته الأمّ.

1-1- لوط بين العهد القديم والقرآن:

يبدأ الإخبار عن لوط في السفر الأوّل من العهد القديم المترجم إلى اللغة العربيّة، ويمتدّ هذا الإخبار على أكثر من أصحاح[10]؛ حيث يُذكر نسبه[11]، ومرافقته عمّه أبرامَ في هجرته[12] في أكثر من مكان[13]، ثمّ يخبر عن ممتلكات لوط، من الغنم والبقر، شأنه في ذلك شأن إبراهيم؛ التي كانت سببًا في ابتعاده عن عمّه[14]، ثمّ يذكر العهد القديم الأرض التي اختار لوط ليعيش فيها[15]، وعن تحريره من الأسر من قبل عمّه أبرام[16]، ثمّ يخبر عمّا كان من قومه في شأن الملكيْن ضيفيْ لوط، وما كان من الملكيْن من تدمير سدوم ومن فيها، كردّةَ فعل تجاه سلوك القوم، المتمثّل في السعي إلى مضاجعتهما، باستثناء لوط وبعض أهله[17]. ثمّ يُنهي بقيّة قصّة لوط بخطيئة ابنتيْ لوط: غادر لوط وابنتاه قرية صوغر ليستقروا جميعًا في كهف بالجبل هناك حصلت الخطيئة (31) فقالت الابنة البكر لأختها الصغيرة إنّ أبانا قد شاخ وليس في الأرض حولنا رجل يتزوّجنا كعادة كلّ الناس (32) فتعاليْ نسقيه خمرًا وأقبلت الابنة الكُبرى وضاجعت أباها فلم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها (34) وفي اليوم الثاني قالت الابنة البكر لأختها الصغيرة إنّي قد اضطجعت مع أبي ليلة أمس فتعاليْ الليلة أيضًا نسقيه خمرًا ثمّ أدخلي واضطجعي معه فنُحييَ من أبينا نسلًا (35) فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة أيضًا وأقبلت الابنة الصغيرة وضاجعت أباها فلم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها (36) وهكذا حملت الابنتان كلتاهما من أبيهما (37) فولدت الكبرى ابنا دعته مؤاب (ومعناه من الأب) وهو أبو المؤابيّين إلى اليوم (38) أمّا الصغرى فولدت ابنا ودعته (بن عمّي) (ومعناه ابن قومي) وهو أبو بني عمّون إلى اليوم[18]”. هكذا كانت قصّة لوط في العهد القديم، وما يلاحظ: أنّ لوطا لم يوسم بأنّه من الأنبياء والمرسلين، وتشكّلت له صورة معيّنة، تتأسّس على أنّه “ليس أفضل كثيرًا من زملائه السدوميّين، وقد وُصِف لوط، في موضع آخر، في الأدب التوراتي بـ(فاسق)، ويفترض أنّه اختار الإقامة في سدوم بالتحديد؛ لأنّه انجذب إلى البذاءة السائدة”[19]. وما يلاحظ، في هذا السياق؛ أنّ العهد القديم قد تأثّر بأساطير الثقافات الدينيّة الشرقيّة تأثّرًا كبيرًا، لا سيما في ما تعلّق بإخراج صورة الإله، وصور الأنبياء والشخصيّات الدينيّة[20].

أمّا لوط القرآنيّ؛ فقصّته تماثل القصّة التوراتيّة، باستثناء بعض العناصر المميِّزة، التي يمكن اختصارها في منحييْن اثنيْن، هما: أوّلًا: غياب الجزء الذي انتهت به القصّة التوراتيّة، وهو: شرب لوط الخمر وسقوطه في الخطيئة مع ابنتيْه. وثانيًا: إنّ لوطًا كان مرافقًا للنبيّ إبراهيم وزوجه سارّة، وكان مؤمنًا بعقيدة التوحيد مع إعلانه هجرته إلى الله.

يخبرنا القرآن عن لوط النبيّ، إجمالًا وتفصيلًا، في أكثر من سورة[21]، وأهمّ ما يمكن أن يلاحظ: هو وجود قصّتيْن مختلفتيْن بعض الاختلاف، لا سيما في سورتيْ (هود والحجر)؛ فالقصّة الأولى في سورة هود: تتأسّس أحداثها، كما يلي: تنزل الملائكة على لوط في صورة الضيف؛ فيضطرب حال هذا الأخير النفسي[22]، ثمّ يُقبِل عليه قومه رغبة في إتيان ضيفه، ثمّ يعرض لوط على قومه بناته، حتّى لا يخزى في ضيفه[23]، فيلحّ قومه على إتمام رغبتهم الجنسيّة في ضيفه[24]. يتجلّى بعد ذلك؛ موقف الملائكة المتمثّل في إخبار لوط، بأنّهم رسل ربّه، ونصحهم له بمغادرة المكان، وإعلامهم إيّاه بما سيحلّ بقومه[25]. أمّا القصّة الثانية؛ فتختلف على مستوى ترتيب الأحداث: تعلم الملائكة لوطًا بأنّهم رسل ربّه، وتنصحه بالمغادرة، وتنبئه بالعذاب الذي سيحلّ بالقرية. فكلّ هذه الأحداث جرت قبل مجيء قوم لوط، خلافًا لمجريات الأحداث في القصّة الأولى[26].

ويسند القرآن للوط خصالًا لم تُسندْ له في العهد القديم، مثل؛ الحُكم والعلم، وينجّيه من القرية التي تعمل الخبائث[27]، ثم يبرز لوط رسولًا أمينًا، أرسله ربّه إلى قومه، لينتهوا عمّا كانوا يقترفون من إتيان الذكران، بعد ما كُذّب من قبله بالمرسلين، ولكنّه فشل في ما كُلِّف به، وهُدّد بالطرد من القرية، لكنّ لوطًا يلجأ إلى ربّه لينصفه[28]. هكذا صوّر القرآن لوطًا؛ وهي صورة نمطٌ لأغلب أنبياء القرآن، أو هي مثل صورة محمّد؛ أي مثل نبيّ أرسله الله لإدانة الأشرار[29].

إنّ العناصر المختلفة بين قصّة لوط التوراتيّة، وقصّته القرآنيّة، تمثّل أهمّ الإشكاليّات الحافّة بعمليّة الترجمة، ذلك أنّه لا يمكن أن يتقبّل الضمير الإسلامي، الجمعي والفردي، على حدّ السواء، قصّة لوط التوراتيّة التي تشكّلت في العهد القديم، ومأتى رفضها؛ هو الأسس والأبعاد التي شكّلتها القصّة القرآنيّة، والتي من خلالها بدا لوط نبيًّا حكيمًا؛ فلا يمكن أن يكون لوط نبيًّا، وقد كان ممّن يشرب الخمرة، ويضاجع ابنتيْه[30].

وتجدر الإشارة إلى أنّ الاختلاف بين عناصر القصص المشترك بين الكتب السماويّة، لا يتوقّف عند قصّة لوط؛ فهناك أشخاص آخرون تعاود ذكر قصصهم بين التوراة والقرآن، أو بين الأناجيل والقرآن، مثل: (أيّوب، وسليمان، وعيسى، ومريم)، لكنّ متن قصّة الشخص الواحد، اختلف في بعض الجزئيّات من كتاب سماويّ إلى آخر، وإذا كانت هذه العناصر المختلفة في صلب القصّة الواحدة، بين كتابين منتمييْن إلى خطّ توحيديّ؛ هي من جوهر إشكاليّات الترجمة، باعتبار أنّ العربيّ المسلم إذا ما اطّلع على الوافد المترجم لهذه الشخصيّات، قد يرفضه، لا لاختلافه وحسب؛ بل لأنّه يتنافى مع مفاهيم جوهريّة، تعتبر من بديهيّات الدين، ولا يمكن الخوض فيها بأيّ شكل من الأشكال، ومهما كان انتماؤها، وهو ما سنوضّحه في العنصر الرئيسي الثاني من هذا البحث المتمثّل في عوائق تقبّل الترجمة.

2- عوائق تقبّل تراجم قصص العهد القديم إلى العربيّة:

لا تنحصر عوائق تقبّل المتون المترجمة من قصص الأنبياء المشتركة بين الأديان الموحّدة إلى اللغة العربيّة، في ما يرتبط بالأمور اللغويّة والأسلوبيّة والبلاغيّة؛ بل تنبني على أبعاد أخرى، منها ما له صلة بتاريخيّة الكتب المقدّسة ومصداقيّتها، لا سيما في ما يتعلّق بالتوراة والأناجيل. أخبر القرآن تصريحًا، في أكثر من موضع، عن تحريف أهل الكتاب للتوراة والأناجيل؛ فورد في سورة النساء ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾[31]، وخاطب الله في سورة المائدة أهل الكتاب، بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾[32].

من هذا المنطلق، ووفق الرؤية القرآنيّة؛ فإنّ التوراة والأناجيل وحيٌ إلهيٌّ لم يقع حفظه؛ بل خضع للتحريف، وفق ما أملته ظروف تاريخيّة متنوّعة الغايات، وقد أثبت هذا التحريفَ أكثرُ من باحث غربيّ مشتغل على هذه المباحث[33]، وهذا التحريف للكتاب المقدّس، يستحيل عائقًا، يمنع تقبّل القصص الديني النابع من الكتاب المقدّس في عهديْه.

ومن الأبعاد الأخرى، أيضًا: البعد القيميّ الذي يتأسّس على مبدأ عصمة الأنبياء، وإذا كان القرآن لا يقرّ بهذا المبدأ؛ فإنّ الثقافة العربيّة الإسلاميّة، تنظر في النبيّ على أنّه معصوم من الفواحش[34]؛ بل إنّ “الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، معصومون في زمان النبوّة عن الكبائر والصغائر بالعمد”[35].

يرفض الضمير الإسلامي تمام الرفض، أن يصوّر النبيّ على صورة البشر العادي الخطّاء، الذي يقترف الآثام، ويرتكب الخطايا، والمعاصي، والفواحش؛ فإن كان لوط في العهد القديم في سفر التكوين بشرًا عاديًّا، ولم يحمل رسالة، وكانت مضاجعته لبناته قد لا تثير الأبعاد الأخلاقيّة في المنظور اليهودي، رغم ما يمكن أن تحمله القصّة من تحريف؛ فإنّه، وعلى العكس من ذلك، لا يمكن أن يقبل التصوّرُ الإسلامي مضمون ترجمة قصّة لوط لاعتبارات دينيّة أخلاقيّة، ولا يرتبط المنهج التوراتيّ في تقديم الأشخاص أو الأبطال بشخص لوط وحسب؛ بل “إنّ أسفار العهد القديم التي ورثها النصارى عن اليهود، تنسب لكثير من الأنبياء من الفحش والأعمال القبيحة، ما يتنافى مع وضعهم الديني والاجتماعي، ويمتنع أن يصدر عنهم عقلًا وشرعًا وعادةً؛ بل إنّه ليتعارض مع الخلق الكريم، ولا يمكن أن يتصوّر وقوعه إلّا من سفلة الناس، ممّا يدلّ على أنّ هذه الأسفار قد لعبت بها الأيدي كثيرًا”[36]؛ فالمسألة، إذن، مرتبطة أشدّ الارتباط بمنهج العهد القديم في تصوّر الأنبياء وتصويره إيّاهم، وهو منهج يختلف عن منهج القرآن.

ولقد سعى الفكر الإسلامي في القرون الإسلاميّة الأولى، إلى إيجاد مخارج عديدة لقصّة لوط التوراتيّة؛ فاعتبرها البعض محض، وادّعاء على لوط بالباطل[37]، وهي ضرب من افتراء بني إسرائيل على أنبيائهم: إذ “ما ذكرته التوراة من أنّ لوطًا ضاجع ابنته البكر بعد أن سكر، وضاجع الثانية في الليلة الثانية، وأنّهما ولدتا ولديْن؛ فهو كذب وافتراء على رسل الله، فلوط كغيره من الأنبياء معصوم من الفواحش، وافتراء بني إسرائيل على أنبيائه ورسله كثير؛ فلوط لم يكن شرّابًا للخمر، ولم يكن من الذين يأذن الله بوقوعهم في الفاحشة”[38]. وذهب آخرون سبيلًا آخر؛ فابن كثير أوّل الآيات التوراتيّة المرتبطة بعلاقة لوط مع بناته في نهاية قصّته، وفقًا لما يتماشى مع رؤيته الإسلاميّة، حتّى يغيّر الصورة المشوّهة التي صوّر التوراة للوط في ما ارتبط بمحاولته ثني قومه عن ضيوفه، من خلال عرض بناته عليه[39]، فيقول: «يرشدهم إلى غشيان نسائهم، وهنّ بناته شرعًا؛ لأنّ النبيّ للأمّة، بمنزلة الوالد، كما ورد في الحديث، وكما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾[40]»[41].

ولم تكن الآراء الإسلاميّة في دفاعها عن الأنبياء اعتباطيّة؛ بل مبرّرة، انطلاقًا من النصّ القرآني ذاته، وذلك من خلال تحديد الغرض الذي تأسّست عليه ظاهرة القصّ؛ إذ إن القصّة في القرآن، حسب الثقافة الدينيّة الإسلاميّة، هي: “مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين، ويرشد إلى الحقّ، ويأمر بطلب النجاة”[42]. من هنا؛ تبرز أهميّة وجود عنصر قصص الأنبياء في الديانات التوحيديّة، فهو ليس بالعنصر الاعتباطيّ؛ بل ينهض بوظائف متنوّعة في صلب القرآن، ويرمي إلى تحقيق أغراض متنوّعة، يمكن أن نجمل أبرزها في ما له علاقة بالوعظ أو بالإخبار، ومنها ما له صلة بإيضاح المعنى، وتأكيده، وتقريبه من المتلقّي…. إلخ.

فالله يقصّ أحسن القصص[43] ليعتبر أصحاب العقول[44]، ويحضر القصد بقوّة في قصّة لوط في القرآن، فيرمي الله في سورة هود إلى تثبيت[45] قلب النبيّ محمّد إزاء الضيق الذي ينتابه[46]، وكان المغزى من القصّة ذاتها في سورة الحجر مغايرًا، لما ورد في سورة هود، وهو بيان ما سيحلّ بالمكذّبين من عذاب، كما تؤكّده السورة ذاتها[47].

إنّ توضيح مقاصد هذا التنوّع القصصي في القصّة الواحدة في القرآن، على غاية كبيرة من الأهميّة، ويعتبر من الدقائق المهمّة التي يجب على المترجم أن يلتفت إليها في عمليّة الترجمة، لا سيما إذا تعلّق الأمر بالقرآن؛ إذ هو متعدّد المقاصد، حسب السياق، وحسب الغرض من القصّ، وفي المقابل؛ لا نجد في النصّ التوراتي ذكرًا للغرض من القصّة، لا تلميحًا ولا تصريحًا.

إضافة إلى هذيْن البعديْن؛ يمكن أن نشير إلى أمر في غاية من الأهميّة، يتمثّل في أنّ الثقافة العربيّة الإسلاميّة، دأبت على الظهور بمظهر الثقافة الدينيّة الأرقى، والأكمل مقارنة بالثقافات الدينيّة السابقة لها؛ بل إنّها الأصدق والأرقى، وسعت إلى تقديم صورة مشوّهة عن الثقافات الدينيّة التوحيديّة، انطلاقًا من إبراز مطاعنها، وتقديمها على أساس كونها ثقافات فقدت مصداقيّتها، نتيجة لما خضعت له من شتّى ضروب التحريف، وبدا هذا التمشّي واضحًا في كثير من المؤلفّات الدينيّة الإسلاميّة، التي تدين اليهوديّة والمسيحيّة، وتعتبرهما ديانتيْن محرّفتيْن رغم انتمائهما إلى الديانات التوحيديّة[48].

خاتمة:

إنّ الترجمة، بوصفها شرطًا أساسيًّا لتواصل الثقافات في ما بينها، ولنجاح الحوار بين الأديان، تبدو مطلبًا لا يمكن أن يتمّ إلّا إذا علم المترجم بالسياقات الثقافيّة المتنوّعة، التي تنضوي في إطارها النصوص الدينيّة، ووعى بطبيعة أغراضها، وطابع الرسالة التي تنتمي إليها. فعمليّة اقتطاع النصّ من واقعه التاريخي، وعزله لا يمكن أن ينهض بالوظيفة التي من أجلها تأسّس القصص الديني، إضافة إلى ذلك؛ ينبغي أن يتوفّر الوعي لدى متقبّل الترجمة بأنّ النصوص التوحيديّة الثلاثة، لا تخضع لمنطق الوقائع التاريخيّة وحسب؛ بل هناك أمور أخرى لا يمكن أن يغفل عنها، منها ما يتميّز به النصّ الديني انفتاحه على منظومات معرفيّة متنوّعة مثل الميث، كما أنّها، وإن انتمت إلى خطّ دينيّ واحد؛ هو خطّ التوحيد، واشتركت في أمور عديدة؛ فإنّها مستقلّة عن بعضها البعض في مستوى تمثّل الكون، والإنسان، والمقدّس، ومحكومة بنزعة التطوّر، وهي، في ذلك، لا تلغي بعضها البعض، إضافة إلى أنّ بنية الثقافة الدينيّة التي يُوجّه إليها النصّ المترجم، لها دور أساسيّ في توجيه وعي متقبّل الترجمة؛ فإذا كانت منفتحة على الآخر متحاورة معه، وتعتبر وجودها واحدًا من كثرة؛ فإنّها تقبل المتن المترجم، مهما كان اختلافه معها، ومهما كانت طبيعته، أمّا إذا كانت تدّعي المركزيّة، وتنغلق على ذاتها؛ فإنّها ترفض كلّ ما عداها.

المدوّنة المعتمدة في المقال:

القرآن الكريم.

الكتاب المقدّس (العهدين).

المصادر والمراجع:

– عمر سليمان الأشقر، قصص التوراة في ضوء القرآن والسنّة، ط 1، دار النفائس، الأردن، 1432 هـ/ 2011م.

– علاء الدين علي بن محمّد الباجي (ت 714هـ)، كتاب على التوراة أو الردّ على اليهود، تحقيق: السيّد يوسف أحمد، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان، 1428هـ/ 2007م.

– منصور راشد التميمي، العصمة في ضوء عقيدة أهل السنّة والجماعة، ط 1، مكتبة رشد ناشرون، المملكة العربيّة- الرياض، 1435ه/ 2014م.

– أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الحيوان، تحقيق وشرح: عبد السلام محمّد هارون، ط 2، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1384 هـ/ 1965م.

– فخر الدين الرازي، عصمة الأنبياء، تقديم ومراجعة: محمد حجازي، ط 1، مكتبة الثقافة الدينيّة، القاهرة، 1406 هـ/ 1986 م.

– الرّازي فخر الدين أبو عبد الله محمّد بن عمر بن حسن القرشي (544- 604هـ)، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، ط 1، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، 1401هـ/ 1981م.

– القرطبي محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح (ت 671هـ)، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوّة نبيّنا محمّد عليه الصلاة والسلام، تحقيق: الدكتور أحمد حجازي السقّا، دار التراث العربي، د.ب. ن.، د. ت. ن.

– الحكيم السموأل بن يحيى بن عبّاس المغربي (ت 570هـ)، (من أعاظم أحبار اليهود قبل إسلامه)، بذل المجهود في إفحام اليهود، قدّم له وخرّج نصوصه وعلّق عليه: عبد الوهاب طويلة، ط 1، دار القلم- دمشق، الدار الشاميّة- بيروت، 1410هـ/ 1989م.

– ابن تيميّة أبو العبّاس تقيّ الدين أحمد بن عبد الحليم الحرّاني (ت 728 هـ)، الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح، تحقيق وتعليق: د. علي بن حسن بن ناصر، ود. عبد العزيز بن إبراهيم العسكر، ود. حمدان بن محمّد الحمدان، ط 2، دار العاصمة، الرياض- المملكة العربيّة السعوديّة، 1419 هـ/ 1999م، 7 أجزاء.

– ابن حزم الأندلسي أبو محمد علي (384هـ/ 456هـ)، توراة اليهود؛ عرض جديد لما أورده الإمام ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) عن توراة اليهود وبعض أسفارهم من حيث التوثيق والمغالطات، قدّم له وهذّبه ورتّبه وعلّق عليه: عبد الوهاب عبد السلام طويلة، ط 1، دار القلم، دمشق- سورية، 1425هـ/ 2004م.

– ابن كثير الدمشقي، قصص الأنبياء، وضع حواشيه: محمّد عبد القادر شاهين، ط 2، دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان، 1422ه/ 2001م.

– محمّد أحمد خلف الله، الفنّ القصصي في القرآن الكريم، شرح وتعليق: خليل عبد الكريم، ط 4، سينا للنشر- الانتشار العربي، لندن/ بيروت/ القاهرة، 1999م.

– سماح حمزة، «في النبيّ الإنسان والنبيّ المُنمذج»، حوليّات الجامعة التونسيّة، العدد 55، 2010م.

– محمّد شحرور، القصص القرآني قراءة معاصرة مدخل إلى القصص وقصّة آدم، ط 2، (ط 1، 2010م)، دار الساقي بالاشتراك مع مؤسّسة الدراسات الفكريّة المعاصرة، بيروت- لبنان، ج 1، 2012م.

– محمّد شحرور، القصص الديني قراءة معاصرة، ط 1، دار الساقي، 2012م، ج 2 (من نوح إلى يوسف).

– جوناثان كيرتش، حكايا محرّمة في التوراة، ترجمة: نذير جزماتي، ط 1، نينوى، سورية- دمشق، 2005م.

– Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on the Greek New Testament, Second Edition, New York, United Bible Societies, 1994.

– Roland DUBERTRAND, «vérité et dialogue chez Paul Ricœur, le philosophe et le dialogue des religions», dans: Chemins de dialogue 29, Marseille, 2007. (palimpsestes.fr/morale/livre2/dialectique/crises/ricoeur_culture.html).

– Israel FINKELSTEIN, Neil ASHER SILBERMAN, La bible dévoilée les nouvelles révélations de l’archéologie, traduit de l’anglais par Patrice GHIRARDI, Gallimard, 2004.

– Timothy Freke and Peter Gandy, The Jesus Mysteries: Was the “Original Jesus” a Pagan God ?, Three Rivers Press, New York, 2001.

– Paul RICŒUR, «Cultures, du deuil à la traduction», Le Monde du 25. 05. 2004.

– —————–, Sur la traduction, Bayard, Paris, 2004.

– George STEINER, Après Babel (une poétique de dire et de la traduction), Albin Michel, Paris, 1998.

– George Albert Wells, The Jesus Legend, Open Court, Chicago and la Salle, 1998.

[1]- George STEINER, Après Babel (une poétique de dire et de la traduction), Albin Michel, Paris, 1998, p p 56- 59.

[2]- Paul RICŒUR, «Cultures, du deuil à la traduction», Le Monde du 25. 05. 2004; Roland DUBERTRAND, «vérité et dialogue chez Paul Ricœur, le philosophe et le dialogue des religions», dans: Chemins de dialogue 29, Marseille, 2007, p 217. (palimpsestes.fr/morale/livre2/dialectique/crises/ricoeur_culture.html).

[3] يمكن أن نشير، في هذا السياق: إلى أنّ صور الأنبياء ليست هي فقط التي تأتلف في عناصر وتختلف في أخرى في الكتب السماويّة، بل إنّ صورة الإله في الديانات التوحيديّة، هي الأخرى تختلف، فمن إله يتجسّد لموسى (الخروج 3: 4- 6)، ويكلّمه (الخروج 3: 11- 14- 15)، (الخروج 4: 3- 4- 10- 14- 19- 21)، (الخروج 5: 22)، (الخروج 6: 2- 10- 13-28 …)، إلى إله معلن في الأقانيم الثلاثة في المسيحيّة (الأب والابن والروح القدس)، يتأسّس على مفهوميْ الأبوّة والبنوّة، (متّى 6: 9)، (متّى 28: 19- 20)، (لوقا 23: 34- 46)، انتهاءً إلى إله متعالٍ واحد أحد، الإخلاص [(112): 1- 4].

[4]- محمّد أحمد خلف الله، الفنّ القصصي في القرآن الكريم، شرح وتعليق: خليل عبد الكريم، ط 4، سينا للنشر، الانتشار العربي، لندن/ بيروت/ القاهرة، 1999م، ص 155

[5]- لمزيد التعمّق في هذه الفكرة؛ يمكن العودة إلى:

Paul RICOEUR, Sur la traduction, Fayard, Paris, 2004, p 48.

[6]- أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الحيوان، تحقيق وشرح: عبد السلام محمّد هارون، ط 2، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1384هـ/ 1965م، ص ص 77- 78. يقول الجاحظ في سياق حديثة عن صعوبة ترجمة النصوص، بصفة عامّة، والنصوص الدينيّة على وجه التحديد: “فكيف لو كانت هذه الكتبُ كتب دين وإخبار عن الله، عزّ وجلّ، بما يجوز عليه ممّا لا يجوز عليه، حتّى يريد أن يتكلّم عن تصحيح المعاني في الطبائع، ويكون ذلك معقودًا بالتوحيد، ويتكلّم في وجوه الإخبار واحتمالاته للوجوه، ويكون ذلك متضمّنًا بما يجوز على الله تعالى، ممّا لا يجوز، وبما يجوز على الناس ممّا لا يجوز، وحتّى يعلم مستقرّ العامِّ والخاصِّ، والمقابلات التي تلقى الأخبار العاميّة المخرج فيجعلها خاصيّة، وحتّى يعرف من الخبر ما يكون من الخبر صدقًا أو كذبًا، وما لا يجوز أن يسمّى بصدق ولا كذب، وحتّى يعرف اسمَ الصدق والكذب، وعلى كم معنى يشتمل ويجتمع، وعند فقد أيّ معنًى ينقلب ذلك الاسم، وكذلك؛ معرفة المُحال من الصحيح، وأيّ شيء تأويلُ المحال، وهل يسمّى المحال كذبًا، أم لا يجوز ذلك؟ وأيّ القولين أفحشُ: المحال أم الكذب؟ وفي أيّ موضع يكون المحالُ أفظع، والكذب أشنع؟ وحتّى يعرف المثل والبديع، والوحي والكناية، وفصل ما بين الخطل والهذر، والمقصور والمبسوط والاختصار، وحتّى يعرف أبنية الكلام، وعادات القوم، وأسباب تفاهمهم، والذي ذكرنا قليل من كثير. ومتى لم يعرف ذلك المترجم أخطأ من تأويل كلام الدين، والخطأ في الدين أضرّ من الخطأ في الرياضة والصناعة، والفلسفة والكيمياء، وفي بعض المعيشة التي يعيش بها بنو آدم”.

[7]- يمكن أن نميّز بين أربعة أنواع من القصص: قصص الأنبياء، وقصص متعلقة بالشعوب السابقة على كلّ دين، وقصص مرتبطة بعالم الغيب والكائنات الغيبيّة (الملائكة والشياطين والسحرة)، وقصص رمزيه تروى على ألسنة الحيوانات.

[8]- محمّد شحرور، القصص القرآني قراءة معاصرة مدخل إلى القصص وقصّة آدم، ط 2، (ط 1، 2010م)، دار الساقي بالاشتراك مع مؤسّسة الدراسات الفكريّة المعاصرة، بيروت- لبنان، ج 1، ص 52

[9] في الحقيقة؛ هناك إرث بين الأديان التوحيديّة، اليهوديّة والمسيحيّة، والإسلام مشترك ومتنوّع، منه؛ القصصيّ، والتشريعيّ، ….إلخ.

[10]- (سفر التكوين 11: 27- 31)، و(سفر التكوين 12: 4- 5)، و(سفر التكوين 13: 1- 13)، و(سفر التكوين 14: 12- 16)، و(سفر التكوين 19: 1- 36).

[11]- ينسبه العهد القديم إلى عمّه أَبْرامَ (إبراهيم في القرآن): سفر التكوين 11: 32

[12]- سفر التكوين 12: 4- 5

[13]- سفر التكوين 13: 1

[14]- سفر التكوين 13: 5- 9

[15]- سفر التكوين 13: 10

[16]- سفر التكوين 14: 12- 16

[17]- سفر التكوين 19: 1- 29

[18]- سفر التكوين 19: 31- 38

[19]- جوناثان كيرتش، حكايا محرّمة في التوراة، ترجمة: نذير جزماتي، ط 1، نينوى، سورية- دمشق، 2005م، ص 46

[20]- راجع في ما يرتبط بتاريخيّة العهد القديم، ومدى تأثّره، بما سبقه من ثقافات دينيّة في الشرق:

Israel FINKELSTEIN, Neil ASHER SILBERMAN, La Bible dévoilée: les nouvelles révélations de l’archéologie, traduit de l’anglais par Patrice GHIRARDI, Gallimard, 2004, p p 53- 194.

[21]- [هود (11): 77- 83]، [الحجر (15): 61- 75]، [الأنبياء (21): 74- 75]، [الحجّ (22): 43]، [الشعراء (26): 160- 174]، [النمل (27): 54- 59]، [العنكبوت (29): 28- 35]، [ص (38): 13]، [ق (50): 13]، [القمر (54): 33- 34]، [التحريم (66): 10].

[22]- ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود (11): 77].

[23]- ﴿ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود (11): 78].

[24]- ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود (11): 79].

[25]- ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود (11): 81].

[26]- الحجر (15): 61- 75

[27]- ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء (21): 74]، و﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: (21): 75].

[28]- ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ *** إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ *** فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ *** وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ *** أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ*** وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ*** قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ *** قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ *** رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ *** فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ *** إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ *** ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ *** وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء (26): 161- 173].

[29]- جوناثان كيرتش، حكايا محرّمة في التوراة، ترجمة: نذير جذماتي، ط 1، نينوى، سورية- دمشق، 2005م، ص 46

[30]- سماح حمزة، «في النبيّ الإنسان والنبيّ المُنمذج»، حوليّات الجامعة التونسيّة، العدد 55، 2010م، ص 168

[31]- النساء (4): 46

[32]- المائدة (5): 15

[33]- Bruce M. Metzger, A Textual Commentary on the Greek New Testament, Second Edition, New York, United Bible Societies, 1994, p p 105- 106.

انظر، كذلك: ما ذكر George Albert Wells، في كتابه “The Jesus Legend” من ضروب القراءات المختلفة، لإنجيل لوقا، والتي تكشف عن طرائق التحريف التي مورِستْ عليه. George Albert Wells, The Jesus Legend, Open Court, Chicago and la Salle Illinois, 1998, p p 68-73.

انظر كذلك: Timothy Freke and Peter Gandy, The Jesus Mysteries: Was the “Original Jesus” a Pagan God ?, Three Rivers Press, New York, 2001, p. p. 144- 145.

[34]- أبو محمد علي بن حزم الأندلسي، (384 هـ/ 456 هـ)، توراة اليهود؛ عرض جديد لما أورده الإمام ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل)، عن توراة اليهود وبعض أسفارهم، من حيث التوثيق والمغالطات، قدّم له، وهذّبه، ورتّبه، وعلّق عليه: عبد الوهاب عبد السلام طويلة، ط 1، دار القلم، دمشق- سورية، 1425هـ/ 2004م، ص 409، هامش 1

[35]- فخر الدين الرازي، عصمة الأنبياء، تقديم ومراجعة: محمد حجازي، ط 1، مكتبة الثقافة الدينيّة، القاهرة، 1406 هـ/ 1986م، ص ص 40- 41. سماح حمزة، «في النبيّ الإنسان والنبيّ المُنمذج»، ص 176. انظر أيضًا: منصور راشد التميمي، العصمة في ضوء عقيدة أهل السنّة والجماعة، ط 1، مكتبة رشد ناشرون، المملكة العربيّة- الرياض، 1435ه/ 2014م.

[36]- الحكيم السموأل بن يحيى بن عبّاس المغربي، (ت 570هـ)، (من أعاظم أحبار اليهود قبل إسلامه)، بذل المجهود في إفحام اليهود، قدّم له وخرّج نصوصه وعلّق عليه: عبد الوهاب طويلة، ط 1، دار القلم- دمشق، الدار الشاميّة- بيروت، 1410هـ/ 1989م، ص 170. انظر كذلك: المحاججة التي أقامها ابن حزم، ابن حزم الأندلسي، توراة اليهود، ص 421

انظر كذلك: محمّد شحرور، القصص الديني قراءة معاصرة، ط. 1، دار الساقي، 2012م، ج 2 (من نوح إلى يوسف)، ص 264

[37]- ابن حزم الأندلسي، توراة اليهود، ص 419

[38]- عمر سليمان الأشقر، قصص التوراة في ضوء القرآن والسنّة، ط 1، دار النفائس، الأردن، 1432 هـ/ 2011م، ص 134

[39]- ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود (11): 78].

[40]- الأحزاب (33): 6

[41]- أبو الفداء ابن كثير الدمشقي، قصص الأنبياء، وضع حواشيه: محمّد عبد القادر شاهين، ط 2، دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان، 1422 هـ/ 2001 م، ص 143

[42]- الرّازي فخر الدين أبو عبد الله محمّد بن عمر بن حسن القرشي (544- 604هـ)، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، ط 1، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، 1401هـ/ 1981م، ج 8، ص 92. (تفسير آل عمران (3): 62).

[43]- ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ﴾ [يوسف (12): 3].

[44]- ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف (12): 111].

[45]- في ما يرتبط بقصد تغيّر القصص بحسب تغيّر القصد منه، راجع: محمّد أحمد خلف الله، الفنّ القصصي في القرآن الكريم، مع شرح وتعليق خليل عبد الكريم، ط 4، سينا للنشر/ الانتشار العربي، لندن/ بيروت/ القاهرة، 1999م، ص ص 157- 158

[46]- ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود (11): 12]، ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود (11): 120].

[47]- الحجر (15): 92- 96

[48]- نذكر بعض هذه المؤلّفات المتمثّلة في كتب الردود: أبو محمد علي بن حزم الأندلسي (384 هـ/ 456 هـ)، توراة اليهود عرض جديد لما أورده الإمام ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل)، عن توراة اليهود وبعض أسفارهم، من حيث التوثيق والمغالطات، قدّم له وهذّبه ورتّبه وعلّق عليه: عبد الوهاب عبد السلام طويلة، ط 1، دار القلم، دمشق- سورية، 1425هـ/ 2004م. الحكيم السموأل بن يحيى بن عبّاس المغربي (ت 570هـ): (من أعاظم أحبار اليهود قبل إسلامه)، بذل المجهود في إفحام اليهود، قدّم له وخرّج نصوصه وعلّق عليه: عبد الوهاب طويلة، ط 1، دار القلم- دمشق، الدار الشاميّة- بيروت، 1410هـ/ 1989م. الإمام القرطبي محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح (ت 671هـ)، الإعلام بما في دين النصارى من الفساد، والأوهام، وإظهار محاسن دين الإسلام، وإثبات نبوّة نبيّنا محمّد عليه الصلاة والسلام، تحقيق: الدكتور أحمد حجازي السقّا، دار التراث العربي، د. ب. ن، د. ت. ن. علاء الدين علي بن محمّد الباجي (ت 714ه)، كتاب على التوراة أو الردّ على اليهود، تحقيق: السيّد يوسف أحمد، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان، 1428هـ/ 2007م. أبو العبّاس تقيّ الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة الحرّاني (ت 728 هـ)، الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح، تحقيق وتعليق: د. علي بن حسن بن ناصر، ود. عبد العزيز بن إبراهيم العسكر، ود. حمدان بن محمّد الحمدان، ط 2، دار العاصمة، الرياض- المملكة العربيّة السعوديّة، 1419 هـ/ 1999م، 7 أجزاء. عمر سليمان الأشقر، التوراة والإنجيل في ضوء القرآن والسنّة، ط 1، دار النفائس للنشر والتوزيع، عمّان– الأردن، 1432 هـ/ 2011م، …. إلخ.

المصدر: مؤمنون بلا حدود

(Visited 6 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Interfaith_india

“فقه رؤية العالم والعيش فيه: المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة”

"فقه رؤية العالم والعيش فيه: المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة"

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification