الرئيسية / من نحن؟ / هويتنا / إعلان الأزهر في مؤتمر … المواطَنة والعيش المشترك

إعلان الأزهر في مؤتمر … المواطَنة والعيش المشترك

image_pdfimage_print

بقلم: د. رضوان السيد — جاء مؤتمر الأزهر وإعلانه عن المواطنة والحرية والتنوع والعيش المشترك، بعد إعدادٍ طويلٍ وشاقّ. فقد أراد شيخ الأزهر أنّ يكون المؤتمر فرصةً لتفكيرٍ جديدٍ في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في العالم العربي. ولذا كانت الفكرة التركيز على المدنيين العرب الشبان والكبار من المختصين والمهتمين، وأن يتحدث رجال الدين في الجلسة الافتتاحية، في حين تتوزع بحوث المؤتمر في محاور أربعة يتحدث في كل محورٍ باحثون مسيحيون ومسلمون: محور المواطنة، ومحور الحرية والتنوع، ومحور التجارب والتحديات، ومحور المشاركة والمبادرة. وقد اهتم المتدخلون بمحورَي المواطنة والحريات، لكنني رأيتُ أنّ محور التجارب والتحديات، وكذلك المحور الرابع في المشاركة والمبادرة لا يقلان أهمية. ففي التجارب جرى من جانب عشرات الدارسين تقييم المبادرات التي قام بها الأزهر، والتي قام بها المسلمون الآخرون ومؤسساتهم تجاه المسيحيين. وكذلك إسهاماتُ المسيحيين العرب وغيرهم في الحوار والمؤتمرات ووُرش العمل واقتراح الحلول. وقد كان هناك نقدٌ ومراجعة للمحاولات والمبادرات التي جرت، وقام بها رجال دين ومدنيون سبق أن ساهموا في إطلاق بعضها وخاب أملهم بالنتائج. ولذا فقد انصبّ المحور الرابع الخاص بالمشاركة والمبادرة على الدعوة إلى القيام بخطواتٍ عملية من مثل: العمل معاً لدرء التدخلات الخارجية، والعمل معاً للحيلولة دون توظيف الدين في النزاعات، والعمل معاً لدرء أخطار التفكك والانقسام، والعمل معاً على ترسيخ شراكة القيم وتفعيلها، والعمل معاً في مواجهة التعصب والتطرف والإرهاب، والعمل معاً في ترسيخ شراكة القيم، والعمل معاً من أجل مشاركةٍ أوسع في الحياة العامة.
إنّ هذا كلَّه لا يعني أنّ المحاور الأُخرى لم تلقَ عنايةً واهتماماً. ففي محور المواطنة كانت هناك مُداخلات دستورية وقانونية، برز فيها الدكتور أنطوان مسرة، والدكتور أنطوان قربان، وفي محور الحرية والتنوع برزت محاضرة الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري السابق، والشيخة لبنى القاسمي وزيرة الدولة في الإمارات، والدكتوره فاديا كيوان، والدكتور مصطفى الفقي.
بيد أنّ البارز أيضاً في المؤتمر الحضور المصري الكثيف من المسلمين والأقباط، والحضور اللبناني الكثيف من المسيحيين والمسلمين أيضاً. فقد حابانا المصريون لأنّ ثلاثةً منا كانوا أعضاء في اللجنة التحضيرية للمؤتمر، فقبلوا دعوة حوالى الخمسين لبنانياً نصفهم من رجال الدين، لكنْ بينهم أيضاً نسبة كبيرة بين المحاضرين.
وإلى ذلك، وعلى رغم أنّ المؤتمر هو «للمسيحيين والمسلمين في العالم العربي» فقد حضره ضيوفٌ كبارٌ من العالم الإسلامي، ومن مجلس الكنائس العالمي، والفاتيكان، والمجلس الوطني للكنائس بالولايات المتحدة.
أما الأبرز في هذا المؤتمر المهم بل التاريخي، فهو صدور «إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك». وقد تحددت معالم الإعلان الكبرى في الحقيقة في كلمتي شيخ الأزهر وبابا الأقباط في الجلسة الافتتاحية. وهذا لا يقلل من أهمية القوة الاقتراحية للبنانيين من مدنيين ورجال دين؛ لكنّ فهم الأزهر، وفهم البابا القبطي، هو الذي ظهر في البيان الختامي أو إعلان الأزهر.
وقع الإعلان في ست مواد تعرضت لستّة موضوعات رئيسية. في المادة الأولى تبنى الإعلان المواطنة والدولة المدنية مصطلحاً ومفهوماً، لكنه نسبهما إلى عهد المدينة، أو دستورها كما سمّاه الإعلان. وكان المقصود بذلك التأصيل والشرعنة، بحيث لا يمكن أحداً من المحافظين أو الأصوليين المجادلة في ذلك. فكتابُ المدينة معقودٌ بين المهاجرين والأنصار ويهود وربما بعض المشركين. وهذا يعني تعددية دينية واجتماعية وسياسية، ومساواة في الحقوق والواجبات. وأنّ الدولة والكيان السياسي لا يقومان على الدين، بل على العقد الاجتماعي والسياسي بين أهل الموطن الواحد.
أما المادة الثانية فتركّز على الدولة الوطنية الدستورية، باعتبارها المكان والموضع الذي تُمارَس فيه مبادئ المواطنة والمساواة وحكم القانون. وهناك نقطتان يؤكدهما الإعلان: إدانة التصرفات التي تتعارض ومبدأ المواطنة، وهي الممارسات التي لا تقرها شريعة الإسلام. والنقطة الأخرى: إبراز التناقض بين مفهوم المواطنة وحقوق الأقليات وحمايتها. فمع المواطنة لا يصح أن تكون هناك أقليات في المجتمع لها حقوق خاصة. ومع تبني المظلوميات وحقوق الأقليات يتوزع الولاء، وتحدث التبعية للمشروعات الخارجية.
وفي البند الثالث يتصدى الإعلان لظواهر العنف والتطرف، وآثارها في المسلمين وأبناء الديانات والثقافات الأخرى مثل القتل والتهجير والاختطاف. ويعتبر أن الأديان منها براء، وأنه ينبغي أن يتعاون أهل الأديان لمكافحة تلك الظواهر المخيفة.
أما البند الرابع فيُعتبر نتيجة للبند الثالث. إذ يصرح الإعلان بأنّ حماية المواطنين في حياتهم وحرياتهم وممتلكاتهم، هي الواجب الأول للدول الوطنية، ولا ينبغي أن يزاحمها في ذلك أحد. على أنّ الهيئات الدينية والثقافية والمعنيين بالشأن العام في الأوطان العربية كلها، يتحملون مسؤوليات كبرى في مساعدة الدول الوطنية لأنهم بذلك يساعدون أنفسهم ومجتمعاتهم وأديانهم: «إننا اليومَ مدعوون جميعاً بحكم الانتماء الواحد والمصير الواحد إلى التضامن… فالمظالم مشتركة والمصالح مشتركة، وهي تقتضي عملاً مشتركاً…».
وجاء البند الخامس بمثابة استعراض لجهود المراجعة والتواصل في الأعوام الماضية. ويقر الإعلان أنّ المراجعات لا بد أن تستمر من أجل التجديد والتطوير في ثقافتنا وممارسات مؤسساتنا. وقـــد ذكر الإعلان من ضمن جــهات التواصل للتغيير الفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي وأسقفية كانتربري.
أما البند السادس والأخير فقد ركّز على الخلاصات والنتائج. فالغاية من وراء المؤتمر «التأسيس لشراكة متجددة أو عقدٍ مستأنف بين المواطنين العرب، مسلمين ومسيحيين… يقوم على التفاهم والاعتراف المتبادل والمواطنة والحرية». والشراكة الكاملة التي يريدها الإعلان مَثَلُها ما ذكره رسول الله (ص) عن أهل السفينة الواحدة ذوي المصير الواحد:» نريد بالإرادة المشتركة وبالانتماء المشترك وبالمصير المشترك، أن نساهم معاً من طريق العمل الجادّ في إنقاذ مجتمعاتنا ودولنا، وتصحيح علاقاتنا بالعالم…».
إعلان الأزهر هو إعلان نوايا طيبة وإعلان تصميم على إنفاذ مقتضيات العيش المشترك بإحقاق المواطنة، والتضامن والتعاون والأخوة الوطنية والإنسانية. الآخرون يزعمون أنّ الأديان تفرّق، والأزهر والذين استجابوا دعوته يريدون أن تكون الأديان جامعة غير مفرِّقة. إنها لحظة تاريخية خطيرة تستدعي مسؤوليات على الدين والدول. وها هو الإسلام بشخص مؤسسته الكبرى يستجيب، ولا بد أن تنهض الدولة الوطنية لتستلم الركن الآخر من ركني الحرية والعيش المشترك، وهو ركن المواطنــة والدولــة القائمة عليها.

نص الإعلان

«استجابة للاحتياجات المتجددة التي تتطلع لتحقيقها مجتمعاتنا العربية.
ومواجهة للتحديات التي يتعرض لها الدين والمجتمع والدول الوطنية.
وإدراكاً للمخاطر الجمة التي تعترض تجربة التعددية الدينية الفريدة، في مجتمعاتنا ومجالنا الحضاري.
ومتابعة للجهود والوثائق والمبادرات، المنفردة والمشتركة، التي قام بها الأزهر، والمؤسسات والجهات الدينية والمدنية الأخرى في العالم العربي، في السنوات الماضية.
وانطلاقاً من الإرادة الإسلامية – المسيحية المصممة على العيش المشترك، ورفض التطرف، وإدانة العنف والجرائم التي ترتكب باسم الدين، وهو منها براء، كما ورد في «بيان مؤتمر الأزهر لمكافحة التطرف والإرهاب»، عام 2014، وما تلاه من مؤتمرات وملتقيات مشتركةٍ.
انطلاقاً من كل ذلك قرر الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين إقامة مؤتمرٍ موضوعه: «الحرية والمواطنة… التنوع والتكامل» حضرته أكثر من مئتي شخصية من ستين دولة من النخب الدينية والمدنية والثقافية والسياسية، الإسلامية والمسيحية في الوطن العربي والعالم، وشارك فيه كثيرٌ من رجال السياسة والفكر والثقافة والإعلام في مصر.
وعلى مدى يومين (28/ 2 – 1/ 3/ 2017) من المحاضرات والمداولات في قضايا ومسائل المواطنة، والحرية والتنوع، والتجارب والتحديات، والمشاركات والمبادرات.
تلاقى المجتمعون على إصدار «إعلان الأزهر» متضمناً البنود التالية:
أولاً:
إن مصطلح «المواطنة» هو مصطلح أصيل في الإسلام، وقد شعت أنواره الأولى من دستور المدينة وما تلاه من كتب وعهود لنبي الله – صلى الله عليه وسلم – يحدد فيها علاقة المسلمين بغير المسلمين، ويبادر الإعلان إلى تأكيد أن المواطنة ليست حلاً مستورداً، وإنما هي استدعاء لأول ممارسة إسلامية لنظام الحكم طبقه النبي – صلى الله عليه وسلم – وفي أول مجتمع إسلامي أسسه، هو دولة المدينة.
هذه الممارسة لم تتضمن أي قدر من التفرقة أو الإقصاء لأي فئة من فئات المجتمع آنذاك، وإنما تضمنت سياسات تقوم على التعددية الدينية والعرقية والاجتماعية، وهي تعددية لا يمكن أن تعمل إلا في إطار المواطنة الكاملة والمساواة، التي تمثلت بالنص في دستور المدينة على أن الفئات الاجتماعية المختلفة ديناً وعرقاً هم «أمة واحدة من دون الناس»، وأن غير المسلمين لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين.
واستناداً إلى ذلك كله، فإن المجتمعات العربية والإسلامية تمتلك تراثاً عريقاً في ممارسة العيش المشترك في المجتمع الواحد يقوم على التنوع والتعدد والاعتراف المتبادل.
ولأن هذه الثوابت والقيم والأعراف السمحة تعرضت – ولا تزال تتعرض – لتحديات داخلية وخارجية، فإن الأزهر ومجلس حكماء المسلمين ومسيحيي الشرق يلتقون اليوم من جديد على الإيمان بالمساواة بين المسلمين والمسيحيين في الأوطان والحقوق والواجبات، باعتبارهم «أُمة واحدة، للمسلمين دينهم، وللمسيحيين دينهم»، اقتداءً بما نص عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – في دستور المدينة.
وعليه فإن المسؤوليات الوطنية مسؤوليات مشتركة بين الجميع.
ثانياً:
إن تبني مفاهيم المواطنة والمساواة والحقوق يستلزم بالضرورة إدانة التصرفات التي تتعارض ومبدأ المواطنة، من ممارسات لا تقرها شريعة الإسلام، وتنبني على أساس التمييز بين المسلم وغير المسلم، وتترتب عليها ممارسات الازدراء والتهميش والكيل بمكيالين، فضلاً عن الملاحقة والتضييق والتهجير والقتل، وما إلى ذلك من سلوكات يرفضها الإسلام، وتأباها كل الأديان والأعراف.
إن أول عوامل التماسك وتعزيز الإرادة المشتركة يتمثل في الدولة الوطنية الدستورية القائمة على مبادئ المواطنة والمساواة وحكم القانون، وعلى ذلك فإن استبعاد مفهوم المواطنة بوصفه عقداً بين المواطنين، مجتمعات ودولاً يؤدي إلى فشل الدول، وفشل المؤسسات الدينية والنخب الثقافية والسياسية، وضرب التنمية والتقدم، وتمكين المتربصين بالدولة والاستقرار من العبث بمصائر الأوطان ومقدراتها.
كما أن تجاهل مفهوم المواطنة ومقتضياته يشجع على الحديث عن الأقليات وحقوقها.
ومن هذا المنطلق يتمنى الإعلان على المثقفين والمفكرين أن يتنبهوا لخطورة المضي في استخدام مصطلح «الأقليات»، الذي يحمل في طياته معاني التمييز والانفصال بداعي التأكيد على الحقوق، وقد شهدنا في السنوات الأخيرة صعود مصطلح «الأقليات» من جديد، والذي كنا نظن أنه ولى بتولي عهود الاستعمار، إلا أنه عاد استخدامه أخيراً للتفرقة بين المسلمين والمسيحيين، بل بين المسلمين أنفسهم، لأنه يؤدي إلى توزع الولاءات والتركيز على التبعية لمشروعات خارجية.
ثالثاً:
نظراً إلى ما استشرى في العقود الأخيرة من ظواهر التطرف والعنف والإرهاب التي يتمسح القائمون بها بالدين، وما يتعرض له أبناء الديانات الأخرى والثقافات الأخرى في مجتمعاتنا من ضغوط وتخويف وتهجير وملاحقات واختطاف، فإن المجتمعين من المسيحيين والمسلمين في مؤتمر الأزهر يعلنون أن الأديان كلها براءٌ من الإرهاب بشتى صوره، وهم يدينونه أشد الإدانة ويستنكرونه أشد الاستنكار.
ويطالب المجتمعون من يربطون الإسلام وغيره من الأديان بالإرهاب بالتوقف فوراً عن هذا الاتهام الذي استقر في أذهان الكثيرين بسبب هذه الأخطاء والدعاوى المقصودة وغير المقصودة.
ويرى المجتمعون أن محاكمة الإسلام بسبب التصرفات الإجرامية لبعض المنتسبين إليه تفتح الباب على مصراعيه لوصف الأديان كلها بصفة الإرهاب، مما يبرر لغلاة الحداثيين مقولتهم في ضرورة التخلص من الأديان بذريعة استقرار المجتمعات.
رابعاً:
إن جماية المواطنين في حياتهم وحرياتهم وممتلكاتهم وسائر حقوق مواطنتهم وكرامتهم وإنسانيتهم، صارت الواجب الأول للدول الوطنية التي لا يصح إعفاؤها منها، صوناً لحياة المواطنين وحقوقهم، ولا ينبغي بأي حالٍ من الأحوال مزاحمة الدولة في أداء هذا الواجب، أياً كان نوع المزاحمة.
والتاريخ القريب والبعيد حافل بالأمثلة الواضحة التي تؤكد أن ضعف الدولة يؤدي إلى انتهاك حقوق مواطنيها، وأن قوتها هي قوة مواطنيها، وأن النخب الوطنية والثقافية والمعنيين بالشأن العام في الأوطان العربية كلها، يتحملون جميعاً مسؤوليات كبرى إلى جانب الدولة في مكافحة ظواهر العنف المنفلت، سواء أكانت لسبب ديني أو عرقي أو ثقافي أو اجتماعي.
إننا اليوم مدعوون جميعاً بحكم الانتماء الواحد والمصير الواحد إلى التضامن والتعاون لحماية وجودنا الإنساني والاجتماعي والديني والسياسي، فالمظالم مشتركة، والمصالح مشتركة، وهي تقتضي عملاً مشتركاً نقر جميعاً بضرورته، ولا بد من تحول هذا الشعور إلى ترجمةٍ عملية في شتى مجالات الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والوطنية.
خامساً:
لقد بذلنا جميعاً – مؤسسات وأفراداً – في السنوات الأخيرة جهوداً للمراجعة والتصحيح والتأهيل والتأصيل. ونحن – مسلمين ومسيحيين – محتاجون للمزيد من المراجعات من أجل التجديد والتطوير في ثقافتنا وممارسات مؤسساتنا.
وقد كان من ضمن المراجعات توثيق التواصل بين المؤسسات الدينية في العالم العربي وفي العالم الأوسع، فقد أقمنا علاقات مع حاضرة الفاتيكا، وأسقفية كانتربري، ومجلس الكنائس العالمي، وغيرها.
وإننا لنتطلع إلى إقامة المزيد من صلات التعاون بين سائر المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية في العالم العربي، من أجل العمل معاً في مجالات الإرشاد والتربية الدينية والأخلاقية، والتنشئة على المواطنة، وتطوير علاقات التفاهم مع المؤسسات الدينية العربية والعالمية، ترسيخاً للحوار الإسلامي – المسيحي وحوار الحضارات.
سادساً:
إن طموح الأزهر ومجلس حكماء المسلمين من وراء هذا المؤتمر هو التأسيس لشراكة متجددة أو عقد مستأنف بين المواطنين العرب كافة، مسلمين ومسيحيين وغيرهم من ذوي الانتماءات الأخرى، يقوم على التفاهم والاعتراف المتبادل والمواطنة والحرية، وما نذهب إليه في هذا الشأن ليس خياراً حسناً فقط، بل هو ضرورة حياة وتطور لمجتمعاتنا ودولنا وإنساننا وأجيالنا.
لقد ضرب رسول الله – صلوات الله وسلامه عليه – مثلاً للشراكة الكاملة والعقد القائم الجماعة الواحدة على السفينة الواحدة ذات الطابقين، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقال بعضهم: «لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا»، وقد عقب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على ذلك بقوله: «فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهكلوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً».
ونحن أهل سفينة واحدة، ومجتمع واحد، نواجه مخاطر مشتركة تهددنا في حياتنا ومجتمعاتنا ودولنا وأدياننا كافة، ونريد بالإرادة المشتركة، وبالانتماء المشترك، وبالمصير المشترك، أن نُسهم معاً عن طريق العمل الجاد في إنقاذ مجتمعاتنا ودولنا، وتصحيح علاقاتنا بالعالم، حتى نوفر لأبنائنا وبناتنا فرصاً في مستقبل واعد، وحياة أفضل.
إن المجتمعين مسلمين ومسيحيين يجددون عهود أخوتهم، ورفضهم أية محاولات من شأنها التفرقة بينهم، وإظهار أن المسيحيين مستهدفون في أوطانهم، ويؤكدون أنهم مهما فعل – ويفعل – الإرهاب بيننا في محاولة للإساءة إلى تجربتنا المشتركة، واستهداف مقومات الحياة في مجتمعاتنا لن ينال من عزيمتنا على مواصلة العيش الواحد وتطويره والتأكيد على المواطنة فكراً وممارسة.
وهو – سبحانه – من وراء القصد، وهو حسبُنا ونعم الوكيل».

المصدر: صحيفة الحياة

(Visited 4 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Arkun

«الفكر الإسلامي نقدٌ واجتهاد» … قراءة في مشروع محمد أركون

«الفكر الإسلامي نقدٌ واجتهاد» ... قراءة في مشروع محمد أركون

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification