الرئيسية / مراجعات الكتب / مفهوم أوروبا المسيحية للإسلام

مفهوم أوروبا المسيحية للإسلام

image_pdfimage_print

Mafhum

حوارات نت – بقلم: د. صالح محروس محمد* — جمع المؤلف في هذا الكتاب مجمل كتابات المؤلفين المسيحيين في أوروبا وآرائهم حول الإسلام والمسلمين وبالأحرى حول القرآن الكريم والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا الكتاب المهم الذي يحمل عنوان “مفهوم أوروبا المسيحية للإسلام” لمؤلفه عدنان سيلاجيتش، أستاذ العقيدة والفلسفة الاسلامية والمقارنة بين الأديان في كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو، هو أول دراسة باللغة البوسنية (ترجمها جمال الدين سيد محمد المركز القومي للترجمة – القاهرة – 2016) تعرض على القارئ أهم سمات الاسلوب التي تمت به رؤية الإسلام والمسلمين في العصور الأولى في كتابات المؤلفين المسيحيين البيزنطيين والأوروبيين ثم في عصر النهضة الأوروبية والكتابات في القرنيين التاسع عشر والعشرين حتى المجمع الكنسي الثاني في الفاتيكان عام 1965.
لقد جمع المؤلف في هذا الكتاب مجمل كتابات المؤلفين المسيحيين في أوروبا وآرائهم حول الإسلام والمسلمين وبالأحرى حول (القرآن الكريم والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان يهدف من هذا الكتاب الوقوف على معوقات الحوار بين المسلمين والمسيحيين للعمل على تلاشيها وخلق حوار بنَاء بين الاسلام والمسيحية وإمكانية مساهمته الفعالة في تدعيم ثقافة السلام والتفاهم المتبادل والتسامح بين مختلف المؤمنين بالأديان.
وإن كان الكاتب يوضح عمق الفجوة التاريخية التي تعترض طريق الحوار بين الإسلام والمسيحية وهي فجوة يتم تكبيلها بأحكام مسبقة وتقييمات مغرضة، ولكن معرفة أسباب هذه الفجوة ودوافعها سيؤدي حتماً إلى تقليل هذه الفجوة والتعجيل بالدخول في حوار جاد قائم على الاحترام المتبادل، وعلى العلم ومعرفة الآخر. ومن هنا فإن هذا الكتاب يمثّل لبنة مهمة في البناء الحضاري المقبل.
يوضح الكاتب أن الحوار الذي يقصده ليس مصافحات وأحضان وقبلات وتصريحات رنانة أمام وسائل الإعلام وإنما هو واجب ديني ومهمة علمية قومية وهو أفعال رشيدة وتصرفات قويمة.
استخدم المؤلف في دراسته المنهج العلمي معتمداً على مصادر مسيحية متنوعة شملت وثائق المجامع الكنسية والمنشورات البابوية ومراجع اللاهوت والتاريخ والفلسفة والاستشراق بل والأدب أيضاً.
في مقدمة الكتاب يقول المؤلف إن علم اللاهوت المسيحي، بعد ظهور الاسلام في القرن السابع الميلادي وانتشاره في مناطق آسيا وأفريقيا وأوروبا، قد أثار مشكلة وضع الإسلام ونبيه محمد(ص) في نطاق (الخلاص الإلهي)، وقامت بتحديد الفهم السلبي للإسلام والمسلمين الحروب المديدة والمستنزفة التي خاضها العالم المسيحي ضد الإسلام وضد انتشاره صوب أوروبا بدءاً من الحروب الصليبية وانتهاء بالغزوات العثمانية.
ولذا فقد كانت اللقاءات الأولى للمسيحيين السريانيين والبيزنطيين مع الإسلام والمسلمين إشارة الرفض والإدانة على الصعيدين العقائدي والسياسي على حد سواء وأصبح مثل هذا الموقف من جانب العالم المسيحي تجاه الإسلام والمسلمين هو صيغة الفهم المسيحي لقرون عدة فيما بعد وهو شكل فهم التقاليد الدينية والثقافية الأخرى خارج نطاق المسيحية ونطاق أوروبا.
يقول الكاتب إن الهستيريا ذات الانتشار الواسع المعادية للإسلام والمسلمين وربطه بالعنف والإرهاب والتي نتجت بعد الهجمات الإرهابية في الحادى عشر من سبتمبر – أيلول 2001 في واشنطن ونيويورك تطلبت بحثاً نقدياً لمدى التقبل المسيحي للإسلام وتعاليمه (القرآن الكريم ومحمد(ص) والشريعة الإسلامية) أو التقبل الإسلامي للمسيحية ونبيها المسيح. فكان ذلك دافعاً له لكتابة هذا الكتاب للحاجة إلى دراسة عميقة وعلمية لدراسة الكتابات والمؤلفات التي شكّلت الفكر الأوروبي تجاه الإسلام والمسلمين. ويضيف: “إذا كنا نريد حواراً فعالاً بين المسيحيين والمسلمين في أوربا لا بدّ من التخلّص من الأحكام المسبقة ومن الأحقاد الشخصية لخلق أشكال جديدة من التفاهم بين الحضارتين”.
في الفصل الأول، قدم المؤلف عرضاً موجزاً للرؤية المسيحية المبكرة عن الإسلام. فمن المعلوم أن المسيحيين التقوا لأول مرة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبالمسلمين في وقت نزول الوحي، أي خلال حياة النبي وإبان زمن الفتوحات الكبرى للمسلمين حيث وقعت دول الهلال الخصيب (فلسطين وسوريا ووادي ما بين النهرين) تحت الحكم الإسلامي في الفترة من (633 وحتى 659 م) والتي كانت مسيحية وفيها ثقافة وعلم وفلسفة ولاهوت على مستوى رفيع من التطور، وبإيجاز لها أدب ثري مكتوب باللغتين الإغريقية والسريانية وكانوا من أتباع العقيدة المونوفيزية.
وفي مكة أيام النبي محمد(ص) كان يوجد مسيحيون أمثال ورقة بن نوفل قريب زوجة الرسول، السيدة خديجة، وعرّف الإسلام اليهود والمسيحيين بأنهم أصحاب ديانات سماوية وأتباع رسل وأنبياء. وفي العصر الأموي والعصر العباسي شارك المسيحيون في الحضارة الإسلامية، فقد كان الطبيب الخاص للخليفة العباسي في بغداد مسيحيا ًهو الطبيب حنين بن إسحاق.
يقول المؤلف إن في العصر الأموى في دمشق كانت العلاقات بين المسلمين والمسيحييين قوية بإمتياز حيث كانت الحرية الدينية للمسيحيين وكانوا يتحركون دون عراقيل والصليب معلق حول رقابهم. فكانت العلاقات بين الخلفاء والبطاركة مفعمة بالود والتفاهم، والتاريخ يعلّمنا أن ثمة تناقضاً بين الحوار الرسمي والحوار بين المؤمنيين العادييين. وبرغم ذلك، كانت كتابات المؤلفين المسيحيين في الشرق مناقضة للواقع أحياناً ومضللة أحياناً. ويذكر المؤلف أمثلة لذلك كتابات مسيحي الشرق مثل يوحنا الدمشقي (675- 750) م وابن زرعة الفيلسوف اليعقوبي من بغداد (943- 1008) م وباولو الأنطاكي الأسقف الملكي من صيدا (في القرن الثاني عشر الميلادي) وغيرهم.
ووضح الكاتب أهمية كتاب (المنشقون) ليوحنا الدمشقي وكتابه أيضاً مصادر المعرفة اللذين عرض فيهم وجهة نظره بشأن الإسلام، حيث تحدث يوحنا الدمشقي في كتابه “المنشقون” في الفصل الحادي بعد المائة عن هرطقة (أبناء إسماعيل) المهددة للمسيح، أي أسماعيل بن هاجر ابن سيدنا إبراهيم. وذكر الدمشقي أن المسلمين كانوا عبدة الأوثان لأنهم كانوا يبجّلون نجمة الصباح والآلهة أفروديت التي كانوا يسمّونها (حبار) وأن محمداً “كاذب جمع هرطقته بمعرفة الراهب الآريوسي بحيرا”. ويلاحظ أن يوحنا هذا قد كتب كتبه بين المسلمين مما يدل على مدى الحرية غير المعقولة التي تمتع بهل إذ كان يتبع الكنيسة الملكية وهي الكنيسة التي اعترفت بسلطة البابا واستبعدت المسلمين من تاريخ الخلاص.
وقد شكّلت مؤلفات علماء ورجال الدين المسيحي في الدولة البيزنطية الفكر الأوروبي فيما بعد وحالت دون حوار مسيحي – إسلامي من أمثال بارتولوميي إديشك ونيكيتا البيزنطي(في القرنيين التاسع والعاشر الميلاديين) وجورج هامارتوس (في القرن التاسع) ومانويل الثاني باليولوج. وتميزت كتاباتهم بالعدوانية والكراهية للإسلام ونبيه والسخرية من محمد بإعتباره ساحراً يتملكه الشيطان وتشويه كامل للإسلام. فكتابات علماء الدولة البيزنطية الكارثية أساس كراهية الغرب للإسلام. وكان ذلك نابعاً عن جهلهم بالإسلام والعلاقات التي كانت بين الدولتين البيزنطية والعباسية حيث أن البيزنطيين لم يعايشوا المسلمين إلا على أنهم غزاة متوحشون وليسوا بإعتبارهم حملة لقيم ثقافية موحّدة ينبغي القيام معهم بتبادل ثقافي وفكري. فكانت مجمل كتابتهم بوصفهم الاسلام بأنه ديانة محرفة تميل أكثر تجاه الوثنية ووصف النبي محمداً بأنه “النبي الكاذب” والقرآن بأنه “كتاب محرّف ألحق به محمد بعض الأفكار من العهدين القديم والحديث”.
وفي الفصل الثاني من الكتاب تناول المؤلف اللقاءات بين المسلمين والمسيحيين في الغرب اللاتيني، فكانت اللقاءات بين المسلمين والغرب اللاتيني في العصور الوسطى في الاندلس وصقلية والحروب الصليبية. ويوضح المؤلف أن الفكر الأوروبي في العصور الوسطى تكوّن عبر الأساطير والحكايا الشعبي المنافية للعقل التي خلقت حاجزاً فكرياً بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي وعضد هذا الحاجز كتابات المؤلفين المسيحيين لعدم معرفتهم بالإسلام وبخلق أساطير وخرافات حول النبي محمد. ورأى الغرب في الشرق خطراً هائلاً بظهور الإسلام واعتبر المسلمين جنساً رهيباً بدأ يحرز تقدماً ورسم هذا الجنس على شكل رأس سوداء قبيحة لكلب.
هذه الصورة السيئة المتشددة عن الإسلام في القرون الوسطى وباكورة النهضة ظهرت في الأدب الأوروبي وملاحم النبلاء مثل ملحمة رولاند الرواية التي تحفز النبلاء على مقاتلة المسلمين. وفي قرطبة انتشرت أسطورة المعذب برفكتوس الذي وصف الرسول محمد بالمشعوذ والمهووس بالجنس والمسيح الدجال، وبسبب ذلك تم على الفور حبسه.
ويوضح المؤلف أن أول دراسة جادة عن الإسلام في الغرب قام بها بطرس ألفنسو في عام 1108 م في كتابه(الحوار) وإن كان قال في كتابه السابق إن الاسلام دين عنف. وقال المؤلف إن ألفنسو اعتمد على نفسه في ترجمة بعض آيات القرآن والتي سبقت أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم في الغرب والتي قام بها روبرت كيتون عام 1143م. ثم يشير المؤلف إلى كتابات بطرس المكرم المعادية للإسلام حيث هيمن رأي الغرب عن الإسلام بأنه هرطقة مسيحية، كما زعم يوحنا الدمشقي.
وأشار المؤلف إلى مؤلفات توما الأكويني (1226- 1274)م في كتابه (بحث شامل ضد الوثنيين) المعادية للإسلام حيث أطلق على المسلمين (السذج) لأنهم صدقوا محمداً صلي الله عليه وآله وسلم وأنه أغراهم بالمتع الجنسية.
وفي الفصل الثالث من هذا الكتاب تناول المؤلف (الإسلام في مؤلفات كتاب عصر النهضة) حيث وضح نماذج من كتابات المؤلفين المسيحيين في عصر النهضة الأوروبي، حيث اعتبر الكاثوليك أن الإسلام والبروتستانت هرطقة مسيحية. وقدمت البروتستانتية من دون معرفة أصيلة وشاملة بالعقيدة الإسلامية الإسلام على أنه نوع من البديل أو صنف من الأنا القاتمة مهيأة بذلك الطريق أمام الاستشراق الأوروبي الذي فضلاً عن أهميته الأكاديمية، كان يمثل الترتيب الغربي للمشرق والهيمنة عليه أي على العالم الإسلامي، وذلك لأن الاستشراق بصيغته البريطانية والفرنسية لم يكن قط مهتماً بالتقاليد الأخرى للشرق الأقصى. وصدر كتاب لوثر (اعتراف أوغست) عام 1530م والذي تم نشره في فينيسيا التي كانوا يسمونها العاهرة التركية. وكان لوثر قد عضد نشر القرآن الكريم وترجمته فقط لكي يتمكن كل مسيحي من رؤية هذا الكتاب “الحافل بالأكاذيب والحكايات والفظائع من كل لون” على حد قوله.
وفي القرن الثامن عشر الميلادي ظهرت مؤلفات أوروبية مهمة وحيادية إلى حد ما عن الإسلام مثل كتاب (الديانة المحمدية ) الذي صدر عام 1705م لمؤلفه أدريان ريلاند الذي بذل جهداً كبيراً في إزالة الأساطير من الصورة الأوروبية أو المسيحية عن الإسلام، داعياً إلى الاحترام الواجب تجاه الديانة التي انتشرت بسهولة وسرعة كبيرتين في مناطق آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومحذرا من أنه لا يمكن هكذا وصفها بـ”الديانة الحمقاء” أو أنها هرطقة للتعاليم المسيحية. ثم ظهرت مؤلفات أخرى تدعو إلى عصر التقبل التنويري للإسلام مثل كتاب (حياة محمد) تأليف الكونت دي بولانفيليبر.
يقول الكاتب في الفصل الرابع تحت عنوان (التنويريون الأوروبيون والإسلام) إنه مع بداية عصر التنوير والاعتراف بالديانة التي تتوافق تعاليمها مع العقل وتقبل الإسلام على أنه دين العقل، قام بليز باسكال المشهور (1623- 1662) بإحياء الأحكام المسبقة القديمة التي كانت في العصور الوسطى عن الإسلام ونبيه محمد في كتابة (الأفكار)، حيث حدد في الفصل السابع عشر منه بعنوان (ضد محمد) ويقول عن محمد أنه لم يأتِ بجديد وأنه ليس نبياً وأنه على عكس المسيح لم يأمر أصحابه بالقراءة.
وفي زمن عقلنة الظاهرة الدينية في عصر التنوير، رأى كثيرون في محمد صلى الله عليه وسلم طرازاً من المفكر الحر والإنسان العقلاني والحكيم بدرجة كبيرة وأنه رجل دولة والمشرع المتفوق مقارنة بكل من ظهر من قبله في الدولة الإغريقية. ويقول بولانفيلير إن محمداً أقام ديانته ليصبح زعيماً للعالم وكان بطلاً عسكرياً مثل يوليوس قيصر أو الإسكندر الأكبر حيث أثار العقل التنويري للإنسان الغربي الأوروبي في ذلك الحين.
واعترف إدوارد جيبون في كتابه (أفول وانهيار الإمبراطورية الرومانية) بسمو التوحيد الإسلامي وقدم النبي محمداً على أنه شخصية تستحق مكاناً بارزا ً داخل تاريخ العالم وحضارته وانتشرت بسرعة صورة محمد بوصفه رجلاً وزعيماً ومتسامحاً وغير دوغمائي في فترة التنوير في كتابات كوندرسيت وفولتير، وإن كان فولتير في مقاله (المور)، قد وصف النبي محمداً بالتعصب وكذلك في مسرحيته الدرامية (محمد أو التعصب) في عام 1741م. لكنه في موضع آخر، وصف النبي محمداً بالحكمة والعقلانية والاعتدال والتسامح والعبقري المتفوق.
وبرغم الأحكام المسبقة الموجودة في كتابات جيبون، إلا أنه يعد نقطة تحول مهمة في التقبل الغربي المسيحي للإسلام. وفي القرن التاسع عشر كان للمفكرين الأوروبيين موقف مزدوج تجاه الإسلام فقد كانوا يقدمونه إما على أنه عدو منافس للمسيحية أو أنه صنيعة في سلسلة صنائع العقل البشري الناجمة عن التعرف على طبيعة الرب، أي تجاوز هذا العالم المغلق.
ومن الكتابات العدائية للإسلام كتابات توماس فالبي (1825- 1891م) وهو المبشّر الذي كان يري ضرورة تحويل المسلمين إلى المسيحية. ورأى هردر (1744- 1803)أن محمداً أحيا روح ومزايا العيش في الصحراء مثل الوفاء والشجاعة والاحتفاظ بالطيبة ووالبساطة.
أما هيغل (1770- م1831) فقد تناول في كتابة (محاضرات في فلسفة التاريخ) وضع الحضارة الاسلامية في مصاف أكبر الحضارات في التاريخ الإنساني حتى ذلك الحين. ثم ظهر تراجع الدين وظهور العلمانية على يد مؤسس الديانة الوضعية أوغست كونت (1798- 1857م) التي تنطلق من مبادئ تقديس الإنسان إذ يعتبر الإسلام مثل المسيحية ظاهرة قروسطية أي ترجع إلى العصور الوسطى.
ثم ظهرت دفعة جديدة في الدراسات الإسلامية في الغرب في فرنسا وألمانيا مثل كتابات سلفيسترا دي ساكي(1758- 1838م)، أحد مؤسسي الدراسات العربية والإسلامية الحديثة في الغرب. وقدم العلماء الألمان مساهمات كبيرة من أجل إثراء الدراسات الاسلامية في أوروبا مثل هـ فليشر (1801- 1888م) الذي كان يحاضر في لليبرزغ لسنوات عديدة وت . نولدكه (1838- 1930م).
وفي جامعة كمبردج كان هناك العالم النحوي الشهير و. وايت (1830- 1889م) إذ دخلت كمبردج في المسار الأساسي الأوروبي للدراسات الإسلامية ورافقه العديد من العلماء.
وفي جامعة أكسفورد، ظهر العالم مارغيلوث (1858- 1940م) م ومع ظهور هـ. أ. ر. جيب (1895- 1971م) دخلت أكسفورد مرحلة الدراسة الأكثر انتظاماً وجدية للإسلام. وتم تعويض النقص في الجامعات البريطانية وغيرها من الجامعات عن طريق الخبرة التي تم اكتسابها من الرحلات والإقامة في العالم الإسلامى مثل إز و. لانيه (1801- 1876م)، الذي عاش سنوات عدة في القاهرة قبل كتابة موسوعته (طباع وعادات المصريين المعاصرين).
ومع القرن التاسع عشر، ظهرت الدراسات الاستشراقية وتقبلها للإسلام وظهرت كتابات تهتم بالتراث الاسلامي في الغرب مثل المعجم العربي الانجليزى لمؤلفه إ . و. لانيه ونشر م .ج دى جوييه (1836- 1909) بالاشتراك مع آخرين (تاريخ الطبري)، وكتب ومؤلفات التاريخ الإسلامي اعتماداً على المصادر العربية، وكذلك كتاب “تاريخ الحضارة تحت حكم الخلفاء الراشدين” لمؤلفه ألفرد فون كريمر(1828- 1889). فكانت هذه الكتابات صفحة جديدة في الدراسات الأوروبية للإسلام وللعالم الإسلامي حيث كانت دراستهم للإسلام شاملة(عبادات – شريعة – أدب – فن).
في الفصل الخامس، تحت عنوان “الإسلام في الدراسات المسيحية المعاصرة”، يعرض المؤلف لدراسات غربية أكثر تفهماً للإسلام ونبيه محم(ص)، فكانت دراسات تصف محمداً بصفة النبي من مستشرقين مثل كارليل وروبرت زاهنز. ومن هذه الدراسات التي تعتبر انقلاباً في الدراسات الغربية للإسلام هي دراسات العالم لويس ماسينيون (1883- 1962م)، إذ يعتبر أول باحث اتخذ تجاه الإسلام والمسلمين موقفاً أكثر من إيجابي ومثمر ومتسامح، حيث بنى فكره عن الإسلام من الإسلام المطبق تطبيقاً صحيحاً الذي يظهر مباشر للغاية في الحياة الفردية والجماعية للمسلمين. وبرغم أنه كان كاثولكياً، إلا أنه كان يعتقد أن الإسلام كان تعبيراً عبقرياً عن ديانة التوحيد التي كانت لها مهمة روحية إيجابية.
وتكونت مدرسة من العلماء والباحثين من تلاميذ ماسينيون من أمثل هنري كوربين وهنري لاوست وكاسبر وب. جاستون فكان تقبّلهم للإسلام مشبعاً بأفكار ماسينيون وكانت كتاباته هي الأساس الذي بُنيت عليه قرارات المجمع الكنسي الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965) بالنسبة للإسلام والنبي محمد، وهو قمة الحوار الإسلامي المسيحي بما ورد به من قرارات هي الأولى من نوعها في التفهم الكنسي المسيحي للإسلام وهي أساس للحوار بين المسيحية والإسلام في المستقبل.
في الفصل السادس، أظهر المؤلف أهم قرارات المجمع الكنسي الفاتيكاني الثاني الذي يعتبره أهم المجامع الكنسية على الإطلاق، لجهة انفتاحه تجاه العالم برمته. وبإطلاع المؤلف على وثائق هذا المجمع، اعتبره مرحلة مهمة لإنتقال الكنيسة من (لاهوت الحقيقة) إلى لاهوت الإنسان، صاحب الاعتقادات المتنوعة. فقد أبدى البابا باولو السادس بصفته مرشد الحوار انفتاحاً كبيراً تجاه العالم الإسلامي وروحانياته ويذكر عن المسلمين (أنهم ليسوا غرباء عن رسالة الأب إنهم أبناء إسماعيل الذين بقبولهم إبراهيم كأب لهم يؤمنون كذلك بإله إبراهيم). وذكر فيه أيضاً أن الكنيسة تنظر بإحترام إلى المسلمين الذين يُصلّون لرب واحد حيى وحقيقي رحيم وقادر على كل شيء وخالق السماء والأرض.
وأهمية هذا الكلام هي أنه موقف ايجابي تجاه الإسلام بعد تجاهل وغطرسة الكنيسة الغربية استمر لقرون عدة، وهو موقف رسمي للكنسية الكاثولكية تجاه الإسلام والمسلمين وهو بداية حوار متسامح من أجل الحفاظ على السلام وإعادته إلى العالم وتبادل الإحترام والمسؤولية والتعاون. ومن نتائج هذا المجمع، تم إنشاء (السكرتارية الخاصة بغير المسيحيين) بمعرفة البابا باولو السادس في عام 1964 وأطلق عليها بعد ذلك تسمية (المجلس البابوي للحوار بين الأديان) في عام 1984.
وفي خاتمة الكتاب، أكد المؤلف على أهمية الحوار المسيحي الإسلامي بعد تفهم الكنيسة للإسلام وخاصة بعد هستيريا نعت الإسلام بالعنف والإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر أيلول 20111، مشيراً إلى أن على الغرب أن يترك الأحكام المسبقة عن الإسلام وأن يبدأ دراسات موضوعية عن الإسلام ورسالته السامية.

*د. صالح محروس محمد كاتب مصري.

الكتاب: مفهوم أوروبا المسيحية للإسلام: تاريخ الحوار بين الأديان

المؤلف: عدنان سيلاجيتش

المترجم: جمال الدين سيد محمد

الناشر: المركز القومي للترجمة – القاهرة – 2016

المصدر: الميادين نت

(Visited 53 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Khomeini-Muntazari

من المشروطة إلى ولاية الفقيه

من المشروطة إلى ولاية الفقيه

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification