الرئيسية / من نحن؟ / هويتنا / «الفكر الإسلامي نقدٌ واجتهاد» … قراءة في مشروع محمد أركون

«الفكر الإسلامي نقدٌ واجتهاد» … قراءة في مشروع محمد أركون

image_pdfimage_print

Arkun

بقلم: محمد عبدالفتاح السروري — يتبوأ محمد أركون (1928- 2010) مكانة رفيعة بين مفكري عصره. هو لم يبلغ تلك المرتبة من فراغٍ، ولكن مشروعه التنويري دفعَ به دفعاً إلى الصفوف الأولى ممن حملوا مشعل النقد للفكر الدوغماتيقي الذي أضحت له السيادة والسؤدد على ذهنية غالبية المناخ الإسلامي في الدول العربية والإسلامية، وكثيرٍ من المسلمين في بلاد المهجر غيرِ الإسلامية.
كتب أركون الكثير من مؤلفاته باللغتين الفرنسية والإنكليزية، وتُرجِمَ كثيرٌ منها إلى لغات عدة، ومنها «الإسلام، أوروبا والغرب»؛ «أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟»، «الفكر الأصولي واستحالة التأصيل». أما «الفكر الإسلامي… نقدٌ واجتهاد»، فصدر بالفرنسية وترجمه هاشم صالح إلى العربية. يتناول أركون في هذا المبحث الكثير من القضايا التي تشكل ملامح الفكر الإسلامي المعاصر وأهم الإشكاليات التي تواجهه، واتخذ في ذلك منهجاً تساؤلياً، إذ إن هذه الأطروحة مقسمة إلى مجموعة من الأسئلة، وتشكل الإجابات المتن الرئيس.
هل يمكننا التحدث عن وجود معرفة علمية عن الإسلام في الغرب أو بالأحرى هل يمكننا التحدث عن وجود مُتخيل غربي عن الإسلام؟ يوضح أركون أن هذا السؤال جرى طرحه منذ خمسينات القرن المنصرم، ولا يزال الكثير من الفرنسيين يذكرون تلك المماحكات الأيديولوجية والصراعات التي جرت، ليس فقط بخصوص الإسلام، ولكن في ما يخص العالم والثقافة العربية بعامة. إن «المتخيَّل»، لا يستطيع الجمهور العادي فهمه في شكلٍ جيد حتى اللحظة الراهنة، إذ لم يتم التوصل بعد إلى بلورة حدوده وتحديد وظائفه ومستوى تجلياته في شكلٍ دقيق. ولكن يمكن القول أن متخيَّل فردٍ ما أو فئة اجتماعية أو أمةٍ من الأمم ما هو إلا مُجمل التصورات المنقولة بواسطة الثقافة، وكانت هذه الثقافة معممة شعبياً في الماضي بواسطة الملاحم والشعر والخطاب الديني وهي الآن مُتسيدة من خلال وسائل الإعلام على اختلاف مسمياتها. وهذا يعني أنه لا يوجد مُتخيَّل واحد عن الإسلام بل يوجد متخيل فرنسي وإنكليزي وألماني. كما يوجد أيضاً متخيّل مصري وجزائري وغير ذلك. ويطرح أركون استفهامه – معكوساً- كحتمية بحثية في تناوله العلاقة السجالية في (المُتخيل) بين الإسلام والغرب؛ في صيغة مفادها: ما الذي يمكن قوله بخصوص النظرة إلى الغرب أو إدراك الغرب من قِبل الإسلام المعاصر؟
إن أول قطيعة حصلت مع أطرِ الإدراك والتصورات الكلاسيكية تمكن ملاحظتها لدى المصري رفاعة الطهطاوي الذي قدمَ إلى فرنسا في القرن التاسع عشر. فقد ترك لنا كتاباً مؤثراً عن اكتشافاته في فرنسا والتي كانت آنذاك خرجت للتو من الصراعات الثورية والحروب النابوليونية. ونجد أن نظرته إلى فرنسا إيجابية مشوبة بالقلق إذ لاحظ ذلك التفاوت بين مجتمعٍ حر وحيوي، منفتح على التغيير والتجديد مثل المجتمع الفرنسي، ومجتمع تكراري وامتثالي محافظ كالمجتمع المصري، وقد أثار ذلك شجوناً لديه وحرّك إرادة داخله من أجلِ التقدم والإصلاح ومراجعة الموروث.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل تمت هزيمة النموذج الغربي في المجتمعات العربية والإسلامية هزيمة قاطعة أم كانت هناك مقاومة وإرهاصات جديدة لهذا النموذج؟ في هذا الموضع من البحث يطرح أركون رؤيته إلى الدور الذي لعبه النموذج القومي المُستعار من أوروبا في المجتمعات الإسلامية والعربية. من الناحية النظرية واللاهوتية، فإن كل أعضاء الأمة يشاركون في النظام السياسي والديني. ولكن من الناحية العرقية والثقافية والسوسيولوجية، نلاحظ أن اسم الإمبراطورية يشمل مناطق متنوعة ومختلفة غاية الاختلاف إلى حد أن عدداً كبيراً من الفئات بقي خارج الدائرة السياسية والقانونية لنظام الخلافة أو الإمامة. وبالتالي فإن تلك الفئات لم تُشارك في صوغ النموذج العام لهذا النظام.
والدليل على صحة ذلك أن الأنظمة والدول التي تشكلت بعد الاستقلال راحت تشتبه في عملية البحث العلمي العرقي والإثنولوجي والأنثروبولوجي، وتنظر إلى هذه العلوم بعين الريبة والشك. هذه العلوم بطبيعتها تلقي الضوء على هذه الفئات المستبعدة؛ ولأن التيار العام رفضها بصفتها علوماً استعمارية، لزم على الذين يشكلون الوحدة الوطنية على القاعدة الأرضية المحددة بواسطة حدودٍ دولية تجنب خطر استيقاظ الهويات الثقافية واللغوية للفئات المذكورة التي ربما راحت تستخدم الشعارات والمطالب القومية نفسها التي استخدمت في المرحلة الأولى للتحرر من المستعمر الأجنبي. مع العلم بأن نشوء الوحدة القومية في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا اصطدم بالتوترات والصراعات والتناقضات نفسها. ومن المعلوم صرامة النموذج اليعقوبي الفرنسي من الناحية القومية وعدم تساهله فيها. والمفارقة أن دول العالم الثالث المنبثقة من حروب التحرير الوطنية والصراع ضد الاستعمار استعارت النموذج القومي الشديد المركزية، بل زادته حدة وصلابة.
وهكذا راح الهمّ الفكري يتشكل في مجالات المعرفة وينشغل بفرز العلوم وتصنيفها، ويهتم بنقد المناهج والمقاربات الخاطئة أو غير المطابقة – لرؤيته الموروثة – وأضحى هذا الهم يبرز في علوم المعرفة في الحقبة الكلاسيكية، ومنها علم النحو واللغة وعلم التاريخ والجغرافيا والطب والعلوم الطبيعية وغيرها. وهذه المساحة الثقافية أخذت بالتقلص بدءاً من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، بتأسيس المدرسة السكولاستيكية – المدرسية – القائمة على تلقين الفكر الديني واستبعاد العلوم الدنيوية. وبذلك انتصرت الروح السكولائية الصارمة لدى غالبية الكُتاب والباحثين، ما أدى إلى اضمحلال الموقف الفلسفي وتواريه. وبذلك تسيَّد نمطان من العلماء طيلة العصور السكولاستيكية: نمط الفقيه الذي يحفظ عن ظهرِ قلبٍ ويعيد إنتاج الكتب الموروثة للفقه من دون أي اعتبار أو تجديدٍ عقلي. وتجب الإشارة هنا إلى أن تلك الكتب كانت موجهة في الأساس إلى تدريب رجال القضاء.
أما النمط الثاني، فهو نمط الشيخ المُرابط بحسب لغة أهل المغرب. وهو الرجل الوحيد الذي يعرف أن يكتب تعويذة أو رُقيّة ويشرف على تنشيط جمعية دينية، ويؤدي الصلوات ويسهر على الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل مع الفرائض القانونية في الإسلام. وبناءً على ما سبق؛ راحت المجتمعات العربية والإسلامية تدخل في سياج دوغمائي مغلق، رسَّخه الأصوليون من طريق تشكيل علم الأصول. وعليه فإن مصطلح الأصولية يشير إلى تلك الممارسة الفكرية المنبثقة والمثبتة والمقننة بصرامةٍ في رسائل راحت تزيد من سماكة السياج الدوغماتيقي وتقوي انغلاقه على ذاته.
ويطرح أركون فرضية أن العقلية العلمية السائدة اليوم تنظر بنوعٍ من الشك والارتياب إلى تلك الرؤى الفلسفية التي تقدم رؤى كليانية عن العالم منذ أيام أفلاطون وأرسطو وحتى زمن كانط وبرغسون. وحتى علماء اللاهوت والثيولوجيا يبدو أنهم تراجعوا عن فكرة بناء أنظمة كلية متماسكة، وبناءً عليه فإن الضمير الإسلامي العام يتحتم عليه أولاً أن يحل كل المشاكل العالقة الموروثة عن الماضي وأن يقوم العقل العربي والإسلامي في مجمله بعملية توضيح وإضاءة شاملة لتاريخٍ طويلٍ مُعقد لا يزال غير معروفٍ أو غير محلل بشكلٍ كافٍ. وعلى العقل الإسلاميّ أن ينخرط في استراتيجية للتدخل العلمي من أجل فتح العقليات المغلقة وتحريرها. على أن ترتكز هذه الاستراتيجية إلى نقد الخطاب والقيام بعملية نقد للتاريخ الإسلامي والبحث الأنثروبولوجي في المجتمعات الإسلامية، وأخيراً إعادة الاعتبار للموقف الفلسفي.

المصدر: صحيفة الحياة

(Visited 2 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

azhar35

إعلان الأزهر في مؤتمر … المواطَنة والعيش المشترك

إعلان الأزهر في مؤتمر ... المواطَنة والعيش المشترك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification