الرئيسية / مقالات / الفلسفة أبدعها حكماء أثينا لا فلاسفتها

الفلسفة أبدعها حكماء أثينا لا فلاسفتها

image_pdfimage_print

بقلم: صلاح حسن رشيد — تُرى، هل ما درسناه عن الفلسفة الإغريقية، ونظرياتها، وأعلامها، كان محض خرافة؟ سؤال، تجيب عنه نظرية فلسفية جديدة، لا ترى أفلاطون، وأرسطو ورفاقهما، أنهم أفضل ما أنجبت أثينا؛ بقدر ما تراهم ملفقين غير جديين ولا عاطفيين، ولا تواقين إلى الحكمة الحقيقية؛ فقد هدموا صرح الحكمة؛ لحساب الهرطقة والثرثرة والقشور؛ فهم أقل مكانة وعبقرية وتأثيراً وصلة بالأساطير الدينية؛ من هيراقليط، وهوميروس، وبارمنيدس، وزينون، وصولاً إلى غورجياس؛ آخر عباقرة الحكماء، قاطني مملكة دلفي في مدينة إيلة اليونانية. هؤلاء الذين أتاحوا تواصلاً بين البشر والآلهة عبر الحكمة؛ حيث كانت الحوارات تجرى بحرية، وفي عزلة، ولم تكن بعد ثمة مدارس فلسفية؛ تحجب التلقائية، والعفوية، والعاطفية لمصلحة توافقات لغة السياسة والاقتصاد والمصالح والعقلانية والجمود.
قال المستشرق الإسباني آسين بلاثيوس عن هجوم حجة الإسلام أبي حامد الغزالي على الفلسفة والفلاسفة، وتقويضه أفكارهم الجاهزة العتيقة، وأقيستهم غير المنطقية: «إن الغزالي؛ حينما سمّى كتابه (تهافت الفلاسفة) كان يريد أن يمثل لنا أن العقل الإنساني يبحث عن الحقيقة، ويريد الوصول إليها، كما يبحث الفَراش عن ضوء النهار؛ فإذا أبصر شعاعاً يشبه نور الحقيقة انخدع به؛ فرمى نفسه عليه، وتهافت فيه ولكنه يخطئ مخدوعاً بأقيسة منطقية خاطئة؛ فيهلك كما هلك الفراش». وعلى غرار الغزالي؛ يأتي إسهام الفيلسوف الإيطالي جيورجيو كولي (1917-1979م) في كتابه «ولادة الفلسفة» في تقويض ما قامت عليه فلسفة الإغريق؛ ناعياً عليها جمودها، وتكرارها، وسفسطتها؛ وخلوها من الحكمة والأدب والفن والبلاغة؛ لانشغالها بحب الحكمة عن جوهر ما توصَّل إليه هؤلاء الذين عاشوا قبل سقراط في أثينا؛ فانشغلوا بأساطير الآلهة الأورفية، ولا سيما بعنف أبولون، وديونيزوس والصراع بينهما، واللوغوس، والجدل، والبلاغة، والمتاهة، والغموض، والتخفي، والمناظرة، والخطابة، والإقناع الشفوي والتأثير في الجماهير.
ففي نظريته هذه التي ترجمها الدكتور عفيف عثمان؛ أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية، وصدرت حديثاً عن دار المعارف الحكمية في بيروت؛ يطرح كولي تصوراً مؤداه؛ أن السابقين على سقراط لم يكونوا فيزيقيين، ولكنهم كانوا أصحاب نزعة باطنية أبولونية، ولهم أصل ديونيزي، ومن خلال هذه التجربة الباطنية؛ حاولوا محاكاة الواقع، والتعبير عن المخفي؛ الذي هو أصل الأشياء (الآلهة)، وتذكر السوابق السالفة. فالعالَم؛ وفق شوبنهاور؛ الذي تأثر به كولي؛ يتكون من عنصرين أساسيين: التمثيل والتعبير؛ فالزمن هو تكرار أبدي؛ والحوادث قديمة؛ أي هي الفيض الصادر عن الآلهة؛ فالصور كما يقول أفلوطين تلقي بنفسها في الزمن؛ لشيء خارج الزمن؛ وفق كلام الدكتور عفيف عثمان. ويحن كولي؛ كما يقول عفيف عثمان إلى الحكمة، لا الفلسفة؛ إلى الشفوية، والأساطير، والنزعة الباطنية، ولغة الأسرار، والرموز، والإشارات الهيروغليفية المكتوبة على أوراق البردى الفرعونية، والجنون، والمنازعة، والجدل، والمتاهة؛ فهو يريد إرجاع الحكمة إلى عصرها الذهبي؛ حيث انفتاح الفلسفة على النفس، والأدب، والبلاغة، والخطابة، والشفوية، والذاكرة، وليس إلى الكتابة والتدوين كما أحدثها أفلاطون؛ فقضى على عصر الحكماء في أثينا، ومال إلى المظهرية، والاستعراض، وعدم الواقعية. فالحكمة لدى كولي، وهؤلاء الحكماء؛ لا تناقض النزعة العقلية؛ فهي تمثل مرحلتين متعاقبتين لظاهرة أساسية؛ من خلال ديونيزوس الإله الذي يحتفي بالمتفوقين من البشر؛ فهو مُقطّع الأوصال؛ فالعالم قائم على التفاوت، لا المساواة، فديونيزوس متحد على السر، وعلى الغموض؛ فهو ينظر إلى الحياة على أنها حلم، وأسطورة؛ ففيها الصراع، والتنازع؛ والكل مشدود في النهاية إلى المخفي؛ الإله.
بل؛ إن أفلاطون نفسه في لحظة صدق، وضيق ألمَّت به؛ أنكر جدوى الكتابة؛ معلياً من الشفوية وعصر الحكماء؛ فقال: «أي رجل يملك حساً سليماً؛ لن يجرؤ على أن يعهد بأفكاره الفلسفية إلى الخطابات، وأكثر من ذلك إلى خطابات جامدة، كما هي حال تلك المكتوبة بواسطة الحروف». ويزيد أفلاطون في الاعتراف بعدم جدوى الكتابة؛ فينقل نصاً عن هوميروس قال فيه: «من أجل ذلك بالتحديد؛ يحترس كل رجل جدي من كتابة أشياء جدية، وذلك حتى لا يعرضها إلى سوء النية، وإلى عدم تفهم البشر». الكتاب؛ يكتشف الخبئ؛ ويوغل في الحدس والتبشير بما تمت إزاحته، وتهميشه، وعزله لقرون طويلة؛ فيقدم الحكمة اليونانية الأصيلة مسنودة بالآلهة، وبتحكمها في الإنسان؛ وسيطرة الأساطير الأورفية على العالم؛ حيث التخفي، والباطن، والجنون، والنزوع نحو المباشرة، ومحاكاة الواقع.

المصدر: صحيفة الحياة

(Visited 18 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Salonika

الدونمة بين اليهودية والإسلام والعلمانية: الأسطورة والتاريخ

الدونمة بين اليهودية والإسلام والعلمانية: الأسطورة والتاريخ

2 تعليقات

  1. المقال مليئ بالدعاوى التي تحتاج براهين ..

    • بالتأكيد، فلا شيء مسلّم يه، والفكر يحتاج على الدوام نقداً ومراجعة. والنصيحة قراءة العمل المترجم والوقوف على المستندات الكاملة لهذا الطرح.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification