الرئيسية / من نحن؟ / هويتنا / مفهوم الأمّة لدى مدرسة المنظور الحضاري

مفهوم الأمّة لدى مدرسة المنظور الحضاري

image_pdfimage_print

بقلم: خديجة جعفر — تعدّ الأستاذة الراحلة الدكتورة منى أبو الفضل (1945- 2008) رائدة المنظور الحضاري الإسلامي في العلوم السياسية الذي ازدهر في جامعة القاهرة حيث كانت تدرّس في الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم. وتناولت الراحلة مفهوم الأمّة الإسلامية في كتابها «الأمّة القطب: نحو تأصيل منهاجي لمفهوم الأمة في الإسلام» وهو الكتاب الذي جابت فيه عوالم الفكر والواقع والتاريخ.
ترى أبو الفضل أنّ الأمة لا تزال حيّة متجددة في تواصل استمراري يجاوز الحقيقة التاريخية الموقوتة، التي يعترف أهل التخصص بتاريخية وجودها، ويسلّمون بانتهائها لانتفاء مظهرها التنظيمي بسقوط الخلافة العثمانيّة، وإنشاء الدول القوميّة المتخالفة. ولكنّ الأحداث التي يشهدها العالم الإسلامي باستمرار والتي تؤثر فيها كل دولة على دولة أخرى تهز مسلّمات أساتذة أهل التخصص، لتعود الأمة ظاهرة تفرض وجودها على الواقع والفكر، وقاعات الدّرس.
ومن عالم الواقع والشهود الظاهري إلى عالم الفكر والعلم، تنتقل أبو الفضل لتفسير ظاهرة استمراريّة وحيويّة الأمة وتعليلها، ومن ثمّ تجريد المفهوم وتأصيله، ليعود لتغذية حقول علوم السياسة بقدرات تحليلية ومرجعيّة قيميّة، تكرّس وجهة جديدة للحقل المعرفي السياسي، وتسد ثغرة فيه.
استمرارية الأمة على رغم انتفاء مظهرها التنظيمي يكشف عن وجود عناصر إطلاق كامنة في الأمّة، ومنفكّة عن قيود الزمان والمكان. كما إنّ وجود الأمة كحقيقة تاريخية يكشف عن وجود عناصر نسبيّة تنقل الأمّة من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل.
وعليه، رحلت الكاتبة للبحث في أصول نشأة الجماعة المسلمة الأولى، لتكشف عن سرّ كون (الأمّة) قيمة باقية إلى اليوم، وهو ارتباطها في منشئها بالعقيدة/ الدعوة، وكونها وعاءً للقرآن الكريم، فلقد خلّف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد انتقاله الى الرفيق الأعلى أمّة، ولم يخلف إمامة أو إماماً أو دولة. وببقاء العقيدة، وبقاء الذكر الحكيم تبقى الأمّة.
أمّا زوال الحقيقة التاريخية للأمّة، فمردّه الى أسباب نسبية تشترك فيها الأمّة مع غيرها من الأمم ويكمن في تفرد منشئها، وارتباطها بالعقيدة/ الدعوة.
ثمّة خصيصة أخرى تميز الأمّة في الإسلام، هي تشكيلها مركز ثقل بشري يشدّ إليه وحداته الداخلية من دون أن يذيبها ليفقدها معالمها، كما يجذب نحوه مفردات جماعيّة من خارج إطاره. هذه الخصيصة تستند الى أساس فلسفي إسلامي في رؤية قضية (الوحدة والتنوع) اذ ترى أنّ التنوع والاختلاف ليسا موجبين في ذاتهما للتنافر والتناقض، وإنّما هما من سمات الخلق، وقاعدة للدافعيّة والتكامل.
اتخذت أبو الفضل (المفاعل الاستقطابي) نموذجاً لتفسير خصوصية الأمّة في الجمع بين (الوحدة والتنوع)، في تناغم واتزان. وتعود الكاتبة إلى عناصر النسبية، وعناصر الإطلاق لتشكّل منها محورين متعامدين للمفاعل الاستقطابي: المحور الرأسي هو العقائد/ العبادات، والمحور الأفقي هو العناصر الجغرافية والبشرية والتاريخية. ومرّة أخرى تردّ هذه الخصيصة المتفردة (الجمع بين الوحدة والتنوع) إلى عنصر الإطلاق (العقيدة).
تلعب العقيدة وظيفة حيوية في تنشيط خصائص الأمّة القطب على ثلاثة مستويات. تحقق العقيدة -في المستوى الأوّل- عمليّة إخراج الفرد/ الأمة، حيث يحقق الفرد اعتقاده من خلال ممارسة الشعائر التي توحد الظاهر والباطن في ممارسة جماعيّة تكفل تحقيق التوافق بين شخصية الفرد الذاتيّة وشخصيته الجماعيّة في مراتب أدناها الانتماء، وأعلاها الاندماج التامّ.
وتحقق العقيدة -في مستواها الثاني- التماسك الداخلي للجماعة التي تمثل معطى تأسيسياً، وطاقة توليد حيوية تكفل الحفاظ على الكيان الكلي المتمايز.
وفي المستوى الثالث تحقق العقيدة وظيفة الدعوة باعتبارها دعوة موجهة من الخالق إلى النّاس، وليس من قطاع من البشر إلى قطاع آخر، وبالتالي تحقق الأمة الجذب الخارجي للوحدات الجماعيّة الأخرى.
وخصائص الأمّة القطب تجد حيويتها واستمرارها ودافعيّتها وتجددها في دورة التنشئة الجماعيّة التي تبدأ من الفرد، ويمرّ فيها بمراحل الاستيعاب والاستبطان للقيم الجماعية، ومن ثمّ الإسقاط الخارجي والبلورة والتجسيم لتلك القيم في حيّز مكاني متعدد الأبعاد.
والأمّة القطب بهذه الخصائص وتلك الوظائف هي أمّةٌ وسطٌ مستخلفة في الأرض، فهي الأمّة وليست أمّة بين الأمم. ولهذا المفهوم القرآني دلالات، فالأمة الوسط هي مصدر التوازن والانسجام بين الجماعات البشرية، وهي أمّة وسط من حيث موازين القيم والأنظمة التي تقوم عليها، وأخيراً هي أمّة تتوسط الأرض في الموقع الجغرافي.
وتبدو الكاتبة ذات منزع صوفي في تأملاتها حول الأمة في الإسلام، إذ إنّها تهتم بظاهر الظاهرة، وعلاقته بباطنها. تقول الكاتبة في شرحها لموضوع العقيدة من المفاعل الاستقطابي إنّ «التوحيد هو محور العبادات، وتأتي الشعائر لتدعم العبادات، فتقوم على توحيد الوجدان والسلوك، وتعمل على خلق تطابق بينها صوب العقيدة». وإذا كان المتصوفة اهتموا بالشريعة والحقيقة، واهتمّوا بتربية الفرد وتوحيد ظاهره مع باطنه، فإنّ أبو الفضل تهتم بتربية الجماعة، وتوحيد ظاهرها مع باطنها. يقول رينيه جينو: «ربما كانت العقيدة الإسلامية من بين العقائد الموحاة هي العقيدة التي تظهر فيها بوضوح التفرقة بين جزءين متكاملين هما «الظاهر» و «الباطن».
وفي النهاية، تتضح الرحلة الفكرية للكاتبة من إعمال الملاحظة والمشاهدة للظاهرة، إلى النظر في الفكر والتاريخ وما وراء الظاهرة، إلى الاهتداء بالهدي القرآني في إشاراته للفرد/الأمة والأمّة/ الوسط، والعودة إلى الحقل الدراسي لإعادة التفكير في طرق التفكير والمناهج، واكتشاف الخبرات الحضارية.
وهنا تمكن رؤية أثر اعتماد مفهوم (الأمّة/القطب) في حقل العلوم السياسية: 1- بناء نظرة كليّة في كليّات الاجتماع الحضاري تجبّ القصور في المنظومة الأحاديّة المنطلق التي تقوم عليها الجامعات الحديثة. 2- يشكل النموذج البديل للفراغ الذي تدور الجدالات العصرية حوله في إطار التأسيس للشرعية الدولية الجديدة في نظام دولي أحادي القطب، لأن المفهوم مبني على اعتبار التعدد سنّة وآية، توجب الوحدة، ولا توجب الصراع.

المصدر: صحيفة الحياة

(Visited 11 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

azhar35

إعلان الأزهر في مؤتمر … المواطَنة والعيش المشترك

إعلان الأزهر في مؤتمر ... المواطَنة والعيش المشترك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification