الرئيسية / التصوف / الإصلاح الديني وعقلانية التصوف

الإصلاح الديني وعقلانية التصوف

image_pdfimage_print

بقلم: حسن محمد شافعي — تبدو حاجة الإنسان إلى الدين فطرية باعتبار أن حاجاته لا تتوقف عند حد إشباع الغرائز الطبيعة؛ بل تتجاوزها إلى البحث الدؤوب عن الأمن النفسي المستلهم من الاتصال بالذات العليا المقدسة التي يلجأ إليها في مواجهة تحديات قسوة الطبيعة المادية ونزعات الشر داخل النفس البشرية.
إن تكوين الإنسان العقلي يفرض عليه الإجابة عن بعض التساؤلات الوجودية حول العالم ومصير الإنسان؛ وهي تساؤلات ميتافيزيقية تسعى الأديان إلى الإجابة عنها. فالدين مجال الحياة الروحية التي تمثل قدراً مشتركاً بين البشر. إلا أن نمط التعبير عنها يختلف باختلاف الحضارات عبر العصور، فالدين هو القيمة المضافة إلى حياة البشر من أجل التسامي عن الطبيعة المادية للإنسان لتكريس منظومة من القيم تضفي على حياته بعداً حضارياً.
لذلك؛ يقول مالك بن نبي: «ولدت الحضارات في ظل المعابد». والحضارة الإسلامية حظيت بنصيب وافر من الاعتناء بالحياة الروحية نظراً إلى طبيعة الدين الإسلامي، إلا أنها في باكورة البعثة النبوية لم تكن في حاجة إلى تصنيف العلوم الإسلامية لوجود الرسول (صلى الله عليه وسلم) في مرحلة تأسيسها. بيد أنه مع اتساع رقعتها وتطور الزمن وما حمل من تحديات جديدة؛ تولَّدت الحاجة إلى علوم جديدة تنظم للناس أمور دينهم ودنياهم. ومن بين تلك العلوم؛ نشأ التصوف كعلم يعتني بالحياة الروحية لدى المسلمين. فالتصوف في تاريخ الفكر الإسلامي هو العلم الذي جل اهتمامه البحث عن وسائل تزكية النفس وصفاء الداخل من أجل الوصول إلى مقام الرضا الإلهي الذي يجلب السِلم الروحي والعقلي.
وفي سبيل تحقيق هذا الأمر يمر المتصوف بمراحل من المجاهدة النفسية لترتقي روحه ويصفي قلبه. وهكذا عرَّف بِشر الحافي الصوفيَ بأنه هو من صفى قلبه لله. فالوجدان أو بمعنى أدق القلب هو محل اعتناء التصوف ومعيار التقدم والتراجع. ويمثل الزهد أبرز مفاهيم التجربة الصوفية؛ إلا أنه محل اختلاف من حيث مفهومه وغايته في النماذج الحضارية. فهو عند ماكس فيبر؛ الأخلاق الكالفينية البروتستانتية التي أسست للرأسمالية الغربية. فالزهد بمعناه الإجرائي وظَّفه ماكس فيبر كوسيلة للتنظيم العقلاني للمجتمع هدف تحقيق غاية مادية، هو سلوك جيّد يدفع إلى العمل وتقديسه. والانضباط فيه هو شرط ضروري للرأسمالية العقلانية، وهذا يتسق مع رؤية ماكس فيبر للدين باعتبار أن غايته هي في الأغلب اقتصادية. الزهد بالمعني التجريبي، هو افتقاد. أما بالمعنى الديني المقاصدي، فهو امتلاك الإنسان قوة الإرادة التي تحرره من أن تمتلكه نوازع النفس أو أن يستعبده الغير.
فإلى أي مدى ينعكس هذا المنحى الصوفي على النظر العقلي في الفكر الإسلامي؟ وهل للعقل دور في التجربة الصوفية باعتبار أن الوجدان يشكل مرتكزاً مهماً لها؟ في هذا السياق طرحت مدرسة الإصلاح والتجديد رؤية نقدية لإصلاح الفكر الديني كان لروادها نزعات صوفية تتفاوت درجة تأثيرها من واحد إلى آخر؛ أمثال جمال الدين الأفغاني والسيد محمد رشيد رضا والإمام محمد عبده الذي عبر عن هذه الرؤية بأنه «يجب تحرير العقل من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف هذه الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعه الأولى، والنظر إلى العقل باعتباره قوة من أفضل القوى الإنسانية، بل هي أفضلها على الحقيقة». إلا أن سبيل تحرير العقل عند الإمام محمد عبده يستند بالأساس إلى التكوين القلبي السليم: «إن أول مبدأ يجب أن يكون أساساً لتحلية العقول بالمعلومات اللطيفة والنفوس بالصفات الكريمة هو التعاليم الدينية الصحيحة؛ أعني ترغيب القلوب في ما يرضي الخالق وإذهابها مما يغضبه».
وتعرض الإمام أبو حامد الغزالي إلى إشكالية العلاقة بين العقل والوجدان في التجربة الصوفية فرأى أن ثمة ثلاث مراحل لاستيفاء شروط المعرفة الصوفية أولاها تحصيل العلوم وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها من طريق العقل. والثانية الرياضة الصادقة. والثالثة هي التفكر، وهي ذروة التجربة الصوفية التي يجمع الصوفي فيها بين عقلانية الفكر وصوفية السلوك ويصير عالماً عاقلاً ملهَماً.
بيد أن الغزالي لا يقصر مهمة العقل في تحصيل العلوم وملكة التفكر، إذ يرى له مهمة بالغة الأهمية في التجربة الصوفية وهي الحكم النقدي على التجارب التي انحرفت عن الطريق السليم؛ وتقويمها. فالتجربة الوصفية عندما تستوفي مسارها الصحيح تولّد لدى الفرد عقلانية نقدية تعمق رؤيته الفلسفية؛ إلا أنها تتقاطع مع التفكير النقدي عندما يتم التعاطي مع القضايا العقلية بالحدس القلبي فقط. وهو ما يؤدي إلى أن تتحول الرؤية العقلية إلى انطباعات وجدانية ذاتية تفقد الجهد في التحليل المنهجي المؤسس على مقولات المنطق من أجل بلوغ رؤية موضوعية. فمثلاً؛ عندما يختزل توصيف حدث ما بمقولة الفتنة فقط هو تفسير وجداني يبحث عن حكم نهائي قيمي يفتقد التحليل الاجتماعي والسياسي وينمي نزعة العزلة التي تكرس ذلك الواقع. ومن ثم لا تبدو العزلة وسيلة للارتقاء النفسي من أجل إصلاح الواقع ومحاولة تغييره؛ بل هي ملاذ بديل لتجاوز معاناة المجاهدة الفكرية والاجتماعية التي يتطلبها الإصلاح.

المصدر: صحيفة الحياة

(Visited 4 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Geography-poem

جغرافية الشعراء

جغرافية الشعراء

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification