الرئيسية / من نحن؟ / هويتنا / المنهج التجريبي … الغائب الحاضر في فقه الاستخلاف

المنهج التجريبي … الغائب الحاضر في فقه الاستخلاف

image_pdfimage_print

بقلم: مسفر بن علي القحطاني — يرشدنا الله تعالى في أكثر من آية وأمر، الى أهمية السير في الأرض لندرك بأنفسنا ومن خلال نظرنا العقلاني حقيقة ما يريده الله من معنى، فالله تعالى قد بيّن أخبار المكذبين ومآلاتهم المهلكة، ومع ذلك حضّ المؤمنين على القيام بهذه المهمة التدبرية من خلال الجمع بين الخبر القرآني والتجربة العملية، يقول الله تعالى:( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [الأنعام 11]، ويقول الله تعالى:( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) [النمل 69]، ويقول الله تعالى:( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ) [العنكبوت 20]، وغيرها من الآيات الجارية على هذا السياق.
إن السير في الأرض أحد أهم وسائل التحقّق العلمي، وهو أقرب إلى تصور المنهج التجريبي، وإذا كنا قد تلقينا أوامر ربانية للسير في الأرض لنعلم حال ومآل الأقوام المكذبين، فإن الله تعالى أجرى هذا المنهج حتى على معرفة أمرٍ من مجالات التسخير الكوني، وهو المتعلق بالسير في الأرض لمعرفة كيف بدأ الخلق!.
وأظن أن هذا المنهج في الطلب؛ من أهم الأدلة على وجوب إعمال كل مناهج البحث لأجل القيام بواجبات العمارة التي هي من أهم واجبات المسلم ومقاصد استخلافه في الأرض.
ولا يمكننا أن ننكر ما حققته أوروبا من تقدم في المجال المادي والعمراني، فقد كان الفضل فيه يعود لتطبيق المنهج التجريبي الذي ساهم روجر بيكون ثم فرانسيس بيكون بتأصيله وتوسيع دوائره العلمية، حيث آمنا بأهمية الحس في إثبات المعطيات العقلية، وقد ثمنا في أبحاثهما دور الملاحظة والتجربة بصورة استقرائية، وتكامل هذا المنهج في إنجازات من جاء بعدهما، كهوبز وديكارت وليبينتز وغيرهم (انظر: تاريخ الفلسفة الحديثة، لوليم رايت، دار التنوير، الطبعة الأولى، 2010م، ص: 63.63)
ومع ما قامت به أوروبا من دعم كبير في ظهور العلوم الطبيعية وهذا المستوى العالي من المكتشفات والمخترعات، إلا أن نسبة اكتشاف المنهج التجريبي للغرب تحتاج إلى توثيق وإعادة بحث من جديد، لأن أمةً وجّه لها قرآنها المعصوم طلباً مباشراً بالسير في الأرض، والتفكر في الكون، والتدبر في السنن والنواميس، لهي أحرى وأولى أن تكون لها الريادة والأسبقية، وهو ما حصل حقيقةً، فالعالم قبل المسلمين كان يهيمن عليه المنهج الصوري الاستدلالي، إلا أن المسلمين من خلال وقائع عملية وتجارب معلومة ساهم فيها البيروني والكندي والخوارزمي وابن سينا وضعوا ملامح أولى وبدايات واضحة ولو كانت متواضعة في البناء العلمي والتصور الصحيح للحقيقة، ثم تنامت وتطورت في شكل مذهل وخلال سنوات معدودة. تؤكد هذا الدور زيغرد هونكة بقولها: «إن أثمن هدية قدمها العرب لأوروبا هي: منهج البحث، الذي لولاه لبقيت أوروبا في همجيتها» (شمس العرب تسطع على الغرب، لمؤلفته زيغرد هونكه، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي، طبعة دار الجيل ودار الآفاق الجديدة، الطبعة الثامنة، 1993م، ص:401).
أما تقريرات علمائنا الأوائل حول بناء المنهج التجريبي، فهناك سوابق أولية قدمها عدد منهم، فعلماء أصول الفقه بحكم اشتغالهم في المنهجية الاستدلالية، ظهر عليهم هذا النمط من التجريب من خلال إعمال دليل الاستقراء، وطبقوا هذه المنهجية في مباحث مسالك العلة في الطرد والعكس، والدوران، والسبر والتقسيم. يقول القرافي: «الدورانات عين التجربة» (انظر: نفائس الأصول شرح المحصول، للقرافي، الطبعة الأولى، مكتبة نزار البابي 1995م، 8/3346) وظهر اهتمامهم أيضاً في كيفية إثبات الوصف المناسب لتعليل الأحكام (تنقيح المناط وتحقيقه)، واشتراطهم التأكد في الفتوى من مناطات التنزيل الصحيح لها، واطراد العادة والعرف في الواقع، وغيرها من شواهد كثيرة. (انظر: مناهج البحث عند مفكري الإسلام، واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، لمؤلِّفه الدكتور علي سامي النشار، طبعة دار النهضة العربية، 1984م، ص:291 – 292).
ولعلمائنا السابقين حديث مسهب عن منهج التجربة في إثبات الحقيقة، ويعتبر سابقاً عن كل ما تحدث به الغربيون، أذكر على سبيل المثال، ما قاله الإمام الغزالي المتوفى 1111م حوله وسماه منهج المجربات: «المجربات وهي أمور وقع التصديق بها من الحس بمعاونة قياس خفي، كحكمنا بأن الضرب مؤلم للحيوان، والقطع مؤلم، وجزّ الرقبة مهلك، والسقمونيا مسهل، والخبز مشبع، والماء مرو، والنار محرقة؛ فإن الحس أدرك الموت مع جزّ الرقبة، وعرف التألم عند القطع بهيئات في المضروب، وتكرر ذلك على الذكر فتأكد منه عقد قوي لا يشك فيه، وليس علينا ذكر السبب في حصول اليقين بعد أن عرفنا أنه يقيني، وربما أوجبت التجربة قضاء جزمياً وربما أوجبت قضاء أكثرياً، ولا تخلو من قوة قياسية خفية تخالط المشاهدات وهي أنه لو كان هذا الأمر اتفاقياً أو عرضياً غير لازم لما استمر في الأكثر من غير اختلاف، حتى إذا لم يوجد ذلك اللازم استبعدت النفس تأخره عنه وعدّته نادراً، وطلبت له سبباً عارضاً مانعاً. وإذا اجتمع هذا الإحساس متكرراً مرة بعد أخرى، ولا ينضبط عدد المرات كما لا ينضبط عدد المخبرين في التواتر، فإن كل واقعة ههنا مثل شاهد مخبر، وانضم إليه القياس الذي ذكرناه؛ أذعنت النفس للتصديق». (معيار العلم في فن المنطق لأبي حامد الغزالي، تحقيق د. سليمان دنيا، دار المعارف بمصر،1961م، 1/39).
وفي المستصفى سماه التجريبيات، حيث قال: «التجريبيات: وقد يعبر عنها باطراد العادات، وذلك مثل حكمك بأن النار محرقة والخبز مشبع … فإذا المعلومات التجريبية يقينية عند من جربها» (المستصفى لأبي حامد الغزالي 1/84).
فالغزالي رحمه الله يرصد أهم البراهين التي تثبت الحقائق واليقينيات، ويصرح بكل وضوح على رعاية المنهج التجريبي وضرورته في إثبات صدق الحقائق، خصوصاً ما كان منها في المجال الطبيعي.
وفي نص آخر يقول الشيخ ابن سينا المتوفى 1037م: «فإنّا كثيراً ما نتوصل بالحس إلى مقدمات كلية لا لأن الحس يدركها؛ بل لأن العقل يصطادها على سبيل التجربة، وعلى ما أوضحناه نحن من قبل حيث بيّنا ما التجربة. ولما كان الحس قاصراً في كثير منه عن الإدراك المستقصي، صار يوقعنا ذلك في عناء وبحث عن حال ذلك المحسوس نفسه بقوة غير الحس وهي العقل بالفعل» (المنطق لابن سينا 1/493، انظر أيضاً للاستزادة: بحث المنهج التجريبي في الفكر الإسلامي للدكتور محمد ياسين عريبي، مجلة المسلم المعاصر، العدد 65.66، السنة 1993م).
هذه النصوص المتقدمة حول المنهج التجريبي تثبت عقلية علمية ناضجة استلهمت بالنظر والمعرفة أصول اليقينيات التي من خلالها نكتشف حقائق الأشياء ونواميس الكائنات، ما يجعل تسخير الكون للإنسان أسهل ومنافع استغلال الأرض أقرب.
وهذا ما يقرره الإمام الشاطبي في وصفه لذة البحث التجريبي لأجل الوصول إلى الحقائق العامة والوصول إلى المنافع الإنسانية حيث يقول: « فإن في العلم بالأشياء لذة لا توازيها لذة إذ هو نوع من الاستيلاء على المعلوم والحوز له، ومحبة الاستيلاء قد جبلت عليها النفوس وميلت إليها القلوب، وهو مطلب خاص برهانه التجربة التامة والاستقراء العام» (الموافقات لابي إسحاق الشاطبي 1/67 تحقيق مشهور، طبعة ابن عفان 1993م)، وقد قام الدكتور علي سامي النشار برصد مكتشفات جابر بن حيان وابن الهيثم في المجال التجريبي وبيّن تفوقها في العمق والأسبقية على كل من سبقهم أو من جاء بعدهم من رموز البحث التجريبي في الغرب. (انظر: مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ص335 – 349)
فإذا كان القرآن العظيم سبّاقاً بالدعوة إلى السير في الأرض لمعرفة عاقبة أسباب هلاك الأمم السابقة، ولأجل معرفة كيفية بداية الخلق، لأن معرفة تلك البداية نفعٌ للناس في حياتهم وإلا لما أمر الله بها الخلق، وكذلك ما قرره علماؤنا في مواضع كثيرة يستحثون العقل فيها على السير والتجربة، دلّ ذلك بمجموعه أن التسخير الكوني للإنسان مراد الله من الخلق، فالغاية محمودة والوسيلة لها معروفة مشروحة، فلم يعد للإنسان إلا سبيل العمل والطلب.
والمسلم المعاصر الذي يؤمن بوجوب العمارة يعلم أن الملاحظة وكشف القوانين الحاكمة للأرض والسماء هما ما يفتحان له أبواب استغلال الكنوز المدّخرة واستثمارها، كما أن معامل التجريب البحثية هي محاريب العبودية للقيام بواجبات الاستخلاف الإنساني، وتخاذلنا وضعفنا عنها يكشف مكاننا المتخلف في هذه المجالات العلمية، وكأن القرآن الكريم لم ينزل علينا ولم يأمرنا في عشرات الآيات بهذه التكليفات؛ حتى يخيّل إلينا أن من يلحدون بالدين هم أكثر من قام بتلك الوصايا الربانية؟! من خلال حرث الأرض وتصنيعها وغزو الفضاء واكتشافه والغوص في البحار واستغلالها، لذلك كان من الواجب التذكير الدائم بضرورة ردم الهوة التي فصلت بين العلوم التجريبية والدينية، ولا ينبغي أن يهمّش أحد من علماء الشريعة حاجتنا للعلوم الطبيعية بناءً على جهله بها، ولا ينبغي أن تكون ظاهريته الجامدة في قراءة النصوص واحتكارها في الواجبات العبادية سبباً في إنكار واجبات النصوص الاستخلافية وغاياتها، وفهم الأوائل للدين والوحي مقصد جليل يسمح بعودة الفتوح العلمية لأجل نهضة المجتمعات الإسلامية، التي توافر لدى بعضها المال والفرص، لكن تهافت وتلاشي المنهج العلمي والعملي في توظيفها لمصلحتهم، أقعدهم عن اللحاق بالأمم المتقدمة، ومن يظن أن استنساخ المناهج ونقلها بحذافيرها من الدول المتقدمة يكفي في النهوض، فأظن أن فهمه ناقص، فنقل المناهج الحديثة من دون وعيٍ بحاجاتنا، ومما لا يمت بصلة بواقعنا وثقافتنا ودفعه في الجامعات بهوية ولغة متباينتين، قد يصنع منتجاً غريباً ويحقق نصف نهضة تنموية، ويُظهر تقدماً مرقعاً تبدو فيه الندوب والهوّات السحيقة عند الأزمات وضعف الموارد، واليابان وكوريا والهند وغيرها أحسنت توظيف المنهج الحديث لمصلحتها وطوّعت آلياته لمبادئها، والعاقل يعرف يقيناً أن النخيل لن ينبت في القارة القطبية، والسفن لن تجري على اليبس، والمعجزات لن تُصنع إلا بكدح وبحث ومنهج رصين.

المصدر: صحيفة الحياة

(Visited 4 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

azhar35

إعلان الأزهر في مؤتمر … المواطَنة والعيش المشترك

إعلان الأزهر في مؤتمر ... المواطَنة والعيش المشترك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification