الرئيسية / الإسلام السياسي / المجتمع المدني في الإسلام وإشكاليات الممارسة السياسية

المجتمع المدني في الإسلام وإشكاليات الممارسة السياسية

image_pdfimage_print

بقلم: سليم الحاج قاسم — إذا كان حصول أي تغيير في الإطار العام لمبحثٍ ما، يؤدي ضرورةً إلى اختلافٍ في المعجم الاِصطلاحي لبعض المدلولات، فإن ما يمكن الجمع بين لفظَيْ «المجتمع المدني» و «الإسلام» أن يخلفه من غموض قد يصل حتى إلى درجة التناقض، حتم علينا – في بداية هذه الدراسة النقدية – إنشاء مدخل مفهومي من شأنه تحديد العلاقة القائمة بين هذين المصطلحين داخل منظومة الدين، من وجهة نظر إسلامية على وجه الخصوص.
إن التعريف الغربي الأولي لمصطلح «المجتمع المدني» يكشف غرابة هذا الهيكل الاجتماعي عن الإسلام سواء بوصفه ديانة أو منظومة سياسية. تعرّف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) المجتمع المدني بأنه: «التنظيم الذاتي للمجتمع خارج الإطار الحكومي والتجاري» أي أنه عموم الهيئات أو المجموعات المنظمة المستقلة تماماً عن الدولة. غير أن هذا التعريف يخفي بين طياته مسألة غاية في الأهمية، تمثل نقطة الاِرتكاز في المفهوم الغربي. إن تأكيد جل التعريفات المعتمدة في الغرب على استقلالية الهياكل المكونة المجتمع المدني عن الدولة، ليس – في واقع الحال – سوى إشارة إلى أن هذه الهياكل تمثل قوة مقابلة لسلطة الحكومة، أي معارضة لها، تسعى إلى إحلال نوع من «التوازن السلطوي» داخل البلاد، يمنع الحاكم أو مجموعة الحاكمين من الاِنفراد المطلق بالحكم، ويضمن للمحكوم إمكان المشاركة في تحديد مصيره. غير أنه – وعلى رغم دقة التعريف – تستحيل مجموعة من الأسئلة الإشكالية قائمة بين حنايا هذا المبحث. ألا يبقى المجتمع المدني الذي عُرف باستقلاليته عن الدولة، رهين النموذج السياسي المتبع في بلد ما؟ هل يبقى هذا التعريف ساري المفعول في ظل دولة ثيوقراطية؟ وفي ما تكمن حدود وآفاق اشتغال المجتمع المدني تحت دولة الإسلام؟
نعتبر أولاً، أن المرجعية الأولى عند التطرق لبحث مماثل هي النصوص والوقائع التاريخية الثابتة، بخاصة في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم)، في المدينة. إن مبدأ الحاكمية الإلهية في الإسلام، يخرج طاعة الحاكم من دائرة السياسة، إلى الرؤية الدينية، شريطة امتثال هذا الأخير بدوره للمنهاج الرباني الذي تحدده النصوص أو الممارسة النبوية التطبيقية لها.
ذلك أن توافر أول شروط التعامل بين الحاكم والمحكوم، والمتعلق أساساً بالطرف الأول، وهو الحكم بالعدل كما تبين الآية الكريمة: «إن الله يأمركم أن تُؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»، يفرض توافر ثاني هذه الشروط، والمتعلق بالطرف الثاني، وهو الطاعة كما تبين الآية: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم». من مثل هذا المنطلقِ، يظل وجود مجتمع مدني ما، رهين وجود مجموعات منظمة تربط بين عناصرها أواصر مغايرة للعلاقة التي تربط بين أفراد المجتمع. أواصر إضافية تجعل من هذا الهيكل قوة من شأنها الضغط على سلطة الدولة وحدها. بناء عليه، يصعب تصور مجتمع مدنيٍ – وفق المفهوم الغربي – في الإسلام، ذلك أن الانتماء داخل الدولة الإسلامية لا يكون سوى للدين وللهياكل التي تدخل تحت إطاره، فلا تتحول في أي شكل من الأشكال إلى قوة مقابلة للدولة، من ذلك الأسرة، أو العشيرة. لقد بقي الانتماء، كما يقول الدكتور صبري محمد خليل «انتماء تكوينياً لا تكليفياً».
أما لو ساءلْنا المبحث من داخل منظومة العلاقات الإسلامية ذاتها، فإنه يمكن استشفاف كينونة مجتمع مدني مسلم له خصوصياته ومقوماته المغايرة لتلك التي تخص الغرب. إن أول الفروق وأهمها بين العالَميْن (الغربي والإسلامي)، هو التوجه العام إلـى «سلطة» المجتمع المدني. هذه الأخيرة، ليست موجهة، في الإسلام، ضد سلطة الحكومة، كما لا تسعى إلى خلق توازن سياسي ما، لكنها سلطة موازية للدولة، شبه مساندة لها. وتتمثل مهماتها الأساسية – كما يبين مارتين فيلاجوس – في توفير الخدمات العمومية المعيشية وتنظيم جزء من العلاقات الاجتماعية. بذلك، ينفي أي شكل من أشكال التصادم بين المجتمع المدني والدولة، صفة من أهم صفات الدولة اللاهوتية. كما يرجع هذا التباين المفهومي، إلى مبدأين أساسيين: أولهما سعي الإسلام إلى جعل المسلمين كتلة واحدة لا يفرق بين عناصرها أي انتماء، من ذلك قوله تعالى: «وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون»، و ثانيهما، تركيزه – بعد فكرة الانتماء إلى الدين – على التجمع التكويني. من ذلك أن موسى (عليه السلام) اشترط القرابة التكوينية في الشخص الذي سيسانده في مواجهة فرعون، ألا وهي قرابة الأهلية التي خصصها وعمقها أكثر بحصرها في واحدة من أمْتَن العلاقات التكوينية، وهي الأخوة: «واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري». هذا من جهة. أما من جهة ثانية، فقد اعتمد الإسلام في تكوينه الانتماءات، من غير الخروج عن البوتقة العامة (الدين) ومن دون اللجوء إلى معارضتها، على مبدأ أغفله التوجه الغربي وهو مبدأ «وحدة المهمة». لقد راهن الإسلام على الفعل المشترك بين مجموعة معينة من الأفراد، لخلق مجموعات منظمة تربط بين عناصرها علاقة جديدة، إضافة إلى العلاقة الدينية، ألا وهي الاشتراك في المهمة.
تجد «نظرية» وحدة المهمة مرجعيتها في القرآن ذاته، إذ يقول عز وجل: «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولِينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون». وقوله: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون». إن استخدام «من» التبعيضية في كلتا الآيتينِ يُميز ويُخرج فريقاً من المسلمين من صلب الجماعة الشاملة المنطوية تحت راية الدين لِيُخصصه، ثم يعلل القرآن هذا التخصيص بحجة المهمة المشتركة كالتفقه في الدين أو الدعوة إلى الخير. إنه يجمع بين أفراد هاتين الفرقتين بوحدة العمل. إنه يشكل منهم مجموعات مدنية (لأنها متميزة عن الدولة) لا تخرج عن إطار الدين، ولكن تتميز عنه. إن هذه المجموعات تكون المجتمع المدني المسلم. هنا، تلتقي هذه النظرية الإسلامية كما تطرقنا إليها مع النظرية الهيغلية (نسبة إلى «هيغل») في المجتمع المدني. ذلك أن هيغل تناول مفهوم المجتمع المدني استناداً إلى منهجه المثالي الجدلي القائم على اعتبار التاريخ مسرحاً لتطور الفكر الإنساني المطلق عبر مراحل، واعتبار الدولة أرقي تجسيد لهذا الفكر. لذلك، فإن الدولة تستوعب المجتمع المدني في داخلها كنفي جدلي لها، وكمرحلة من مراحل تطورها. إن وجه المقاربة بين النظريتين يكمن أولاً في أن هيغل نفى البعد التصادمي مع الدولة واعتبر أن المجتمع المدني هو بمثابة نتاج لها. وثانياً، في أن الإسلام قد راهن هو الآخر على نوعية مجتمع يسعى إلى الاشتغال في الخير بمعزل عن الدولة ومن دون الرجوع إليها بالنظر، بخاصة أن الدعوة إلى ذلك قد خرجت من دائرة التخصيص، إلى الأمة كاملة: «كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله». أليس في ذلك تعميم لسلطة المجتمع المدني؟ أليس هذا شكلاً من أشكال التأسيس «للمجتمع المدني – الدولة». المجتمع المدني الذي يمثل المرحلة الأكثر رقياً في التطور الفكري الإنساني، الأكثر نضجاً من الدولة ذاتها.
للختم بإمكان نقدٍ لما جاء في الفكر الغربي بخصوص هذا الهيكل الذي صار رمزاً من رموز الحداثة السياسية، تجدر الإشارة إلى أن مبدأ الاستقلالية الذي سبق ذكره لا يخرج – في حقيقة الحال – من دائرة النسبية، ذلك أن معارضته للدولة ليست سوى شكل من أشكال المنافسة السياسية، خصوصاً أن ذلك لا يتم سوى في نطاق عام من الحريات وإمكانات التحرك السياسي. إمكانات تحددها الدولة ذاتها. أي أنه يمكن هذا المجتمع أن يمثل هو ذاته، إما بطريقة مباشرة إما غير مباشرة، نتاجاً لما سطرته الدولة من سياسة داخلية عامة. وبذلك يتحول هذا المجتمع المدني إلى «مجتمع الدولة المدني»، أي أنه يضحي مجرد تَمظْهُرٍ مغاير لها، كما يحصل في الكثير من الدول المتخلفة سياسياً.

المصدر: صحيفة الحياة

(Visited 6 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

سيد قطب

جاهلية سيد قطب وتكفير المجتمعات

جاهلية سيد قطب وتكفير المجتمعات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification