الرئيسية / حوارات / تعرّف على مولانا جلال الدين الرومي: حوار مع الباحث خالد محمد عبده

تعرّف على مولانا جلال الدين الرومي: حوار مع الباحث خالد محمد عبده

image_pdfimage_print

Khaled

حوار: عزيزة السبيني — اختتم معرض الكتاب في بيروت دورته الستين، بمشاركة 180 دار نشر لبنانية و75 دار نشر عربية. وأثناء زيارتنا لجناح دار مداد، وهي من الدور اللبنانية حديثة النشأة، والمتخصصة بالمخطوطات التاريخية، وبالفكر الصوفي، التقينا بالباحث المصري المختص بالتصوف، خالد محمد عبده، الذي وقع كتبه عن مولانا جلال الدين الرومي، وهي: مولانا جلال الدين الرومي.، وترجمة رباعيات جلال الدين الرومي، ودراسة حول أثر الرومي في الدراسات الصوفية في الهند، وأخيراً كتاب المستشرقون والتصوف الإسلامي، يتحدث عن أثر الفكر الصوفي في دراسات المستشرقين.
توجهنا إليه بجملة من التساؤلات حول جلال الدين الرومي، والإشكاليات التي أثيرت حوله، وحول تجربته الصوفية. والآتي نص الحوار:
*من هو جلال الدين الرومي، وما الأثر الذي تركه في الطرق الصوفية الشرقية، ولماذا تأخر العرب في معرفته؟

**عبده: بداية، لا بد من التعرّف على ولادة مولانا جلال الدين الرومي في مدينة بلخ، هذه المدينة التي ينسب إليها كبار العلماء والفلاسفة والفقهاء، وأبوه بهاء الدين ولد، الملقب بسلطان العلماء، عالم دين، ورجل صوفي، اضطر للهروب من بلخ أثناء الغزو المغولي الذي دمر المدينة، فتوجه بهاء الدين إلى مكة لأداء فريضة الحج، وفي نيسابور، التقى الشاعر الصوفي المشهور فريد الدين العطار النيسابوري، الذي أهدى إلى جلال الدين الرومي كتابه ( أسرار نامه)، وظلَّ الرومي معجباً بالنيسابوري طوال عمره، ويردد (لقد اجتاز العطار مدن الحب السبع، بينما لا أزال أنا في الزاوية من دهليز ضيق).
أما لماذا تأخر العرب في معرفة الرومي، فالحقيقة أن العرب تأخروا حديثاً في معرفته، لكن العرب عرفوه منذ فترة مبكرة جداً، ولو عدنا إلى كتب التراث الإسلامي سنجد في التراجم، وفي طبقات الحنفية- باعتباره فقيهاً حنفياً- الكثير عنه، وخاصة في بلاد الشام، لأنه تلقى علومه الشرعية فيها، وفي بدايات القرن التاسع عشر، أحد المريدين لمولانا وللطريقة المولوية، أعجب بالرومي، وترجم المثنوي من الفارسية إلى اللغة العربية، ومنذ العام 1920، بدأ الاهتمام بمولانا الرومي على نطاق واسع، فترجمت أقواله، وأعيدت ترجمة المثنوي غير مرة مع شروحات وتفسير، وأهم ما نقل عن الرومي، هو ما ترجمه عبد الوهاب عزام الذي ترجم مختارات من قصص الرومي، وقام بنشرها في الصحف والمجلات، ثم بعد ذلك جمعها في كتاب اسمه (فصول من المثنوي) ووضع له مقدمة طويلة عن جلال الدين الرومي.

*وفي العصر الحديث، هل ما كتب عن الرومي يليق به وبفكره؟
** هناك الكثير من الكتابات والمؤلفات عن مولانا جلال الدين الرومي، لكن هذه المؤلفات ليست على مستوى واحد من الفكر والبحث والتدقيق، ويكفي الإشارة إلى ما كتبه الأستاذ عبد السلام كفافي، الذي ترجم أجزاء المثنوي، وكتب عن الرومي وتصوفه، وشرح طريق الصوفية عنده، والفن، والسماع، والموسيقى. وبعد عبد السلام كفافي، جاء تلميذه إبراهيم الدسوقي الذي أخذ عنه الاهتمام بالمثنوي، وقام بترجمته إلى العربية في ستة مجلدات، وتتالت بعد ذلك الدراسات، هذا في مصر. أما في العراق فقد ترجم الشاعر محمد مهدي الجواهري المثنوي كاملاً، وفي سورية ترجم الشاعر الفراتي مختارات من المثنوي. أما الأستاذ عيسى علي العاكوب، فترجم كل ما كتب الرومي، وبخاصة، ديوان (فيه ما فيه) ثم ترجم (رسائل مولانا جلال الدين الرومي)، وترجم أيضاً (المجالس السبعة)، وكل ما كتبه الدارسون العرب والمستشرقون، أمثال (آن ماري شميل) و (إيفا دوفيتري ميروفتش) التي اعتنقت الإسلام بعد أن قرأت الرومي وترجمت رباعياته إلى الفرنسية.

*ماذا عن حضور الرومي في الهند؟
**لم يقتصر أثر فكر جلال الدين الرومي الصوفي على العالم العربي، بل تعدى أثره هذه الحدود ووصل إلى الهند وباكستان، وفي الرصد الذي أجرته المستشرقة (آن ماري شميل) عن حضور الرومي في العالم الإسلامي، تتحدث عن سلطان اسمه جلال الدين أكبر، الذي اهتم بالرومي، وجعل في قصره مجلساً أسبوعياً لقراءة أشعاره، وأصبح هذا المجلس تقليداً عند السلاطين الذين حكموا بعده، وكل سلطان كان يكلّف أحد رجالاته بترجمة ونسخ أجزاء من المثنوي، فأصبحت هناك شروحات كثيرة باللغة الفارسية واللغة الأوردية، وعندما نتحدث عن أول سيرة محققة ومدققة للرومي في العصر الحديث، صدرت في الهند فكانت على يد مولانا شبلي النعمان، ركز فيها على جلال الدين الرومي كمتكلم أي عالم كلام، وأشار إلى المناطق الغامضة في تراث الرومي في الوقت الذي كانت فيه معظم الدراسات تركز على الرومي كمريد صوفي. والذي كتبه النعمان أثّر في كل من جاء بعده كالشاعر محمد إقبال وأبي الحسن الندوي، الذي أدرك أن الهدف من التجربة الصوفية عند الرومي هو سيادة الإنسان، وأن يكون بالفعل سيداً على الأكوان، كما خلق في الأصل.

المستشرقون وجلال الدين الرومي

*تشير آن ماري شميل إلى ثلاث شخصيات أثّرت في مولانا جلال الدين الرومي، هي شمس التبريزي، وصلاح الدين زركوب، وأخيراً حسام الدين شبلي، هل هناك ما يثبت ذلك؟
**مرت حياة الرومي بمراحل عدة، وكما ذكرت في البداية، أن الرومي هاجر مع والده من بلخ في أفغانستان إلى قونية، ووالده رجل صوفي وله مريدون وتلامذة فنشأته كانت في بيت صوفي، وفي قونية تتلمذ على يد برهان الدين محقِّق الترمذي، ثم توجه إلى حلب للدراسة، ومنها انتقل إلى دمشق، فتلقى العلوم الشرعية وتفقه بالفقه الحنفي، والتقى بالشيخ محيي الدين بن عربي في السنوات الأخيرة من عمره، وكان بينهما أحاديث ومساجلات. ويروى أن ابن عربي رأى الرومي يمشي خلف والده بهاء الدين، فقال: “يا سبحان الله! بحر يمشي خلف بحيرة!”، يعود الرومي إلى قونية ويلتقي (شمس التبريزي) وينضم إلى حلقته، وهذه المرحلة كما يقول عنها الرومي، هي مرحلة الانصهار (ثم نضجت فاحترقت). علاقة الرومي بالتبريزي لم يفهمها الباحثون، لأنهم غير قادرين على فهم الفكر الصوفي بشكل علمي ومدروس، وعدم الفهم هذا هو سبب التشويش الذي أثير من قبل بعض الأصوليين السلفيين حول علاقة الرومي بشمس التبريزي. وتشير الكثير من المصادر إلى أن شمس التبريزي قد استحوذ على روح الرومي ومشاعره مما دفع مريديه، كما أُشيع، إلى اغتياله. وبعد اختفاء شمس، أنشأ الرومي الحفل الموسيقي الروحي المعروف بـ”السماع”، ثم نظّم ديوان شمس تبريزي، وهي مجموعة أناشيد وقصائد تمثل الحب والأسى، وإنْ كانت في جوهرها تنشد الحب الإلهي المقدس.

أما الشخصية الثانية في حياة الرومي، فهي شخصية صلاح الدين زركوب، وعلاقته به كعلاقة الرومي بوالده، وصلاح كان أحد مريدي والد الرومي، فتعلق به الرومي بعد وفاة والده لأنه جمع بين شخصية والده، وشخصية الإنسان النقي، البسيط، الأمي. ونأتي إلى الشخصية الثالثة وهي شخصية حسام الدين شلبي، هو كاتب عند مولانا، فكان الرومي يرتجل وحسام الدين يكتب الأبيات وينشدها. فهو من كتب المثنوي، وكل إلهامات الرومي.

*المستشرقون والتصوف الإسلامي، عنوان كتابك الأخير، كيف قرأت العلاقة بين الاستشراق والفكر الصوفي؟

**رحلة الاستشراق مع التصوف هي رحلة طويلة، وعلينا ألا ننكر فضل المستشرقين في نشر الأفكار الصوفية في الغرب وفي العالم العربي، وعلينا أن ندحض كل الأفكار التي تقول إن المستشرقين يدسون السم في العسل، أو أنهم يهتمون بالجانب الجمالي فقط من الإسلام.
المستشرقون اهتموا بالتصوف، وضربوا أمثلة ممتازة جداً، فلو ذكرنا الحلاج في العصر الحديث يجب أن نذكر (ماسينيون) الذي واظب لأكثر من ثلاثين عاماً على تحقيق أعمال الحلاج، ولو ذكرنا الرومي في العصر الحديث أيضاً، علينا أن نذكر نيكلسون، وآن ماري شميل، في الحقيقة هناك مدارس استشراقية اهتمت بالفكر الصوفي أكثر من اهتمامنا نحن كعرب وكمسلمين، كالمدرسة الاستشراقية الألمانية.

الطريقة المولوية
لم نشأ أن نختم الحوار دون الحديث عن الطريقة المولوية التي أسَّسها جلال الدين الرومي في تركيا، ونظَّمها بعد وفاته ابنُه الأكبر سلطان وَلَد، ومن سماتها وخصائصها التي عُرفَتْ بها الرقص المعروف أو السماع، الذي أعطى مريديها اسم (الدراويش الدوَّارين)، وأصبحت من أشهر الفنون، ذات طقس له رمزيته. فالثياب البيض التي يرتديها الراقصون ترمز إلى الكفن، والمعاطف السود ترمز إلى القبر، وقلنسوة اللباد ترمز إلى شاهدة القبر، والبساط الأحمر يرمز إلى لون الشمس الغاربة، والدورات الثلاث حول باحة الرقص ترمز إلى الأشواط الثلاثة في التقرّب إلى الله، وهي: طريق العلم، والطريق إلى الرؤية، والطريق إلى الوصال. أما سقوط المعاطف السود فيعني الخلاص والتطهّر من الدنيا، وتذكِّر الطبول بالنفخ في الصُّور يوم القيامة، ودائرة الراقصين تُقسّم على نصفَي دائرة، يمثّل أحدهما قوس النزول أو انغماس الروح في المادة، ويمثّل الآخر قوس الصعود أي صعود الروح إلى بارئها؛ ويمثّل دوران الشيخ حول مركز الدائرة الشمس وشعاعها؛ أما حركة الدراويش حول الباحة فتمثّل القانون الكوني ودوران الكواكب حول الشمس وحول مركزها.

المصدر: الميادين نت
قونية، الباحث خالد محمد عبده، مولانا جلال الدين الرومي، التصوف، رقصة الدراويش، الطريقة المولوية، الطريقة النقشبندية، ابن عربي، المثنوي،

(Visited 49 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

interfaith

نوع جديد من الحوارات الدينيّة

نوع جديد من الحوارات الدينيّة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification