الرئيسية / التصوف / جَدليّة الافتراق والاجتماع في الزوَايا الصُوفيّة: نظرة سُوسيُوأنتروبُولوجيّة

جَدليّة الافتراق والاجتماع في الزوَايا الصُوفيّة: نظرة سُوسيُوأنتروبُولوجيّة

image_pdfimage_print

 عندما يكُون التّرَاث الإنسانيّ عامّة والصُّوفيّ تحديدًا، مَبْحثا فكريّا يَسْتثِيرُ العُقول، وحينمَا تكُون الطّرُق الصُوفيّة وأنشطتها أيضًا مَدَارًا للتأمّل والاستقراء، تشغلنا في هذا السياق، مُصْطلحات تتواتر في أعْمَال المتصوّفة وغيرهم، يَعْرفها العَامّة والخاصّة منهم، وصارت قاسمًا مُشتركًا بين رجال الطريقة في الزوايا الصّوفيّة. وهي عندهم لُغة تُحيل على معان ودلالات يفهمُونها بجلاء. إنّها أشبهُ ما تكُون بالخطاب الرمزيّ الذي لا يفهمه إلاّ خاصّة الخاصّة. ويمكن لنا أنْ نجد تواصلا بهذه اللغة، لا داخل الزوايا فحسب، بل بصُورة أجلى في أدبيات الخطاب الصّوفيّ كالشعر والوصايا والخطب والرسائل…

ومن هذه المفاهيم المتداولة نذكر مُصْطلح “الطريقة” و”الشيْخ” و”المريد” و”السّمَاع” و”الإنشَاد”… وهي مُصْطلحات لا تخصّ زاوية دُون أخرى، باعتبار أنّها مُتعلّقة بمجال التصوّف أصْلاً، ناهيك عن عالم الطريقة مثلا. ويَعْسُرُ أنْ نفهَمَ حقيقة الموْرُوث الصُوفيّ بغيْر فَهْمِ دَلالاتها وفكّ رُموزها.

ولعلّ أكثر المفاهيم اتّصالا بعالم التصوّف والطّرق الصّوفيّة التي يَحْتاج دَارس التّراث إلى الإلمامِ بها مُصْطلح “الزاوية”. رُبّما لأنّهُ مفتاح من مفاتيح العِلْم بخفايا الأمُور، أو لأنّ فهمه وتفكيك دلالاته يمهّد الطريق إلى إدْرَاك تلك العَلاقة الجدليّة بين النّص الصُوفيّ كخِطاب دينيّ اِيديُولوجيّ وبين الممَارسة الجمَاعيّة باعتبارها تطبيقًا عَمَليًّا لذلك التصوّر الذي يَحْمله الخِطاب.

إنّ العَزم على اقتحَام عَالم الزوايا ومُعاينَة مَا يدُور دَاخلها وخارجَهَا، من أنشطة ذات صلة بالطريقة يَجعلنا في مُوَاجَهَة مع جهاز من المفاهيم نرى أنّ استجْلاءَهُ أمْرٌ ضرُورِيٌّ جدًّا للنفاذ إلى عالم المتصوّفة ومَا يَجري فيه ولفَهم خُصُوصيّات الطريقة وما به تأتَلّفُ أو تخْتلفُ مع نظائرها في هذا المكان أو ذاك.

فلفظة “زَاوية” تبدُو أكثر الألفاظ تواترا واستعمالا كلّما تعلّق الأمر بالحديث عن الطرق والمتصوّفة. ذلك لأنَّ كلمَة “زاوية” في هذا الترَاث مُصْطلحٌ صُوفيّ بامتيَاز. ولا شكّ أنّ ضبط تعريف وَاضح لهُ يُيَسِّرُ علينا فَهْمَ جوانب مُهمَّة عَلى علاقة بالطرق الصُوفيّة وأنسَاقهَا الفكريّة وسُلوكيّاتها وخصَائص خِطابهَا.

ولئنْ كان هذا مُصْطلحًا واحدًا من تلك المفاهيم التي يَصُحّ أن نُطلق عليها مفاهيم صُوفيّة، فإنّ ما استقرَّ لدَيْنا بَعْدَ نظر في تلك الدّراسَات التي اشتغلت على المفهوم، هو أنّها مَرّت عليه مُرُورا عَرَضيّا، فلم تعمّق الدّلالة، ولم تُوضّحْ المعنى. فالذين خَاضُوا في مَعاني “الزاوية” ورَامُوا توضيحَها كانُوا مُوجِزين مُختزِلِين. ولمْ نعْثر، في مَا قرأناهُ، على نُصوص تُفصّل القول في تاريخ الزوايا ووظائفها وأبعادها العقائديّة والاجتماعيّة إلا مَا نَدَر.

1. في ماهيّة الزاوية:

مَا تُسْعَفُنَا به القوَاميس[1] حَوْلَ مَادَّة (ز، و، ي)، يبدُو شَديدَ الإيجَاز. يُقَال زَوَاهُ، زِيًّا، أبَعَدهُ فانْزَوَى. وزَوَّى فُلانًا: صَرَفهُ. وزَوَّاهُ عَن الأمر: نَحَّاهُ وأَبْعَدهُ. يُقال زَوَى السِّرَّ: طوَاهُ، وَزَوَى الشيء: جمعَهُ، كمَا يُقال: وأزوَى: جَاءَ ومعَهُ آخر، وتزَوَّى وزَوَّى وانْزَوَى: صَارَ في الزَّاوية. والزَاوية: رُكنُ البَيْت.

وفي ضوء ما يُوفره المعجم، يُمكنُنَا التنبّه إلى أنّ مَعْنى الانزوَاء هو الابتعَاد والاعْتزَال وكذلك الجَمْع والمصَاحبة. وهي دَلالات، على دِقّتهَا، تبْدُو مُتناقضَة.

أمّا مَعنَى الزَاوية فَهْو الرُّكنُ أو المكانُ أو الفضَاءُ الذي يُزَّوَى فيه الفَرْدُ، أيّ يُبْعَدُ ويُنَحَّى. ومَنْ كانَ في الزَاوية اعْتزَل النَاس وابْتعَد عن الدُنيا، وإذا ابْتعَد عن شوَاغل الناس والدُنيا صَار بإمْكانِه أنْ يَجتمِعَ بآخَر هو ذِهْنَهُ وفكرهُ يَدعُوانهِ إلى التأمّل، أو هو مَنْ زُوِيَ مِثلهُ يُؤانسَه.

يبدُو إذن، أنَّ مَا يُحيل عليه المعنى الاشتقاقيّ اللغَويّ، بمَا هُو رَدِيفٌ للاعْتزَال والانفِرَاد والصّرف والإبعَاد، تُناقضُه وَظيفة المكان الذي يَتزَّوَى فيه الشَّخص لأنّهُ في الحقيقة يُتيحُ لهُ الجَمْع والالتقَاء.

ويجوز لنا القول، حينئذ، إنّ مفهُوم الزَّاوية مفهُوم “اِشْكَاليّ” يَحْمِلُ من تنَاقضَات الدَّلالة مَا يُنْبِئُ باختلاف الوَظائف في هذا الفضَاء الفَريد بأسْرَاره.

وإذا حَكّمنَا العقل بَطُلَ العَجبُ من تنَاقض الدَّلالات، وقَدَرْنَا على فكّ أسْرَار ذاك التضَارُب في المعَاني. فالزَّاوية هي فعْلاً مَكانُ الانقطاع، ولكنَّهَا أيضًا مَكان الاجتمَاع. إنّها فضاءُ انقِطاعٌ عن الدُنيا وشوَاغلها وخُلوَة مَع الفكر وتأمُلاته واجتمَاعٍ بمَن اختارُوا هذا المكان لذات الغَرض أو ما يُشاِبهُهُ.

ولقد أدرَك البَاحث عبد الجليل الميسَاوي سِرّ هذا التنَاقض في مُصطلح “زَاوية” فأشَار إلى مَا فيه من ازدوَاجيّة في الدَلالة وتَقابُل في المعْنَى. فقال “مِنْ بين الألفاظ المشتركة في اللغة العَربيّة نجدُ كلمَة “زَاوية”، بل هِي ليْسَت فقط من الألفاظ المشتركة وإنّمَا هي أيضًا من أسمَاء الأضْدَاد، أي أنّهَا من الكلمَات التي تَدُل على المعْنَى ونَقيضِه…هذا الاشترَاك اللفظيّ وهذَا التضَادّ الدَلاليّ في كلمة “زَاوية” وفي مَادّة (ز، و، ي) التِي اشتُقت منهَا يَجْعَلان من الصَّعب الجَزم بمَضمُون مَدلولهَا الاصْطلاحيّ، هل هو يَعني “الجَامعَة” و”المركّب” أو هُو يَنصرفُ إلى الدَلالة على “الخَلوة” بمَا تعْنيهِ من انفرَاد وعُزلة وانقطاعٍ”.[2]

وإذا سَلّمنا بأنّ المصطلح بَات يُمثلُ لغزًا مُحيّرًا بمَا يتضمّنهُ من إشَارَات إلى الدّنيَويّ المَادّي والعَقائديّ الرُّوحَانيّ، صَارَ لزَامًا علينَا أنْ نَبحَث في تفَاصيل ذاك التنوّع الوَظائفيّ وأنْ نُحَدِّد تلك المرَاحل التاريخيّة التي حَوّلت الزَاوية إلى أكثر من مَكان للانزوَاء والتعبُّد.

2. الزاوية: تاريخيّة المسمَّى

أوّل مَا ينبغِي أنْ نُقِرَّ بهِ، في سيَاق هذه المقاربة النَقديّة لمكانة الزوَايا الصُوفيّة في تاريخ الإسلام القديم والمعاصر، هُو أنّ البدَايات الحَقيقيّة لاستعمَال مُصطلح “زَاوية” كانت في القرن السَابع للهجرة. ومَعنَى ذلك، أنّهُ تزَامن مَع لحظة التأسيس الفِعليّ للطّرقيّة ورَافق نَشأة الطُّرق الصُوفيّة ومرَاحل انتشَارها في المشرق والمغرب. فَلسنا نَجِدُ في كُتب الأوّلينَ من المتصوّفة مَا يُشيرُ إلى تدَاوُل هذا المصْطلح بَينهُم أو استعمَال مُصْطلح مُرَادِف لَهُ. لأنّ هَؤلاء الرَّاسِخِين في علم التصوّف لم يَعْرفُوا مِن أمَاكن العبَادة والتقرّب إلى الله غَيْر المسَاجد. ففي رحَابها كانتتَأمّلاتهِمْ، وفي أرْكَانهَا كَانت جَلسَاتهم إلى طالبِي العلم من مُريديهِم.

على أنّ الإقرَار بتزَامن استعمَال مُصْطلح “الزَّاوية” مع ظهُور الطرق الصُوفيّة لا يَعْنِي قطعًا التَسليم بوُجُود اتّفاق عليه في المشرق الإسلاميّ ومَغربه. فمَا ثبَت لدينا، بَعد نظر في كتابَات المشارقة عن التصوّف والطُرقيّة، هُو أنّهُم كَانوا يَجْهلُونَ لفظ “الزَّاوية” ولمْ يَستعملوهُ في أعمَالهم. إنّمَا تكَرّرت لديهِم مفَاهيم أخرى مُرادفة للزَاوية أو قريبَة منهَا في المعنَى. “فالشَائع لدَى المشارقة استعمَال جُملة من المُصطلحَات يَختلفُ تدَاولهَا باختلاف المَكان والزمَان. فقد استعملوُا في البداية مُصْطلح “الخَانقاة”*”[3]. وهو لفظٌ دَخيلٌ دُون شكّ وَقع تدَاولهُ رَدْحًا من الزَّمن واحتلَّ مَكانة في مُدوّنات الثقافة الإسلاميّة وبالتحديد في أدَبيّات الفكر الصُوفيّ. ثمّ “خَلفَهُ فيالقرُون التّالية وإلى اليَوم مُصطلح “مَقام” و”مَشهَد” ثم نَشِطَ في العَهد العثمَانيّ مُصْطلح رَابِعٌ هو “التكيّة” وهي مَأوَى الدّرَاويش والمتعبّدين.”[4]

على هذا الأسَاس، يُصبحُ مَفهُوم “الزَّاوية” مُصطلحًا مَغاربيًّا بامتيَاز. ففي المغرب العَربيّ كان رَوَاجُ الكلمَة، فحَملت من الدّلالات مَا بهِ تُعْرَفُ الأمَاكن التي يَرتادُها المتصوّفة ويُمَارسُون فيهَا نشَاطهُم. بَل، إنّ هذا المصْطلح كَان في تلك الرّبُوع عَلامَة مُميّزة للنَشاط الصُوفيّ، حَتى صَارَ الحَديث عن حَركة صُوفيّة وَثيق الصّلة بمَا يَجْرَي داخلَ الزوَايا وَبَات الفَصل بينهُما ضَرْبًا من التعَسّف المبْعِدِ عن الحَقيقة.

ويَنبغِي ألاَ يَقُودَنَا الاقرَار بمَغاربيّة الزَاوية كمُصْطلح إلى إنكَار وُجُودِ مُصْطلحَات أخرَى مَشرقيّة مُتدَاولة في المغرب. فكلمَة “مَقام” ليسَت غَريبَة عَنْ “أبْجَدِيَّات” الثقافَة التونسيّة مثلاً، لأننّا وَجدنا أهل هذه الرُبُوع يُطلقونهَا على أضْرحَة الأوليَاء والصَّالحين. حتى شاعَ الحَديث عن “مَقام الإمَام سَحنُون” و”مقام أبي زمْعَة البلويّ” و”مَقام سيدي بُولبابة” وغير ذلك كثير.

ويَبْدُو أنّ أهل إفريقيّة كَانُوا في اختيَارهم لمفاهيمهم الصُّوفيّة أكثر وَعْيًا وتَمييزًا من المشارقة، ففصَلوُا بين الزَاوية كمُؤسَّسة أو مُرَكّب يَأوِي الجَمَاعَات وبَيْنَ الضَّريح أوالمقام بمَا هُو مَدْفَنٌ فَرديٌّ للوَليّ قد يَستقلُّ بذَاتهِ وقد يَلْحَقُ هو الآخَر بالزَاوية فيكُون جُزْءًا منهَا. مثلما ميّزوا بينها وبين “الرباط” كمكان للحراسة والحماية وتدبير الحِيل لمقاومة العدو، زيادة على الدّلالة المألوفة وهي التعبّد والتفقّه في أمُور الدين، يقول محمد حجيّ “لم تظهر الزاوية في تاريخ المسلمين كمركز دينيّ وعلميّ إلاّ بعد الرباط، والرابطة لغة مصدر رَابَط يُرَابط بمعنى أقام ولازم المكان. ويُطلقفي اصطلاح الفقهاء والصوفيّة على شيئين: أولهما البقعة التي يجتمع فيها المجاهدُون لحراسة البلاد وردّ هجوم العدوّ، والثاني عبارة عن المكان الذي يلتقي فيه صالحوا المؤمنين لعبادة الله وذكره والتفقه في أمور الدين”[5]

وأيًّا كَانت الاختلافَات في اختيَار المفاهيم المحدّدَةِ لِفَضَاءَات الممَارسة والفكر الصُّوفيّيْنِ، فإنّ مَا يُمكنُ أنْ نَحتفظَ به هُو أنّهَا اختلافاتٌ في التسميَة لا غَير. أمّا المسَمّيات فوَاحِدةٌ، تَجُرّنَا إلى الاقرَار بوُجُود وَظائف وَاحدة لمْ تكُن ثابتة مُنذ أنْ نَشأت الزّوَايا، ولا كَانت مُحَنّطة على مَدَى سَنوَات التأسيس ثمّ الازدهَار.

3. وظائف الزاوية: من الرّوحيّ إلى الاجتماعيّ:

لَسْنَا نَجدُ في هذه الوَظائف، التي نَهَضَت بهَا الزّوَايا الصُوفيّة، مَا يَدُلُّ على وُجُود نِظامٍ دَقيقٍ حَكَم تطوّرهَا مُنذ لَحْظة النَّشأة وحَتى يَوم الناس هَذَا. لكنّ مَا يُمْكِنُ أنْ نَسُوقهُ على وَجه الاجتهَاد والتَّخمِين ووفق مَا جَادت به القرَاءَات المختلفة لتاريخ التصَوّف الإسلاميّ، هُو أنّ الزَّاوية مَرّت بمرَاحِل وأطْوَار أفرَزت وَظائف كَانت مُتشعّبَة بلا شَكّ، ولكنّهَا مَثَّلتْ الوَجه الحَقيقيّ لهَذا الفضَاء المحْسُوبِ على المتصَوّفة.

وأولَى تلك المرَاحل مَرحَلة البنَاء وبدَاية الانتشَار. وهي مَرحَلة كَانت فيهَا الزَاوية “مَكان العُزلة والانزوَاء للعبّاد والصّالحِين”[6]. وتلك هي الغَاية الأولى التي من أجْلهَا بُعِثت الزوَايا فكَانت في خُطوَاتهَا الأولى رَديفًا للمَسجد في وَظائفِه، وإنْ كَانت تَمتازُ عَنهُ بفكرَة الانعزَال والهُروب والانقِطاع. وهَكذا كَانت الزَاوية في بدَاياتهَا مَلاَذًا ومَأْوَى لِطَالبِي العُزلة أكثر مِنْهُ مفَرًّا لِطَالبي الحقّ ونَاصِري الديّن.

إنّهَا ثقافَة الانْعزَال حَكَمَتْ مَرحَلة البدايَات، فكانت فيهَا الإقامَة في الزَاوية إعلانًا عن العِصْيان الاجتمَاعيّ وتَكريسًا لِمَبْدَإ الثورَة على السَّائد والتمَرّد على مَألوف الحياة الاجتمَاعيّة، وبحثا عن مُمارسة القناعات الفكريّة والدينيّة بعيدًا عن الرقابة التي تحارب “الشُذُوذ” الفكريّ وتقمع حقّ الاختلاف.

وقد يَكُون هَذا الدّافع إلى مُخالفة الناس والقَطْعِ مَعَهُمْ هُو الذي جَعل أولى الزوَايا، في بلاد المغرب العَربيّ خَاصّة، تَسْتقرّ في أمَاكن نَائِيَة بَعيدَة عن العُمْرَان البَشريّ وتكَادُ تَخلوُ من مَظاهر الحيَاة عَدَا عُبّادٍ يَعتكفُون في مَحَاريبهِم يَعبدُون الله خوفًا وطمعًا ويتركُون النّاس احترَازًا واحتسَابًا.

غَير أنّ تلك النَزعَة إلى الاعتزَال التِي من أجلهَا بُنِيَت الزّوَايَا استحَالت رَغبة في الاجتمَاع أفرَزتهَا ظرُوف تَاريخيّة وعَوَامِل ثقَافيّة. ذلك أنّ استعمَار البلاد العَربيّة أفضَى إلى استيقاظ الحَمِيَّة الدينيّة والمشاعر الوَطنيّة. وانتشرَت بالمقابل مَظاهر الفَقر والأميّة، فكانَ أنْ تَغيّرت وَظائف الزَوايا وتجَاوزَت أبعَادهَا الدينيّة العَقائديّة لتُعَانِق أبعَادًا أرْحَبَ وأعْمَق حَتى عدَّهَا الكثير من الدّارسين “مُؤسَّسة دينيّة واجتمَاعيّة وثقافيّة”[7].

وأولى تلك الوَظائف التي صَارت مَنُوطَةً بعُهْدة الزوَايا وَظيفة تعليميّة تَربَويّة. فقد بَاتت فضَاء لتحفيظ القرآن الكَريم ونشر تعَاليم الإسْلام التي حَاوَل الاحْتلال الأجنبيّ طَمْسَهَا، بَل إنّها سَاهَمت في تَعزيز الحِسّ القوميّ وتَقويَة الإحْسَاس بالانتمَاء إلى العُرُوبَة حَتى ذَهب البَاحث فتحي زغنده إلى القول: “وقدلَعبَت الزوَايا دَوْرًا لايُستهَانُ بهِ رَغم كُلّ ذلك في الحِفاظ على الشَخصيّة القوميّة في بلاد المَغرب الاسلاميّ وإنّ انتشَارهَا يُعَدُّ رَدّ فعل ضِدّ الغَزو الثقافيّ الأجنَبيّ”.[8]

ومن دَلائل هذا الانفتَاح على مَشاغل النَاس وهمُومهم في رحَاب الزوَايا، أنْ صَارَت مَكانًا لإيوَاء المحتاج وعَابر السَبيل ولإجَارَة المستجير من ظلم ظالم أو كَيْدِ حَاقِدٍ. ذلكَ أنّ الناس صَارُوا عَلى مَرّ الزَّمَان يَعتقدُون في شيُوخ المتصوّفة ويَلْتَمِسُونَ عندَهم الحمَاية ويَطمحُون في البَركة.

وأفْضَى انعِقادُ حَلقات الذكر دَاخل الزوَايا إلى تَعْزيز رُوح التضَامُن وإغنَاء مَشاعر الانتمَاء. وطَالَ هَذا التطوّر مُدن البلاد وأريَافهَا على حَدِّ سَوَاء فَحدَّ الاجتمَاعُ في الزَاوية من خَطر النَزعَة القبليّة والانتمَاءَات “العُرُوشيّة” واسْتحَال التناحُرُ تقارُبًا وآلَ العِدَاءُ إلى أخويّة في حَضْرَةِ شيُوخ الصُوفيّة.

لقد أصْبَحت الزَاوية “نَادِي المريدِين وبَاتَتْ المسجد ومَكان العبَادة والصَلاة والاعتكَاف. وصَارَت المدرسَة التي تنشُر العلم والثقافة وتمزّق غيَاهِبَ الجَهل والأمّيّة، والفُندُقَ الذي يَأوي إليه الغُربَاء وعَابرُو السَّبيل فهي مَركز القيَادة والتوجِيه.”[9]

إنّهُ التعَدّدُ والاختِلاف أفضَيَا بالزَاوية إلى أنْ تَتَحرَّر من وَظيفتهَا الفَرديّة الضيّقة لتُلْقِيَ بظلالهَا على الحَياة الاجتمَاعيّة بخصُوصيّاتهَا ودوَافعهَا السيَاسيّة وأسبَابها التاريخيّة. وهَكذا كان التَحوّل من ثقافة الانعِزَال إلى ثقافة الانفتَاح ومِن سُلطة الفرد إلى سُلطة الجَمَاعة. هَذا التطوّر الذي شهدَتهُ الحيَاة في الزوَايا جَعَل الأستاذ توفيق بنعَامر يَرى أنّ “نشُوء فضَاء الخَانقاة والرّبَاط والزَّاوية لمْ يكن استجَابة للحَاجَة النفسيّة والرُّوحيّة التي اقتضَاهَا النشَاط الصُوفيّ فقط، بَل كَان أيضًااستجَابة للحَاجات الاجتمَاعيّة التي أفرَزت ذلك النَشاط واتّخَذت منهُ شكلاً من أشكَال التَعْبير الدينيّ. وانطلاقا من تلك الحَاجَات اكتسَى ذلك الفضَاء طابعًا اجتمَاعيًّا. فكَانت الزَاوية مَكانًا مَفتوحًا لقَاصديهِ دُون تَمييز، وكانَتْ مَجالاً لإرسَاء عَلاقات اجتمَاعيّة من طرَاز جَديد عِمَادُها “التآخِي في الصّحبة”.[10]

4. الزاوية: بين المقدّس والمدنّس

إنّ تَحوّل الزَاوية مِنْ مُجَرّد مَكان للانعِزَال إلى مُؤسَّسَة ذَات نظام، جَعَل هَذا الفضَاء يُمثلُ في بلاد الاسلام وحَتى زَمَن مُتأخرٍ سُلطة حَقيقيّة تُضَاهِي سُلطة الدّولة. وهي بلا رَيبْ سُلطة رَمزيّة يَنتزعُهَا الشيُوخ المتصوّفة ويَنسبُهَا إليهم مُريدُوهُم من المؤمِنين بالطريقة والمقدّسِين لكرَامَات أربَابهَا من ذَوِي السُلطان الأعظم، أولئك الذين صَارُوا رُمُوزًا للتْقوَى والصَّلاحِ والسُلوك الحَسَنِ وقُدوةً للأتبَاع من ذَوِي الحَاجَة إلى مُضَاعفة الجُهْدِ لبلُوغ مَرَاتب الطريقة والحُلول في الذَات العَليّة.

ولما كَانت الغَاية من الاجتمَاع بالشيُوخ هي بالأسَاس غَايَةً عَقائديّةً رُوحيّة، ولما كانت الطريق إلى الحُلول في الله هي الذِكْرُ ومُدَاومَتُةُ، فقد نَشأت في الزوَايا الصُوفيّة ظوَاهر أخرَى لمْ تكنْ لهَا في مَرحلة البدايَات. ومن هذه الظوَاهر الاحتفَال والسّمَاع وإنشاد المدائح والأذكَار، وهي ظوَاهر تُرَاوحُ بين الدّنيَويّ والعَقائديّ وبين الحِّسّي والرُوحَانيّ فتنْضَافُ وَظائف أخرَى منهَا الاستمَاع والترويح عن النفس من ضِيق العَيش وشَظَفِ الحيَاة.

تُصبحُ الزَاوية إذن فَضاء للاحتفَال فَضْلاً عَن التعبُّدِ والاجتمَاع. وهذه الوَظيفَة التي لحقَتْبوَظائفَ أخرى على امتدَاد تاريخ الزّوَايا الصُوفيّة، في المغرب العَربيّ خَاصّة، جَعلت منهَا قِبْلة للبَاحثين في اختصَاصَات مُختلفة، فكَان منهم المؤرّخُون وعلمَاء الاجتمَاع والانترُوبُولوجيّون والاثنومُوزيكولوجيّون… هَكذا فالزَاوية بمَا تَتضمّنهُ من أبعَاد مُختلفة لمْ تَعُد مُجرّد مَكان للانزوَاء بَل صَارت حَدثا اجتمَاعيّا لهُ قيمَتهُ. فالممَارسَة الجمَاعيّة لنشَاط مُعيّن دَاخل مَكان مَا تَصنعُ الحَدث فتختزنهُ الذاكرَة الجمَاعيّة ليُصبحَ جُزءًا من ثقافة مُجتمَع بأسْره.

إنّها إذن مُؤسّسة تواصل بين الأفراد والجماعات، لذلك يذهب الباحث قسطاني إلى اعتبارها “المتنفس الثقافيّ والأمنيّ والدينيّ للأفراد والجماعات صعودًا، وهي تعريف الساسّة المخزنيّة نزولا. وتلعب الزاوية هذا الدور نظرا لطبيعتها المزدوجة، ثقافة عالمة فقهيّة سنيّة مرنة وثقافة شعبيّة رمزيّة طقسيّة صوفيّة عجائبيّة تؤثّر في العقل المستعد للانقياد وفي الوجدان”[11]

بَيْدَ أنّ الاقرَار بتنوّع الوَظائف في الزَوايا وتَحوّلهَا إلى حَدث ثقافيّ واجتمَاعيّ، لا يَنبغِي أنْ يَحْجُبَ عَنّا ظوَاهر أخرَى آلت إليهَا فأفْقَدَتْ كَثيرًا منهَا ذلك البُعد الرّوحَانيّ الذي بُعثَتْ من أجلهِ. فالذِي يَتأمّل مَا صَارَ يَحدثُ في تلك الفضَاءَات التي اتّخذهَا شيُوخ المُتصوّفة بيتَ صَلاةٍ وعبَادَةٍ ومَركزًا للدّعوة إلى تعَاليم الطريقَة يُدْرِكُ أنّهَا مَجالات لإحيَاء المدَنَّسِ، فشَاعَت في أركَانها مَظاهر الشعْوَذة واختلط الرّوحَانيّ الغَيبِيّ بالسِّحريّ الدّنيويّ حتى ذهب عبد الجليل الميسَاوي إلى القول: “يَتضَح بجَلاء أنّ الزوَايا بَعد التَربيَة والصَّلاح وبَعد السُموّ بالانسَان رُوحًا وَوجدَانًا… أخذ بَعضهَا مُنذ وَقت مُبكرٍّ وبالتَحديد مُنذ القرن السَابع الهجريّ يَتجّهُ نَحو نَشر الغمُوض والشَعْوذة والخرَافة والتَفكير الأسْطوريّ وكلّ مَظاهر التَخلف الاجتمَاعيّ والثقافيّ والانحرَاف العَقائديّ والسُلوكيّ”.[12]

ولا يَختلفُ هذا الرَّأي عَمّا ذهب إليه مُحمد لحول في مَقاله الزوَايا والطّرق الصُوفيّة بالبلاد التونسيّة. فقد رَأى أنَّ “مِمَّا يَسترعِي الانتبَاه ذاك الاختِلاطُ الغريب في الزيَارَات بين المقدّس والدُّنيَويّ…. لقد أصْبَحَت الزوَايا تُؤمُّ في الغَالب لمَآرب دُنيويّة تخرج تَدريجيًّا من الزيارَات الرّوحيّة إلى المهرجَانات الفلكلوريّة”.[13]

هذه الظوَاهر جَعلت بعض البَاحثين، على اختلاف اختصَاصَاتهم، يَرَى أنّ زوَايا هذه الأيام فقدَت جَانبا كبيرًا من إشعَاعهَا وانْحَدرَت إلى مَرحلة الانهيَار والانحِطاط بَعد أنْ شهدَت أوْج تَألّقهَا في فترَات الاحتلال الأجنبيّ وفي عُقوُدٍ لاحِقة من تَاريخ الاستقلال.

ويَعْمَدُ “الميسَاوي” إلى تعليل لحظة الانهيَار فيقول: “لقد كَان في مُقدّمة العوَامل المساعدة على تسريع انحِطاط الزوَايا والطّرق الصُوفيّة وعلى تَنكرّهَا للأهدَاف التي أُسِّسَتْ من أجلهَا ظهُور نظام توَارث الولاية والصلاح بحيث تنتقل المَشيَخة وقيَادة الزَّاوية أو الطريقة من الشيخ إلى أحَدِ وَرَثَتِهِ من رجَال أسْرَتهِ، وكثيرًا مَا يكون المُرشَّحُ لذلك أحَد الأبناء أو الإخوَة. وكأنّمَا الأمْرُ يَتعلّقُ بإمَارة أو مَمْلكة حَقيقيّة”.[14]

يُمكن القول إذن، إنّ قانُون الورَاثة الذي صَار يَحْكُمُ ظاهرَة تناقلِ المشيَخة بين المتصوّفة أفرَز حَالة من الجَهْل بتعَاليم الطّرق الصُوفيّة فأفضَى ذلك إلى ترَاجُع في التأطير والتوجيهِ ولم تعُد العَلاقة بين الشيْخ ومُريدِه على مَا كانت عَليه من قدَاسَة ووُثوقٍ. فكان أنْ تَزعْزَعت أركَان العَقيدَة، وتاهَت السُّبل إلى الطَّريقة. عَلى أنّ الظاهرة التي أشَار إليها الباحث الميسَاوي، لا تُلْغِي وُجُود ظوَاهر أخرَى أفرزَت بَدْورِهَا هذا المصير الذي آلت إليه الزَّوَايا. من ذلك، أنّ تَغيّر المجتمَع وتطوّر دَرجة الوَعْي أفْضَيَا إلى ضُعْف الإيمَان بالأوليَاء الصّالحِين وبَركة الشيّوخ من الطُّرُقيّين. فكَان أنْ قلَّ الإقبَالُ على الزَاوية وتقلّصَ زمَنُ الإقامَة فترَاجَعَت به الأنشطَة والممَارسَات داخل هذا الفضَاء.

ولقد أدْرَك البَاحثُ عبد الحكيم أبُو اللّوز حَقيقة هذه الظاهِرة فقال عنهَا “.. وعلى عَكس مَا كان مَعمُولاً به في المَاضي، فقد فقدَت الزَّوايا والأضْرحَة دَورهَا في استقبَال الزائرين وتوْفِير المَأوَى والمَأكل والمَشرب لهُمْ. وأصْبَحَت زيارتهَا لا تستغرقُ سوَى دَقائق مُتعدّدة يَستغرقهَا الزَائرُ في الجُلوس قبَالة مَرقد الوَليّ والدّعَاء لهُ قبل أنْ يهُمّ بالانصرَاف مِمَّا لا يُوفرّ فُرصة لمُسَيِّري الزوَايا وحَفدَة الأوليَاء وخُدّام ومُريدي الأضرحَة من إشاعَة قدرَات أجدَادهم في إنجَاز المعْجزَات، والدِّعَاية لقدرَاتهم على الاستجَابة لرَغبَات الزُوّار”.[15]

إنّهَا إذن لحْظة ترَاجُع لا يُمكنُ إنكارُهَا، ولكنّنَا نَرَى أنّهُ من السَّابق لأوَانهِ الحَديث عن “مَوت الزوَايَا” واندِثار الطُّرقيّة. والحجّة على ذلك، أنّ القراءات والمقاربات للتراث الصوفيّ، صارت الآن مُغريّة للانتروبُولوجيين والدارسين والباحثين في اختصاصات عدّة يعكفُون على النظر في التراث ومنه الزوايا الصوفيّة بالبحث والتَمْحيص. وتلك حجّة على أنّ الاندثار لم يحن بعْدُ.

ثمّ أليس ظاهرة الهجوم على الزوايا والأضرحة والمقامات اليوم، حُجّة على استهداف الذاكرة الجماعيّة للشعُوب المقدّس فيها والمدنّس؟

أليس هذا في حدّ ذاته مبحثا جديرًا بالاهتمام للحسم في ما إذا كان تراثنا عُمومًا قد اندثر تمامًا أمْ هو مُحصّن لأنّه ساكن فينا؟!.

 

المصادر والمراجع:

– ابن منظور (جمال الدين)، لسان العرب، م. 7، دار صادر، بيروت، 1997

– أبو اللوز (عبد الحكيم)، تراجع الزوايا والأضرحة… أزمة التديّن التقليدي في المغرب، تقرير حول أطروحة الدكتوراه تحت عنوان “الحركات السلفيّة في المغرب 1971- 2004″، جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق، الدار البيضاء، نشر بمجلة علوم إنسانيّة WWW.ULUM.NL، العدد 39، 2008

– الدكالي (محمد)، الرباطات والزوايا في تاريخ المغرب، منشورات كليّة الأداب، الرباط، 1997

– العجيلي (التليلي)، الطرق الصوفيّة والاستعمار الفرنسي في البلاد التونسيّة، منشورات كليّة الآداب بمنوبة، 1992

– الفيروز أبادي (مجد الدين)، القاموس المحيط، ج. 4، دار الجيل، بيروت، 2004

– المساوي (عبد الجليل)، القصرين والوسط الغربي: حقائق وأحداث لم تدون، ط.1، دار نهى للطباعة والنشر والتوزيع، صفاقس، 2006

– بن محمد (القسطاني)، فكر ونقد، ملف اللغة العربيّة، العدد 24، 1999

– بنعامر (توفيق)، مدخل إلى نشأة الطرقيّة في الإسلام، مقال نشر بموقع الناقد المغربي مُحمدالداهي،مقالات ودراسـَات علميّة. http://www.mohamed-dahi.net

– حجي (محمد)، الزاوية الولائيّة ودورها الديني والعلمي والسياسي، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الثانية، الدار البيضاء، 1988

– لحول (محمد)، الزوايا والطرق الصوفيّة بالبلاد التونسيّة (منطقة دوز عيّنة)، ج. 2/3، بتاريخ 16جويلية 2010، مقال بموقع مرصد الذاكرة الشعبية، http://marsad.blogspot.com/2010/07/3.html


(Visited 46 times, 1 visits today)

الوسوم

عن

شاهد أيضاً

Geography-poem

جغرافية الشعراء

جغرافية الشعراء

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification