الرئيسية / مقالات / تجديد التراث … المهمة الفكرية والصعوبات العملية

تجديد التراث … المهمة الفكرية والصعوبات العملية

image_pdfimage_print

بقلم: صلاح سالم — لا يكاد الوقت يمر أياماً وأسابيع وليس شهوراً وأعواماً حتى تشتعل فى مصر فتنة ثقافية لم تهدأ سابقتها بعد. فمن الباحث التراثي إسلام بحيري إلى الشاعرة فاطمة ناعوت يبدو أن أسباب الفتنة لا تزال قائمة بين تيارين لم يتمكنا بعد من بلورة قواعد الاختلاف بينهما؛ إذ لم يتحاورا من الأصل، بل دخلا فى صراع يراه كل منهما وجودياً دفاعاً عن حقيقة مطلقة. ولأن المطلق لا يتعدد، فإن امتلاكه من طرف واحد يعني حرمان الجميع منه، ومن ثم يصبح الأخرون، عدا هذا الطرف / الشخص / المذهب / الدين، من أنصار الباطل، ولذا وقعت معارك فكرية كثيرة وتوالت محن مفكرين عديدين عبر القرن وأكثر، من دون قدرة على إنجاز قطيعة تاريخية مع تخلفنا الموروث، واستبدادنا المزمن.
فى هذا السياق تندرج أزمة الباحث التراثي إسلام بحيري الذي قدم اجتهادات حول عملية تقنين السنة النبوية لدى المحدثين الكبار، أغضبت المؤسسة الدينية، فانبرى بعض رجالها لمناظرته، ولا غضاضة في ذلك. قبل أن ينبري متعاطفون معها فى إقامة دعوى قضائية ضده أفضت إلى سجنه. وهنا يجب التفرقة بين أمرين: أولهما هو دعوة إسلام إلى تنقية التراث من الخرافات والأفكار الرجعية التي تحضّ على التطرّف والعنف وكراهية الآخر، والتي لا غضاضة فيها، فهي نفسها دعوة الرئيس لرجال الأزهر. وثانيهما هو نمط خطابه المستفز، من علو صوت بلغ حد الزعيق، وضعف تهذيب بلغ حد السباب خصوصاً عندما وصف المحدثين بـ (السفلة) و(القتلة) على نحو أثار غضب العموم.
هذا الفارق بين مضمون الدعوة ونمط الخطاب هو ما طمس أو غاب خلف عملية الفرز والاصطفاف الآلية التي جرت سريعاً بين تيارين: أولهما تقليدي يقع الأزهر في قلبه، يرفض أفكار الرجل وأسلوبه معاً، ويفرط في توجيه ما عنّ له من اتهامات أودت به إلى السجن. وثانيهما حدثي يدافع عن أفكاره وأسلوبه معاً، ولا يرى في الأمر سوى معركة حول حرية التعبير، إما أن يخسرها كاملة أو يكسبها كلية من دون مراعاة لمتدينين كثر رأوا في أسلوب بحيري ما يخدش شعورهم. وهكذا سلك الناس عموماً، والمثقفون خصوصاً، في تلك القضية وفق منطق نصرة الأخ ظالماً أو مظلوماً. وأغلب الظن أن قضية إسلام بحيري لم تكن لتأخذ هذا المدى لو أن الطرفين المتصارعين حولها امتلكا قدراً من الحس النقدي وبعضاً من روح الإنصاف.
فقد كان ممكناً للتيار المدني أن يدرك ببساطة أن إسلام بحيري ليس المجدد الذى يصلح رمزاً لمعركة حول حرية التفكير والتعبير، إذ يفتقد للبناء المعرفي النظري الرصين، الذي يتجاوز كثيراً مجرد دراسة كتب السنة النبوية ومدونات الحديث الكبرى إلى ضرورة الفهم الواسع لتاريخ الدين وفلسفته، وللتحولات الكبرى فى العلوم الإنسانية والاجتماعية، فهذه العدة النظرية هي التي شكلت جوهر ما سمي في التاريخ الغربي، مثلاً، بالنقد الرفيع للكتاب المقدس، وهو نقد معرفي تاريخي استفاد من كل العلوم الإنسانية الحديثة فى إعادة فهم وتأويل النصوص المقدسة. إنها العدة التى افتقد لها إسلام، فحاول التغطية عليها بأسلوب خطابي زاعق، ما يجعل منه لا المفكر الحداثي المعادل للفقيه الديني، بل الداعية المدني المعادل للدعاة المتأسلمين الذين ظهروا على الفضائيات وراجوا فى الإعلام عبر العقدين الماضيين، بفعل التدهور التعليمي الشديد، والذبول الثقافي الفاضح، وهيمنة العشوائية على كل مناحي الحياة. أما ذلك المأفون الذي لم يجد طريقة للتعاطف مع إسلام إلا اعتبار الأزهر مؤسسة إرهابية يجب مقاضاتها أمام المحاكم الدولية، فهو رجل لا يستحق الرد عليه، إذ يشي موقفه بانعدام المسؤولية الوطنية والأخلاقية، ناهيك عن الضحالة المعرفية.
وفى المقابل يبقى واجباً على التيار الديني احترام قواعد الجدل الثقافي مع المختلفين، والتوقف عن آلية اللجوء إلى محاكمة المجتهدين، فالمجتهد له أجر وإن أخطأ. ومن ثم كان على الأزهر أن يكتفي برفض خطاب إسلام الزاعق، وأن يتعاطى موضوعياً مع أفكاره، فلا يصدرها إلى العموم باعتبارها هزاً لثوابت الدين، على رغم أن إسلام لم يقم ولا يستطيع، حتى لو أراد، هزّ ثوابت الإسلام. كما صار واجباً عليها أن تتعامل بروح نقدية مع مفاهيم كالعلمانية بمستوياتها المختلفة، والتنوير بتياراته المتباينة، والدولة المدنية بطبيعتها الرائقة، كشفاً لحدود المقبول والمرفوض من بينها كلها، فعندئذ يمكن للجدل الفكري أن يتقدم خطوة كبيرة نحو توافق عام، بدلاً من التمترس خلف مواقف راسخة تدعي بأن العقل النقدي ضد الدين حتماً، وأن العلمانية خطر على الإيمان دوماً، الأمر الذى يبرر لديهم غلق باب التجديد بالكلية، فلا هم قاموا بالمهمة المفترض قيامهم بها ولا هم تركوا غيرهم يقوم بها. أما تفسير ذلك الفارق بين دعوة إسلام المطلوبة ونمط خطابه المرفوض، فيكمن في ذلك التباين الواضح بين عشرات الحلقات الأولى التى قدمها بنبرة هادئة، وأسلوب أكثر تهذيباً فلم تلفت إليه الأنظار. وبين عشرات الحلقات الأخيرة التي قدمها بنبرة عالية ولغة منفلتة، فلفتت إليه النظر، ثم فجرت القضية. والبادي لنا إن إسلام قد أراد الضجة التى أثيرت حوله، وسعى إليها، ليخرج منها بطلاً من أبطال العقل والاجتهاد، ذائع الصيت شديد الرواج، تعويلاً على المزاج العام الذى ساد لدى الجماهير عقب سقوط الإخوان المسلمين، ولدى الدولة المصرية الناقمة على الفكر المتشدد، ولكنه لم يتوقع أن ينتهي الأمر بمحنة السجن، التى ترجع جوهرياً إلى خيانة أطراف ثلاثة:
أولها خيانة إسلام بحيري نفسه لعقلية الباحث وشيم المجتهد المفترض ولاؤه للحقيقة نفسها وليس لأي شيء آخر، وما ينطوي على ذلك من التزام المنهج العلمي الصارم، وتسامٍ على الصغائر، وإنصاف لجهد المخالفين، وتجنب شخصنة القضايا، ناهيك عن ضرورة التحلي بالتواضع والصدق، وهذا بالضبط ما افتقده إسلام فى الحلقات الأخيرة، بنزوعه إلى الاستعلاء، والتعدي اللفظي على فقهاء ومحدثين لعبوا دوراً كبيراً في حفظ السنة لا يمكن إنكاره.وثانيها خيانة المجتمع المصري للثقافة، حيث فقد الناس الاهتمام بكل ما هو عميق، وانشغلوا بما هو تافه، فلا قراءات فكرية جادة بل فرجة تليفزيونية مسطحة. أما ثالثها فخيانة الدولة نفسها لقيم التنوير والتجديد التي لا تتوقف عن الحديث عنها، إذ تهادن المؤسسة الدينية الرسمية التى أنكر ممثلها، في حوار فضائي مباشر، حق التفكير والاجتهاد على من لم يتعلموا في الأزهر أو يدينوا بمنهجه!

المصدر: صحيفة الحياة

(Visited 12 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

orient6

لاهوت ما بعد الحداثة … الإيمان حالة وجودية

لاهوت ما بعد الحداثة ... الإيمان حالة وجودية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification