الرئيسية / التصوف / جغرافية الشعراء

جغرافية الشعراء

image_pdfimage_print

Geography-poem

بقلم: خالد محمد عبده * — تأخذنا أنّاماري شيمل في جولة مع الشعر عبر بلاد الإسلام، لنقتفي أثر الشعراء في بحثهم عن حبيب مفقود أو سعيهم وراء آثار تشهد على أمجاد الماضي من خلال قراءتنا لكتابها (جغرافية الشعراء) الذي كان في أصله محاضرة ألقتها شيمل في مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن، بعد أن قدّمت محاضرتها عن (أسرار العشق المبدع في كتابات محمد إقبال)، والتي صدرت عن المؤسسة باللغتين العربية والإنجليزية وقد قدّمناه للقارئ من قبل على موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود[1].

حاولت شيمل في محاضرتها أن تركّز على النهج الذي سلكه الشعراء في العالم الإسلامي في استخدامهم لصور من المدن ومن الأنهار ومن المعالم الطبيعية، وسعت وراء الإيقاع الداخلي وراء استخدام أسماء تلك الأماكن والمعالم التي وردت في الأشعار العربية والفارسية والتركية والسندية.

بدأت هذه المحاضرة بقول امرئ القيس في مطلع معلقته: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل، بسقط اللوى بين الدخول وحومل… فكل من له صلة بالأدب العربي، أو اطلع على قدر يسير منه بطبيعة الحال سمع هذا البيت وردده؛ فالوقوف على الأطلال والبكاء ودعوة الأصحاب للمشاركة في البكاء على المكان الذي عاشت فيه الحبيبة فيما مضى من الأيام كان غرضًا من أغراض الشعر العربي، كُتب حوله الكثير، ولا زلتُ أذكر أن مادة الأدب التي درسناها في كلية دار العلوم كنا قد تلقينا دروسًا طيلة عدة أشهر في تحليل معلقة امرئ القيس، بعد أن خصص المغفور له الدكتور صلاح رزق كتابًا عن المعلقة يحلل أبياتها ويشرحها للطلاب[2].

تلفت شيمل نظرنا إلى أن النقّاد منذ القِدم استهجنوا الإسراف في استخدام أسماء الأماكن، والذي أصبح تقليدًا متبعًا في الشعر العربي، وأصبحت الأسماء العديدة نوعًا من القوالب المتحجّرة، وتحوّلت إلى كليشيهات تُستخدم عبر القرون، وتحيل شيمل على دراسة نيكلسون الذي تحدث فيها عن شعراء قاموا برحلة من محض خيالهم عبر صحارٍ لم يروا منها شيئًا البتة، على ظهر جمل لم يكن ملكًا لهم في يوم من الأيام (جغرافية الشعراء، ص 4).

ومع هذا، سار على نفس النهج كبار الصوفية في أشعارهم، فاستخدموا جميع مفردات شعر الغزل العربي التقليدي للتعبير عن تجاربهم الروحية، ويبدأ ابن الفارض (المُـتوفى عام 1235م في مصر) إحدى قصائده الجميلة قائلا: (احفظ فؤادك إن مررت بحاجر). ويستخدم الشيخ الأكبر ابن عربي (المُـتوفى عام 1240م) أسماء الأماكن العربية التقليدية في أكثر من موضع في ديوانه (ترجمان الأشواق)، وقد التزم في شعره بنماذج الشعر العربي القديم التزامًا دقيقًا، ويذكر المفكّر الصوفي الواسع الاطلاع عددًا من الأسماء نادرًا ما وردت في الشعر القديم، وهو يتغنّى باحثًا عن الجمال الإلهي.

السفرُ بحثٌ عن المعشوق لا يعرفُ النهاية، هذا البحثُ ينطوي على الأمل في العثور على أثر ولو بعيد من وجود معشوق الفؤاد ومرغوب القلوب، نلاحظ ذلك في أشعار الطرطوشي التي توردها شيمل معتبرة إياها معبّرة بشكل أفضل من امرئ القيس عن أمل المحبّ، يقول الطرطوشي:

أوقفتُ المسافرين من كل بادٍ سائلاً

هل أحسّ أيّ منهم يا معشوقتي بعطرك

سألتُ كل ريحٍ ونسمة

هل منكم من يعرف أين حبيبتي.

تنتقل شيمل من بلاد العرب -التي تغنّى شاعرها بالمرور على ديار ليلى يُقبّل ذا الجدار وذا الجدار، وما حُبّ الديار شغفن قلبه ولكن حبّ من سكن الديار- إلى شعراء شيراز وأوليائها، وبصورة خاصة ما كتبه عرفي الشيرازي[3] ممثلاً أحاسيس الشعراء المهاجرين وإشاراتهم إلى الأماكن الجغرافية وإلى الأسفار، حيث قال في إحدى قصائده:

طفتُ ببلاد الدنيا .. فما رأيت تاجرًا يبيع حسن الحظّ في السّوق.

تشير شيمل إلى أننا نملك مادة وفيرة لا يمكن حصرها باللغات العربية والفارسية والتركية والأردية يشار فيها إلى أماكن ومواقع كموقعة بدر وخيبر، وأهم من ذلك وأكثر ورودا في الشعر (كربلاء العراق)، يذكر ذلك عند الشيعة والسنة، فنعرف أن محمد إقبال استخدم مفردة (النجف) في شعره، وغير خاف على من يقرأ أشعار مولانا جلال الدين الرومي حفاوته بذكر (دمشق) فدمشقُ العشق، فقد التقى مرغوب قلبه هناك، ومما نقرأه في ديوان غزليات شمس تبريزي قول الرومي:

وما دمشقُ؟! إنها جنّة مملوءة بالملائكة والحور

وقد حارت العقول في تلك الوجوه

لا ينشأ عن نبيذها اللذيذُ قيءٌ أو خُمار

ولا ينشأ عن حلاوة حَلواها الحُمّى!

ويقول أيضًا:

أنا عاشق ومندهش ومجنون بدمشق

روحي فداء لدمشق وقلبي أسير هوى دمشق

عند باب البريد نقف والحبيب ليس معنا

ومن جامع العشاق نكون في خضراء دمشق

نصعد الربوة كأننا في مهد المسيح

كأننا راهب ثمل من صهباء دمشق

كيف نبقى بلا طعم عندما ندخل المزة؟

عندما نكون في الباب الشرقي في سويداء دمشق

ولأن دمشق جنة الدنيا إبهاجا للنظر

نحن في انتظار رؤية حسنى دمشق

فإن كان حضرة شمس الحق التبريزي هناك

فنحن مَوال لدمشق وأي مَوال لدمشق.

وفي الشعر العربي المعاصر، نقرأ لأدونيس عددًا من القصائد خصصها لدمشق تصفها شيمل بالقصائد الرائعة (جغرافية الشعراء، ص9).

تحتفي شيمل بذكر (بغداد مدينة السلام) العروس وتستدعي سيرة الحلاّج، وتذكر بعضًا من أشعار ابن عربي، وتنتقل إلى قصيدة استوقفتها للبيّاتي العراقي، وتتوقف عند المرثيات التي تجسّد حرفيًّا ما يُذكر في القرآن (كلّ شيء هالك إلاّ وجهه).

أكثر من موقع في تغرب فيه الشمس ويسود الظلام، تنبهنا شيمل إلى استخدام السهروردي المقتول، شيخ الإشراق (الذي قُتل في حلب عام 1191) هذا التباين في التعبير عن التباين بين المادة والروح، وهذه فكرة رئيسة في فلسفة التصوف، الروح الإنسانية عند السهروردي سجينة في حضرة سوداء في قيروان، وعندما تتلقى الأنباء من (المشرق) تتذكر أن هذا المكان ليس موطنها الحقيقي، بل هو في حقيقة الأمر كما يقول السهروردي الغربة الغريبة. وهكذا يتجه السجين إلى الشرق، والشرق يعني اليمن ذلك البلد الذي تشرق منه الشمس! في اليمن سيجد الساعي ما يسميه السهروردي تبعًا لحديث حضرة النبي الحكمة اليمانية، تلك هي الحكمة الأعلى مقامًا، حكمة القلب المستنير.

تستحضر شيمل القصائد الأردية الفارسية والعربية وترد كلماتها إلى أصولها، وتقارن بينها وبين الشعر الأوروبي كلما سنحت الفرصة لذلك، فنشهد في كتابها مقارنة بين مرثية إقبال المدافن الملكية ومرثية جراي في فناء كنيسة ريفية، وبعد حديث السهروردي يحضر إقبال مجددًا أكثر من حضور الرومي، فقد عاشت مع أشعاره وأماكنه التي ذكرها وقتًا طويلاً، ويتلو ذكر إقبال حضور أشعار هيرمان هيسه، فقصيدته (رحلة إلى الشرق) تؤكد أن النور يأتي من المشرق، كما يستشعر المؤمن نفس الرحمان في عبق اليمن.

وكما تذكر شيمل أشعار من تغنوا بشيراز والأندلس بمناطقها إشبيلية وغرناطة، تذكّرنا بما قيل عن الروم والصين، وبطبيعة الحال تستشهد بمولانا جلال الدين وما قاله عن هذه البلاد عبر قصصه وتمثيله في المثنوي.

الهند حاضرة كحضور أصفهان وبلخ في الكتاب، وشعر الهندوس يتردد في الكتاب كأشعار المسلمين، والقارب الذي يتهادى ما بين الترك والهنود يسير بخفة بفضل شيمل؛ فما تورده في الكتاب يجعلنا ننفتح على عوالم شاسعة عبر هذه الرحلة الشيقة، حيث يصعب على القارئ حصر أسماء الشعراء والعناية بأشعارهم؛ فالكتّاب التي تحتفي شيمل بهم لم يكونوا شعراء فحسب، بل فلاسفة ومفكرون كتبوا بلغات متعددة، إن صفحة واحدة لا تخلو من ذكر جماعة من الشعراء لا تجمعهم طبقات الشعراء التراثية كما لا تحكيهم قصة الأدب في العالم، الجامعة لكل هؤلاء هي شيمل، بفضل قدرتها على استيعاب أفكار هؤلاء ومزجها وصهرها في بوتقة واحدة جماعها المحبة والسعي من أجل الإنسان وحده.

إلى أين نوجّه مسار الجمل؟

ضوء القمر في كلّ مكان

وفي داخلي قلعة كعك

في داخلي الصديق المعشوق.

[1]: راجع تقديم كتاب (أسرار العشق المبدع في كتابات محمد إقبال) على موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود بالنقر على هذا الرابط.

[2]: عنوان كتاب صلاح رزق: معلقة امرئ القيس (التشكيل الفني وملامح الرؤيا).

[3]: نعرف من رحلة عبد الوهاب عزّام إلى الهند أن عرفيًّا هو الشاعر الفارسي عرفي الشيرازي من كبار شعراء الفارسية. رحل إلى الهند واتصل بجلال الدين أكبر، وعاش هناك حتى أدركته الوفاة في لاهور سنة 999، وهو في السادسة والثلاثين من عمره. راجع مجلة الرسالة – عدد 750

المصدر: موقع ذوات

(Visited 30 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

جَدليّة الافتراق والاجتماع في الزوَايا الصُوفيّة: نظرة سُوسيُوأنتروبُولوجيّة

 عندما يكُون التّرَاث الإنسانيّ عامّة والصُّوفيّ تحديدًا، مَبْحثا فكريّا يَسْتثِيرُ العُقول، وحينمَا تكُون الطّرُق الصُوفيّة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification