الرئيسية / مقالات / فلسفة الدين وتحولاتها المعاصرة

فلسفة الدين وتحولاتها المعاصرة

image_pdfimage_print

بقلم: محمّد حلمي عبدالوهّاب — تنامت في العقود الأخيرة الدراسات المتعلقة بفلسفة الدين؛ سواء على مستوى التأليف أم الترجمة إلى اللغة العربية. ولا شك في أن هذا الاهتمام المتزايد إنما يعكس في جوهره وعياً مفرطاً بضرورة هذا الحقل المعرفي المهمّ في الزمن الراهن. ولا شك أيضاً في أن ثمة تبايناً في ما يتعلَّق بنشأة فلسفة الدين وجذورها التاريخية؛ فضلاً عن حدودها ومعناها، وعلائقها بمختلف فروع الفلسفة الأخرى، بخاصة فلسفة الأخلاق والفلسفة السياسية. فمن جهة، يذهب البعض إلى ضرورة أن نقف عند عتبة العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر بوصفه تحديداً القرن المناسب الذي ارتضاه الفلاسفة للحديث في «مفهوم الدين»، من حيث كونه ليس موضوعاً وافداً على ثقافة الملَّة من الأمم الوثنية، أو تحدّياً خارجياً يكون على فلسفة الحداثة أن ترفعه بوسائلها الخاصة.
ومن جهة أخرى، غلب على الفهم الشائع للتفلسف الديني معنى الدفاع عن المعتقدات الدينية، فاعتُبِر مكمِّلاً للاهوت «الطبيعي» Natural الذي يتميز عن اللاهوت «الوحياني» Revealed والذي يفرِّق بين الوحي كإعلان إلهيٍّ عن الحقيقة الدينية، والإيمان كتلقٍّ بالطاعة لتلك الحقيقة. ومن ثمَّ انحصرت غاية التفلسف الديني في الدفاع الفلسفيّ عن العقائد الدينية Apologetics إلى أن تمّ التفكير فيه بوصفه ليس جزءاً من التعاليم الدينية، ولا ينبغي له أن يعالج وجهة نظر دينية. ولعل فلسفة الدين بهذا المعنى التحولي تندرج ضمن حقول معرفية أخرى يُطلق عليها البعض تسمية «فلسفات إنتاج الضرورات»؛ بمعنى أنها تأتي بمصطلحات فتنحت لها معنى ووظيفة كلما ارتبكت في إيجاد حلٍ لمأزق استدلاليٍّ على مدَّعى معين، أو كلما اضطرت لتسويغ مبدأ أو فكرة تؤمن بها. وبموازاة ذلك التحول المفاهيمي، لم يعد أمر التفلسف يتعلَّق – كما في القرون الوسطى – لا بتبرئة ذمة الفلسفة من تهم المروق والإلحاد من طريق دعواها في تربة الكتاب المقدَّس نفسه، ولا بإثبات قدرتها على البرهنة على وجود الخالق بواسطة العقل البشري. فمع بروز فلسفة الدين بالمعنى الدقيق للكلمة، والتي فكّر في دلالتها فلاسفة كبار من قبيل: كانط، وفيخته، وشلايرماخر، وهيغل، وشيلينغ، وشوبنهاور، وماكس فيبر، وجون هيك، وهابرماس، بدأ عصر جديد من الأسئلة والإجابات حول جوهر الدين بوصفه مشكلاً برأسه. فالملحد والمشكِّك والمؤمن جميعهم يستطيعون التفلسف حول الدين بما أن فلسفة الدين ليست فرعاً من فروع اللاهوت الديني؛ أي ليست صياغة منهجية للاعتقادات الدينية، بل فرع من فروع الفلسفة يدرس جملة المفاهيم والمنظومات الاعتقادية الدينية مثلما يدرس ظواهر وتجليات التجربة الدينية، وأعمال العبادة والتأمُّل التي ترتكز عليها، وتنشأ منها هذه المنظومات الاعتقادية.
ووفق جون هيك، فإن فلسفة الدين تعد نشاطاً منفصلاً عن مسائل موضوعه، إذ لا تشكّل جزءاً من المنظومة الدينية على رغم ارتباطها الوثيق بها، كارتباط فلسفة القانون بالظاهرة التشريعية والمفاهيم القضائية وطرق التفكير، وكارتباط فلسفة الفن بالظاهرة الفنية، وموضوعات الجمال على اختلافها. لكن على رغم مرور نحو قرنين ونيّف من الزمان على نشأة فلسفة الدِّين؛ فإن العمر الإبستيمولوجي لهذا الاختصاص لا يزال في تقدير العارفين به تقليداً في البحث فتيّاً.
أضف إلى ذلك أيضاً، تلك الاختلافات العميقة حول تحديد معنى الدين نفسه والتي تتوزع على ما هو ظاهراتيّ يحاول عرض ما هو مشترك بين أنماط التدين المعروفة، كالقول بأن الدين هو «اعترافٌ بشريٌ بوجود قوة فوق بشرية مسيطرة تستحق العبادة والطاعة»، وما هو تأويليّ أو سيكولوجي، كالقول أن الدين «عبارة عن إحساسات وأعمال وتجارب البشر في العزلة حين يشعرون بالارتباط بشيء يعتبرونه إلهاماً». وثمة تعريفات أخرى سوسيولوجية كالقول أن الدين هو «مجموعة الاعتقادات، والممارسات، والمؤسسات الاجتماعية التي طورها البشر في مجتمعات مختلفة»؛ وفق تالكوت بارسونز. أما الطبيعيون فيعرفونه بأنه «مجموعة من الوساوس والشكوك التي تعيق ممارسة الأعمال بحرية»؛ كما يذهب إلى ذلك سالمون ريناخ.
وبالعودة إلى تحولات المفهوم في سياقه التاريخي؛ فإن فلسفة الدين مرَّت بأطوار تاريخية بعضها متوال وبعضها متواز، إلا أن تواليها أو توازيها لم يطمس في أحدهما أو في كليهما طبيعةَ الإشكال القائم، ولا البنى المخصوصة التي تهيكلت المسائل من خلالها، ولا الرهانات الفلسفية التي حرَّكت كلَّ طور منها. ووفق فتحي المسكيني؛ فإن هناك جملة من التحولات التي طرأت على فلسفة الدين منذ أن طرح كانط سؤاله المفصليّ «ماذا يحقّ لي أن أرجو؟» سنة 1790 في مؤلَّفه الشهير «نقد ملكة الحكم»؛ والذي أسَّس ورسم جلَّ ملامح ميدان السؤال الفلسفي عن معنى الدين في الأفق المعاصر، وإلى حدِّ طرح هابرماس فكرة «المجتمع ما بعد العلماني» في كتابه الضخم «بين الطبيعانيّة والدين» والذي نشره سنة 2005، أو تأويل تشارلز تايلور للدلالة السردية في عبارة «عودة الدين» ضمن كتابه المثير»عصرٌ علماني» الذي ظهر سنة 2007م، وذلك مروراً بمباحث فلسفية عديدة تخللتها اجتهادات فلاسفة كبار من أمثال: فيورباخ، وماركس، ونيتشة، وفتغنشتاين، وهيدغر، وغادامر، وريكور، ودريدا، وغيرهم.
أما ويلفريد كانتويل سميث؛ فقد انشغل في كتابه «معنى ونهاية الدين» بنقد المفاهيم السائدة للدين، وما يرتبط بها من الادعاءات الدينية المتعارضة في امتلاك الحقيقة المطلقة. ووفقه فإن ما نسميه ديناً؛ أي الكيان التجريبي الذي يمكن اقتفاء أثره تاريخياً ومسحه جغرافياً، ليس إلا ظاهرة إنسانية! بمعنى أنها مبتكرات بشرية يشكّل تاريخها جزءاً من التراث الإنساني الأوسع. وتبعاً لذلك؛ فإن الفكرة السائدة عن الأديان بوصفها كيانات حصرية لها خصائصها وتاريخها الخاص يمكن أن تكون مثالاً جيداً لتحويل الصفات الحسنة إلى أسماء سيئة يميل العقل «الغربي» إليها، ويحذِّر منها الفلاسفة المعاصرون.
ضمن هذا السياق، تبرز مسألة «التعددية الدينية» وإمكانية تقبُّلها من خلال وضع إطار فلسفيّ لها. فبين عقائد الأديان الكبرى – وخصوصاً في تياراتها الأكثر صوفية في ما يؤكد جون هيك – يمكننا ملاحظة التمييز بين الحق والمطلق والمقدّس بذاته، وبين الحق كما يتصوره ويختبره البشر. فالفرضية الشائعة هي أن الحقيقة المطلقة لامتناهية؛ بمعنى أنها تفوق كلاً من الفهم والفكر واللغة البشرية، وبالتالي فإن مواضيع العبادة والتأمُّل القابلة للوصف والاختبار ليست هي المطلق في حقيقته اللامحدودة؛ وإنما هي المطلق في علاقته بالمدرِك المحدود.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكننا أن نفهم ذلك التمايز الموازي الذي رسمه المتصوف المسيحي الغربي مايستر إيكهارت ما بين الألوهية والربوبية، كما ميَّز متصوفو القابالاه اليهود بين الحقيقة الإلهية المطلقة التي لا يمكن للبشر وصفها، وبين إله الكتاب المقدس، كما ميز بول تيليش وغوردون كاوفمان بين الإله الحقيقي Real God والإله المتاح Available God. ويخلص هيك من ذلك إلى تقرير أنه إذا افترضنا أن الحق واحد لكن فهمنا البشري له متعدّد ومتنوع؛ فإننا نكون بذلك قد وضعنا الأساس الفلسفي لفرضية أن التيارات المختلفة للخبرة الدينية إنما تمثِّل إدراكاً متنوعاً للحقيقة المتعالية اللامحدودة نفسها، والتي تُفهم بطرق مختلفة على نحو مميز من جانب عقليات بشرية مختلفة، تتشكَّل من حضارات تاريخية مختلفة تشكِّل بدورها حضارات تاريخية مختلفة. وينتهي إلى تقرير أن من أهم خصائص الإدراك الصوفي للحق أنه مباشر ومن دون واسطة، وبالتالي فإنه غير مشوّه ولا يتدخل الذهن البشري في إنتاجه. وأنه حتى في الإدراك الذي يبدو مباشراً وغير تأمليٍّ للحق في الموكشا الهندوسية والساتوري البوذية والتصوف التوحدي في الغرب، ما هو إلا التجربة الواعية للذات الإنسانية التي تتأثر بالاتجاه التأويلي للذهن المدرِك. فقد تأثر جميع البشر بالثقافة التي تلقوها، والتي يشكلون جزءاً منها، أو التي نشأوا عليها، وهذا ما أثّر في بعض ميولهم التأويلية العميقة التي تساعد في تشكيل تجربتهم أو تعزِّز تثبتهم الديني باستمرار، ونتيجة لذلك كله، فإن المعتقدات الدينية الكبرى في العالم يمثّل كل منها فهماً مختلفاً، واستجابة، للحقيقة الإلهية نفسها.

المصدر: صحيفة الحياة

(Visited 29 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

Salonika

الدونمة بين اليهودية والإسلام والعلمانية: الأسطورة والتاريخ

الدونمة بين اليهودية والإسلام والعلمانية: الأسطورة والتاريخ

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification