الرئيسية / من نحن؟ / هويتنا / مراحل تدوين الحديث، عرضٌ تاريخيّ

مراحل تدوين الحديث، عرضٌ تاريخيّ

image_pdfimage_print

orient6

حوارات نت — بقلم: الشيخ محمد عباس دهيني* —

مراحل تدوين الحديث، عرضٌ تاريخيّ
بقلم: الشيخ محمد عباس دهيني
بتاريخ: 15 / 9 / 2006م
تمهيد
نال الحديث النبويّ الشريف حظّاً وافراً من اهتمام المسلمين على اختلاف مذاهبهم منذ العصر الأوّل لظهور الرسالة الإسلاميّة وإلى يومنا هذا؛ وذلك لكونه حاكياً عن السنّة النبويّة الشريفة( )، التي تمثّل بنظر المسلمين جميعاً المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلاميّ.
فالسنّة النبويّة الشريفة صنو القرآن الكريم في التشريع الإسلاميّ، بحيث لا يمكن للمسلم أن يستغني عن أحدهما إذا ما أراد أن يطَّلع على عقيدة الإسلام الحقّة، ويعرف أحكامَ دينه، وتكاليفَه في هذه الحياة.
وهذا ما أكّدته آياتٌ متعدِّدةٌ من القرآن الكريم، منها:
﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ (التغابن: 12).
ومنها: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: 7).
وقد أَوْلى أتباع مذهب أهل البيت من المسلمين الحديث الوَلَويّ( ) الاهتمام نفسه، حيث رأَوْا أنّ ما يصدر عن أئمّة أهل البيت، من القول أو الفعل أو التقرير، له من الحجّيّة ما لسنّة النبيّ بلا أدنى اختلاف.
وعليه فسنّة النبيّ والأئمّة هي ـ بنظر هؤلاء ـ صنو القرآن الكريم في التشريع الإسلامي.
وقد استدلّوا لمذهبهم بالآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59).
وبالحديث المتواتر معنىً بين المسلمين( )، «عن النبيّ أنّه قال: إنّي تاركٌ فيكم الثقلين، ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يَرِدا عليّ الحوض»( ).
وعلى أيّ حال فقد حظي الحديث النبويّ والوَلَويّ باهتمامٍ بالغٍ من المسلمين على مرّ العصور، متمثِّلاً بحفظه، وروايته، وتعليمه، وكتابته، وتدوينه، وشرحه.
وكيف لا يحظى بمثل هذا الاهتمام وقد وردت في فضل حفظ الحديث وروايته وتعليمه أخبارٌ كثيرةٌ( )، كما حثَّت الأخبار المستفيضة عن النبيّ، وأهل بيته، على كتابة الحديث وتدوينه أيضاً( )؟!.
ولئن نوقش في بعض تلك الأحاديث، بأنّها تدلّ على ضرورة الكتابة لأجل الحفظ، لا أنّها تحثّ على كتابة الحديث وتدوينه لتستفيد منه الأجيال اللاحقة، فلا يمكن المناقشة في دلالة بقيّة الأحاديث على ذلك.
متى بدأ تدوين الحديث؟‌ وهل نهى النبيّ عن تدوين الحديث
دعوى صدور النهي من النبيّ
ذهب بعضُ الباحثين إلى أنّه «قد جاءت أحاديثُ صحيحةٌ وآثارٌ ثابتةٌ تنهى كلّها عن كتابة أحاديث النبيّ، [فقد] روى أحمد، ومسلم، والدارِميّ، والترمذيّ، والنسائيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: «قال رسول الله: لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن، فمَنْ كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحه»( ).
وأخرج الدارِميّ عن أبي سعيد الخدريّ: أنّهم استأذنوا النبيّ في أن يكتبوا عنه فلم يأذن لهم( ).
وروى التِّرْمذيّ عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: «استأذنّا النبيّ في الكتابة فلم يأذن لنا»( )»( ).
ثمّ قال: «ولئن كان هناك بعض أحاديث رُويت في الرخصة بكتابة الأحاديث إنّ أحاديث النهي أصحّ وأقوى»( ).
وهكذا خلص إلى القول: «إنّ النبيّ صلوات الله عليه لم يجعل لحديثه كتّاباً يكتبونه عندما كان ينطق به كما جعل للقرآن الحكيم، وتركه ينطلق من غير قيدٍ إلى أذهان السامعين، تخضعه الذاكرة لحكمها القاهر، الذي لا يستطيع إنسانٌ مهما كان أن ينكره أو ينازع فيه، من سهوٍ أو وهمٍ، أو غلط أو نسيان، وبذلك تفكَّك نظم ألفاظه، وتمزَّق سياق معانيه، ولم يدَعْ صلوات الله عليه الأمر على ذلك فحسب، بل نهى عن كتابته، …وقد استجاب أصحابُه لهذا النهي، فلم يكتبوا عنه غير القرآن، ولم يقف الأمر بهم عند ذلك، بل ثبت عنهم أنّهم كانوا يرغبون عن رواية الحديث، وينهَوْن الناس عنها، ويتشدّدون فيما يروى لهم منها، وقد كان أبو بكر وعمر لا يقبلان الحديث من الصحابيّ، مهما بلغت منزلته عندهما، إلاّ إذا جاء عليه بشاهدٍ يشهد معه أنّه قد سمعه من النبيّ، وكان عليّ يستحلف الصحابيّ على ما يرويه له رضي الله عنهم جميعاً»( ).
الردّ على هذه الدعوى
ويرِدُ على ما ادّعاه:
أوّلاً: «إنّ جميع ما رُوي من أحاديث في المنع من تدوين الحديث فاقدٌ للاعتبار؛ فإنّ المحقِّقين من علماء السنّة لا يتردّدون في ضعف هذه الأحاديث، سوى حديثٍ رواه أبو سعيد الخدريّ»( ).
«يقول الدكتور مصطفى الأعظميّ: وليس هناك حديثٌ واحدٌ صحيحٌ في كراهية الكتاب، اللهمّ إلاّ رواية أبي سعيد الخدريّ، مع ما فيها من خلاف في وقفها ورفعها، وكذلك المعنى المراد منها»( ).
«وهذا الحديث هو: «قال رسول الله: لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن، فمَنْ كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحه»( )، وقد رُوي هذا الحديث بألفاظ مختلفة، وهذا الاختلاف في النقل يدلّ على عدم الدقّة في ضبط الحديث المذكور»( ).
«وقد وقع الاختلاف بين المحدِّثين في أنّ الحديث المذكور موقوفٌ، بمعنى أنّه منسوبٌ إلى أبي سعيد الخدريّ، لا إلى النبيّ، أو مرفوعٌ، بمعنى أنّه منسوبٌ إلى النبيّ، ولهذا الاختلاف تاريخٌ قديمٌ»( ).
«يقول الشيخ محمّد أبو زهو: على أنّ بعض العلماء يرى أنّ حديث أبي سعيد هذا موقوفٌ عليه، وليس من كلام النبيّ، قال ذلك البخاريّ»( ).
«ونسب ابنُ حجر العسقلانيّ أيضاً إلى بعض متقدِّمي المحدِّثين أنّ حديث أبي سعيد هذا موقوفٌ، سيّما إذا قارنّاه مع الأحاديث التي أسندت إلى رسول الله الكتابة ورغّبت فيها، ثمّ قال: إنّ حديث أبي سعيد هذا موقوفٌ ‌عليه، فلا يصحّ الاحتجاج به»( ).
وثانياً: «لو سلّمنا صدور مثل هذا الحديث فهل يمكن أن يكون الغرض منه المنع من تدوين الحديث؟
إنّ أوّل ما يبعث على التشكيك في ذلك هو أنّ أبا سعيد نفسه لمّا سئل عن سبب عدم التدوين قال: «لا نكتبكم، ولا نجعلها مصاحف»( )، ولم يستدلّ في مقام الجواب بحديث رسول الله.
ومن هنا فقد ذهب جماعةٌ من المحدِّثين إلى القول بأنّ النهي الوارد في حديث أبي سعيد الخدريّ كان نهياً عن كتابته مع القرآن في صفحة واحدة»( ).
وثالثاً: قال نفسُ ذلك الباحث في موضعٍ آخر: «وروى حافظ المغرب ابن عبد البرّ، والبيهقيّ في «المدخل»، عن عروة: أنّ عمر أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب رسول الله في ذلك ـ ورواية البيهقيّ: فاستشار ـ، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: إنّي كنتُ أريد أن أكتب السنن، وإنّي ذكرتُ قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإنّي والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً ـ ورواية البيهقيّ: لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً ـ.
وعن يحيى بن جعدة: أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنّة، ثمّ بدا له أن لا يكتبها، ثمّ كتب في الأمصار: مَنْ كان عنده شيء فليمحه.
وروى ابنُ سعد «عن عبد الله بن العلاء، قال: سألتُ القاسم بن محمّد أن يملي عليّ أحاديث، فقال: إنّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلمّا أتوه بها أمر بتحريقها، ثمّ قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب، قال: فمنعني الناس القاسم بن محمّد يومئذٍ أن أكتب حديثاً»( )»( ).
فكيف يُفتي، أو يُشير، الصحابةُ بكتابة السنن مع نهي النبيّ عن كتابة حديثه؟!، بل كيف يبدو لعمر أن يكتبها مع علمه بنهي النبيّ عن كتابتها؟!، بل كيف كثُرت الأحاديث ـ والمقصود كتابتها في قراطيس؛ لقوله بعد ذلك: «فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلمّا أتوه بها أمر بتحريقها» ـ على عهد عمر مع كون النبيّ قد نهى عن كتابتها، مع العلم أنّ الصحابة كانوا يلتزمون عموماً بنواهي رسول الله، وفي حديث تحريم الخمر( ) ما يدلّ على ذلك؟!.
بل في تذكرة الحفّاظ: «قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله، وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلَّب كثيراً، قالت: فغمَّني، فقلتُ: أتتقلَّب لشكوى، أو لشيءٍ بلغك؟ فلمّا أصبح قال: أي بنيّة، هلمّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فحرّقها، فقلتُ: لِمَ أحرقتها؟ قال: خشيتُ أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنتُه ووثقتُ [به] ولم يكن كما حدّثني، فأكون قد نقلتُ ذاك»( ).
إذن «فقد جمع الخليفة الأوّل خمسمائة حديث، وهذا دليلٌ كافٍ على عدم ورود نهي منه(ص) فيه؛ إذ لو كان قد صدر نهي سابق لما دوَّن الخليفة ما دوَّن من أحاديث.
ولو تنزَّلنا وقلنا بورود المنع عن التدوين عموماً، وعن السنّة خصوصاً، فما معنى ما صحّ عنه(ص) من أنّه أمر المسلمين بكتابة الأحكام التي قالها يوم فتح مكّة[؟!]( )، أو أنّه بعد هجرته من المدينة أمر بكتابة أحكام الزكاة ومقاديرها، فكُتب في صحيفتَيْن، وبقيتا محفوظتَيْن في بيت أبي بكر الصدّيق وأبي بكر بن عمرو بن حزم[؟!]( )، وما معنى ما ثبت من قوله(ص): «اكتبوا ولا حرج»( )، وقوله: «قيِّدوا»( )، وقوله: «اكتبْ فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ»( )، وقوله: «استعن على حفظك بيمينك»( )[؟!]»( ).
ومن هنا فنحن نوافقه في أنّ النبيّ صلوات الله عليه لم يجعل لحديثه كتّاباً كما جعل للقرآن الحكيم( )، مع الإشارة إلى أنّه أمر أمير المؤمنين عليّاً بكتابة ما يُمليه عليه( ).
غير أنّنا نشكّ في كون أحاديث النهي هي الأصحّ والأقوى، ونميل إلى أنّ أحاديث الحثّ على كتابة أقواله هي التي عوَّل عليها الصحابة في سلوكهم، ونظروا إلى روايات النهي ـ على فرض صدورها ـ على أنّها خاصّةٌ بمواردها( ).
ولو اعتقدنا بأنّ الصحابة يعوّلون على روايات النهي عن كتابة الحديث، مضافاً إلى سلوكهم في عدم رغبتهم في التحديث، بل في رغبتهم عنه، بل في نهيهم عنه؛ اعتماداً على ذلك النهي، لترجَّح من ذلك، كما يقول محمّد رشيد رضا، «كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث كلّها ديناً عامّاً دائماً كالقرآن، ولو كانوا فهموا عن النبيّ أنّه يريد ذلك لكتبوا، ولأمروا بالكتابة، ولجمع الراشدون ما كُتب، وضبطوا ما وثقوا به، وأرسلوه إلى عمّالهم ليبلّغوه، ويعملوا به»( ).
وهنا نسأل: هل صحيحٌ أنّ النبيّ لم يُرِدْ أن يجعل أحاديثه كلّها ديناً عامّاً دائماً كالقرآن؟!.
وهل يمكن لمسلمٍ أن يعتقد بذلك بعد ورود الآيات الكثيرة الآمرة بإطاعة الله وإطاعة الرسول( )، والموجِبة للأخذ بما آتانا الرسول( )، والآمرة بالردّ إلى الرسول عند التنازع( )، إلخ؟!.
وما أحسن ما قاله الشيخ محمّد أبو زهو في هذا المجال، حيث قال: «إنّ امتناع بعض الصحابة عن كتابة الحديث، ومنعهم منها، لم يكن سببه نهي النبيّ(ص) عن كتابة الحديث؛ بدليل أنّ الآثار الواردة عنهم في المنع، أو الامتناع، من كتابة الحديث لم يُنقل فيها التعليل بذلك، وإنّما كانوا يعلِّلون بمخافة أن تشتغل الناس بها عن كتاب الله، أو غير ذلك من الأغراض»( ).
خلاصة القول
«إنّ نسبة منع التدوين والتحديث إلى رسول الله ما هو إلاّ مغالطةٌ يهدف منها تصوير الإسلام بصورة مشوَّهة»( ).
وعليه فنحن نعتقد بأنّه قد حثّ المسلمين على كتابة الحديث، ولم ينهَ عنها، وإنْ كان قد صدر منه نهيٌ فهو خاصٌ بمورده، ولا يتعدّاه إلى غيره.
بداية مرحلة منع تدوين الحديث
نهج الخلفاء
قد عرفنا أنّ جملةً من أصحاب رسول الله كانوا قد كتبوا حديثه في حياته، أو عقب وفاته، ولم يرَوْا في ذلك ضيراً أو مخالفةً لنهيه إنْ كان نهيٌ، وما ذلك إلاّ اهتماماً منهم بحديث رسول الله، الذي كانوا يعدّونه مصدراً من مصادر التشريع الإسلاميّ.
غير أنّ الخلفاء من بعده كان لهم رأيٌ آخر، فها هو أبو بكر ينهى الناس عن التحديث عن رسول الله( ).
وها هو عمر بن الخطّاب يأمر الناس أن يأتوه بتلك المدوَّنات، ثمّ يأمر بتحريقها، فتُحرق( )، ويفقد المسلمون بذلك ثروةً عظيمةً على مستوى التشريعات الإلهيّة.
وهكذا يتّضح لنا أنّ المسلمين مُنعوا بعد وفاة رسول الله من نقل الحديث، ومن تدوينه.
وقد عُلِّل هذا المنع بأسبابٍ عديدةٍ( )، نترك الخوض في مناقشتها إلى دراسةٍ أخرى؛ إذ الهدف من هذه المقدّمة هو بيان السير التاريخيّ لتدوين الحديث، بعيداً عن ذكر أسباب التدوين أو عدمه في كلّ مرحلةٍ من المراحل التي مرّت بها هذه المسألة.
وعلى أيّ حال «ظاهرُ الأمر أنّ الخليفة الأوّل دوَّن الحديث، ثمّ حظر التحديث أوّلاً، وبعد أن منع التحديث تضاعفت الحاجة لتدوين الآثار النبويّة، ممّا اضطرّ بعض الصحابة إلى أن يدوّنوا مسموعاتهم، ويحتفظوا بها للأجيال القادمة، ولذلك ثنّى الخليفة أبو بكر بمنع تدوين الحديث بعد منعه التحديث»( ).
ونهج عمر، وعثمان، وأغلبُ خلفاء بني أميّة، نهجَ أبي بكر في منع التحديث والتدوين، وهكذا خرج تدوين الحديث من إطار السياسة الرسميّة للدولة الإسلاميّة، ولم يكن يجرؤ أيُّ أحدٍ على تدوين الأحاديث، وجمعِها في صحفٍ خاصّةٍ بها.
غير أنّ محاولاتهم تلك لم تلقَ النجاح الذي كانوا يطلبونه، فقد «نجحوا في منع التدوين نجاحاً كبيراً، ولكنّهم لم يُلاقوا مثل هذا النجاح في منع التحديث، فالصحابة والتابعون وتابعو التابعين لم يلتزموا بحظر التحديث، وإنْ كانوا قد تظاهروا بالانصراف عن التدوين»( ).
وهذا ما يؤكِّده حبسُ عمر لعددٍ من الصحابة؛ بحجّة أنّهم يُكثرون الحديث عن رسول الله( ).
نهج بعض الصحابة
وهكذا يتّضح أنّ المسلمين كانوا يتناقلون الحديث شفاهاً وروايةً، غير آبهين بنهي أبي بكر وعمر عن التحديث.
وكأنّ بعضَ الصحابة لم يُسلِّم عمر ما لديه من المدوَّنات، أو أنّه قد عاد ـ سرّاً ـ فدوَّنها من حفظه، واحتفظ بها لمَنْ سيأتي بعده من المسلمين.
وبعضُ الصحابة والتابعين وتابعيهم عمدوا سرّاً إلى تدوين الأحاديث التي كان يُلقيها إليهم أصحاب رسول الله.
فظهرت بسبب ذلك كلِّه مجموعةٌ من المدوَّنات الحديثيّة لأصحاب رسول الله والتابعين وتابعيهم.
«وفي طليعة أولئك الصحابة الإمام [أمير المؤمنين] عليّ، حيث إنّه وعى وحفظ كلّ ما قاله الرسول له، وكان أوّل مَنْ صنَّف في أحاديث الرسول»( ).
وقد كتب أحاديث النبيّ كلَّها في صحيفةٍ كبيرةٍ، طُولُها سبعون ذراعاً، بخطّه وإملاءِ رسول الله، وكانت تُعرَف عند أهل البيت بالجامعة( ).
«وللإمام عليّ كتابٌ آخر في الديات، سمّاه «الصحيفة» كان يعلِّقه بقراب سيفه، وقد روى البخاريُّ في «صحيحه» عن هذه الصحيفة( )»( ).
«وممَّنْ جدَّ في كتابة الحديث فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وكتابها يُسمّى «مصحف فاطمة»»( ).
«وبعد أمير المؤمنين جاء أبو رافع، مولى رسول الله، وصنَّف في الأحكام والسنن( ).
ومن المصنِّفين الأوائل أبو عبد الله سلمان الفارسيّ المحمّديّ[32هـ]، صنَّف كتاب حديث الجاثليق الروميّ الذي بعثه ملك الروم إلى النبيّ( )»( ).
ومنهم: معاذ بن جبل(18هـ)( )، أبيّ بن كعب الأنصاريّ(22هـ)( )، عبد الله بن مسعود الهذليّ(32هـ)( )، زيد بن ثابت(45هـ)( )، أبو هريرة الدوسيّ(59هـ)( )، عبد الله بن عمرو بن العاص(65هـ)( )، زيد بن أرقم(68هـ)( )، عبد الله بن عبّاس(68هـ)( )، عبد الله بن عمر بن الخطّاب(74هـ)( )، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ(78هـ)( ).
ويظهر للمتأمِّل في حال هؤلاء الصحابة والتابعين أنّهم لم يكونوا جميعاً من شيعة الإمام عليّ، ومن هنا لم يكن من الإنصاف أن يُتَّهَم أتباع الخلفاء بالتوقُّف عن التدوين، ويُنسب إلى أتباع الإمام عليّ استمرارهم في تدوين حديث رسول الله.
النتيجة
فالصحيحُ أنّ كثيراً من الصحابة لم يرَوْا أنّ نهي رسول الله عن كتابة حديثه ـ إنْ كان نهيٌ ـ نهيٌ عامٌّ، بل رأَوْا فيه نهياً خاصّاً في ظروف خاصّة، وعليه فقد دوَّنوا حديثه في صحفٍ خاصّةٍ، احتفظوا بها لأنفسهم، التي لم تسمح بهذه المدوَّنات حتّى للخليفة الثاني حين أمر أصحابها بأن يأتوه بها.
سبب قلّة المدوَّنات الحديثيّة عند العامّة بخلافها عند الشيعة
ولئن قلَّت المدوَّنات الحديثيّة لأتباع الخلفاء طيلة مرحلة منع التدوين رسميّاً بالنسبة للمدوَّنات الحديثيّة لأتباع أهل البيت فما ذلك إلاّ لأنّ أتباع الخلفاء كانوا يرَوْن الحجّيّة لحديث رسول الله فقط، فكانوا يهتمّون بتدوينه خاصّةً، وكان الكثيرون منهم «يعتقدون بأنّ رسول الله يخطئ ويصيب، وقد يتكلَّم في الغضب ما لا يتكلَّمه في حالة الرضا( )»( ).
بينما كان أتباع أهل البيت يرَوْن في رسول الله الإنسان الذي لا يقول إلاّ الحقّ، كما جاء بذلك التنزيل: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3 ـ 4)، وكانوا يرَوْن ذلك أيضاً في الأئمّة الاثني عشر من بعده، وهكذا تلقَّوْا أحاديثهم بنفس الاهتمام الذي تلقَّوْا به أحاديث رسول الله، فدوَّنوا أحاديثهم كما دوَّنوا أحاديثه، فاجتمع لهم بذلك تراثٌ حديثيٌّ كبيرٌ، بالقياس إلى مدوَّنات أتباع الخلفاء في الحديث.
ومن أتباع أهل البيت الذين دوَّنوا أحاديث الأئمّة في فترة منع التدوين: الأَصبغ بن نُباتة( )، عبيد الله بن أبي رافع( )، عليّ بن أبي رافع( )، ربيعة بن سُميع( )، وسُليم بن قيس( ).
وغيرُهم كثيرٌ جدّاً، حتّى لقد صُنِّف عن الإمام الصادق فقط «أربعمائة كتاب، عُرفَتْ عند الشيعة بالأصول الأربعمائة»( ).
خلاصة القول
إنّ تدوين المسلمين للحديث بدأ منذ صدر الإسلام، أي في عهد رسول الله، واستمرّ دون انقطاعٍ إلى يومنا هذا، غير أنّ حكّام الدولة الإسلاميّة في حقبة طويلةٍ من حقباتها منعوا التحديث وتدوين الأحاديث، بحيث غدا التدوين مخالِفاً لسياسة الدولة الرسميّة، ولكنَّ هذا المنع الرسميّ لم يمنع الكثير من الصحابة والتابعين وتابعيهم من تدوين الحديث النبويّ والولويّ في صحفٍ خاصّةٍ، تناقلتها الأجيال فيما بعد، واعتمدتها كمراجع مهمّة في معرفة ما جاء به النبيّ من التشريع الإسلاميّ.

مراحل تدوين الحديث عند العامّة
عهد رسول الله
عرفنا أنّ عمليّة تدوين الحديث قد بدأت في عهد رسول الله، وأنّ كثيراً من الصحابة قد كتب ما سمعه منه في صحفٍ؛ لتكون مرجعاً له فيما بعد.
عهد الخلفاء الراشدين
بعد وفاة رسول الله منع الخلفاءُ الثلاثةُ نقل حديثه وتدوينه، إلاّ أنّ بعض الصحابة احتفظوا لأنفسهم بما كتبوه، وخالف بعضُهم أوامر الخليفة، فكتبوا سرّاً بعض الحديث النبويّ، غير أنّ ذلك التدوين بقي في إطار محاولات قليلة وسرّيّة لتدوين الحديث النبويّ.
عهد بني أميّة
نهج خلفاءُ بني أميّة نهجَ أسلافهم في منع تدوين الحديث النبويّ، «واستمرّت سياسةُ المنع الرسميّ قائمةً حتّى نهاية القرن الأوّل الهجريّ، وبالتحديد إلى زمن عمر بن عبد العزيز»( )، «الذي أمر بجمع الحديث وتدوينه رسميّاً، وأصدر أمره بذلك لابن حزم الأنصاريّ»( ).
يقول السيوطيّ: «وأمّا ابتداء تدوين الحديث فإنّه وقع في رأس المائة، في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره»( ).
«وقال مالك في «الموطّأ»( )، رواية محمّد بن الحسن: إنّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم أن انظر ما كان من حديث رسول الله، أو سننه، فاكتبه لي؛ فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، وأوصاه أن يكتب له ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصاريّة ـ وكانت تلميذة عائشة رضي الله عنها ـ والقاسم بن محمد بن أبي بكر»( ).
«وقد توفّي ابن عبد العزيز وقد كتب ابن حزم كتباً ولم يبعث بها إليه بعد»( ).
«ويبدو أنّه لمّا عاجلت المنيّة عمر بن عبد العزيز انصرف ابن حزم عن كتابة الحديث، وبخاصّة لمّا عزله يزيد بن عبد الملك عندما تولّى بعد عمر بن عبد العزيز سنة 101هـ، وكذلك انصرف كلُّ مَنْ كانوا يكتبون مع أبي بكر، وفترت حركة التدوين، إلى أن تولّى هشام بن عبد الملك سنة 105هـ،‍ فجدَّ في هذا الأمر ابن شهاب الزهريّ»( ).
وقد حدّث «معمر عن الزهريّ، قال: كنّا نكره كتّاب العلم، حتّى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا يمنعه أحد من المسلمين»( ).
وقال الزهريّ أيضاً: «استكتبني الملوك فأكتبتُهم، فاستحييتُ الله إذ كتبها الملوك ألاّ أكتبَها لغيرهم»( ).
غير أنّه «لم يصلنا من هذا التدوين السلطانيّ أثرٌ مكتوبٌ»( )، الأمر الذي دفع ببعض المحقِّقين إلى التشكيك في امتثال أمر عمر بن عبد العزيز بتدوين الحديث، بل أنكر حصول التدوين قبل نهاية العصر الأمويّ( ).
والإنصاف أنّ كتابة الحديث بدأت فعلاً منذ زمن هشام بن عبد الملك، وعلى يد ابن شهاب الزهريّ، الذي أقرّ هو نفسه بكتابة الحديث، حيث يقول: «استكتبني الملوك فأكتبتُهم، فاستحييتُ الله إذ كتبها الملوك ألاّ أكتبَها لغيرهم»( ).
ولكنّ الظاهر أنّ كتابة الحديث بقيت محصورةً بمَنْ ينتدبهم الخليفة لكتابته، وبقي كثيرٌ من الناس يتحرّزون عن كتابته؛ لاعتيادهم على عدمها، لا لمنعٍ رسميٍّ من قبل الخليفة.
وبعبارةٍ أخرى: لم يستطع أمرُ الخليفة بكتابة الحديث أن يُحدث منعطفاً مهمّاً في هذه المسألة، وإنّما أخذ بعض الناس ـ دون حذرٍ ولا خوفٍ ـ بكتابة الحديث في مدوَّناتهم، التي «لا تحمل علماً واحداً، وإنّما كانت تضمّ الحديث، والفقه، والنحو، واللغة، والخبر، وما إلى ذلك»( ).
وعلى أيّ حال لم يصلنا من كتب الحديث في تلك المرحلة ـ إلى نهاية العصر الأمويّ ـ أيُّ كتاب.
ولعلّ هذا الأمر هو الذي أوهم البعض بعدم وقوع التدوين فعلاً قبل نهاية العصر الأمويّ.
عهد بني العبّاس
قال السكندريّ: «هبّ العلماء في العصر العباسيّ إلى تهذيب ما كتب في الصحف، وتدوين ما حفظ في الصدور، ورتّبوه، وبوّبوه، وصنَّفوه كتباً، وكان من أقوى الأسباب في إقبال العلماء على التصنيف في هذا العصر حثّ الخليفة أبي جعفر المنصور عليه، وحمله الأئمّة الفقهاء على جمع الحديث، والفقه»( ).
«وهو الذي أشار على مالك بن أنس أن يضع كتاب «الموطّأ» في بعض الروايات»( ).
و«قال الذهبيّ: وفي هذا العصر (سنة143هـ) شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث، والفقه، والتفسير، فصنَّف ابن جُرَيج التصانيف بمكّة (مات سنة150هـ)، وصنَّف سعيد بن أبي عروبة (مات سنة156)، وحمّاد بن سلمة (مات سنة167)، وغيرهما، بالبصرة، وصنَّف أبو حنيفة الفقه والرأي بالكوفة (مات سنة150)، وصنَّف الأوزاعيّ بالشام (مات سنة156أو157)، وصنَّف مالك «الموطّأ» بالمدينة (مات سنة179)، وصنَّف ابن إسحاق «المغازي» (مات سنة151)، وصنَّف معمر باليمن (مات سنة153)، وصنَّف سفيان الثوريّ كتاب «الجامع» بالكوفة (مات سنة161)، ثمّ بعد يسير صنَّف هشام( ) كتبه (مات سنة188)، وصنَّف الليث بن سعد (سنة175)، وعبد الله بن لهيعة (سنة174)، ثمّ ابن المبارك (سنة181)، والقاضي أبو يوسف يعقوب (سنة182)، وابن وهب (سنة197)، وكثر تبويب العلم وتدوينه، ورتِّبت ودوِّنت كتب العربيّة واللغة والتاريخ وأيّام الناس، وقبل هذا العصر كان سائر العلماء يتكلّمون عن حفظهم ويروون العلم عن صحف صحيحة غير مرتَّبة فسهُل ـ ولله الحمد ـ تناول العلم فأخذ الحفظ يتناقص»( ).
ثمّ «تلا [هؤلاء] كثيرٌ من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، إلى أن رأى بعض الأئمّة منهم أن يفرد حديث النبيّ خاصّة، وذلك على رأس المائتين»( ).
«ولم يصل إلينا من هذه المجموعات إلاّ «موطّأ مالك»»( ).
وعلى أيّ حال «كان التدوين في هذا العصر يمزج الحديث بأقوال الصحابة، وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم، كما قال ابن حجر( )، وظلّ على ذلك إلى تمام المائتين»( ).
بعد المائتين
«اتّخذت طريقة تدوين الحديث بعد القرن الثاني صورة أخرى، تُعتبر متطوِّرة عمّا سبقتها، وذلك بإفرادها الحديث النبويّ خاصّة، بدون أن يلبسه شيء من فتاوى الصحابة، أو غيرها.
فصنَّف جماعةٌ في ذلك، ومن كتبهم:
1ـ جامع عبد الله بن وهب(197هـ).
2ـ مسند الطيالسي(204هـ).
3ـ مسند عبيد الله بن موسى العبسيّ الكوفيّ(213هـ).
4ـ مسند عبد الله بن الزبير الحميديّ(219هـ).
5ـ مسند مسدّد بن مسرهد(228هـ).
6ـ مصنَّف ابن أبي شيبة(235هـ).
7ـ مسند إسحاق بن راهويه(238هـ).
8ـ مسند أحمد بن حنبل(241هـ).
9ـ مسند عبد الله بن عبد الرحمن الدارِميّ(255هـ)»( ).
«ولئن كانت هذه المسانيد والمصنَّفات قد أفردت للحديث النبويّ فقط، ولم تخلط به أقوال الصحابة، ولكنّها كانت تجمع بين الصحيح والضعيف والموضوع من الحديث.
واستمرّ التأليف على هذا النمط إلى أن ظهرت طبقة البخاريّ، فدخل التدوين حينئذٍ مرحلة جديدة، وخطا خطوة نحو الأمام، ويمكن أن نسمّي هذا الدور «دور التنقيح والاختيار».
وفي هذه الفترة ألّفت عند الجمهور الكتب الستّة، المعروفة باسم الصحاح الستّة، وهي:
أـ صحيح البخاريّ، تأليف محمّد بن إسماعيل(256هـ).
ب ـ صحيح مسلم، تأليف مسلم بن الحجّاج النيسابوريّ(261هـ).
ج ـ سنن ابن ماجة، تأليف محمّد بن يزيد القزوينيّ(273هـ).
د ـ سنن أبي داوود، تأليف سليمان بن الأشعث السجستانيّ(275هـ).
هـ ـ سنن الترمذيّ، تأليف محمّد بن عيسى الترمذيّ(279هـ).
و ـ سنن النسائيّ، تأليف أحمد بن شعيب النسائيّ(303هـ).
وبعضهم يستبدل الأخير بـ «سنن الدارِميّ»، تأليف عبد الله بن عبد الرحمن(255هـ)»( ).
وخلاصة القول
«إنّ التدوين [الرسميّ] لم ينشأ إلاّ في القرن الثاني للهجرة في أواخر عهد بني أميّة، وإنّه لم يتّخذ طريقاً واحداً، بل تقلَّب في أطوار مختلفة.
فكان في أوّل أمره جمعاً من رواية الرواة ممّا وعت الذاكرة من أحاديث رسول الله، وكان ذلك في صحف لا يضمّها مصنَّف جامع مبوَّب، وهذا هو «الطور الأوّل» من التدوين، ولم يصل إلينا منه شيء في كتاب خاصّ جامع.
ثمّ أخذ التدوين «طوره الثاني» في عصر العبّاسيّين، فهذَّب العلماء ما في هذه الصحف ورتَّبوه، بعد أن ضمّوا إليه ما زادته الرواية في هذا العصر، وصنَّفوا من كلّ ذلك كتباً، كسروها على الحديث وما يتّصل به، من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ولم يُدخلوا فيها أدباً ولا شعراً.
…وظلّ التأليف يجرى على هذا السنن إلى آخر المائة الثانية، ولم يصل إلينا من الكتب المبوَّبة في هذا الطور إلاّ «موطّأ مالك رحمه الله».
وبعد المائة الثانية أخذ التدوين يسير في طريق أخرى، دخل بها في «الطور الثالث»، فأنشأ العلماء يفردون كلّ ما روي من الأحاديث في عهدهم بالتدوين، …وصنِّفت في ذلك مسانيد كثيرة، أشهرها: «مسند أحمد»، وهو لا يزال موجوداً بيننا، …ولقد كانت هذه المسانيد تحمل الأحاديث الصحيحة والموضوعة.
وجرى العمل على هذا النهج حتّى ظهر البخاريّ وطبقته، فانتقل التدوين إلى «الطور الرابع»، وهو طور «التنقيح والاختيار»، فوضعوا كتباً مختصرة في الحديث، اختاروا فيها ما رأوا أنّه من الصحيح على طريقتهم في البحث، كما فعل البخاريّ، ومسلم، ومن تبعهما.
…وهذا الطور من التصنيف هو الأخير؛ إذ أصبحت هذه الكتب هي المعتمدة عند أهل السنّة، أمّا الشيعة فلهم كتب في الحديث يعتمدون عليها، ولا يثقون إلاّ بها، ولكلّ قومٍ سنّة وإمامها.
وبهذا يخلص لك أنّ التدوين المعتمد لدى الجمهور لم يقع إلاّ حوالي منتصف القرن الثالث إلى القرن الرابع»( ).
مراحل تدوين الحديث عند الشيعة
عصر الأئمّة
وأمّا عند الخاصّة، أعني شيعة أهل البيت، فإنّ «من الثابت المتواتر أنّ أهل البيت قد أباحوا التدوين؛ إذ كتب الإمام عليّ صحيفةً عن رسول الله، طولُها سبعون ذراعاً، بخطّه وإملاء رسول الله»( ).
«وقد كانت الصحيفة عند الأئمّة من وُلد عليّ، يتوارثونها، ويحرصون عليها غاية الحرص، فعن الحسن بن عليّ: «وإنّ العلم فينا، ونحن أهله، وهو عندنا مجموعٌ كلُّه بحذافيره، وإنّه لا يحدث شيءٌ إلى يوم القيامة، حتّى أرش الخدش، إلاّ وهو عندنا مكتوبٌ، بإملاء رسول الله وبخطّ عليّ بيده»( )»( ).
وفي فترة منع التحدث والتدوين كان أئمّة أهل البيت يتابعون مسيرة رسول الله ، في إرشاد الناس إلى العقيدة الحقّة، وتعليمِهم أحكام دينهم.
وكان أصحابُهم، الذين لم يُبالُوا بأمر المنع، يكتبون ما يُلقونه إليهم من حديثٍ.
وكانوا يعتقدون بأنّ ما يخرج منهم هو عين ما خرج من رسول الله إلى عليّ، وورثه الأئمّة كابراً عن كابرٍ( ).
وبعبارة أخرى: إنّ شيعة أهل البيت خرقوا قرار حظر التدوين، فمارسوا كتابة الحديث النبويّ، كما كتبوا حديث أئمّة أهل البيت، الذين كانوا ينقلون علم رسول الله ـ وهم ورثته ـ إلى الناس.
وعلى أيّ حال «فنهج التدوين والمحافظة على المدوَّنات كان ديدن أهل البيت وأتباعهم، مقابل الإحراق والإتلاف ومنع التحديث والتدوين الذي دأب عليه أصحاب مدرسة الاجتهاد والرأي»( ).
«واستمرّ أمر الشيعة على إباحة التدوين حتّى جاء عصر الإمام الصادق، فقد ألقت إليه الأمّة المسلمة بأفذاذ أكبادها؛ ليرتووا من معين علمه، وبلغ عدد طلاّب مدرسته أكثر من أربعة آلاف شخص، …وكتبوا من حديث جدّه رسول الله أربعمائة كتاب، عُرفت عند الشيعة بالأصول الأربعمائة، وقد تضمَّنتها الموسوعات الحديثيّة المؤلَّفة بعد هذه الفترة، وبقيت جملةٌ منها إلى هذا الزمان.
وفي عصر الإمام الكاظم كان جماعة من أصحابه وشيعته يحضرون مجلسه وفي أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال، فإذا نطق أبو الحسن الكاظم بكلمةٍ، أو أفتى في نازلة، دوَّنوها.
وقد بلغ ما دوَّنته الشيعة من الحديث الشريف منذ عهد أمير المؤمنين إلى عهد الحسن العسكريّ ستّة آلاف كتاب»( ).
عصر الغَيْبة
«وفي عصر الغيبة بدأ علماء الشيعة المدوَّنات الحديثِيّة الجامِعة، التي حَوَت تلك الكتب بأجمعها.
ولم يُطلِق علماءُ الشيعة على كتبهم اسم «الصحاح» كما فعل العامّة( )، فهُم لا يرَوْن صحّة جميع ما جاء فيها، بل يعتبرون أنّ غايةَ ما فَعَلَوه هو أنّهم جَمَعوا الحديث المنسوب إلى النبِيّ، والأئمّة، فحفظوه بذلك من الضياع والاندثار، وأمّا هل هذه النسبةُ صحيحةٌ أو لا؟ فهذا أمرٌ يختلف فيه العلماء باختلاف مبانيهم.
ومن أبرز هذه الموسوعات الحديثِيّة ـ عند الشيعة ـ ما عُرِف بالكتب الأربعة، وهي:
1ـ «الكافي»، للشيخ محمّد بن يعقوب الكُلَيْنيّ(328 أو 329هـ).
2ـ «مَنْ لا يحضره الفقيه»، للشيخ محمّد بن عليّ الصدوق(381هـ).
3ـ «تهذيب الأحكام»، للشيخ محمّد بن الحسن الطوسيّ(460هـ).
4ـ «الاستبصار في ما اختَلَف من الأخبار»، للشيخ محمّد بن الحسن الطوسيّ(460هـ)»( ).
«وهؤلاء المشايخ الثلاثة ينقلون مرويّاتهم عن الأصول الأربعمائة، وأولئك قد دوّنوا أصولهم عن أئمّة أهل البيت، والأئمّةُ نقلوا الأخبار عن كتاب عليّ، وكتاب عليّ هو إملاء رسول الله ونهج عليّ.
إذن نهج التدوين والتحديث مترابطٌ عند الشيعة لا خدش فيه، وهذا ما يؤكِّد أصالته»( ).
ولا تزال هذه الكتب الأربعة هي العُمدة في الحديث عند الشيعة، غير أنّ هذه الكتب خاصّةٌ بالأحكام الشرعيّة عموماً، كما أنّ أصحابها لم يدوِّنوا فيها إلاّ ما صحّ عندهم من أحاديث الأصول وغيرها، وهكذا كانت الحاجة للمجاميع الحديثيّة التي تحوي أغلب أحاديث أهل البيت.
في القرن الحادي عشر
«وفي القرن الحادي عشر برزت مجاميعُ حديثِيّةٌ ضخمةٌ، لها أهمّيّتُها الخاصّة، ومكانُها المتميِّز، وهي:
1ـ «الوافي»، للمولى محمّد بن مرتضى القاسانِيّ، المدعُوّ بالمحسن، والمشتهِر بالفيض الكاشانيّ(1091هـ).
2ـ «بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار»، للعلاّمة محمّد باقر المجلِسِيّ(1111هـ).
3ـ «تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، للشيخ محمّد بن الحسن الحُرّ العامِلِيّ(1104هـ)»( ).
وقد نال هذا الكتاب من الشهرة بين العلماء، والمرجعيّة في البحوث الفقهيّة، ما لم ينَلْه غيرُه من الكتب الحديثيّة الأخرى.

*باحث في الحوزة العلمية في لبنان

لتنزيل نسخة مع الهوامش والمصادر إضغط هنا:

http://www.beirutme.com/?p=17103

(Visited 231 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

azhar35

إعلان الأزهر في مؤتمر … المواطَنة والعيش المشترك

إعلان الأزهر في مؤتمر ... المواطَنة والعيش المشترك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification