الرئيسية / التصوف / مقدمة إشراقيّة نحو أنسنة وجودية – الثقافة والحوار

مقدمة إشراقيّة نحو أنسنة وجودية – الثقافة والحوار

image_pdfimage_print

Orient-magic

بقلم: الشيخ ابراهيم رمضان* — مقدمة إشراقيّة نحو أنسنة وجودية:

مسكين أنت أيّها الإنسان، فأنت الحاضر الغائب، حولك يدور كلُّ البحث وفيك تختبئ كلُّ الحقائق؛ وكلُّ من لا ينظر في داخل نفسه، فعبثًا يحاول الحصول على أجوبة؛ مصداقًا لشهادة جدّنا أمير المؤمنين عليه السلام:

دواؤك فيـك و مـا تبصرُ وداؤك منـك و مـا تشعرُ

وتـزعم أنـك جرم صغيرٌ وفيك انطوى العـالم الأكبرُ

فلو استنطق كلٌّ منَّا ذاته وألقى سمع قلبه إلى كينونته؛ لتكشّفت له المعرفة الحقّة، لا أقول بأبهى حُلة بل أقول كلّيَّة العُرْي.
لكن هذا الظهور غير المحتجب للمعرفة له مهر، وهو التجرّد والموضوعيّة، وما دام فيك شعرة من حبّ النفس الأَنَوية، فلن يُبْديَ لك الحق وجهه، ولن تبلغ حقيقة الحقيقة التي تجعل منك مرآة الإنسان كلّ الإنسان، فاهمًا للكل، ومُتَّحدًا في الكلّ، ومعبِّرًا عن الكلّ، ولا يبقى للاختلاف بين الكلّ معنًى إلاّ في حدود أطياف الألوان المتقابلة في جوهر مرآة ملونة.
أمّا مكْنَةُ هذا المقام فكونه ينطلق من بحث الأنسان إلى أنسنة البحث، فيعي الآخر بأن يكونه، مُشاهدًا معانته، ومُراقبًا آماله، وعائشًا آلامه، يُعاين تطلعاتِه، ويُعاني خيباتِه. إنّ إنسان الكلّ هو كلّ إنسان من أولئك الأفراد الذين لم تحجبهم انتماءاتهم عن إنسانيتهم، ولا نِسَبُهم عن حقيقتهم، ولا شخصانيتهم عن موضوعيّتهم، هؤلاء هم من نحتاجهم لتصحيح مسار الإنسانيّة وإنسانيّة المسار.

الإنسانية والقيم:
اتفقت الثقافات الإنسانيّة على أهميّة القيم، وكان أجلَّ الأشخاص في المجتمعات أولئك الساعون لترسيخ القيم والحضّ عليها، من الحكماء والأنبياء والعارفين والمصلحين إلى المُقتفين بآثارهم المتنوِّرين بأنوارهم، الذين بذلوا جهدهم ووقفوا عمرهم على ترسيخ القيم التي تسمو بالفرد، وتخدم استقرار المجتمع وتطوره. وكانت هذه القيم هي المكوِّنَ والمُلوِّنَ الأهمَّ للهويّة الإنسانيّة، وإذا كانت النظرة إلى الآخر على أنه المختلف في الإرث الثقافي؛ فلا مهرب من الإقرار بأن الآخر ما هو إلا الأنا متلبِّسًا بمفاهيم ثقافوية أُخَرَ لا تختلف عن مفاهيم الأنا، من حيثُ كونُها مفاهيمَ، بقليل أو كثير، لا سيما في منظومة القيم التي تحكم سلوك الأفراد والمجتمعات. إلاّ أنّها قد تتباين في ترتيب سلّم القيم وفق تصنيف الأهميّة.

الصدق، العدل، الحق، الخير، الجمال، النجدة، التسامح، الإخلاص، المحبّة، الرحمة، العطاء، الإنصاف، الحريّة، الاحترام، الوفاء، الأمانة .. عناوين تتفق عليها الثقافات، وما الاختلاف في ترتيبها إلاَّ لاختلاف ظروف تطوّر الثقافات، فكان التركيز على المهدَّد أو المفقود لحمايته أو استعادته.

وفق منظومة القيم يمكن تفسير سلوك الإنسان، فالإنسان هو الإنسان سواءٌ في الشرق أو في الغرب، وما يُحرِّكه هنا هو ما يُحرِّكه هناك، وما يُفرحه وما يؤلمه وما يؤذيه واحد. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس: “لمَ يتصرّف الشرقي بهذه الطريقة، ويتصرف الغربي بتلك الطريقة؟” بل هو: “لمَ يتصرف الإنسان في الشرق بهذه الطريقة، ويتصرف الإنسان في الغرب بتلك الطريقة؟”.[1]

الشرق والغرب:
إن لقاء بوذا الشرقيّ وزوربا الغربيّ، الذي لامس الواقع دون أن يمسسه، إن كاد ليكشف عن اتّفاق شبه تامّ في معالجة قضايا الإنسان فردًا ومجتمعًا. أمّا النسخ المشوَّهة عن بوذا وزوربا فهي التي تتخاصم وتتصارع، وتعيش وهم صراع الحضارات القاتل والمدمّر. هذا الوهم الذي إذا استمرّ النفخ فيه على الوتيرة المشهودة اليوم سوف يتعاظم، وقد ينالنا من تشظيات انفجاراته إحَنٌ ومِحَن. وعلينا جميعًا أن نستفيد من سير التاريخ وعبره، متى أردنا تقليل الخسائر أو سترجة المواجهة. ولعلّ أبرز الرموز الحاضرة في أذهان من يروِّجون لفكرة الانتخاب بين الثقافات، الإسكندر الكبير الذي حاول فرض ثقافته وتعميمها، ورغم كلّ ما أُوتيه من قوّة وجيوش، وحضارة وغلبة، لا أحسب أن تكرارها في يد غيره سهل، فقد أخفق دون ضرب المحال هذا، وإذا كان هذا المثال لا يكفي دعاة صراع الحضارات فلا أحسبهم سيتوقفون عما يضرمون ويضمرون قبل أن تذوق البشرية الكأس المُرَّةَ مرَّةً بعد مرَّة.

وعندي أنّ الكلام عن صراع الحضارات هو ضرب من الهَوَس في الحديث عن النهايات التي يلهج بإشاعتها أولئك المهندسون لنهاية الكون وفق معطيات سيّالة لا ترتكز إلاّ على ضرب خيال، سيُبدي ما تعيشه منطقتنا الشرقيّة أنه سراب بقيعة.

وليت أولئك المفتونين بالحديث عن النهايات، من أمثال صموئيل هنغنتون وفوكوياما، فرّغوا مجهودهم لبحث أسطورة البدايات. فإنها أكثر تشويقًا وجمعًا للتراث الإنسانيّ المشترك. ثمّ أيّ نهايات مع القول بأُسطورة العود الأبديّ في الهندوسية وما انفرع عنها.

ولهؤلاء يوجَّه السؤال: ما الضير في أن تتكافل هذه الحضارات ويسعى كل فريق للكمال الذي يرتئيه بطريقته الخاصة، دونما عداء واحتراب؟.

إن التعاون لتحقيق أمن وأمان المجتمع البشري أجدى وأنفع من التصارع على حكمه والتسلط عليه. وإن حاجة الإنسان لأخيه واستفادته من وجوده أكبر بكثير ممّا يغتصبه منه، أو يرثه إن تمكّن من إلغائه.

قيمة الإنسان أهم وأسمى وأثمن من كل قيمة أخرى عرف ذلك من عرف، وانحرف عن ذلك من انحرف[2].

الحريّة والدين:
الحريّة قيمة إنسانيّة نادت بها جميع التعاليم في عموم الثقافات. والقرآن الكريم أثبت حريّة الإنسان وأكّدها في سائر اختياراته، حتّى القضيّة المحوريّة في الدين التي هي الإيمان والكفر، تُركت لاختيار الإنسان، قال الله تعالى: “وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”. كما أكّد القرآن الكريم أن الجبر لا يمكن أن يكون أسلوبًا مقبولاً لدفع الناس نحو الدين؛ فقال سبحانه: “لا إكراه في الدين”. وبيّن القرآن أنّ التنوّع الإنسانيّ، وتباين المعتقدات والأفكار أمر مقصود من الخالق جلّ جلاله: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم”. أي: خلقهم ليكونوا مختلفين؛ فالاختلاف سُنَّة الطبيعة ولوحة الوجود، وهو اختلاف تنوّع يتوحّد عند العارف الربَّانيّ الذي يُحقِّق في وعيه الكونيِّ المطلقِ وحدةَ الكثرة، ويُترجم عن هذه الحالة بقوله على لسان الشيخ ابن عربي:

عقد الخلائق في الإله عقائدًا وأنا عقدت جميع ما عقدوه

والإسلام لم يُقيِّد حريّة الإنسان بشئ من القيود، إلاّ أنّه جعله مسؤولاً عن تبعات قراراته، وبذلك أعطاه الحافز للتفكير فيما يفعله، والتنبّه للعواقب، الأمر الذي قد يُربك الفرد ويضيِّق أمامه مساحة الاختيار، ولكنّه في الوقت عينه يعود على المجتمع بالمنفعة العميمة، ويتلاقى تمامًا مع القاعدة الاجتماعية: “تتقاطع حرية المرء حيث تبدأ حرية الآخرين” ولولا هذا الحد لاستحالت نعمة الحرية إلى نقمة فوضوية، ولصارت حرية الفرد تنغيصًا على الباقين، وتعديًا على مصالحهم واختياراتهم.

ولا بدّ أن ننبِّه إلى الفرق بين حريّة الرأي وحريّة التعبير، فالأولى: من أعمال القلوب، وهذا حقّ محفوظ لكلّ واحدٍ واحدٍ بالكامل ولا يمكن لأحد أن يمنعه أو يحدّه.

أما حريّة التعبير فتجاوز تموضعات الشخص الذاتيّة إلى الإذاعة والإشاعة، وبذلك يخرج الرأي من دائرة المعقول إلى دائرة المحسوس، وبالتالي يتعدّى أثرها إلى الغير. لكن يبقى ثمّة حدٌّ لا ينبغي أن يتجاوزه الفرد أو المجتمع وهو الإهانة والتجريح.

وبين النقد الموضوعي (الإيجابي) أي: المشاهدة ومحاولة الدرس، والنقد الذاتي (السلبي) أي: التجريح والإهانة والدسّ؛ ينشأ النقاش وتتباين الآراء. إذ ليس من السهل وضع حدٍّ فاصل بينهما لا سيما أن الأمر نسبيٌّ، ويختلف من ثقافة لأخرى، ومن بيئة لأخرى، ومن ظرف لآخر. ومع هذا التباين والنسبيّة لا يمكن لقاعدة :”أحبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك[3]” أن تفي بالحال وتحلَّ الإشكال، فما هو مقبول في ثقافة قد يكون مرفوضًا تمامًا في ثقافة أخرى.

وإذا كنا متفقين على أن القيمة الإنسانيّة واحدة من أهمّ القيم، فمن المُجدي والمهم أن يتعرَّف الإنسان على ثقافة أخيه قبل أن يُخاطبه بما قد يسوؤه ويؤذيه، ليتمكّن من إيصال أفكاره دون أذيّة أو إهانة.

وإذا عرفنا أن الدين شكّل ويشكّل قيمة أساسيّة في منظومة القيم المتحكّمة في سلوك الأفراد والمجتمعات وبالتالي مكوِّنًا أساسيًّا للهويّة، فسنعرف ضرورةً أن التعرّض له أو لرموزه وطقوسه بالإهانة والتجريح لن يكون مقبولاً عند أتباعه بشكل من الأشكال.

لقد أثار التعرّض لرموز الدين والثقافة الحفيظة في أكثر من مناسبة؛ فقد رفض الهندوس عن قريبٍ، تجسيد الأفتار (الأوتار) في الفيلم الذي شاهدناه بإعجابٍ، ولا سيّما مشهدُه الأخير حيث تنتصر الآلة البدائية، على ثقافة التكنولوجيا الجديدة. ولعلّ موقفهم نابع من كون الأفتار معنًى يُشخِّص المطلق إلى حدود الخلاص النهائيّ؛ بحيث يتلاقى فيه قوسا الصعود والهبوط[4] في نسقيّة الفكرة الخلاصيّة. فاستنكروا أن يتحوَّل إلى فكرة هوليوديّة، خاضعة لمزاجيّة الإخراج السنمائيّ ومتطلّباته.

كما رفضت الكنيسة في أكثر من مناسبة التعرّض لرموز الدين المسيحيّ بدءًا من مسرحيّات فولتير ومولير إلى شيكسبير وملتون حتى كولن ولسون ونيكولاس كازنتساكس لا سيّما في كتابيه: “المسيح يُصلب من جديد” و”الإغواء الأخير للمسيح” الذَيْنِ حرّمتهما الكنيسة وحرمت كاتبهما، ولعلّها كانت الضاغطة وراء حجب جائزة نوبل عنه. هذا فضلاً عن روايات دان براون المثيرة للجدل اللهوتيّ بكلّ عمق وعنف.

كما يرفض رجال الدين المسلمون في الشرق التعرّض لرموز دينهم وطقوسه، انسجامًا مع ما سبق. فلماذا النظر إلى الظواهر بعين مفتوحة وعين مغمضة؟ ولماذا لا نكون في هذا ظاهراتيّين (فينومينولوجيّين) على حدّ ما يُعلِّمه أدموند هوسْرل ومارتن هايدغر. وهو يتقاطع مع تعاليم الفيدا والأوبانيشاد والكيتَّا تحت شعار: راقب .. شاهد .. اصمت .. تأمّل. ويتقاطع مع تعاليم الصوفيّة العرفانيّة تحت شعار “من صمت نجا” وشعار “التصوّف هو أن تجلس لحظة متبطِّلاً”، أي من دون ذكر ولا فكر، على حدّ تعليم حضرت أميرنا داراشـگـوه.

قد يُطرح سؤال في هذا المقام وهو: “لم تكون ردود الفعل تجاه النقد، سلبيًّا كان أم إيجابيًّا، في الشرق المسلم أقسى وأعنف بكثير مما تكون في الغرب المسيحي؟. وقد يصل السائل إلى ما يشبه الاستنتاج: ألا يدّل ذلك على أن الغرب أكثر تسامحًا من الشرق؟ وبالتالي أن المسيحيّة أكثر تسامحًا من الإسلام؟.

وقبل الإجابة عن ذلك؛ أقول: حذار من هفوة منهجيّة، تؤدّينا إلى الوقوع في هوّة مفارقة تاريخيّة، لجهة إسقاط الحدث التاريخيّ على الواقع مع إغفال الزمن الفاصل، وهو المحدّد للتغيُّرات، والشاهد على التحوّلات. ولذا يجب أن نُقارن بين ردّات الفعل بوضع الفعل ونتيجته في نفس السياق الزمني. لا أن نتغاضى عن هذا لنحكم أو نحاكم ردّات الفعل بمعزل عن سياقاتها، وبالتالي فإن الإنصاف مقارنة ردّات الفعل الآن بردّات فعل القرون الوسطى في أوروبا، وحينها سنخرج بنتيجة مُفادها أنّ تلك القروسطيّة الغربيّة، كانت أقسى وأمرّ ممّا نشهده في الشرق.

وبعد هذا التحذير والنذير، أعطف لبيان المفارقات التالية:

أولاً: لعلّ الشرق لم يعتد طريقة الغرب في التخاطب، فهو قد أبقى على الكثير من مظاهر الاحترام والتوقير والمجاملات حتى في محادثاته اليوميّة ما لو تركه الشرقيّ لعدّ عند أهله مارقًا عن حدِّ الأدب ومجاوزًا لقواعد التخاطب الأساسية؛ فالشرقيّون على سبيل المثال لا الحصر، متمسّكون بمنادة الأبّ والأمّ بصفتيهما، ويعتبرون أنّ الولد الذي ينادي أباه باسمه أو أمه باسمها مجانبًا للأدب والذوق، ومرتكبًا لفظيعة. أمّا الغرب ومقلدوه فلا يرون في ذلك بأسًا والأمر عندهم لا يستحقّ أن يُتوقّف عنده. ولا يمكن لأحدى الثقافتين أن تفرض على الأخرى مجاراتها.

من هذا المثال يتبيّن لنا أنّ الغربيّين ألذع في نقدهم من الشرقيّين وأبعد عن مراعاة خاطر المخاطب، ولذا نجد معظم الانتقادات التي أثارت الحفائظ أتت من الغربيّين أو ممن تأثّر بالثقافة الغربيّة. الأمر الذي زاد من انزعاج المجتمع الشرقيّ؛ لأنّ تقبّل النقد من القريب أسهل من تلقيه من الغريب.

ثانيًّا: عرف الغرب بعد الثورة الصناعية، انحسارًا لدور الكنيسة ورجال الدين، وتعاظمًا في دور العلمانيّين واليبراليّين، وما تُبديه الكنيسة اليوم من ليونة ليس ناتجًا عن سعة صدر وتقبّل للنقد، بقدر ما هو تسليم بالأمر الواقع وابتعاد عن معارك قد تكون خاسرة. وفق مشهور المثل: “مكرهٌ أخاك لا بطل”.

أما المجتمع الشرقيّ فلا يزال يعيش المرحلة القروسطيّة، وإن بدا أن هناك صراعًا متناغمًا بين رجال السلطة وسلطة الدين.

ثالثًا: لا يزال المجتمع الشرقيّ يعاني عقدة الانهزام والتخلّف إزاء المدّ الغربيّ في أبعاده: الاستعماريّة،والتكنولوجيّة، والتسويقيّة المتوحّشة. ولذلك فهو يرى في الانتقادات استعداءً واستعادةً لتظهير صور الهزيمة، وخطرًا أكيدًا على هويّته ووجوده، ومع هذا الشعور تزداد الحاجة لتفهّم المجتمع الشرقيّ والأخذ بيده، بدل توسيع الهوّة، واصطناع المعارك معه، إلى حدّ استحضار دون كيشوت.

رابعًا: الإحباط والفراغ بحيث يسعى المحبط والفارغ إلى ديناميّة تملأ عليه فراغه الموهوم، وبالتالي فإنه سيبادر ألى ردّة فعل تجاه ما يعانيه بقوة وعنف. ومن الأدلّة على ذلك حادثة حرق المصحف التي لم تحظَ بردّات فعل، على خلاف سابقتها التي لم تحصل أصلاً. وكانت ردّات الفعل آنذاك تبرق وترعد وتمطر بالويل والثبور وعظائم الأمور، وما ذلك إلاّ لكون المجتمعات الشرقيّة آنذاك محبطة فارغة، فبادرت إلى إثبات وجودها والتصالح مع إحباطها. أمّا اليومَ المجتمعات الشرقيّة مشغولة بعدوى الثورات، فلم ينبت أحدٌ منهم ببنت شفة، بالرغم من تحقّق ما ترصّدوا له كلّ مرصد.

خامسًا: لعلّ الأهمَّ من كلِّ ذلك انطباع الشرقيّ بقطع النظر عن ديانته وتديّنه، بالروحانيّة الغنوصيّة والعرفانيّة الإشراقيّة، وإذا كان لكلّ شيء من اسمه نصيب على حدّ ما جاء في المثل والحكمة الشائعة، فلا استغراب من كون الشرقيّ كذلك، ومن عنده تُشرق شمس الوجود على دنيا الناس. وأين الشرق من الغرب؟ وأين “حكمة الإشراق” من “الغربة الغربيّة”[5].

ورغم كل ما قيل ويقال، لا بد من التنبّه إلى أن ردود فعل العامّة التي أوقعت قتلى وجرحى، لم تخدم أبدًا موقف المسلمين؛ فالغالبيّة الساحقة لضحايا الاحتجاجات والاستنكارات هي من المسلمين المنددين. زوابع في فناجين.

لقد كان الأجدى أن يُترك للسلطة التي تمثل الأفراد وهي المسؤولة عنهم وواجبها الدفاع عنهم أمام أي اعتداء خارجيّ، أن يُترك لها تقدير طريقة التعامل مع الموقف، وفق معاييرها للحفاظ على صورة الدين والثقافة، ووفق قواعد مصلحة الدولة وعلاقاتها الأمميّة، وتعقيدات البروتكولات الدبلوماسيّة. ولعلّ غياب السلطة في الشرق عن هموم الشعوب، وعدم ثقة هؤلاء بالسلطة[6] سببٌ إضافيٌّ لعدم انضباط الشارع وخوض العامة في ما لا يفيد.

والأسوء من هذا الغياب، مسارعة بعض الأجهزة إلى استغلال هذه المواقف من أجل حسابات خاصّة لا تمت إلى مشاعر الشعوب بصلةٍ، ولا لتوقير الهويّة الدينيّة والثقافيّة بوُصْلة.

هل الغرب يسعى لفهم الشرق؟
لا بد أن نحفظ للغرب الدور الذي أدّاه في حركة التعرف على ثقافة الشرق، ما عرف تحت عنوان الاستشراق. في وقت كان الشرق ولا يزال متلهيًا عن هموم الثقافة بهموم العيش والصراع على السلطة وتقاسمها.

فحفظت مكتبات الغرب عيونًا من مخطوطات التراث الشرقي عامة والعربي خاصة. مخطوطات كان العديد منها ليضيع أو يندثر لولا جهد المستشرقين، كما أن عددًا من علماء المستشرقين لمع وأجاد وتعمق في قراءة الثقافة الشرقية فاستفاد وأفاد وأسهم وخدم الثقافة بما لم يخدمها به بعض أبنائها.

ولسنا بصدد محاكمة النوايا، لنناقش من يقول إنهم فعلوا ذلك بهدف خدمة الاستعمار أو تشويه الإسلام.

غير أنّ ما وصل اليوم من الصورة العامّة للشرق في الغرب لا يسرُّ، ولا سيّما المثقّف الشرقيّ عند ذلك المنظّر الغربيّ، ففي الغرب بات المثقف الشرقي مقسومًا إلى معسكرين:

الأول: مستلب بالثقافة الغربية ومواكب لها. يسهل التواصل معه لكنه لا ينقل صورة المجتمع الشرقي ولا ينتمي إلى تارخه فضلاً عن حاضره.

والثاني: معادٍ رديكالي. لا يمكن التواصل معه، وهو الصورة النقية للمجتمع الشرقي؛ ولا سيّما الشطر الإسلاميّ منه.

والحق أن الغرب سيبقى قاصرًا عن فهم المجتمع الشرقي إذا لم يتواصل مع مثقفين لبراليين دون اغتراب، ومحافظين دون جمود؛ عنيتُ أولئك الذين يمثلّون الوسط الذهبيّ بين طرفي الإفراط والتفريط، وهو الوسط السقراطيّ والبوديّ والتاويّ والمسيحيّ فضلاً عن الوسطيّة في الثقافة الإسلاميّة.

من هو المثقّف؟
لطالما طرحتُ هذا السؤال في محافل الفكر وندوات الحوار من أجل وضع رسم تقريبيّ يحدّد المثقّف من وجهة نظر موضوعيّة تساهم في تلوين المشهد الثقافيّ بين معسكري الشرق والغرب.

وعندي أن المثقّف هو ذلك الشخص الذي أخذ من كل تلافيف الثقافات وتضاعيفها، المتاحة له والمتداخلة أو المتلاحمة مع معارفه بحيث بإمكانه أن يجمع قطع البزل (puzzle) المتناثرة بين عامّة الثقافات فيرى المشهد الثقافيّ من فوق قمّة الجبل، لا من لحف أسفل الوادي حيث تختلط آسنة السيول بهشيم العصف المأكول.

بقي أن أعترف هنا بنقد ذاتيّ فيما يخصّ المثقّف الدينيّ بصورة خاصّة، ذلك المثقّف الذي كان يُعَدّ طليعيًّا في القرون الوسطى لما كان يتمتّع به من اطّلاع واسع على معارف زمانه، بينما بات اليوم متأخّرًا عن أقلّ مثقّف عامّ في المجتمع بسبب تراجع أداء المؤسسات التعليميّة الدينيّة تراجعًا حادًّا متقهقرًا.

المسلمون في الغرب[7]:
إنني أدعو أن يكون المسلمون في الغرب مندمجين في مجتمعاتهم على أساس المواطنة من غير تمييز بين مواطنين ورعايا أو مواطنين من الدرجة الثانية.

إن فكرة الاندماج تظهر خطيرة جدًّا في الفكر الكلاسيكي للفقه التقليدي بحجة الحفاظ على الهويّة.

وعندي أن الهويّة حجاب الأنويّة كما أن الشخصيّة حجاب الهويّة، ويكفي أن يكون الشخص محتفظًا بذاكرته الجمعيّة ثمّ لا بأس باندماجه في مجتمعه على الأساس المنوّه به؛ وهو المواطنة.

فليس للمسلم المقيم في الغرب أن يطرح وشروعه الخاصّ على مجتمعه، محاولاً أسلمة الكون، وهو الهمّ الذي يحمله المسلم بإيحاء علماء الفقه والفتوى التقليديّين. وليت شعري لم يقيم المسلم في مجتمع غربيّ مستفيدًا بامتيازات اللاجئ السياسيّ أو المواطن، ثمّ مستعدًّا للثورة عليه باسم الدين، أو الصحيح باسم الأدلجة الدينيّة.

المهمّ عندي حفظ الذاكرة الجماعيّة لكلّ ثقافة إنسانيّة لما في ذلك من إضفاء الألوان الزاهية الباهيّة على لوحة الوجود الكونيّ أو على حدّ تعبير شيخ شيخنا: تناغم السمفونية الكونيّة.

وإذا كان لنا من موقف من الحداثة وما بعد الحداثة، فأختصره في تخوّفي من ضياع أجزاء من الذاكرة الإنسانية الشاملة الكونيّة، ممّا يضطر الأجيال المقبلة إلى فكّ أحاجي تلك الثقافة المفقودة أو المفتقدة بعد عدّة قرون على حدّ تفكيك أحاجي الهروغليفيّة والمسمارية.

الدين وسيلة اتصال:
الدين؛ ذلك الظاهرة الحيّة الفاعلة والمتفاعلة في المجتمع الإنسانيّ بدءًا من عصر ما قبل التاريخ إلى يوم أن كان الدين سبب اجتماع على الخير العامّ والروح الخالدة.

لعلّ من أكثر المشاكل المنهجية التي تعتري الباحث في الثقافة الشرقيّة عامّة هو تحديد المفاهيم الاصطلاحية، أو الأفهومات الموضوعية للعناوين ذات الصلة.

إن فوضى المفاهيم جرّ إلى سوء تفاهم والتباس حادّ بين أصحاب الثقافة الواحدة في هذا الشرق. ولعلّ الثقافة الإسلاميّة تُعَدّ من أكثر تلك الثقافات اختلاطًا للمفاهيم على أساس منهجيّ واضح؛ فيضيع المفهوم الواحد بين مشترك لفظيّ إلى جدل فقهيّ أو كلاميّ (لاهوتيّ) إلى اضطراب اصطلاحيّ (تخصّصيّ = تِقْنيّ).

وإذا أردتُ أن أستعيرَ تعريفًا للدين من خلال خبرة شيخنا الذاتية؛ فإنني سأقول: بأنّ الدين هو تجربة روحانية للكائن بمعناه المقيّد في علاقته مع الكائن بمعناه المطلق[8].

وهذه العلائقيّة الجدليّة تحدّد طبيعة الموقف من “الأنا” و”الأنت” وهما مع “الآخر”.

وبهذا يغدو الدين أرحب مساحة، ومساحة أرحب للالتقاء بين “الأنا” و”الأنت” و”الآخر” بما يحقّق وحدة الكثرة أو وحدة التنوّع.

إنّ المحاولات الدائبة عند أصحاب الهويّات القاتلة لتثبيت “الأنا” و”الأنويّة”، دفعتهم إلى تحويل الدين من الوسط الساذج البسيط كتجربة روحية، وأنظومة مجتمعية، إلى إيدولوجيا متطرّفة لا يمكن إلاّ أن تتشظّى في اتّجاهات دائرية، تبدأ من المركز، وتنتهي إلى الأطراف. أو على حدّ التعبير القرآنيّ “لا تبقي ولا تذر”.

التصوّف عصارة عرفانيّة: ل
لقد آن أوان عودة العرفان الصوفيّ الذي يمثّله الكبار الكبار، من أمثال: البسطاميّ وحمدون القصّار والحلاّج وعين القضاة والشهاب السهروردي، المعروف بالشهيد، إلى الحكيم سنائي وفريد الدين العطّار وحضرت مولانا جلال الدين الرومي والشيرازيّين سعدي وحافظ، فضلاً عن ابن عربي وابن سبعين والشُشْتَري والنَسيمي والشِبِسْتَري ونعمة الله وليّ وشمس الشموس الداغستاني.

لا أريد أن أترجم لأحد من هؤلاء في آخرين وآخرين، وإنّما أريد الإلماع إلى ضرورة عودة التصوّف العرفانيّ القائم على اختبار تجربة الآخر واختمارها في وعي الفرد الكونيّ على حدّ ما جاء في كلام ابن عربي:

لقد كنت قبل اليوم أُنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

وقد صار قلبي قابلاً كل صـورة فمرعًى لغزلان وديـر لرهبان

وبيت لأوثان وكـعبة ُ طـائف وألواح توراة ومصحف قرءان

أدين بدين الحـبّ أنّى توجّهت ركـائبه فالحبّ ديني و إيماني

————————————————————————

(1) هذا الكلام الخارج من مَعين جدّنا أمير المؤمنين يتلاقى مع وصية بوذا الأكبر حيث يقول: “كونوا مشعال أنفسكم”.

(2) يُسجّل لابن مسكويه سبق في شرح مضامين هذه الفكرة، من خلال رسالته الموسومة “في اللذة والألم”، مقارنةً مع الإبيقورية وبعض المذاهب الفلسفية المتأخّرة.

(3) ودعك هنا من أفكار مكيافللي وهوبس، فالإنسان آنية إلهيّة مملؤة بخمرة الأبد، وليس الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان.

(4) وهي القاعدة التي تلاقى فيها قول يسوع الصالح مع قول محمد بن عبد الله، لتتأكّد وَحدة النبعة بين الديانتين؛ كما وحدة الهدف بين التعليمين.

(5) يقارن في المسيحية والإسلام معنى الكلمة الأزلية والكلمة القرآنية.

(6) “حكمة الإشراق” و”الغربة الغربية” اسمان لكتابين من تأليف شيخ الإشراق السهروردي، المعروف بالشهيد. الذي قُتل ظلمًا بأمر السلطان صلاح الدين الأيوبي.

(7) آثرنا استعمال مصطلح “سلطة” بدل مصطلح “نظام” أو مصطلح “دولة”. ولا شكّ أن فوارق الاصطلاحات تحدّد سبب ما آثرناه.

(8) للتوصّل إلى سبك متماسك لمفهوم الاغتراب المزدوج، وهو اغتراب المثقف الحقيقيّ أو العارف المرشد (الغورو) بلغة المتصوّفة، ينبغي الوقوف على نصوص هيرقلطس وشلر وهيغل.

(9) لتوسّع في هذا المفهوم والوقوف على نظرة متكاملة في هذا المبحث الهامّ، يراجع كتاب شيخنا العلاّمة عبد الرحمن الحلو “مرآة المثنوي”.

نبذة عن الكاتب
الشيخ ابراهيم محمد رمضان
الإجازة العالية في الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة بجامعة بيروت الإسلامية
دبلوم في الفقه المقارن من كلية الشريعة بجامعة بيروت الإسلامية.
حاصل على إجازات علمية من العديد من مشايخ الفقه والحديث والأصول واللغة وسائر الفنون الإسلامية من لبنان وسورية والحجاز ومصر والهند
عضو مؤسس لجمعية مركز بيروت للدراسات والتوثيق
محاضر في الجامعة الأنطونية في مادة الموسيقى الإسلامية منذ العام 2003 وحتى العام 2005
من مؤلفاته المطبوعة: كتاب “التبيان في أحكام الموسيقى والألحان” الصادر عن مركز بيروت
لديه العديد من المقالات في الصحف المحلية ووالصحف الأجنبية حول الاسلام.

المصدر: موقع Heinrich Boell Foundation

(Visited 32 times, 1 visits today)

عن حوارات

شاهد أيضاً

جَدليّة الافتراق والاجتماع في الزوَايا الصُوفيّة: نظرة سُوسيُوأنتروبُولوجيّة

 عندما يكُون التّرَاث الإنسانيّ عامّة والصُّوفيّ تحديدًا، مَبْحثا فكريّا يَسْتثِيرُ العُقول، وحينمَا تكُون الطّرُق الصُوفيّة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Kyplex Cloud Security Seal - Click for Verification